منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بَعْضُ القبَسِ من نور الميلاد الأنفسِ

الدكتور عبد الرزاق مرزوق 

0

بَعْضُ القبَسِ من نور الميلاد الأنفسِ ([1])

بقلم: الدكتور عبد الرزاق مرزوق 

 

الحمد لله ربي القدير وحسبي، منزل كسبيي وجابر عطْبي، والصلاة والسلام على أحمد المصطفى إمامي ورائد دربي، وسيدي الأعلى ما مضى سعيي واستمر دأْبي، وعلى عترته الأطيبين الأطهار، وصحابته الأنجبين الأبرار، وتابعيهم إلى يوم القرار.

وبعد، حَيَّاكم الله مَلَأَ هذه الأُمْسِيَة المباركة: بَاعِثِيها من أهل موقع “منار الإسلام” الأغر، مشرفين، ومنظمين وراعين، وعامريها من السادة الأئمة النافعين، وناظريها من جَمْهَرَةِ المشاهدين المتابعين.. أحييكم جميعا تحية مبارَكة طيبة، واسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم بذكر سيدنا محمد ﷺ، والصلاة عليه، وما نتناول به ذكرى ميلاده الأنفس، وربيعُ السعد الذي أخصَبَ به ينفَلِق ويتنفس، مِن الاِهتبال وَلَاءً واحتِفاء، ومِدْحَةً وثناء، ويُكلِّلَ نفعنا بنيل شفاعته العظمى.. آمين.

ثم أقول – مفتَقِراً إلى دعائكم بالتيسير -: قد سمَّيتُ مَقالَتِي القَليلةَ هذه: “بَعْضُ القَبَسِ مِن نُورِ المِيلَادِ الأَنْفَسِ”، ورَفَعْتُها على قاعدة ذاتِ بال، هي النَّظَرُ إلى مشهد المولد النبوي الشريف من زاوية الشُّمول: إحصاء لكل ما يتصل به؛ مما تَمَّتْ به لسيدنا محمد ﷺ من رَبِّه العناية، وسارتْ به الكفاية والعناية، ومِنْ ذلكم مشهَدُ الرَّضَاعِ النبوي الشريف، الذي دعاني إلى تناوله أمران رئيسان:

 

الأول: أن استقلال مشهد الرضاع النبوي الشريف بباب منفصل عن باب المولد النبوي الشريف، لا يعني أن بين المشهدين من الزمان ما يدل على انفصال كلي ولا جزئي، بل الرضاع متصل بالميلاد لزوما من جهة الواقع المشاهد، ومن جهة السُّنَّة الكونية القاضية باضطرار المولود في الوقت نفسه الذي يولد فيه إلى الرضاع.

ولا يخفى جريان ذلك على ميلاد سيدنا محمد ﷺ جرَيَانَ طبْع باعتباره بشرا، وجريانَ اختصاص بما أصابه من عناية ربه عز وجل به باعتباره نبيا مصطفىً، فلِعامة البشر شأن في اضطرار المولود إلى الرضاع في نفس وقت ميلاده، ولسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك شأن آخرُ، ذُو اختصاص يَرِدُ دَوْماً ويَتَبَادَرُ، يستدعي التأمل، ويستحق الفَزَعَ إليه والتوصُّل.

الداعي الثاني: أننا نَخشى إن لم يذكر رَضَاعُ سيدنا محمد ﷺ خلال حديث المولد النبوي الشريف أن ألا يُذكر أبدا، لا سيما وأن مثل هذه المناسبة الكريمة من المناسبات المواكِبات لمشاهد السيرة النبوية لا تجري إلا منفصِلة من جهة الوقت؛ معلَّقَة بتواريخها المتباعدة، فيحسنُ إدراجُ مشهدِ الرضاع الشريف إدراج تذكير واستكمال، لأن ما تخللهُ من أعلام النبوة لا يقل عما تخللَ مشهد الميلاد.

لذا ضمنتُ مقالتي قبساتٍ من مشهد الرضاع النبوي الشريف، الذي ترويه مُرضِعَةُ سيدنا محمد ﷺ المَرْضِيَّةُ، السيدةُ الجليلةُ حليمةُ السعديَّة رضي الله عنها، وجعلتُ هذه القبسات أصنافا، فوضعتٌ لكل صنف اسماً، وعلَّقتُه بالمشهد المروِيِّ نَصّاً ورَسْماً، مع التبيين لمحل المروِيِّ من الثبوت، من كلام الحافظ ابن كثير، الذي قال – معلِّقا عليه، بعد إيراده طريق من طرقه في كتابه البداية والنهاية -: (وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي)([2]).

وكذا ما أخرجه ابن سعد في طبقاته – من طريق برة بنت أبي تجراة -: (أن أول من أرضع رسول الله ﷺ ثويبةُ بلبن ابنٍ لها يُقَالُ لَهُ مسروح؛ أياما قبل أن تُقدم حليمة) ([3]).

 فأول الأصناف: ما جرى به عَلَم النبوة إلهاما، وثانيها: ما جرى به إنعاما، وثالثها: ما جرى به إيذانا وإعلاما.

فأما عَلَمُ الإلهام؛ ففي قول السيدة حليمةَ السعدية رضي الله عنها: (فكنا نقول: “يتيم ما عسى تصنع أمه وجده”، فكنا نكرهه لذلك، فو الله ما بقي من صواحبي امرأةٌ إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، فذهبتُ فأخذتُه، فجئت به رحلي).

 

وأما علَمُ الإنعام؛ ففي قولها: (فلما وضعته في حِجْري أقبل عليه ثَدْيَايَ بما شاء الله من لبن، فشرب حتى رَوِيَ ([4])، ثم شرب أخوه حتى رَوِيَ ثم ناما، وقام زوجي إلى شارفنا فإذا إنها لحافل، فحلَب فشرب وشربت حتى انتهينا، وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: تعلّمي ([5]) يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسَمةً مباركة، ألم تري إلى ما بتنا فيه الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟، قالـت: قلت: والله إني لأرجو ذلك)، ومِن قبلُ قالت – تصف حالَهما أثناء الذهاب -: (ومعي صبيّ لنا، وشارف ([6]) لنا والله ما تَبِضُّ ([7]) بقَطرة، وما ننام ليلَنا أجمعَ مِن صَبيِّنا ذاك؛ لا يجد في شارفنا ما يكفيه، ولا في ثَدْيَيَّ ما يغنيه).

 

وأما عَلَمُ الإيذان والإعلام؛ ففي قولها رضي الله عنها: (ثم قدمنا أرض بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله تعالى أجدبَ منها، فكانت غنمي تسرح ثم تروح شِباعاً لُبْناً ([8])، فنحلُب ونشرَب وما يحلُب إنسانٌ قطرة لبن، ولا يجدها في ضَرْعٍ، إن كان الحاضر ([9]) من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم حليمة فاسرحوا معهم، فيسرَحون مع غنمي حيث تسرح، فتروح أغنامهم جياعاً ما فيها قطرةُ لبن، وتروح غنمي شِباعاً لُبْناً.

قالت حليمة: فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرّفها، حتى بلغ صلى الله عليه وسلم سنتين، فكان يشِبُّ شباباً لا يشِبُّه الغِلمان، فَوَاللَّهِ مَا بَلَغَ السَّنَتَيْنِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا ([10])، فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء بِهِ مِمَّا رَأَيْنَا فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ).

هذا ما يسر الله زبره من هذه المقالة القليلة، وكان الفراغ من تقييده صبيحة يوم الخميس، التاسع من شهر ربيع السعد الأول، سنة أربع وأربعين وأربعمئة وألف من هجرة سيدنا محمد ﷺ، بمراكش الحمراء حرسها الله


[1]  – محاضرة الخميس 09 ربيع الأول 1444هج – 06 أكتوبر 2022م.

[2]  – البداية والنهاية: 2/335.

[3]  – الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/118.

[4]  – رَوِيَ: اللازم، مثل رَضِيَ، تقول: رَوِيتُ أَرْوَى رِيّاً وَرَيّاً وَرِوىً، والمتعدي منه: رَوَيْتُ القوم أَرْوِيهِم: إذا استقيتَ لهم الماء.

[5]  – من أفعال القلوب التي تتعلق معانيها بالقلب، أي: اعلمي يقينا.

[6]  – ناقة شارِف: مسنة.

[7]  – ما تسيل.

[8]  – لُبْناً ولِبْناً: جمع لبون من الشاء والإبل، أي ذات لبن

[9]  – المقابل للبادي.

[10]  – قويا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.