(خطبة) ظاهرة رشوة النقود والنفوذ بين شبهة الإحسان وشبكة الخسران (قصة ابن اللتبية في شهر محرم نموذجا)
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني
(خطبة) ظاهرة رشوة النقود والنفوذ بين شبهة الإحسان وشبكة الخسران
(قصة ابن اللتبية في شهر محرم نموذجا)
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني
الحمد لله الذي علمنا بسيرة المصطفىﷺ حسن الدعوة، فحرم أكل أموال الناس بالباطل والرشوة، وأشهد أن لا إله إلا الله يسر لنا دينا وسطا لا إفراط فيه ولا تفريط؛ وكلاهما خطيئة وكبوة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نجح في كل خطوة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ذوي الصفاء والصفوة، وعلى التابعين لهم بإحسان مادامت الروحة والغدوة.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
دعونا اليوم نرجع بكم إلى السيرة النبوية العطرة، نستكشف محاسنها وأسرارها بفهمها، ونصلح مشاكل مجتمعنا بفقهها؛ ومن السيرة النبوية نأخذ قصة واقعة، لنستخلص منها وصفة علاج لما نعاني منه واقعا؛ مضمونها:
لما دخل هلال شهر محرم في بداية السنة التاسعة من الهجرة بعد فتح مكة، بعث رسول اللهﷺ إلى القبائل العربية التي أسلمت عددا من عماله، يجمعون له الزكوات والصدقات، حتى يوزعها بعدل وإنصاف على الفقراء والمساكين، وكانﷺ يستوفي الحساب من العمال بنفسه، يحاسبهم على المدخول والمصروف؛ فكان من بين من أرسل صحابي اسمه عبد الله بن اللتبية؛ فقد أخرج البخاري ومسلم أنهﷺ كلفه بجمع الصدقات، فلما جاء بها؛ بدأ يقول: هذا للصدقة، وهذه هدية أهديت إلي، فاستدعى الأمر خطبة طارئة من النبيﷺ حتى يربي ويصلح الخطأ، فقام على المنبر فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي؛ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر» ثم رفع رسول اللهﷺ يديه إلى السماء فيقول: «اللهم هل بلغت».
أيها الإخوة المؤمنون؛ من خلال هذه القصة نكشف الستار عن قضية خطيرة في مجتمعنا، هي داء عضال تهلك الأخضر واليابس، تفسد الأخلاق، وتلوث الأذواق، وتنجس الأرزاق، إنها عدو للإنسانية، عدو للأنقياء الأتقياء الأصفياء، إنها دليل على الشره والطمع، والسفه والجشع، كم من حقوق لعباد الله ضاعت بها! وكم من باطل أصبح بها حقا! وكم من حق أصبح بها باطلا! وكم من رفيع وضعته! وكم وضيع رفعته! وكم من كسول تبوأ بها المناصب المرموقة التي لا تليق به، لقد ضاعت بها الأمانة، وانتشرت بها الخيانة؛ يتحاشى حتى أولئك الغارقون فيها ذكرها وتسميتها؛ فمنهم من يسميها: (شي بركة) وهي ممحوقة من كل برك! ومنهم من يسميها: (هدية) وقد زاغت عن الهداية! ومنهم من يتعاطاها على أنها: (شبهة الإحسان) حتى يقع في شبكة الخسران! ومنهم من يسميها: (الطاجين) وإنما هي تدجيل وتدجين! ومنهم من يسميها: (القهوة) وإنما هي فساد بالشره والشهوة! ومنهم من يسميها: (التدورة) أو (دهن السير إسير) فعلا ستدور وستسير بهم إلى اللعنة!
أتدرون ما هي هذه القضية الخطيرة؟ إنكم الآن عرفتموها؛ إنها الرشوة والارتشاء! إنها الوجوه المشبوهة المشوهة! إنها الوساطة والمحسوبية! إنها الزبونية والزبانية! والرشوة على نوعين: رشوة النقود ورشوة النفوذ؛ كلاهما ملعون صاحبها على لسان رسول اللهﷺ.
لقد اتفقت أمم الأرض كلها، وأنظمتها جميعها، وكل الشرائع بأنواعها وأشكالها، سماوية وأرضية على أن الرشوة بنوعيها جريمة خطيرة، وصاحبها مجرم أخطر، يستوجب العقوبة دنيا وأخرى، ولا توجد في الدنيا دولة تجيز في قوانينها الرشوة مهما كانت عقيدتها، ورغم ذلك فقد مرضت بها أيدينا فطغت على معاملاتنا، ونجست بأثرها السيئ طهارة قلوبنا، وكدرت صفاء أموالنا.
إن حكم الله تعالى وحكم المجتمع والتاريخ على من يأخذ الرشوة أو يدفعها، أو يتوسط من أجلها واضح وجلي، إنه اللعنة والطرد والإبعاد؛ روى أبوداود والترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: «لعن رسول اللهﷺ الراشي والمرتشي» وفي رواية الإمام أحمد عن ثوبان قال: «لعن رسول اللهﷺ الراشي والمرتشي والرائش» أي الذي يأخذ الرشوة، والذي يدفعها، والذي توسط من أجلها، فالكل ملعون ومطرود من رحمة الله.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين…
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ روى الإمام أحمد عن عمرو بن العاص أن الرسولﷺقال: «…ما من قوم يظهر فيهم الرّشا إلا أخذوا بالرعب»؛ وأول هذا الرعب أن صاحبها يأخذها أو يدفعها في خفة وخفاء خوفا من أن يراه الناس؛ فتراه يراقب عيون الناس حتى لا يراه أحد، فيتسلمها أو يسلمها، في اختلاس وخفة وخفاء؛ ثم يسمها هذية وإحسانا.
أتحدى من يسمها كذلك أن يأخذها في العلن، أو يرفعَ بها رأسه، ولهذا سماها القرآن الكريم باسمها الصحيح الموافق، سماها إثما وباطلا وسحتا والعرض الأدنى من الدناءة وهي الخبث والخسة؛ قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} وقال تعالى فيمن يتعامل بها: {أكالون للسحت} وقال تعالى: {يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه}؛ فإلى متى نعرض أنفسنا للعنة الله ورسولهﷺ؟ إلى متى نبيع ضمائرنا برشوة النفوذ ورشوة النقود؟ إلى متى نسمي الأشياء بغير مسمياتها؟
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…