معجزة الإسراء والمعراج حادثة شق صدرهﷺ بين العصمة وتزكية النفس| سلسلة خطبة الجمعة
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
معجزة الإسراء والمعراج حادثة شق صدرهﷺ بين العصمة وتزكية النفس| سلسلة خطبة الجمعة
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
الحمد لله الذي خص بالعصمة الرسل والأنبياء، وأشهد أن لا إله إلا الله حذر الناس من تزكية النفس ولو كانوا أولياء، فمن تكبر فادعى العصمة والتزكية صار إمام السفهاء والأغبياء، ومن تواضع فاعترف بنفسه الأمارة كان إمام العقلاء والأذكياء، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد الأتقياء الأنقياء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه العدول الأوفياء، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم نكون فيها سعداء أو أشقياء.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
قد منا لكم في الجمعة الماضية أننا في شهر رجب، وهو من الشهور الحرم الأربعة، حمل إلينا في طياته ذكريات عظيمة، من السيرة النبوية العطرة؛ منها معجزة الإسراء والمعراج التي وقعت فيه على المشهور.
فتعالوا بنا اليوم (في إطار توظيف السيرة النبوية في عملية الإصلاح) نرفع الستار عن معجزة وقعت داخل معجزة الإسراء والمعراج، وهي التي تسمى “حادثة شق صدرهﷺ” وعمره خمسون سنة؛ فقد روى الإمام مسلم أن النبيﷺ قال: «فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريلﷺ، ففرج صدري (أي: فتحه)، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست (أي إناء) من ذهب ممتلئٍ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعَرَجَ بي إلى السماء».
وقد وقعت له هذه الحادثة قبل ذلك وهو طفل عمره أربع سنوات؛ حيث روى مسلم أن جبريل عليه السلام: «أخذه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك».
فهذه المعجزة هي عبارة عن عملية جراحية دون سيلان الدم، ولا إحساس بالألم، تولى القيام بها جبريل عليه السلام، بمساعدة ملائكة الرحمن، فاستخرج من قلبهﷺ حظ الشيطان، ثم غسله بماء زمزم، ثم أعاده إلى مكانه كما كان، دون رعاية طبيب ولا إنعاش ممرض؛ إن هذه العملية الخارقة للعادة، هي بمنزلة تطهير معنوي، وإنما اتخذت هذا الشكل المادي المحسوس، لأن الله عز وجل أراد أن يبين لنا فيها بدليل ملموس، أن النبيﷺ معصوم من الخطأ، فأعماله كلها شرع وسنة، وحركاته كلها دين وملة، يجب الاقتداء به في كل أحواله وأعماله، قال الله سبحانه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم}.
وأهل السنة -وعلى رأسهم الأشاعرة- يعتقدون أن العصمة خاصة بالأنبياء مطلقا، وأما غيرهم فما له إلا قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}، وقولهﷺ «كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ»، ولا يستطيع أحد أن يدعي العصمة لنفسه، فكل من ادعى العصمة -مثل غلاة الشيعة- فادعاؤه هذا دليل على أنه كذاب ماكر لا يريد إلا الاستحواذ على القلوب، لا يريد إلا أن يصطاد الدنيا بشبكة الدين؛ ولذلك تجد مراجعهم وشيوخهم يخرجون علينا كل يوم بخرافات لا يقبلها عقل ولا يسندها نقل.
فالعصمة إذن خاصة بالنبيﷺ؛ فهوﷺ معصوم بعناية الله سبحانه، معصوم من شرور الناس لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}، كما هو معصوم من شرور النفس؛ ولهذا نجد أن الله سبحانه قد وبخه، ورده إلى الصواب، في عدة مسائل، منها: قضية عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، حين أعرض عنه النبيﷺ رغبة في إيمان رؤساء قريش، فنزل القرءان الكريم يصحح المسار: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى، فأنت عنه تلهى، كلا إنها تذكرة} وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عصمة الله لهﷺ.
أيها الاخوة المؤمنون؛ لقد يئس الشيطان أن يكون له في المصطفىﷺ حظ ونصيب، بل قرينه قد أسلم فلا يأمره إلا بخير، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن ابن مسعود أن النبيﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا وُكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير».
أما نحن فللشيطان فينا ألف حظ وحظ!! فقد يكون حظ الشيطان من الإنسان في قلبه، حين يصدق بالشعوذة والخرافات، ويؤمن بالسحرة والأوهام، فيؤمن دون دليل، ويصدق دون برهان. وقد يكون حظ الشيطان من الإنسان في ماله، إذا اكتسبه من الحرام أو أنفقه في الحرام، وقد يكون حظ الشيطان من الإنسان في الأولاد إذا أساء تربيتهم، وقد يكون حظ الشيطان من الإنسان في فرجه بالزنا، وقد يكون حظ الشيطان من الإنسان في لسانه بالغيبة والنميمة والكذب، وقد يكون حظ الشيطان من الإنسان في عينه وبصره والعين تزني وزناها النظر؛ بل قد يكون حظ الشيطان من الإنسان حتى في صلاته التي يعبد بها الله سبحانه وتعالى، وذلك حين تكون خالية الوفاض من الخضوع والخشوع، جافة جوفاء، يضيع ركوعها وسجودها وأركانها، ويلتفت يمينا وشمالا وقد سألت عائشة النبيﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقالﷺ: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» رواه البخاري والنسائي وغيرهما، وقد يكون حظ الشيطان من الإنسان وافرا حين يُعرِض عن ذكر الله سبحانه، وتعالى وقد قال الله سبحانه: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}؛ بل حين يُعرِض الإنسان عن ذكر الله يكون الشيطان مشاركا له حتى في أمواله وأولاده، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً}.
ومن حادثة شق الصدر يعلمنا الله تعالى أن القلب بصلاحه يصلح الإنسان وبفساده يفسد الإنسان، وهذا ما أكده لنا الرسولﷺ حين قال: «ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإِذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب»؛ فالقلب الصالح لا حظ للشيطان فيه، لأنه لا يقبل الشرك ولا الإلحاد، ولا الرياء والسمعة، ولا النفاق ولا القنوط ولا السخط ولا الحسد، ولا الكراهية والبغضاء؛ فالقلب الصالح ملؤه الإيمان والأمل والإخلاص والصدق، يتحلى بمقامات اليقين التي قال فيها الإمام ابن عاشر رحمه الله:
خوف رجا شكر وصبر توبة * زهد توكل رضا محبة
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ فإذا كانت العصمة خاصةً بالأنبياء فإن العدالة المطلقة في عقيدة أهل السنة ثابتةٌ للصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ والفرق بين عصمة الأنبياء وعدالة الصحابة هو: أن العصمة تمنع من الوقوع في الذنوب مطلقا؛ لا عمدا، ولا سهوا، ولا نسيانا، ولا خطأ؛ بينما العدالة إنما تمنع من الوقوع في الذنوب عمدا، أما سهوا ونسيانا وخطأ فلا تمنع ذلك.
والصحابة كلهم عدول لأنهم الواسطة الذين بلَّغوا الإسلام للإنسانية جمعاء، وهم رسلُ رسولِ اللهﷺ إلى الأمة، قال لهمﷺ في حجة الوداع: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلَّغ أوعى من سامع»، فإذا سقطت عدالتهم ضاع الدين كله؛ قال الامام النووي رحمه الله وهو أشعري العقيدة: “الصحابة كلهم عدول بإجماع من يعتد به من العلماء”، وأخبرنا الله تعالى أنه قد رضي عنهم كما أنهم راضون عنه؛ فما أجل وما أجمل هذا الرضا المتبادل؛ قال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}.
وفي الختام -يا عباد الله- أقول: هكذا وظفنا اليوم بداية الإسراء من السيرة النبوية في عملية الإصلاح؛ فقد أصلحنا عقيدتنا حتى لا يزكي أحد منا نفسه، أو يدعي العصمة لنفسه، فالعصمة خاصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والعدالة المطلقة ثابتة للصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ فلا يجوز لأي أحد أن يسب واحدا من الصحابة؛ فمن فعل ذلك فهو إن لم يكن ملحدا كافرا فهو زنديق منافق.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…