منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، دلالات وعبر

الأستاذ مولاي مصطفى فقيهي

0

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف،  دلالات وعبر

الأستاذ مولاي مصطفى فقيهي

مقدمة:

توالت الأحزان على النبي صلى الله عليه وسلم وزادت همومه وتضاعفت بوفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب في عام واحد، فـخديجة كانت خير ناصر ومعين له -بعد الله تعالى-، وعمه كان يحوطه ويحميه، ويحبه أشد الحب، وضاعف من حزنه صلى الله عليه وسلم أنه مات كافراً.

وتستغل قريش غياب أبي طالب فتزيد من إيذائها للنبي صلى الله عليه وسلم وتضيَّق عليه، وكان أبو لهب من أكثر الناس كراهية للدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه كان يلاحق النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج ، وفي الأسواق يرميه بالحجارة ويقول : ” إنه صابئ كذاب “، ويحذر الناس من اتباعه، فضاقت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الحال، حتى فكر في أن يتخذ أسلوبا آخر في دعوته بتغيير المكان، علَّه يجد قبولاً، فاختار الخروج للطائف، التي كانت تمثل مركزاً مهماً لسادات قريش وأهلها، ومكانا استراتيجيا لهم، حيث كانوا يملكون فيها الأراضي والدور، وكانت راحة لهم في الصيف.

خروج النبي إلى الطائف

ضاقت مكة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بعد إيذاء أهلها له، فشَرَع في الذهاب إلى الطائف علَّهُ يجد من ينصُرُه هنا من قبيلة ثقيف، وكان ذلك في شهر شوّال من السنة العاشرةِ للبعثة، واصطحب معه مولاه زيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وكان بمثابة الحامي والحارس لرسول الله. ولما وصل -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف أخذ يدعوهم إلى الإسلام وإلى دعوة الحقّ، فلم ينَل منهم سوى التكذيب والإنكار. [1]

بعدما توفّي عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجته خديجة، ازداد عداء كفّار قريشٍ له وضاعفوا عليه أصناف الأذى حتى وصل بهم الأمر لرمي القاذورات عليه، ففكّر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الذهاب إلى الطائف لعلّه يجدُ من ينصُرُه من قبيلة ثقيف، وكان هذا هو سبب توجّه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف[2]

لم يكفِ أهل الطائف استهزاءهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتكذيبهم له، بل قلّبوا عليه قومهم فجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أصابوا قدماه، فتلطّخ حذاءه بالدماء، وجعل مولاه زيد يدفع عنه أذاهم حتى شُجَّ رأسه، فتوجها إلى سور بستانٍ لشيبة وعُتبة ابنا ربيعة يحتمون به، فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يلبث هناك لعداوتهم له؛ فكانوا ينظرون إليه وكأنّما يتلذذون بما حصل له من إيذاء أهل الطائف.

وأرسلوا له صلى الله عليه وسلم غلاما لهم نصراني يُدعى عداساً وهو يحمل معه قطفاً من العنب، فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه وقال: (بسم الله) ثم أكل، فقال عداس إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (من أي البلاد أنت؟) قال أنا نصراني من نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟) قال عداس: وما يدريك ما يونس؟ قال عليه الصلاة والسلام: (ذلك أخي كان نبياً وأنا نبي)، فأكب عداس على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدميه يقبلهما، فقال ابنا ربيعة، أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك! فلما جاء عداس قالا له ويحك ما هذا؟ قال لهما ما في الأرض خير من هذا الرجل، فحاولا توهين أمر النبي عليه الصلاة والسلام، كأنما عز عليهما أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف بأي كسب.

دعاء الرسول في الطائف

بعدما اشتدّ أذى أهل الطائف على رسول الله -صلى الله عليهم وسلم- رفع يديه ودعا بهذا الدعاء: (اللهمَّ إليك أشكو ضَعْفَ قوَّتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على الناسِ، يا أرحَمَ الراحمِينَ، أنت رَبُّ المستضعَفِينَ، وأنت ربِّي، إلى مَن تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يَتجهَّمُني، أو إلى عدوٍّ ملَّكْتَهُ أمري؟! إن لم يكُنْ بك غضَبٌ عليَّ فلا أُبالي، غيرَ أن عافيتَك هي أوسَعُ لي، أعُوذُ بنورِ وجهِك الذي أشرَقتْ له الظُّلماتُ، وصلَح عليه أمرُ الدُّنيا والآخرةِ، أن يَحِلَّ عليَّ غضَبُك، أو أن يَنزِلَ بي سخَطُك، لك العُتْبى حتى ترضى، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بك)[3]

رجوع النبي من الطائف إلى مكة

عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الطائف بعد أن آذوه وكذّبوه، فسألته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: هلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ قالَ: (لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، فقالَ ذلكَ فِيما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا)  فلم يقبل نبي الله -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو على قومه، متأمّلاً أن يخرج منهم من يوحّد الله -عزّ وجلّ- وينصر دعوته، هذا كان موقف الرسول من ردة فعل أهل الطائف، وهذا يدلّ على سعة صدر رسول الله ولين قلبِه ورحمتهِ بقومه[4]. خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة بعد اشتداد الأذى الواقع عليه من أهلها، وتوجه إلى الطائف، لعل الله -تعالى- يهديهم به، ولكن أهل الطائف كذبوه ورموا عليه الحجارة حتى دميرءةت قدماه الشريفتان، ومع ذلك لم يقبل الدعاء عليهم؛ أملاً في أن يُخرج الله من أصلابهم من يؤمن به.

العبر والعظات في رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن رحلة النبي إلى الطائف على ما حصل فيها مليئة بالعظات والعبر، فمن ذلك:

– أن في توجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد أن أعرض أهل مكة عنه، دليلاً على حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الناس، واستمراره في دعوته للإسلام، وعدم اليأس من عدم استجابة الناس.

– وهذه الرحلة تعلمنا كيفية التعامل مع الآخرين بالأخلاق الحسنة، وذلك واضح من خلق العفو والصفح الذي واجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم سادات ثقيف وسفاءها.

– وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم دليل على الصدق في هذه الدعوة المباركة، وأنه في وقت الشدائد والصعاب يكون الالتجاء إلى لله عز وجل بهذا الدعاء، ففيه استمداد القوة منه سبحانه، وفيه الاستعانة بالله عند شدة الأذى، وفيه الخوف من غضب الله وسخطه على العبد.

– وفي قصة عداس حيث أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم كما رجحه بعض العلماء، نتيجة إيجابية لهذه الرحلة، حيث رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد هدى الله عداساً على يديه.

– وإن المتأمل في هجرة النبي للطائف وما لاقاه من أذى السفهاء لعظة وعبرة للدعاة الذين يتأسون بسيرته صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لقي ما لقي من المشاق في سبيل إقامة هذا الدين، فمن باب أولى أن يلقى الدعاة مثل ذلك أو أشد.

خاتمة

وختاما فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستسلم لهذا الواقع الأليم، بل صبر وصابر، وواصل جهاده في الدعوة إلى الله، فكان عاقبة صبره نصر من الله، وفتح عظيم تتفيأ الأمة ظلاله، وتنعم بنوره إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين.


[1] محمد أبو شهبة (1427)، كتاب السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (الطبعة 8)، دمشق:دار القلم، صفحة 401-402، جزء 1. بتصرّف

[2] محمد النجار، كتاب القول المبين في سيرة سيد المرسلين، بيروت:دار الندوة الجديدة، صفحة 149. بتصرّف.

[3] رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج زاد المعاد، عن محمد بن كعب القرظي، الصفحة أو الرقم:28، مرسل ورجاله ثقات دون قوله اللهم إليك أشكو.

[4] د. محمد جمعة الحلبوسي (23/1/2012)، “رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف”، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 18-8-2021. بتصرّف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.