منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رافعة الحروب الصهيونية: رواية العدو بين الوهم والوظيفة السياسية؟

محمد رضا السيد

0

رافعة الحروب الصهيونية:

رواية العدو بين الوهم والوظيفة السياسية؟

بقلم: محمد رضا السيد

يستخدم العدو الصهيوني التضليل والخداع سواء بنشر معلومات كاذبة أو استغلال الخلافات الداخلية بشكل موجه، أو نشر إشارات متعمدة لخداع الرأي العام والخصم، حيث يُصبح الكذب رافعة للحروب وذريعة للدمار، وهو على هذا منذ نشأته.

ويتجه العدو إلى بناء عقيدته السياسية والعسكرية على أربعة روافع تتمثل على ما يبدو في: الخداع، والحرب النفسية، والضربة الاستباقية، والسيطرة على الرواية الإعلامية.

ويستخدم كيان العدو هذه الأدوات بفعالية، وأثبت أن جزءًا كبيرًا من خطابه — داخليًا وخارجيًا — لا يُعتمد عليه كحقيقة، بل يُوظّف لتحقيق أغراض أمنية أو سياسية.

 وإلى اليوم يعمل (ناحوم برنياع) محللا سياسيا في صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية وهو الذي لا يفتأ يتحدث عن انتصارات حماس وبطولات المقاومة، وبظل آرائه المستفزة للمجتمع الاستيطاني! كقوله: “للأسف الشديد، لا يوجد انتصار في الأفق. وأقوال رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو عن حرب لفترة طويلة هي بديل تسويقي لانتصار غير موجود“.

 أو قوله: “حماس خدعتنا للمرة الثانية، وتركتنا يوما كاملا نتوغل على محورين، ثم فاجأتنا، على ما يبدو بقوات النخبة، جثث جنودنا في شارع النصر، وعلى الطرقات.. يبدو أن قواتنا أمام خيارين: إما الانسحاب، أو الموت المذل”.

وعلى غراره، كتب (يائير غولان)، رئيس حزب”الديمقراطيين” الصهيوني، والنائب السابق لرئيس هيئة أركان الجيش الصهيوني أن”.. الدولة العاقلة لا تخوض حربًا ضد مدنيين ولا تقتل الأطفال كهواية وتضع تهجيرهم هدفًا لها “.

 وأضاف: “إن الحكومة عاجزة، ومليئة بأشخاص حاقدين ولا أخلاقيين، يشكلون خطرًا على وجود “الإسرائيليين”، ويدفعون الدولة العبرية لأن تصبح منبوذة من قبل الأمم، مثلما كانت جنوب أفريقيا في الماضي.

وثار ضد (برنياع) و(غولان)، مسؤولون بإدارة كيان العدو، ومنهم؛ وزير خارجية الكيان الذي اعتبر أن “تصريحات يائير غولان ضد “إسرائيل” وجيشها لا تغتفر وستكون وقودا لنار معاداة السامية..“.

وهاجمه وزير الأمن القومي بالكيان (إيتمار بن غفير) قائلا: “هواية يائير غولان الوحيدة هي الافتراءات الدموية المعادية للسامية ضد دولة “إسرائيل”.

حتى أن معارض نتنياهو عضو الحكومة المصغرة المستقيل (بيني جانتس) قال: “إسرائيل” لا تقتل الأطفال كهواية ويائير غولان كاذب ويعرض حرية جنودنا للخطر أمام المحاكم الدولية..“.

حتى أن رواية يائير غولان قد تكون ضمن الخداع الإعلامي أو ما يسمى (صناعة الكذب) الذي يتقنه الصهاينة، فبحسب الصحفي الاستخباراتي الصهيوني (رونين بيرغمان) أوضح تفصيليا بعض خطط الموساد لاغتيالات سرية، وكيف كانت تل أبيب تنشر قصصًا كاذبة لتبرير العمليات، ومن أشهر كتب “بيرغمان”: “Rise and Kill First: The Secret History of Israel’s Targeted Assassinations” وفيه يوثّق كيف خدعت “إسرائيل” العالم في تنفيذ عمليات الاغتيال والتجسس.

وفي كتابه: Rise and Kill First”” يقول: “الخداع الإعلامي جزء أصيل من استراتيجيات “إسرائيل.”

وللكاتب الصهيوني آري شافيت المتخصص في النقد السياسي، وثق تناقضات “إسرائيل” وخداعها للعالم بشأن الديمقراطية والسلام وذلك بكتاب (الأرض الموعودة..) أو “ My Promised Land: The Triumph and Tragedy of Israel“.

 كما أن رئيس الحكومة السابق  ووزير الدفاع إيهود باراك، كثيرا ما يظهر مناقضا لحكومة نتنياهو معترفا في أكثر من مقابلة بوجود حرب نفسية وإعلامية موجهة ضد الفلسطينيين والعرب. وهو أثبته أيضا في كتابه: “My Country, My Life” مشيرا إلى أن “الحديث عن الانقسام الداخلي إعلاميا لا يعني الضعف، بل قد يكون جزءًا من أدوات تكتيكية”. أو  ما يمكن تسميته “وظائف مسرحية” قد يكون هو أحد أبطالها.

ومع العدوان الجاري الذي يدخل عامه الثالث على التوالي بنحو 570 يوما، هدد الاحتلال باجتياح رفح، وقبل الاجتياح، تحدث الإعلام الصهيوني عن “خلاف حاد” في الحكومة حول العملية وأن هناك ضغوطًا أمريكية تمنعهم، وفي النهاية نُفذت العملية بدقة حسب الخطة المعدة، ما يدل أن نقاشات الخلاف كانت على الأرجح موجهة للرأي العام والمقاومة لتأخير الاستعدادات.

وقالت تقارير مشابهة، إنه خلال العدوان على غزة (2021 و2023)، نشرت الصحف الصهيونية تسريبات عن “خلافات” بين الجيش والحكومة، وبعض هذه التسريبات تحدثت عن رفض الجيش اقتحام غزة بريًا، وبعضها عن أن الشاباك يعارض قرارات نتنياهو. ولكن لاحقًا تبين أن القرارات كانت متفق عليها مسبقًا، وأن نشر “الخلاف” كان هدفه تضليل المقاومة وحلفائها ليظنوا بوجود تردد.

 لا تصدقوا الخلافات

وعلى وقع ذلك خلص مراقبون إلى أن كثير من الانقسامات السياسية داخل الكيان و”الخلافات” بين اليمين واليسار، أو بين الشاباك والجيش والحكومة، تُنشر في الإعلام، جزء منها حقيقي، لكن الجزء الأهم هو ما لا يُقال، وما يُنشر قد يُستخدم لتضليل الخصوم.

خلاصة آراء المحللين أن العدو لا يُصدق. بل يُحلّل، ويُفكك، وتُفهم أهدافه من بث معلومة معينة. نحن لا “نصدّقه” ولا “نُكذّبه” تلقائيًا، بل نُخضع أقواله للتحقيق والتحليل ونبحث عن الهدف من وراء كل معلومة ينشرها مع الالمام بأن إظهار الضعف قد يكون حيلة لتوجيهنا إلى ردة فعل خاطئة.

كلام العدو يؤخذ بجدية؛ حين يعترف بأمر بعد وقوعه لأن إنكاره لم يعد مفيدًا، وحين تتطابق أقواله مع وقائع ميدانية مؤكدة من أطراف محايدة، وحين يُجبر على الاعتراف نتيجة فضيحة أو تسريب لا يمكن احتواؤه.

وذلك مثل كشفه مرات عديدة “أسرارًا” عن العمليات الخاصة، وتسريبات من داخل الشاباك، ولكن بعض هذه التسريبات تبين لاحقًا أنها كانت مُعدة مسبقًا لأهداف نفسية، منها تشويه صورة قادة فلسطينيين أو تقديم روايات تخدم حملة سياسية أو عسكرية.

ومثال ذلك، ما كتبه المحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة، وهو يعلق على اعتراف “يوآف جالانت”، الذي أقرّ بتصريحاته في أبريل 2025 بأن النفق في محور فيلادلفيا، تلك الصورة التي بثها جيش الاحتلال في ديسمبر 2024، كان مزعوما!. وعبر حساب إكس@wesamaf يقول: “.. مرةً أخرى، يُسدل الستار عن فصلٍ جديد من فصول الكذب في زمن الحرب، وهذه المرة من قلب المؤسسة العسكرية لكيان العدو، وعلى لسان وزير دفاعه يوآف جالانت.. لم يكن سوى أكذوبة صُنعت لتأخير صفقة تبادل الأسرى.”.

وأضاف “جالانت لم يخترع العجلة، بل سار على خطى أسلاف سبقوه في عالم التضليل الاستراتيجي، حيث يُصبح الكذب رافعة للحروب وذريعة للدمار. نتذكر حادثة خليج تونكين عام 1964، حين ابتدعت الولايات المتحدة ذريعة واهية للتورط في مستنقع فيتنام. ونسترجع ملف أسلحة الدمار الشامل في #العراق عام 2003، حين وقف كولن باول في قاعة مجلس الأمن يقدم صوراً وتقارير ثبت زيفها بعد أن غرق العراق في دوامة الاحتلال والدمار.”.

وأردف، “ولا ننسى عملية نورثوودز عام 1962، التي اقترحت فيها وزارة الدفاع الأمريكية تنفيذ هجمات مزيفة على أراضيها لتبرير غزو كوبا، لولا أن الرئيس جون كينيدي أوقفها في اللحظات الأخيرة. وحتى بريطانيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) لم تتورع عن اختلاق قصص “فظائع الألمان” في بلجيكا لتجييش الرأي العام”.

وأشار إلى أن “الكيان الصهيوني لم يشذّ عن هذه القاعدة، بل جعل منها سياسة متكررة. في نوفمبر 2023، زعم أن مستشفى الشفاء في غزة يخفي أنفاقاً ومراكز قيادة للمقاومة، ليبرر قصف المستشفيات والمدارس ومخيمات النزوح. واليوم، يأتي اعتراف جالانت ليُسقط ورقة توت أخرى عن جسد هذا الاحتلال العاري من الأخلاق”.

مكر وخداع استراتيجي

ومن أبرز المفكرين العرب الذيب حللوا أساليب الخداع التي يوظفها الاحتلال الصهيوني وجيشه،  المفكر د.عبد الوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة: “اليهود واليهودية والصهيونية، والتي أكد فيها أن الفكر الصهيوني قائم على المكر والخداع الاستراتيجي وأن هناك فرّق بين “ما يُقال للعالم” و”ما يُخطط له داخليًا”، مؤكدًا أن الرواية الصهيونية تخدم السياسة دائمًا.

ومن جانب المحللين الغربيين يظل المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي (يهودي) منتقدا  باستمرار لآلة الدعاية “الإسرائيلية” ومما قال: “إسرائيل” تُجيد استخدام الإعلام كغطاء لحروبها، وتخدع الجمهور الأمريكي والعالمي”، وله كتاب بعنوان “المثلث المميت: الولايات المتحدة، و”اسرائيل”، والفلسطينيين” وفيه تحليل لخطاب الإعلام الأمريكي المنحاز، وأدوات التضليل “الإسرائيلي”.

كما لا يتوقف المؤرخ إيلان بابيه (المطرود من تل أبيب إلى باريس) في كتابه “التطهير العرقي في فلسطين” فضح زيف الرواية الصهيونية حول النكبة ويؤكد أن “إسرائيل” زوّرت الروايات لتبدو دائمًا كأنها “الضحية”، مع أنها كانت تبادر بالعدوان.

قديم حديث

وتلاعبت تل أبيب إعلاميا بقوة قبيل حرب 1967 ضمن (الخداع الاستراتيجي) حيث كانت تبث إشارات “ضعف” و”خوف”، وتُلمّح بأنها غير جاهزة، إلى أن جاء الهجوم مفاجئا صباح 5 يونيو بضربة جوية دمرت سلاح الجو المصري وهو على الأرض
.

وفي حرب أكتوبر 1973، رغم أن مخابرات كيان العدو المعروفة باسم (أمان) كانت لديها مؤشرات على استعداد مصري سوري للهجوم، فإن القيادة ظنت أنه “تهديد فارغ وهو ما يبدو تكرر في 7 أكتوبر .

وفي مذكراته، اعترف موشيه ديان (وزير الدفاع في 67) أن “إسرائيل” كانت تشن غارات محدودة ضد العرب ثم تدعي أنهم من بدؤوا الاشتباك، وكان الهدف هو؛ تبرير الرد العسكري الكبير وخلق غطاء دبلوماسي. قائلا: “علينا أن نُظهر أنفسنا دائمًا في موقع الدفاع، حتى لو كنا نحن من بدأ المعركة فعليًا.”

مذكرات ديان “ Story of My Life” تحدث فيها أيضا عن قرارات الحرب والعمليات السرية معترفا بتضليل الرأي العام واختلاق ذرائع للاشتباك على غرار ما اعترف به “جالانت” في أبريل الماضي.

تعليق غير مباشر من الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل سجل في كتابه “الطريق إلى رمضان”، يحلل كيف استخدمت “إسرائيل” التضليل قبل وأثناء حرب 1973. وفي كتاب “1973.. السلاح والسياسة”، يستعرض كواليس المعركة، والتضليل السياسي في المفاوضات. وفي كليهما يشير إلى كيف يتعمد العدو تضخيم الخلافات الداخلية في الإعلام لتضليل العرب” قائلا: “كثير من تصريحات قادتهم قبل الحرب كانت مصممة لإخفاء نواياهم الحقيقية.”

وثائقيات

وعبر الجزيرة الوثائقية، يتناول مقدم البرامج علي الظفيري في حلقة من برنامج “في العمق” كيفية صناعة خطاب إعلامي يخدم مصالح معينة، ويتأثر بها الجمهور العام، مع إشارات ضمنية إلى استراتيجيات مشابهة تستخدمها الجهات المختلفة بما فيها تل أبيب.

https://youtu.be/AkelPiPhTTs

وفي لقاء تحليلي بقناة (القاهرة) الإخبارية، يكشف استراتيجيات منظمـة لنشر الأكاذيب عبر منصات الدعاية الصهيونية لاستهداف الرأي العام-حالة مصر.

https://youtu.be/GRgdUnfBJ8c

واستعرض تقرير من سلسلة “ثمن الحرب” على الجزيرة 360؛ عبر تحقيقات وتحليلات ميدانية كذب الرواية “الإسرائيلية” حول أحداث 7 أكتوبر.

https://youtu.be/5Ui54-lFHaE

كما يستعرض فيلم توثيقي تحليلي كيف تُدار الحرب الإعلامية عبر الأكاذيب والتلاعب بالرأي العام.

https://youtu.be/JfRHrK7uORQ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.