منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عمرات النبي صلى الله عليه وسلم  (عمرة القضاء) || سلسلة حج الصالحين

يعقوب زروق

0

عمرات النبي صلى الله عليه وسلم  (عمرة القضاء) || سلسلة حج الصالحين

بقلم: يعقوب زروق

 

مقدمة:

اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر، وحجّ حجة وحيدة هي حجة الوداع، لكنه كان يحج قبل البعثة كما كانت العرب تحج، وكان ﷺ يخالفهم في أعمالهم الشركية؛ فكان يقف مع الناس بعرفات ويخالف قريشا التي كانت تميز نفسها فتقف بالمشعر الحرام، حتى نزل القرآن فأقره على ذلك في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ (البقرة: 199).

عن أنس رضي الله عنه: “أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر في ذي القعدة، إلا التي اعتمر مع حجته: عمرته من الحديبية، ومن العام المقبل، ومن الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وعمرة مع حجته”[1]

رؤيا تمحيص وابتلاء:

الرؤيا في ديننا دين من الدين، وهي جزء من النبوة، يصدقها المؤمنون ويعلم تأويلها المحسنون، ورؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي من الله. فلقد رأى رسول الله ﷺ في السنة السادسة للهجرة رؤيا فحواها أنه يؤدي العمرة مع صحابته الكرام، فأخبر الناس بذلك وعقد العزم على قصد مكة رجاء دخولها معتمرا تصديقا للرؤيا، فصحبه جمع من صحابته. وهم لا يشكون أنهم معتمرون عامهم ذاك.

فجعل من ذلك فتحا قريبا:

لكن العليم الحكيم سبحانه كان يهيئ لهم ما هو أعظم؛ أراد لهم فتحا مبينا ونصرا عزيزا، وهو “صلح الحديبية”. وذاك أن قريشا منعتهم من دخول مكة، واستفزهم خالد بن الوليد  -كان يومها مشركا- برجاله يريد الحرب، بيد أن الحكمة المحمدية حالت دون وقوع الحرب؛ فحرص ﷺ على عقد الصلح مع المشركين رغم الشروط التي كان ظاهرها مجحفاً في حق المسلمين، ومنها: عودة المسلمين عامهم ذاك بدون عمرة، على أن يقضوا عمرتهم العام المقبل.

وشاء الله أن يجعل في هذا الصلح خيرا كبيرا لم يدركه الصحابة رضي الله عنهم حينها، حتى بين لهم المعلم الحكيم ﷺ وذكرهم كيف أن قريشا قبل عام كانت تحاصرهم في المدينة في غزوة الأحزاب، وهي الآن تطلب الصلح وتفاوضهم عليه، وكيف سيؤدون العمرة آمنين مطمئنين إذ وضعت الحرب أوزارها، إلى غير ذلك من الفوائد الجمة التي عددها لهم ﷺ.

روى البيهقي عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: «أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعا، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: والله ما هذا بفتح! صُددنا عن البيت وصُدّ هدينا. فبلغ ذلك رسول الله فقال: بئس الكلام هذا! بل هو أعظم الفتح؛ لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم، ويسألوكم القضية، ويرغبون إليكم الأمان، وقد كرهوا منكم ما كرهوا، ولقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح. أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الأبْصارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ (الأحزاب: 10)؟». فقال المسلمون: صدق الله ورسوله، وهو أعظم الفتوح، والله يا رسول الله ما فكرنا فيما ذكرت، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا.[2]

وعد يتحقق ورؤيا تُصدّق:

ما أسرع ما استدار العام ليؤذن مؤذن رسول الله ﷺ في ذي القعدة معلماً الناس بالعمرة! فخرج المؤمنون المشتاقون لبيت الله الحرام مع نبيهم عليه السلام، وانطلقت جموع المعتمرين تقطع الصحاري ملبية مهللة مكبرة، مظهرة عزة الإسلام، معلنة صدق وعد الله، ومعلمة البشرية أن هذا الدين يرعاه رب عظيم لا يُرد أمره ولا يُهزم جنده، وأن العاقبة للمتقين.

درس في الحيطة والحذر من المشركين:

رغم أن الصلح واقع بين المسلمين والمشركين، ورغم أن قريشاً أنهكتها الحرب وهي أضعف من أن تبدأها، إلا أن الله أعلم نبيه ﷺ في قرآنه أن المشركين لا عهد لهم ولا ذمة؛ فلذلك أخذ حذره عليه السلام فساق الخيل والسلاح، لا لدخول مكة بذلك، ولكن ليكون قريباً منهم إذا غدر المشركون.

فما إن علمت قريش بذلك حتى فزعت فأرسلت تتثبت من الخبر، وقالوا: “والله ما أحدثنا حدثا، وإنا على كتابنا وهدنتنا، ففيمَ يغزونا محمد في أصحابه؟”. وبعثت نفراً التقوا بالنبي ﷺ فقالوا: “يا محمد، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، وقد شرطت ألا تدخل مكة إلا بالسيوف في القرب”، فقال لهم النبي: «إني لا أدخل عليهم السلاح». فقالوا: “هذا الذي تُعرف به: البر والوفاء”.[3]

لله العزة ولرسوله وللمؤمنين:

لم يبقَ لقريش من شيء تفرغ به غيظها وحنقها إلا أن تذيع الشائعات الكاذبة، فأشاعت أن المسلمين أوهنتهم حمى يثرب، فأراهم رسول الله ﷺ ما يزيدهم غيظا؛ دخل رسول الله ﷺ مكة على ناقته “القصواء”، وجند الله يحيطون به صادحة حناجرهم بالتلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». واضطبع ﷺ بردائه كاشفا كتفه الشريف، وهرول في الطواف والمؤمنون يفعلون مثله، وقد قال لهم: «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة». فما كان من المشركين إلا أن قالوا: “ما يرضون بالمشي، أما إنهم لينفرون نفر الظباء!”.

وبعد الطواف صلى ركعتين عند مقام إبراهيم، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق وذبح الهدي.

خلق عظيم:

تمت العمرة النبوية وقضى المؤمنون وطرهم من البيت، يطوفون ويصلون ويشربون من زمزم ثلاثة أيام. وفي صبح اليوم الرابع، أرسل المشركون إلى رسول الله ﷺ يحثونه على الخروج كما اتُّفق، فأراد ﷺ  – وهو الرحمة المهداة الذي بعثه الله ليؤلف القلوب ويصل الأرحام- أن يزيل ما في القلوب من عداوة، فقال لهم: «إني قد نكحت فيكم امرأة -ميمونة رضي الله عنها- فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا؟».[4]

أراد ﷺ أن يجعل هذا الزواج المبارك فرصة للألفة والصلح، لكن حمية الجاهلية دفعت قريشاً إلى رفض هذه المبادرة؛ فأذّن مؤذن رسول الله ﷺ بالرحيل، وارتحل المؤمنون حتى نزلوا بـ”سرف” -قرب مكة- وأقاموا هناك، حيث بنى النبي ﷺ بأم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها. ثم واصل موكب النور طريقه إلى المدينة، ونفوسهم تحدثهم بالعمرة والحج المقبل، وقد ازدادوا يقيناً في الله، ومحبة لرسول الله، وتعظيماً لشعائر الله. لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليه صلاة الله.


الهوامش:

[1]  – أخرجه البخاري (1779)، ومسلم (1253)

[2]  – أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (458 هـ) – دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة. ج 4. ص 160

[3]  – محمد بن محمد شُهبة (ت 1403 هـ) – السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة. ج 2. ص 378

[4]  – نفس المصدر السابق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.