المولد النبوي: نحو صفاء الاحتفال واستعادة الرسالة
قراءة في مسار الفرح، كيف نبقي المعنى ونزيل ما يبعد عن القصد/ عزالدين صمبة
المولد النبوي: نحو صفاء الاحتفال واستعادة الرسالة
قراءة في مسار الفرح، كيف نبقي المعنى ونزيل ما يبعد عن القصد
بقلم: عزالدين صمبة
حين يجيء شهر ربيع الأول، وتعود إلى الذاكرة قصة الميلاد الذي أشرق في سماء الإنسانية، لا ينبغي أن تكون أول أسئلتنا: كيف نحتفل؟ وكم نزين؟ وماذا نعد من مظاهر الفرح؟ وإنما الأجدر أن نستحضر أولا من هو الذي نذكر ميلاده؛ فإننا لا نستعيد مولد رجل من عظماء التاريخ، وإنما نقف عند ميلاد رسول أرسله الله رحمة للعالمين، وأخرج به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية، وأقام به ميزان الحق، وجمع به بعد الشتات، وألّف به بين القلوب، وربط بين عبادة الله وإعمار الأرض وصيانة كرامة الإنسان.
وما أحوجنا، ونحن نذكر مولده ﷺ، إلى أن يكون فرحنا على قدر عظمة صاحب الذكرى؛ فرحا لا يضيق بالعلم، ولا يستثقل السيرة، ولا ينفصل عن القرآن، ولا يناقض الأخلاق، ولا يتحول إلى خصومة مع المخالف، ولا يجعل من المظهر غاية تنتهي بانتهاء ليلة أو موسم، وإنما يجعل من الذكرى بداية معرفة، ومن المعرفة محبة، ومن المحبة اقتداء، ومن الاقتداء خلقا وسلوكا.
ومن هنا فإن الحديث عن المولد لا ينبغي أن يحبسنا في ثنائية ضيقة: مع الاحتفال أو ضد الاحتفال؛ فهذه المسألة لها تاريخها وخلافها الفقهي المعروف، لكن وراءها سؤالا آخر أكثر التصاقا بحاجتنا اليوم؛ إذا كان بعض المسلمين يحتفلون فرحا برسول الله ﷺ، فكيف نصوغ هذا الفرح صياغة تحفظ جماله، وتزيل عنه ما ليس منه، وتمنع بعض المظاهر من أن تصبح حجابا بين الناس وبين صاحب الذكرى؟
إنها دعوة إلى صفاء الفرح، لا إلى إلغاء الفرح؛ وإلى تنقية المناسبة، لا إلى محوها؛ حتى يصبح المولد جسرا يعبر عليه الناس إلى معرفة رسول الله ﷺ، لا ساحة يتوقفون عندها في جدل لا ينتهي.
أولا: من ذكر المولد إلى الاحتفال به… كيف بدأت الحكاية؟
إن قراءة تاريخ المولد تحتاج إلى شيء من التثبت؛ إذ ليس من الدقة أن نتصور أن الاحتفال اتخذ منذ البداية صورة واحدة، ثم ظل على حاله، وإنما مر عبر أزمنة وبيئات متعددة، واختلفت أشكاله باختلاف البلاد والسلطات والعادات والثقافات.
فميلاد النبي ﷺ كان حاضرا منذ القرون الأولى في السيرة والشمائل والمغازي والمدائح، وكان المسلمون يتناقلون أخبار مولده ونشأته وصفاته وسيرته، وظهرت مؤلفات خاصة في المولد قبل أن يستقر الاحتفال العام في صورته المعروفة في بعض البلاد.
وبعبارة أخرى، كان المولد في بدايات حضوره الثقافي علما يروى، وسيرة تقرأ، ومحبة تستقر في القلوب، قبل أن يصبح احتفالا له مشاهد ومراسم.
ثم ظهرت في بعض البيئات الإسلامية صور من الاحتفاء العام بالمولد، وتذكر المصادر مظاهر لذلك في مصر الفاطمية، ثم تطورت صور الاحتفال في المشرق، حتى ارتبط الاحتفال الكبير في إربل في عهد مظفر الدين كوكبوري، في أواخر القرن السادس وبدايات السابع الهجري، بمجالس للوعظ والسيرة والإنشاد وإطعام الطعام والعطايا ومظاهر الفرح العام.
وفي هذه المرحلة بدأ التحول المهم؛ حيث خرجت الذكرى من حدود المجلس إلى الفضاء العام.
وكان في ذلك خير كثير حين كانت المجالس عامرة بالسيرة والقرآن الكريم والوعظ والصدقة، غير أن اتساع المناسبة حمل معه بطبيعة الحال عناصر أخرى من ثقافة المجتمع، لأن كل مناسبة حين تنتقل من دائرة العلم إلى دائرة المجتمع الواسع تبدأ في اكتساب ألوان البيئة التي تحتضنها.
ثم انتقل الاحتفاء بالمولد إلى الغرب الإسلامي، وكان للمغرب خصوصا تاريخ طويل مع المولد؛ فارتبط في بعض مراحله بالعلماء، والمدائح النبوية، ومجالس الذكر، ثم اتخذ مع الزمن صورة ثقافية واجتماعية راسخة، حتى أصبح جزءا من الذاكرة الدينية والاجتماعية في البلاد.
وهكذا لم يعد للمولد شكل واحد؛ بل صار لكل بلد لونه، ولكل عصر لغته، ولكل مجتمع طريقته في التعبير عن الفرح.
وهنا تبدأ المرحلة التي تهمنا أكثر: ماذا يحدث حين تتعدد الأشكال، ويصبح بعضها أقرب إلى جوهر الرسالة، وبعضها أبعد عنها؟
ثانيا: الفرح مشروع، لكن المظهر ليس مقدسا
الفرح بالنبي ﷺ شيء، والصورة التي يعبر بها الإنسان عن هذا الفرح شيء آخر؛ والطعام شيء، والإسراف شيء آخر؛ والشعر شيء، وما قد يعتري بعض الإنشاد من تجاوز شيء آخر؛ والاجتماع شيء، وما قد يصاحبه من مخالفات شيء آخر.
ومن هنا يكون النقد العاقل قائما على التمييز لا على التعميم.
فقد يكون في الاحتفال قرآن وسيرة ومديح وصدقة وإطعام وصلة رحم، وهذه معان عظيمة في نفسها؛ وقد يختلط بها في بعض البيئات إسراف أو مباهاة أو ضجيج أو ممارسات لا تليق بحرمة المناسبة ولا بمقام المسجد ولا بأدب المحبة.
وهنا بالذات ينبغي أن نكون أكثر شجاعة في النقد؛ لأن محبة النبي ﷺ لا تعني الدفاع عن كل ما يفعله الناس باسم محبته. بل إن المحبة الصادقة قد تقتضي منا أن نراجع طريقتنا في التعبير عنها.
فليست القضية أن نطفئ الفرح، وإنما أن نعيد توجيهه؛ فالمظهر الذي يقود إلى السيرة جمال، والمظهر الذي يحجب السيرة عبء، وما نحتاج إليه ليس إلغاء الاحتفال، وإنما تحريره مما يبعده عن الحق.
ثالثا: حين يصبح المظهر أسرع من المعنى
المعنى يحتاج إلى قراءة وتأمل وفهم؛ أما المظهر فتلتقطه العين في لحظة.
قد يجلس إنسان ساعتين في مجلس سيرة، فيستمع إلى حديث عن رحمته ﷺ، وعدله، وتواضعه، وصبره، وعفوه، وحسن معاملته للناس، لكن مظهرا واحدا غير منضبط قد يختصر عند بعض المنتقدين المناسبة كلها. وهنا تكمن خطورة الأمر.
فحين يشاهد الناقد إسرافا، أو مباهاة، أو مخالفة شرعية، أو ما لا يليق، قد لا يقول: «هذا مظهر ينبغي إصلاحه»، بل قد ينتقل مباشرة إلى حكم أوسع: هذه المناسبة كلها مرفوضة.
ولا شك أن هذا التعميم قد لا يكون منصفا، لكن علينا في الوقت نفسه ألا نتجاهل مسؤوليتنا نحن؛ لأننا حين نقدم صورة مضطربة للاحتفال، فإننا نمنح من يريد نقد المناسبة مادة جاهزة، ثم نتساءل لماذا اشتد النقد.
رابعا: من تاريخ الاحتفال إلى تاريخ الأولويات
ليست المشكلة في أن نحتفل، وإنما في ما الذي نضعه في مقدمة الاحتفال.
إذا اجتمع الناس في المولد، فليكن أول ما يجمعهم القرآن الكريم ؛ وإذا تحدثوا عن النبي ﷺ، فليكن الحديث عنه حديث معرفة لا مجرد ترديد؛ وإذا أنشدوا في محبته، فليكن الإنشاد باعثا على الاقتداء؛ وإذا أطعموا الناس، فليتذكروا أن الفرح بالنبي ﷺ ينبغي أن يصل إلى الفقير كما يصل إلى القادر؛ وإذا اجتمع الأطفال، فليخرجوا من المجلس وهم يعرفون شيئا جديدا عن أخلاقه ﷺ. فكلما تقدمت السيرة والعلم والقرآن والأخلاق والرحمة، تراجعت المظاهر إلى مكانها الطبيعي: وسائل جميلة تخدم المعنى، لا غايات تستبد به.
وعندئذ يمكن للمولد أن يتحول من يوم ينتهي بانتهاء الاحتفال إلى موسم تربوي يمتد أثره في الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع.
خامسا: لا نريد إلغاء المظاهر، بل إعادة وضعها في مكانها
لا ندعو إلى طمس مظاهر الفرح بالمولد، ولا إلى تجفيفه من كل ما ألفه الناس من اجتماع وزينة ومدائح وإطعام، وإنما ندعو إلى رد هذه المظاهر إلى موضعها، وأن تكون خادمة للمقصد لا حائلة دونه. فالفرح مباح ما لم يجاوز حده، واجتماع الناس على الخير من أسباب الألفة، وإطعام الطعام من مكارم العادات، والمدائح إذا سلمت من الغلو ومجانبة الأدب، كانت من وجوه التعبير عن المحبة.
إنما البلاء أن تنقلب الوسائل مقاصد، فيغدو التنافس في الزينة أشهر من معاني السيرة، والإسراف في الطعام أظهر من إكرام الضيف، ويعلو صوت الإنشاد على صوت الهداية، ويصير الاجتماع مظنة للخصومة بدل أن يكون سببا للألفة. فالمعتبر ليس كثرة المظاهر، وإنما ما تؤديه من خدمة للمعنى وإحياء للمحبة والاقتداء.
سادسا: حين يكون الاختلاف الفقهي أضيق من المحبة
من المؤسف أن تنقلب ذكرى المولد، وهي مناسبة لفتح أبواب الحديث عن رسول الله ﷺ وسيرته وشمائله، إلى ميدان لتجديد الخصومة بين المسلمين؛ فيرى المحتفل أن غير المحتفل قد حرم خيرا، ويرى الآخر أن المحتفل قد ابتدع في الدين، ثم يتجاوز الخلاف في الحكم إلى الطعن في الأشخاص والنيات، حتى يغيب عن الجميع أدب الاختلاف، وينسى الفريقان أن مدار الحديث هو رسول الله ﷺ.
فالمسائل الشرعية لها أحكامها، والخلاف فيها مرده إلى العلم والدليل، ولكن لا ينبغي أن يتحول اختلاف الاجتهاد إلى خصومة في المحبة. فليحفظ كل فريق للآخر أدبه، ولنجعل ما بيننا من المشتركات أوسع من أن يبتلعه الخلاف. فكلنا إلى رسول الله ﷺ أحوج، وإلى سيرته وأخلاقه ورحمته وهديه أحوج. وليس أعظم نجاح للمولد أن ينتصر فيه رأي على رأي، وإنما أن نخرج منه بقلوب أشد محبة للنبي ﷺ، وعقول أعمق معرفة بسيرته، ونفوس أصدق اقتداء به.
خاتمة : من الحاجز إلى الجسر
هنا تتبين الغاية من هذه القراءة كلها؛ أن نجعل مظاهر المولد جسورا إلى السيرة، لا حواجز عنها، وأن نحسن توجيه الفرح حتى يفضي إلى المحبة والاقتداء. فالطفل الذي يجذبه الفرح يمكن أن نفتح له باب السيرة، والشاب الذي يستمع إلى المدائح يمكن أن نعرفه بشمائل المصطفى ﷺ، والأسرة التي تجتمع يمكن أن تجمع إلى فرحها قراءة سيرته، والمسجد الذي تزين أرجاؤه يمكن أن تعمر بالقرآن والذكر والسيرة. هكذا نرتفع من فرح الظاهر إلى فرح القلب، ومن كثرة الأضواء إلى زيادة النور، ومن ارتفاع الأصوات إلى رفعة الأخلاق.
وغاية ما نرجوه أن يزداد سواد المحبين لرسول الله ﷺ، لا أن يكثر سواد المتخاصمين حول المولد. فليس الظفر أن نغلب مخالفا في الجدل، وإنما الظفر أن نفتح له بابا إلى سيرة النبي ﷺ وشمائله وقرآنه وهديه، حتى يخرج من المناسبة وقد عرف النبي محمد ﷺ أكثر مما كان يعرف، وازدادت صلته به ومحبتُه له واقتداؤه بأخلاقه.
فما كان من المظاهر خادما للمقصد فليحسن، وما كان صارفا عنه أو مشوبا بالمخالفة فتركه أولى. فليس كل ما جرى به العرف جزءا من المقصد، ولا كل ما شاع في الاحتفال حقيقا بالبقاء؛ إذ تتبدل العادات والمظاهر، ويبقى المقصد النبيل: محبة رسول الله ﷺ، ومعرفته، والاقتداء به، وإحياء أخلاقه في الناس.
ولعل أجمل ما نختم به أن نسأل أنفسنا: ماذا بقي من سيدنا محمد ﷺ فينا بعد انقضاء الذكرى؟ فإن بقيت الرحمة، والصدق، والعفو، وحسن الخلق، فقد بقي من هديه شيء.
اللهم اجعل ذكرى نبيك ﷺ فرحا يجمع القلوب، ونورا يهديها، ومحبة تثمر اقتداء، واجعلنا جميعا من أهل سنته وخلقه ورحمته.