موقف المسلمين من السنن الربانية في نظر صاحب المنار (4)جهود المنار في بيان سنة الله في إهلاك الأمم
للدكتور رمضان خميس
موقف المسلمين من السنن الربانية في نظر صاحب المنار(4)
جهود المنار في بيان سنة الله في إهلاك الأمم
الدكتور رمضان خميس
يرى صاحب المنار أن المسلمين عامة، والمفسرين خاصة وهم القيادة الفكرية مع نظرائهم من العلماء للأمة الإسلامية قصروا تقصيرا بينا في تفهمهم وإفادتهم من علم السنن، وأن غيرهم سبقهم في هذا الميدان سبقا بعيدا، ولعل السبب في ذلك أن هذا العلم كتب في فترة تدني المسلمين وانحطاطهم وذهاب دولتهم، ويعجب لم لا يفيد المسلمون من هذا العلم وهم الذين أسسوه على يد مثل ابن خلدون، وأن القرآن الكريم دعاهم إلى الإفادة منه دعوة صحيحة صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض؟!
فيقول في تفسير قوله تعالى: *وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون*، (ثم إن هذه الآية وما في معناها من الآيات -كآية هود- من قواعد علم الاجتماع البشري الذي لا يزال في طور الوضع والتدوين؛ وهو العلم بسنن الله تعالى في قوة الأمم والشعوب وضعفها، وعزها وذلها، وغناها وفقرها، وبداوتها وحضارتها، وأعمالها، ونحو ذلك.
وفائدة هذا العلم في الأمم كفائدة علم النحو والبيان في حفظ اللغة، وفي القرآن الحكيم أهم قواعده وأصوله وقد سبق بعض الحكماء المسلمين إلى بيان بعضها، وبدأ ابن خلدون بجعله علما مدونا يرتقي بالتدريج كغيره من العلوم والفنون، ولكن استفاد غير المسلمين بما كتبه في ذلك وبنوا عليه ووسعوه فكان من العلوم التي سادوا بها على المسلمين الذين لم يستفيدوا منه كما كان يجب ؛ لأنه كتب في طور تدنيهم وانحطاطهم، بل لم يستفيدوا من هداية القرآن العليا في إقامة أمر ملكهم وحضارتهم على ما أرشدهم إليه من القواعد وسنن الله تعالى فيمن قبلهم. ولا يزالون معرضين عن هذا الرشد والهداية على شدة حاجتهم إليها بسبب ما وصل إليه تنازع البقاء بين الأمم في هذا العصر، وإنا نرى بعضهم يعزي نفسه عن ضعف أمته ويعتذر عن تقصيرها بالقدر الذي يفهمه مقلوبا بمعنى الجبر أو يسلبها بأن هذا من علامات الساعة وارتكس بعضهم في حمأة جهله بالإسلام حتى ارتدوا عنه سرا أو جهرا زاعمين أن تعاليمه هي التي أضعفتهم وأضاعت عليهم ملكهم، والتمسوا هداية غير هدايته ليقيموا بها دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين).
والسبب في بعد المسلمين كذلك عن التقدم وريادة العالم – فينظر صاحب المنار فهمهم المقلوب لبعض معاني الإسلام فيعزي الفرد نفسه عن ذلك بالجبر والفهم الخاطئ لأحاديث الساعة وزمان الفتن.
علم السنن بين المسلمين والغرب
يقارن صاحب المنار بين المسلمين وغيرهم في إفادتهم من علم السنن ويبين أن هذه السنن ماضية لا تتخلف ولا تتأجل، سواء عرف الآخذون بها مصدرها ومسيرها أم لم يعرفوا، وأنه لو استوى شعبان في الأخذ بهذه السنن وافترقوا في الإيمان بالله -تعالى- فأكثرهم فائدة من السنن أقربهم إلى الإيمان بالله، (فربما ترى قوما يدعون الإيمان بالله ورسله كلهم أو بعضهم، يعتمدون في قضاء حاجتهم من شفاء مرض وسعة رزق ونصر على عدو وغير ذلك، على التوسل ببعض الأنبياء والصالحين وذبح النذور لهم ودعائهم والطواف بقبورهم والتمسح بها، وتجد آخرين ليس لهم مثل اعتقادهم وعملهم هذا وهم أحسن منهم صحة، وأوسع رزقا وأعز ملكا، وإذا قاتلوهم ينتصرون عليهم ويسودونهم، وسبب ذلك أنهم يعرفون سنن الله في الأسباب والمسبّبات، وأن الرغائب إنما تنال بالأعمال مع مراعاة تلك السنن، سواء كانوا يعلمون مع ذلك أن الله تعالى رب الخلق هو الخالق والواضع لنظام خلقه بتلك السن، وأنه لا تبديل لسننه، كما أنه لا تبديل لخلقه أم لم يكونوا يعلمون ذلك.
ولو استوى شعبان من الناس في الجري على هذه السن الربانية للاجتماع الإنساني في القوة والضعف والعز والذل والحرية والعبودية، وكان أحدهما مؤمنا بالله مستمسكا بوصاياه وهداية دينه، والآخر كافرا به غير مهتد بوصاياه، فلا شك في أن المؤمن المهتدي يكون أعز وأسعد في دنياه من الآخر، كما أنه يكون في الآخرة هو الناجي من العذاب، الفائز بالثواب).
حث القرآن على علم الاجتماع
لفت القرآن أنظار المسلمين إلى السير والنظر والتفكر في سير الغابرين ومصارع الهالكين عبرة وعظة، وتدبرا وتفكرا، فقال تعالى داعيا إلى النظر في آثار السابقين وعمرانهم للأرض وموقفهم من الآيات البينات والرسل المؤيدين بها، ومبينا أنه تعالى لم يظلمهم في ذلك ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم من خلال تكذيبهم واستهزائهم بالمرسلين والآيات:
“أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون”
وقال تعالى: “أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا”
وقال تعالى: “أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب”
وقال تعالى: “قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين”، وقال تعالى: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين”
وقال تعالى: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير”
ويرى صاحب المنار أن السياحة والسير في الأرض واجب شرعي، ويعتبر ذلك أصلا من الأصول التي قامت عليها سورة الأنعام، يقول وهو يتناول أصول سورة الأنعام: (الأصل الرابع عشر) النظر في أحوال الأمم وعواقب الأقوام التي كذبت الرسل في أثناء السير في أرضها ورؤية آثارها وسماع أخبارها كما بينا ذلك في تفسير الآية التي استدللنا بها آنفا على الأصل السابق وهي “قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين”.
وهذا النظر والاعتبار لا خلاف بين العلماء في وجوبه شرعا، وكونه مطلوبا لذاته ومقصودا من السياحة والسير في الأرض، وإنما اختلفوا في السفر نفسه إذا لم يقصد به ذلك…..
وقد نبهت آية آل عمران إلى أصل من أعظم أصول العلم التي تستفاد من السياحة واختبار أحوال الأمم، وهو العلم بسن الله في شئون البشر العامة، المعبر عنه في هذا العصر بعلم الاجتماع وهي: “قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا”
ونبهت آية العنكبوت إلى أصل آخر وهو البحث فيما يتعلق ببدء الخلق من الآثار؛ ليكون من فوائده قياس النشأة الآخرة على النشأة الأولى وذلك قوله تعالى: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق”
ونبهت الآية الأولى من آيتي سورة الروم إلى النظر في أحوال الأمم وآثارها الخاصة بالقوة الحربية وموارد الثروة الزراعية وسائر شئون العمران، وكيف كان عاقبة ذلك وأسبابه، ليعلم أن القوة والثروة لا تحول دون هلاك الأمة إذا استحقت ذلك بالظلم وكفر النعمة وهي “أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها”.
وفي معناها آية فاطر وهي خاصة بمسألة القوة، ولكنها جاءت بعد بيان سنة الله في الأولين، وأن سنن الله لا تبديل لها ولا تحويل، فهي ترشد بموقعها إلى البحث عن تلك السن. وفي معناها آيتا سورة غافر فهما ترشدان إلى الاعتبار بقوة الأمم وآثارها في الأرض، فتزيد على ما قبلها الإرشاد إلى الاستفادة من صناعات الأولين وطرق كسبهم، والاعتبار بكونها لم تكن واقية لهم مع قوتهم الحربية من عذاب الله إياهم بذنوبهم وكفرهم.
وقد ذكرنا هذه الأمهات من أصول علوم الاجتماع والعمران على سبيل الاستطراد اختصارا، وهو كاف لتذكير مسلمي هذا العصر بأن القرآن قد أرشد البشر إلى جميع وسائل سعادة الأمم والأفراد في أمري المعاش والمعاد.
“من كتاب سنن الله في إهلاك الأمم دراسة في تفسير المنار”