منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العالمة المفسرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها || الكرام البررة

يعقوب زروق

0

الكرام البررة

العالمة المفسرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
يعقوب زروق

إن الله تعالى قصص علينا في كتابه قصص أنبيائه ورسله وآخرين صالحين ما هم بأنبياء ولا رسل. ودعا حبيبه صلى الله عليه وسلم ونحن بالتبع له للاقتداء بهم فقال سبحانه : {أولٰئِك الّذِين هدى اللّه  فبِهداهم اقتدِه } [الأنعام٩٠]

وقد أثر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: قصص الصالحين  أحب إلي من كثير من الفقه لأنها آداب القوم.

لما فيها من ترقيق للقلوب وتثبيت للأفئدة وتسلية للنفوس. ولأنها توقظ الهمم وتستحث النفوس لتنافس القوم فيخاطب امرؤ  نفسه فاتك الرجال يا خسيسة.

ولذلك اعتنى الصالحون من هذه الأمة بسير الرجال. فكتبوا في التراجم والطبقات. وجعلوا لأهل كل فن طبقات كطبقات المالكية والشافعية وطبقات القراء والمحدثين والصوفية وهكذا. فجزاهم الله خيرا.

فرأيت أن نستفيد من ذلك فيما يتعلق بالقرآن الكريم. فاستعنت بالله في اختيار أعلام من طبقات شتى عرفوا بخدمتهم لكتاب الله تعلما وتعليما. لعلّ الله ينفعنا بهم. فترتفع الهمم لحفظ كتاب الله تعالى، وتلاوته حق تلاوته، والعناية به كما اعتنوا. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.

1 –  العالمة المفسرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

 بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته في الدنيا والآخرة. فضائلها لا تحصى. وإنما يهمنا هنا من ذلك ما يتعلق بالقرآن الكريم.

فاعجب معي بداية كيف أن أمين الوحي جبريل عليه السلام يسلم عليها وافهم أية إشارة في ذلك.  قالت: قال رسول اللهِ ﷺ: (يا عائِش! هذا جِبرِيل، وهو يقرأ عليكِ السّلام .) قالت: وعليهِ السّلام ورحمة اللهِ، ترى ما لا نرى يا رسول اللهِ.[1]

واعجب كيف خلد القرآن براءتها وطهرها وعفتها وألجم شانئها وكبته.

وانظر إلى تواضعها رضي الله عنها.  قالت بعد كلام: وأنا أعلم أنِّي برِيئةٌ، وأنّ الله -تعالى- يبرِّئنِي بِبراءتِي، ولكِن -واللهِ- ما ظننت أنّ الله ينزِل فِي شأنِي وحيا يتلى، ولشأنِي كان فِي نفسِي أحقر مِن أن يتكلّم الله فِيّ بِأمرٍ يتلى، ولكِن كنت أرجو أن يرى رسول اللهِ ﷺ فِي النّومِ رؤيا يبرِّئنِي الله بِها.[2]

واعجب ثالثة من الوحي لم يحتجب عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة رضي الله عنها:  لا تؤذِينِي فِي عائِشة ؛ فإِنّ الوحي لم يأتِنِي وأنا فِي ثوبِ امرأةٍ إِلّا عائِشة “.  : فقالت أم سلمة : أتوب إِلى اللّهِ مِن أذاك يا رسول اللّهِ.[3]

رضي الله عن أمنا أم سلمة تابت من كلامها في حق عائشة ما إن علمت أن فيه أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ملازمة للقرآن عاملة به، متعلمة ومعلمة له.

تتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وتفسيره فتسأل : ” يا رسول اللهِ، ﴿الّذِين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجِلةٌ﴾ [المؤمنون: 60] أهو الّذي يزني ويشرب الخمر ويسرِق؟ قال: لا يا ابنة الصِّدِّيقِ، ولكنّه الرّجل يصوم ويصلِّي ويتصدّق، ويخاف أن لا يقبل منه.[4]

 وحين سمعته  ﷺ يقول  «من حوسب، يوم القيامة، عذب» تسأل  أليس قد قال الله: ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا؟﴾ فقال:«ليس ذاك الحساب. إنما ذاك العرض. من نوقش الحساب يوم القيامة عذب»[5].

 كانت تعلم الناس القرآن وتحثهم عليه، فلا تسأل عن شيء إلا وأجابت بالقرآن منبهة السائل إلى أن الجواب في كتاب الله، فقد سئلت عن زواج المتعة فقالت بيني وبينكم كتاب الله واستدلت على تحريمها بقوله تعالى: ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) وسئلت عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت للسائل: ألست تقرأ ( يا أيها المزمل ). وسئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ألست تقرأ القرآن؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن. وسئلت عن التبتل، وهو ترك الزواج. فقالت أما سمعت الله عز وجل يقول: ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية ) فلا تتبتل. وسئلت هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه فتذكر قول الله تعالى: ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار)

ولما استشكل عن عروة، قول الله تعالى: ﴿إِنّ الصّفا والمروة مِن شعائِرِ اللّهِ فمن حجّ البيت أوِ اعتمر فلا جناح عليهِ أن يطّوّف بِهِما﴾ سألها: فواللّهِ ما على أحدٍ جناحٌ أن لا يطّوف بِهِما؟ فقالت عائِشة: بِئسما قلت يا ابن أختِي إِنّها لو كانت على ما أوّلتها عليه كانت: فلا جناح عليه ألّا يطّوف بِهِما، ولكِنّها إِنّما أنزِلت أنّ الأنصار كانوا قبل أن يسلِموا كانوا يهِلّون لِمناة الطّاغِيةِ، التِي كانوا يعبدونها عِند المشلّل. وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوّف بِالصّفا والمروةِ، فسألوا عن ذلِك رسول اللّهِ ﷺ، فقالوا: يا رسول اللّهِ، إِنّا كنّا نتحرّج أن نطّوف بِالصّفا والمروةِ فِي الجاهِلِيّةِ. فأنزل اللّه عزّ وجلّ: ﴿إِنّ الصّفا والمروة مِن شعائِرِ اللّهِ﴾ إِلى قولِهِ: ﴿فلا جناح عليهِ أن يطّوّف بِهِما﴾ قالت عائِشة: ثمّ قد سنّ رسول اللّهِ ﷺ الطّواف بِهِما، فليس لِأحدٍ أن يدع الطّواف بِهِما.[6]

وهذا غيض فيض علمها وفضلها، وقد ألف بعضهم في تفسير عائشة رضي الله عنها. منها مرويات أم المؤمنين عائشة في التفسير” – للدكتور سعود بن عيد الجربوعي.

رضي الله عنها وأرضاها ونفعنا بعلمها.


[1]  – أخرجه البخاري (3217)

[2]  – شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ)  سير أعلام النبلاء. تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة. الطبعة: 1405 هـ . ج 2 . ص158

[3]  – البخاري. 2581.

[4]  – أخرجه الترمذي (3175)، وابن ماجه (4198).

[5]  – صحيح مسلم  2876

[6]  – تفسير ابن كثير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.