منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القيادة السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم

القيادة السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم/الأستاذة حسنية الهلالي

0

القيادة السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم

بقلم: الأستاذة حسنية الهلالي

مقدمة

كانت الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية غارقة في أوحال الفتن وعبادة الأصنام وانتشار الظلم والفساد الأخلاقي، والسياسي، والاقتصادي والاجتماعي حتى أذن الله عز وجل ببزوغ فجر الإسلام وانتشار نوره وإعادة الأمور إلى نصابها.

سياسته صلى الله عليه وسلم في إنشاء الدولة الإسلامية

لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتم بإعادة صياغة الإنسان وتحرير إرادته لطلب وجه الله وذلك من خلال توحيد الله عز وجل وعبادته والخضوع له سبحانه وإرساء دعائم القيم ومكارم الأخلاق والرحمة والمودة بين الناس، فمن أولى واجباته إدراك الواقع الذي يعيشه الناس حتى يعمل على تغييره. فمنذ هجرته إلى المدينة كان أول عمل قام به إنشاء دولة إسلامية تؤمن برسالتها العظيمة، تنشر الإسلام وتعاليمه في جموع الأرض وتحقق الأمن والأمان للناس وذلك من خلال بناء أول مسجد في المدينة المنورة الذي يعتبر عنوان الأمة ورمز انتصارها وأول ركن ظاهر تقوم به دولة الإسلام هو الصلاة، قال الله تعالى:” الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر ولله عاقبة الأمور” [1].

إن إنشاء الدولة يرتكز على ثلاثة أسس مهمة هي الشعب والأرض والسلطة السياسية التي يخضع لها الجميع. فالدولة هي جماعة من الناس يعيشون بصورة دائمة فوق إقليم جغرافي محدد ويخضعون لسلطة سياسية معينة [2].

أما الركن الأول وهو الشعب فقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على إعداده عقديا ونفسيا وعسكريا وهذا حتى يضمن استمرارية الدولة وتطورها وقوتها.

أما الركن الثاني وهو الأرض فلم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل من مكة في بادئ الأمر أرضا للدعوة فغير وجهته نحو المدينة التي كان قد هيأها لذلك في بيعة العقبة الأولى والثانية التي قال فيها صلى الله عليه وسلم:” أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ” [3] فبايعوه على ذلك، وعندها أحس النبي صلى الله عليه وسلم أنه يمكن أن يجعل من المدينة القاعدة الأمنية التي ينطلق منها لتحرير الأرض من الشرك وعبادة الأوثان وبمجرد حلوله بها بادر إلى ربط علاقات قوية بين أفرادها من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ليشكلوا بعد ذلك قوة بشرية ودعامة أساسية لقيام الدولة.

أما الركن الثالث فيتمثل في وضع دستور جديد للدولة بمثابة معاهدة نظم فيها العلاقات بين عناصر المجتمع الجديد الذي كان يضم جميع سكان المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود وغيرهم وهذا الدستور هو ما كان يعرف باسم وثيقة المدينة أو كتاب الموادعة وهي من أهم الوثائق السياسية في تاريخ الإسلام، والتي من خلالها عاهد النبي صلى الله عليه وسلم على السلم عند قدومه المدينة ووادع فيها اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم، لكنهم نقضوا العهد فحاربهم المسلمون.

السياسة الداخلية

لقد واجهت النبي صلى الله عليه وسلم عقبات كثيرة منذ دخوله المدينة وذلك بفقد عبد الله بن أبي بن سلول إمكانية تزعم المدينة بعد دخول الأوس والخزرج في الإسلام فأصبح هو وبعض المنافقين يشكلون معارضة داخلية دفينة ومبطنة وكانوا نقطة ضعف في المجتمع الجديد حيث شكلوا ثلث جيش المسلمين الذي حين خرج إلى غزوة أحد تخلوا عنه وهو في طريقه إلى المعركة. أيضا كان من بين السكان عدد مهم من اليهود الذين لم يتوانوا عن خلق الفتنة والاضطرابات حتى أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة نهائيا، ومن سياسته الحكيمة حسن تصرفه إزاء وجود المنافقين بين المهاجرين والأنصار ومقدرتهم على إشعال نار الفتنة والفوضى وكان هذا يؤدي إلى وقوع حوادث وفتن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي عليها في مهدها ويوظفها في مصلحة المسلمين وتقوية رابطتهم.

وحسن التصرف يتجلى أكثر ما يتجلى في السياسة الداخلية وهو الذي أمن الاستقرار الداخلي للدولة الناشئة.

موقفه صلى الله عليه وسلم من أبي سفيان أكبر أعدائه قبل الإسلام: “من يدخل دار أبي سفيان فهو آمن” وهذا ما جعل أبا سفيان يخرج في جيش المسلمين مقاتلا بعد أن كان قائد قوات المشركين.

موقفه صلى الله عليه وسلم من سعد بن عبادة وذلك يوم فتح مكة حين قال:” اليوم يوم الملحمة فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن أخذ منه الراية أعطاها لابنه درءا للفتنة واحتياطا من تهور سعد، وهذا منتهى الحكمة السياسية للنبي فقد أخذ الراية من أنصاري وأعطاها لابنه تجنبا لسوء التصرف والإثارة.

ولقد كان صلى الله عليه وسلم يشارك الناس في أفراحهم وأحزانهم فقد كان يفرح بالانتصار والفتوح لما فيه من ظهور الإسلام كما كان يفرح بقدوم غائب طالت غيبته كما في حديث جابر رضي الله عنه قال:” لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة قال رسول الله صلى لله عليه وسلم:” ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر”[4]

كما كان يفرح بتنافس المسلمين على الخير وشد خَلَّةِ المحتاجين وإطعام الفقراء والمعوزين فقد جاء قوم من مُضَرَ وهم محتاجون فحث أصحابه على الصدقة فقال جرير بن عبد الله رضي الله عنه:” … فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَة” [5] وفي رواية لأحمد قال جرير رضي الله عنه:” فَأَشْرَقَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَأَيْتُ الْإِشْرَاقَ فِي وَجْنَتَيْهِ”

السياسة الخارجية

لما بلغ النبي العشرين من عمره، ساهم في تجارب قريش السياسية والعسكرية والدينية لما رأى فيها من الحق والعدل، وأعرض عما فيها من ظلم وإهدار حق وخلق دنيء. فقد اشترك في حرب الفِجَار التي نشبت بين بعض القبائل العربية واشترك في حلف الفضول الذي تم عقده عقب حرب الفجار حيث كانت الدافع الأساسي لعقد هذا الحلف الذي يصفه ابن سعد أنه أشرف حلف كان قط.

فقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم السياسة بمفاهيم مثالية عاش الواقع فتحالف مع المشركين في حلفه مع خزاعة وتعاقد مع اليهود في الصحيفة فلم ينقض عهدا ولم يغدر بعدو ولا صديق. لقد كان من أولوياته السياسية التعامل مع الدول المجاورة وبما أنه كان صاحب رسالة يبلغها إلى الناس كافة فكان عليه أن يستوعب ما يجري في الدول المجاورة ويدعوها إلى الإيمان. فمن بين الاتصالات التي قام بها اتصاله بملك الحبشة النجاشي يدعوه للإسلام ثم لهرقل عظيم الروم والمقوقس عظيم القبط وكسرى ملك الفرس كما أن مصاهرته صلى الله عليه وسلم لشيوخ بعض القبائل كان له الأثر الكبير في تبليغ الدعوة كزواجه من جويرية بنت الحارث وزواجه من صفية بنت حيي حيث كسب قومها من خلال هذا الزواج وبلغهم نور الإسلام كما كان في عهد الحديبية تجل واضح لسياسته مع خصومه وأيضا مع أصحابه وذلك بنهجه واختياره طريقة السلم والتفاوض على غيرها حين يحقق الأهداف. كما أنه ﷺ اعتمد الحرب والقوة حين لا تصلح العهود وتلك قمة الحنكة السياسية، فعند توقيع عهد الصلح لم يدرك الصحابة أهميته لكن لبعد نظره صلى الله عليه وسلم آثر السلم على الحرب وقد تحقق في السلم من انتشار الإسلام وتبليغ الدعوة ما لم يتحقق في الحرب.

خاتمة

بهذه السياسة النبوية الرشيدة وصل نور الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها وعلى نهجه سار الخلفاء الراشدون من بعده مبلغين عنه بالرحمة والحكمة والسداد.


[1] الحج الآية 41

[2] عبد الله عبد الغبي بسيوني النظم السياسية، بيروت، الدار الجامعية بدون رقم وتاريخ

[3] ابن هشام مختصر السيرة الصفحة 89

[4] رواه الحاكم وصححه

[5] رواه مسلم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.