الحال المرتحل
الأستاذ مولاي مصطفى فقيهي
تمهيد
تلاوة كتاب الله من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، قال تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} (فاطر:29) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
و حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قراءة القرآن ورغب فيها، فقال: (تعلموا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شافعاً لأصحابه، وعليكم بالزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو فرقان من طير، تحاجَّان عن أصحابهما، وعليكم بسورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) رواه مسلم.
وبشَّر صلى الله عليه وسلم قارئ القرآن بأنه مع السفرة الكرام البررة فقال: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه.
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمته تعاهد القرآن بشكل دائم ومستمر، فقال:(تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلُّتاً من الإبل في عقلها).
صحبة القرآن
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأها” رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد.
طوبى لمن اتخذ القرآن صاحبا، ونعم الصاحب المبارك الوفي، هو خير جليس وخير أنيس.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر” متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الرب عز وجل: من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه” رواه الترمذي.
وروى البخاري في صحيحه عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين” رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: “والقرآن حجة لك أو عليك” رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران” متفق عليه.
والكثير من الأحاديث وغيرها لا يسعنا حصرها في هذا المقام، ففضل القرآن أعظم من أن يحصره الكلام أو يوجزه اللسان.
فيا حسرة من هجره وأعرض عنه، يقول الإمام عبد السلام ياسين في كتاب تنوير المؤمنات: جدب أنى له أن يصبح القرآن ربيع قلبه وانطفاء ما له من نور إن وضع المصحف على الرف).
ويقول أيضا: ما دامت التائبة تقرأ الدعاء اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، وتهجر القرآن تلاوة وحفظا ووردا يوميا فهي لم تخط الخطوات الضرورية ليكون القرآن ربيع قلبها، الخطوات التلاوة والحفظ والمداومة).
ما هو الحال المرتحل؟
حين تقرأ القرآن لا تنقطع عنه، تتحول إلى حال مرتحل، وقد تقول ما الحال المرتحل، كما جاء في سنن الترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الحال المرتحل. قال: يا رسول الله، وما الحال المرتحل؟ قال: يضرب من أول القرآن إلى آخره ومن آخره إلى أوله.
إنه الذي ما أن يختم القرآن، حتى تجده بدأ ختمة أخرى جديدة، وعلى المنوال هذا مستمر إلى أن يشاء الله أمراً كان مفعولا. وهذا الذي يرجوه كل واحد منا من الله بعد نهاية شهر عظيم مثل رمضان، شهر القرآن، أن يديم نعمته عليه بالمداومة على قراءة القرآن.
من هنا، إن كان الانسان حالاً مرتحلاً، يتأمل ويتدبر الآيات في يومه وليله، فلاشك أنه في خير عظيم، حيث سيجد نفسه بعد كل رحلة أو ختمة، وقد مر على آيات يجدها وكأنما يقرأها للمرة الأولى، وربما وجد نفسه يتأمل آية ويتدبر أخرى، ليخرج منها بمفاهيم ومعان لم يكن عقله وقلبه يعيها في وقت سابق.
لكن بكثرة المرور على الآيات وعمق التأمل والتدبر، مع نضج عقلي ومعرفي يتكوّن عنده، يرى الآيات بطريقة أخرى مختلفة. فهكذا القرآن، كلما أعطاه الإنسان من وقته، أعطاه من لآلئه ودرره المكنونة.
وختاما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله في المنهاج النبوي ص 158: … ويعقد (أي: المؤمن) مع الله تعالى عَقدا أن يحفظ القرآن كله قبل موته، ويستعين على ذلك، ويبذل كل الجهد. فإنه إن مات دون غايته وقد بذل الجهد، يبعثه الله إن شاء الله على نيته يوم يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق، يوم التغابن والحسرة إذ يقرأ المجاهدون فيرقون أمام أعين من فاتهم الحفظ).
فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا وجميع المسلمين من أهل القرآن الحالين المرتحلين الذين هم أهل الله وخاصته.