منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حجات أبي بكر رضي الله عنه|| سلسلة حج الصالحين

يعقوب زروق

0

حجات أبي بكر رضي الله عنه|| سلسلة حج الصالحين

بقلم: يعقوب زروق

​مقدمة:

ثبتت لأبي بكر رضي الله عنه ثلاث حجات منها اثنتين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وواحدة في خلافته. أما العمرة فالثابت المشهور أنه اعتمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمراته الأربع.  واعتمر واحدة في خلافته في السنة الثانية عشرة في شهر رجب فدخل مكة ضحوة، وطاف بالبيت وسعى، وتفقد والديه وأهل مكة، ثم عاد في نفس الشهر إلى المدينة.  والغالب أنه اعتمر عمرة أخرى مع حجته الأخيرة. والله أعلم .

​1 – حجة السنة التاسعة للهجرة:

​بعد أن فتح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة في السنة الثامنة وأسلمت قريش، تبعتها قبائل العرب ودخل الناس في دين الله أفواجا، فصدق الله وعده ونصر عبده. وتوالت الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعة مسلمة طيلة السنة التاسعة حتى سمي ذاك العام بعام الوفود، فلم يمكنه صلى الله عليه وسلم أن يحج عامه ذاك، سيما وأن المشركين كانوا لا يزالون يحجون ولما تنزل بعد سورة التوبة تمنعهم، وكانوا يطوفون بالبيت عراة فأبى صلى الله عليه وسلم أن يشاركهم حجهم.

​فبعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليحج بالناس في هذه السنة، فخرج رضي الله عنه في ثلاثمائة من الصحابة. فلما فصل الصديق رضي الله عنه، أتبعه رسول الله عليا رضي الله عنه بصدر سورة براءة يتلوها على الناس في الحج ويؤذن فيهم بما تضمنته من أحكام.

​عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت «براءة» على رسول الله، وقد كان بعث أبا بكر الصديق، ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله، لو بعثتك بها إلى أبي بكر. فقال: «لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي». ثم دعا علي بن أبي طالب فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى: ألا إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته».[1]

​فخرج علي رضي الله عنه على ناقة رسول الله «العضباء» حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي الحليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سارا رضي الله عنهما.

​وخطب أبو بكر في الناس يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر، يعلم الناس دينهم ومناسكهم، وعلي كرم الله وجهه يتلو على الناس في كل موقف سورة براءة ويؤذن فيهم:

  • أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
  • ألا يطوف بالبيت عريان.
  • ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.
  • ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا.

​2  – حجته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة:

​كانت حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في السنة التاسعة تمهيدا مهما لحجة الوداع؛ هيأت الظروف ليحج النبي صلى الله عليه وسلم حجته وقد تطهر البلد الحرام من رجس الأوثان، فكانت حجة إسلامية خالصة.

​وقد حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع مع أهله، وكانت له مواقف مشرقة في هذه الحجة كدأبه في كل مواطن الخير، ومن تلك المواقف:

  • ​صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم وملازمته له في الطريق: ومشاركته طعامه وشرابه، إذ كان متاعهما واحدا. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا، حتى إذا كنا بالعرج، نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره، قال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة، قال: فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ قال: فطفق أبو بكر يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم، ويقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! قال ابن أبي رزمة: فما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع، ويتبسم.[2]

زمالة: هي البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، أي: متاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتاع أبي بكر كان واحدا على بعير مع غلام لأبي بكر.

  • ​ولادة أسماء بنت عميس في الطريق (زوجة أبي بكر): وفي ذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ولدهما محمد بن أبي بكر. “فأمرها رسول الله أن تغتسل وتستثفر بثوب، وتحرم”[3]. ​ تستثفر بثوب: الاستثفار أن تمنع خروج الدم بخرقة. ​

شاء الله أن يكون لآل أبي بكر رضي الله عنه دور في تخفيف التشريع على النساء، فقد صار هذا أصلا فقهيا في أحكام حج النفساء والحائض. ​

  • ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ملازما للنبي قريبا منه، يسير بجانبه عند الدفع من عرفات، يرقب الطريق ويحميه من تدافع الركبان.

 ​3 – حجة وداعه رضي الله عنه في السنة الثانية عشرة للهجرة:

​عن نافع عن ابن عمر قال: “استعمل النبي، صلى الله عليه وسلم، أبا بكر على الحج في أول حجة كانت في الإسلام، ثم حج رسول الله في السنة المقبلة، فلما قبض النبي، صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر استعمل عمر بن الخطاب على الحج، ثم حج أبو بكر من قابل”[4].

​في خلافته رضي الله عنه ، أرسل عمر بن الخطاب ليحج بالناس في السنة الحادية عشرة؛ لانشغاله بأمر الخلافة وحروب الردة.

​ثم اعتمر رضي الله عنه كما مر في رجب في السنة الثانية عشرة. فلما كان وقت الحج من السنة نفسها حج رضي الله عنه وهو العام الأخير من حياته فكانت حجة وداعه رضي الله عنه، فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ومن أعماله رضي الله عنه في هذه الحجة:

  • أنه ​وزع المهام الإدارية والقضائية في مكة أثناء الموسم؛ فعين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليتولى القضاء بين الناس في الموسم، وجعل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ليكون على أمن القافلة والناس.
  • ​خطب في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وعظم حرمة البيت، وحث على التمسك بعهد النبي، وبشرهم بفتوحات العراق والشام بقيادة خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة رضي الله عنهما.
  • ​ قصد دار أبيه أبي قحافة (وكان أبو قحافة شيخا كبيرا أعمى قد أسلم عام الفتح)، فدخل عليه الصديق ووصله.

الهوامش:

[1]  –  أبو الفداء إسماعيل بن كثير (701 – 774 هـ). السيرة النبوية (من البداية والنهاية لابن كثير) ج 4، ص 69

[2]  – أخرجه أبو داود (1818)، وأحمد (26916) بلفظه.

[3]  – ابن حزم الأندلسي أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد (ت 456هـ)، حجة الوداع. ص 116.

[4]  – ابن سعد أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي (230 هـ)، الطبقات الكبرى. ج 3، ص 177.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.