حج أمهات المؤمنين (رضي الله عنهن)||سلسلة حج الصالحين
يعقوب زروق
حج أمهات المؤمنين (رضي الله عنهن)||سلسلة حج الصالحين
بقلم: يعقوب زروق
مقدمة:
رضي الله عن أمهات المؤمنين اللائي اختارهن الله أزواجا لنبيه، صلى الله عليه وسلم، وجعلهن حافظات لسنته، معلمات لها لأمته من بعده. ورضي الله عنهن بما كن سببا في تشريع أحكام النساء في الحج، وكن سببا في التخفيف عن الأمة. ورضي الله عنهن، بما علمن حتى بأخطاؤهن البشرية التي تحولت دروسا عظيمة للناس بما وجه وزكى وعلم الرؤوف الرحيم، صلى الله عليه وسلم.
كيف وقد قال الله في حقهن: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ [الأحزاب: 32].
قال الطاهر ابن عاشور، رحمه الله: “﴿إن اتقيتن﴾ ليس لقصد الاحتراز عن ضد ذلك، وإنما هو إلهاب وتحريض إلى الازدياد من التقوى”.[1]
وقد حججن معه، صلى الله عليه وسلم، وبعده زيادة لهذه التقوى، وفضلا عما في حجهن من الدروس التربوية العظيمة والأحكام الفقهية الجليلة؛ فإنه يظهر جانبا مشرقا من شمائله، صلى الله عليه وسلم، ويجلي عظيم خلقه؛ فقد كان خير الناس لأهله بما كان يحسن معاشرتهن، وبما كان يقابل به أخطاءهن من الحكمة والحلم، صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن.
وأنا خيركم لأهلي ﷺ
حرص النبي، ﷺ، على خروج نسائه كلهن معه في حجة الوداع؛ أداء لفريضة الله أولا، وتعليما لهن وللأمة ثانيا. وكان الخروج في أواخر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة.
وقد وقعت أحداث مهمة في السفر وأثناء أداء المناسك، نأخذ منها دروس التربية والأخلاق، ودروس المحبة والأدب، ودروس الفقه والتشريع.
بداية أستأذن أم المؤمنين صفية، رضي الله عنها، أن أنقل قصتها عن سفر الحج، وأن أقف بين فقراتها لأشير إلى ما فيها من العبر، ولأبين ما أشكل من مفردات.
عن صفية بنت حيي، رضي الله عنها، أن النبي، ﷺ، حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق، نزل رجل، فساق بهن، فأسرع، فقال النبي، ﷺ: «كذاك سوقك بالقوارير» يعني النساء. (قلت: الحادي الذي كان يحدو بالنساء هو أنجشة، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال، رضي الله عنهما، والحداء هو غناء للإبل لتشجيعها على السير، ثم اعجب من رفقه، صلى الله عليه وسلم، بالنساء).
قالت، رضي الله عنها: فبينا هم يسيرون، برك بصفية بنت حيي جملها، وكانت من أحسنهن ظهرا، فبكت. وجاء رسول الله، ﷺ، حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده، (قلت: أية مودة وأية رحمة منه، صلى الله عليه وسلم). وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فلما أكثرت، زبرها وانتهرها، (قلت: هذه صرامة لتعلق أمور الناس بها، إذ الجمع كله سيتأخر). وأمر الناس بالنزول، فنزلوا، ولم يكن يريد أن ينزل.
قالت: فنزلوا، وكان يومي، فلما نزلوا، ضرب خباء النبي، ﷺ، ودخل فيه. قالت: فلم أدر علام أهجم من رسول الله، ﷺ؟ وخشيت أن يكون في نفسه شيء، فانطلقت إلى عائشة، فقلت لها: تعلمين أني لم أكن أبيع يومي من رسول الله، ﷺ، بشيء أبدا، وإني قد وهبت يومي لك على أن ترضي رسول الله، ﷺ، عني. (قلت: هذه فطنة وحكمة منها، رضي الله عنها، تبتغي مرضاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكل شيء، ولو بالتنازل عن حقها لصالح ضرتها عائشة، رضي الله عنها).
قالت: نعم. قال: فأخذت عائشة خمارا لها قد ثردته بزعفران، فرشته بالماء ليذكي ريحه، ثم لبست ثيابها، ثم انطلقت إلى رسول الله، ﷺ، فرفعت طرف الخباء، فقال لها: «ما لك يا عائشة؟ إن هذا ليس بيومك». (قلت: هذا هو العدل). قالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فقال مع أهله، (قال: من القيلولة).
فلما كان عند الرواح، قال لزينب بنت جحش: «يا زينب، أفقري أختك صفية جملا»، (أي أعيريها جملا لتركبه)، وكانت من أكثرهن ظهرا، فقالت: أنا أفقر يهوديتك؟ فغضب النبي، ﷺ، حين سمع ذلك منها، فهجرها، فلم يكلمها حتى قدم مكة وأيام منى في سفره، حتى رجع إلى المدينة، والمحرم وصفر، فلم يأتها، ولم يقسم لها، ويئست منه. (قلت: هذا تأديب قاس؛ لأن الخطأ كان قاسيا أن عيرتها بأصلها وبدينها الذي تركته محبة في الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم).
فلما كان شهر ربيع الأول، دخل عليها، فرأت ظله، فقالت: إن هذا لظل رجل، وما يدخل علي النبي، ﷺ، فمن هذا؟ فدخل النبي، ﷺ، فلما رأته قالت: يا رسول الله، ما أدري ما أصنع حين دخلت علي؟ قالت: وكانت لها جارية، وكانت تخبؤها من النبي، ﷺ، فقالت: فلانة لك. (قلت: رضي الله عن أم المؤمنين زينب، ترضي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتتودد إليه حين دخل عليها فتهبه جاريتها فرحا). فمشى النبي، ﷺ، إلى سرير زينب، وكان قد رفع، فوضعه بيده، ثم أصاب أهله، ورضي عنهم.[2]
حكم تشريعي لعائشة رضي الله عنها
من المواقف التي دونتها كتب السنة في هذه الحجة ما وقع لأم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، والتي تعلمت الأمة من خلالها أحكام حج الحائض. فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله، ﷺ، وأنا أبكي، قال: ما لك، أنفست؟. قلت: نعم، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت. قالت: وضحى رسول الله، ﷺ، عن نسائه بالبقر[3]».
تبكي، رضي الله عنها، خوفا من أن يفوتها الحج والعمرة، فيسألها وهو الرؤوف الرحيم، صلى الله عليه وسلم: “أنفست؟” ويسليها أن الحيض كتبه الله على النساء، ثم يبين لها أحكام حج الحائض؛ فيأمرها أن تفعل كل المناسك غير الطواف بالبيت، وبذلك فاتتها عمرة التمتع فتحول حجها إلى “قران”. لكن مع ذلك، مراعاة لمشاعرها، أمرها النبي، صلى الله عليه وسلم، بعمرة بعد تمام الحج.
عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: «خرجنا مع رسول الله، ﷺ، عام حجة الوداع، فأهللت بالعمرة، فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله، ﷺ، فقال: انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت فقال: هذه مكان عمرتك»[4].
رخصة لسودة بنت زمعة رضي الله عنها
من الأحكام الفقهية التي سنت بسبب أمهات المؤمنين هي رخصة الضعفاء في ترك المبيت بمزدلفة والدفع إلى منى قبل الفجر. فقد كانت أم المؤمنين سودة، رضي الله عنها، امرأة ثقيلة، فخافت من زحام الناس عند الفجر في المزدلفة، فاستأذنت النبي، ﷺ، ليلة المزدلفة أن تدفع إلى منى قبل الناس، فأذن لها، ﷺ.
عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: “استأذنت سودة رسول الله – ﷺ – ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، وكانت ثبطة – تعني ثقيلة – فأذن لها”[5].
وكانت عائشة، رضي الله عنها، بعد ذلك تتمنى لو أنها استأذنت كما استأذنت سودة؛ قالت: “ولأن أكون استأذنت رسول الله – ﷺ – كما استأذنته سودة، فأكون أدفع بإذنه، أحب إلي من مفروح به”.
رخصة الطواف راكبة لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها
اشتكت أم المؤمنين أم سلمة، رضي الله عنها، للرسول، ﷺ، قبل طواف الإفاضة أنها مريضة وتشتكي علة تمنعها من المشي وسط الزحام، فأمرها النبي، ﷺ، بالطواف على بعيرها خلف الناس.
عن أم سلمة – زوج النبي ﷺ -: “أن رسول الله، ﷺ، قال وهو بمكة، وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله، ﷺ: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون». ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت”.[6]
رخصة ترك طواف الوداع لأم المؤمنين صفية بنت حيي رضي الله عنها
حاضت أم المؤمنين صفية، رضي الله عنها، بعد تمام المناسك، فتعذر عليها طواف الوداع، فظن النبي، ﷺ، أنها لم تطف بالبيت طواف الإفاضة وأنها ستحبس القافلة، فقال، ﷺ: «عقرى حلقى، أنها لحابستنا؟» (وهي كلمة عتاب عند العرب لا يقصد حقيقتها).
ثم سأل، ﷺ: «أكانت أفاضت يوم النحر؟» فقالوا: نعم، فقال، ﷺ: «فانفري إذا»[7]، ومن هنا أخذ الحكم الفقهي بأن الحائض يرخص لها في ترك طواف الوداع وتخفيفه عنها.
حجهن بعد وفاة النبي ﷺ
اختلفت أمهات المؤمنين بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كعادة الفقهاء حول تكرار الحج؛ فذهبت عائشة، رضي الله عنها، ومعها أغلبهن إلى تكراره، وامتنعت سودة وزينب، رضي الله عنهما؛ قالتا: “والله لا تحركنا دابة بعد قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «هذه ثم ظهور الحصر»”. يقصد، صلى الله عليه وسلم، حجة الوداع وبعدها لزوم البيوت؛ ففهمتا المنع المطلق، وفهمت باقي أمهات المؤمنين نهي الكراهة لا التحريم؛ للأحاديث الأخرى المحفزة على متابعة العمرة والحج.
ولهذا الفهم استقر رأي عمر، رضي الله عنه، فقد كان يمنعهن طيلة خلافته، وأذن لهن في آخر حجة حجها، رضي الله عنه.
فقد ثبت أن أمهات المؤمنين حججن مجتمعات في آخر حجة له، رضي الله عنه، (سنة 23 هـ)، واستمر ذلك في عهد عثمان بن عفان، رضي الله عنه.
بعث عمر بن الخطاب معهن رجلين من كبار الصحابة وأهل الشورى، وهما: عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهما.
وبهذا استدل العلماء على مسألة “الصحبة الآمنة” أو الرفقة المأمونة في سفر المرأة للحج الواجب إذا لم تجد محرما، في حين أكد آخرون أن محارمهن (مثل عبد الله بن الزبير وغيره) كانوا في نفس القافلة، وأن إرسال عثمان وعبد الرحمن كان لزيادة التشريف والرعاية لهن. والله أعلم.
الهوامش:
[1] – محمد الطاهر ابن عاشور. تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد. ج 22. ص 7
[2] – مسند أحمد: ( 26866)
[3] – صحيح البخاري. ( 294)
[4] – سنن النسائي: (242)
[5] – صحيح البخاري (1680)
[6] – صحيح البخاري: (1626)
[7] – صحيح البخاري (6157)