دلالة السفهاء قرآنيا
بقلم: الأستاذ الدكتور عبد السلام المجيدي
ما المقصود بالسفهاء في قوله تعالى *وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا* [النساء: 5]؟ وهل هذا اللقب يفيد الذم دائما كما في سورة البقرة في قوله تعالى: *سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا* [البقرة: 142]؟
أولا: من هم السفهاء؟
السفهاء جمع سَفِيه، كالعلماء جمع عليم، والحكماء جمعُ حكيم، والسفه اضطراب في التفكير، واختلال في الرأي، ونقصان في العقل والتدبير، وضعف في إدراك المصالح والمفاسد، وقد يصحبه انحطاط في الخلق العام دون أن يشعر صاحبه بمستواه الـمتدني، ويلخص الطبري معنى السفيه فيقول: «والسفيه: الجاهل، الضعيفُ الرأي، القليلُ المعرفة بمواضع المنافع والمضارّ.. لأن السفيه إنما يُفسد من حيث يرى أنه يُصلحُ، ويُضيع من حيث يَرى أنه يحفظ، فكذلك المنافق: يَعصي رَبَّه من حيث يرى أنه يطيعُه، ويكفرُ به من حيث يرى أنه يُؤمن به، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يُحسن إليها»،
ويبلغ السفه أسوأ ردكاته، وتصل خفة العقل أحطَّ منازلها في أي إنسانٍ يعترض على ربه -تعالى مجدُه-، أو يتقول عليه الأكاذيب ناسيًا مقامه ونفسَه غيرَ قادرٍ ربه حقَّ قدره كما قال الله -عزَّ جارُه-: *وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا* [الجن: 4].
والسفهاء صنفٌ لا يخلو مجتمعٌ منهم، وقد يكونون من الأطفال، وقد يكونون من الرجال، وقد يكونون من النساء، وهذا الصنف ينعم الله تعالى عليه بالأموال التي آلت إليهم بالوراثة، أو بالعطية، إلا أنهم لا يحسنون التصرف في إدارة أموالهم لنقص عقلٍ، وعَمَهِ تصرفٍ، ويدخل فيهم بعضُ الموظفين غيرُ الأمناء الذين يتصرفون في المال أو المسؤولية الملقاة على عواتقهم تصرفًا غير راشد تبذيرًا أو عبثًا أو لهوًا أو إنفاقًا مجحِفًا في غير اللائق من أمور الحياة، وحتى لا يفسدوا أموالهم، ويجرموا في حق أنفسهم، وحتى لا يفسدوا بأموالهم مجتمعاتهم، وحتى لا تتعطل أموالهم أيضًا من الاستثمار والتنمية..
لذلك كله أوجب الله تعالى لهم عددًا من الحقوق التي تعينهم على اجتياز دهاليز الحياة، وتأخذ بيدهم لئلا يصبحوا عرضةً لعبث العابثين، أو ضحيةً لضعف تدبيرهم بين العالمين.
ثانيا: هل وصف ﴿السُّفَهَاءَ﴾ في الآية للذم أو لشيء آخر؟
لا تعجب إن قلتُ لك: إنه ليس للذمِّ، بل هو هنا لقب قانوني يُراد به إعادة تأهيل هذه الفئة، وليس للذم المحض كما في سورة البقرة فلن ترى الهدف من إيراده مثل اللقب الوارد في قوله تعالى : *أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ* [البقرة: 13] *سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا* [البقرة: 142] وإن أخذ المعنى ذاته، فإيراده في سورة البقرة مرادٌ به الذمُّ الخالصُ، إذ ترى من اتصفوا به يتصرفون تصرف من لا يملك عقلًا أو من ضعف عقله، بينما اللقب هنا قانوني لبيان حقوق هؤلاء السفهاء على المجتمع حتى لا يصبحوا أداة تخريبٍ دون أن يشعروا أنهم يخربون، وتجب رعايتهم من أجل ألا يفسدوا من حيث لا يعلمون أنهم يفسدون، فقد يبلغ بهم السفه أن يدمروا أموالهم، ويفسدوا في المجتمع حولهم وهم يظنون ذلك بطولة..