منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(6)تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(6)تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل الأول: زلزال السنن وقراءة التحولات الحضارية

 

المبحث الخامس: الاستشراف السنني لمآلات الصراع

1. حتمية “الاستبدال الحضاري”: نهاية حقبة الغثائية وبداية حقبة الشهود

إنَّ القراءة العميقة لما بعد زلزال الطوفان تضعنا وجهاً لوجه أمام القانون السنني الصارم الذي لا يحابي أحداً: قانون “الاستبدال الحضاري”. ففي منطق الوحي والتاريخ، لا تبقى الأمم في حالة “الغثائية” إلى الأبد؛ فإما أن تستفيق وتجدد “إرادة الفعل”، وإما أن يُطبق عليها حكم التبديل السنني لتفسح المجال لمن هم أجدر بحمل الأمانة.

إننا اليوم نشهد “إرهاص الاستبدال” في أوضح صوره؛ حيث لم يعد الطوفان مجرد حدثٍ عسكري عابر، بل صار “منخلاً تاريخياً” يفرز الخبيث من الطيب، ويُسقط النخب والأنظمة التي أدمنت الهوان واتخذت التبعية ديناً، ليمهد الطريق لبروز “الكتلة الصلبة” التي صهرتها المحن وصاغها المنهاج. إنَّ قوله تعالى: “وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ”، ليس مجرد وعيدٍ تاريخي، بل هو “معادلة كيميائية” للحضارات؛ فالقوم المستبدلون يتميزون بالضرورة بأنهم “لا يكونوا أمثالكم” في العجز، ولا في الذلة، ولا في الوهن، وهذا هو بالضبط ما أنتجته “مدرسة الطوفان”؛ جيلٌ كسر نمطية “الإنسان الوظيفي” التابع، وخرج من تيه الغثائية ليقود الأمة نحو “حقبة الشهود” الحضاري.

إنَّ تحليل موازين القوى العالمية انطلاقاً من هذه السنّة يكشف لنا عن “أفول الغرب” قيميّاً وسياسيّاً؛ فالحضارة التي قامت على الاستعمار والاستلاب بدأت تفقد “وقودها الأخلاقي”، وصارت تتخبط في صراعاتها الداخلية وتناقضاتها الحقوقية، مما يمهد لبزوغ فجر “الشرق الإسلامي” لا كجغرافيا تابعة، بل كـ “قطب قيمي جديد” يمتلك الرؤية البديلة لإنقاذ البشرية من العدمية والمادية السائلة.

إنَّ الاستبدال الذي نتحدث عنه يبدأ من “استبدال المفاهيم”؛ حيث سقطت مفاهيم “الواقعية الانهزامية” وحلت محلها “الواقعية الجسورة”، وسقطت نخبة “المثقف الوظيفي” لتبرز نخبة “المجاهد المرابط”. إنَّ هذا التحول هو “المخاض الحضاري” الذي يسبق التمكين؛ فالله لا يمنح القيادة لأمةٍ غارقة في “حب الدنيا وكراهية الموت”، بل يمنحها لمن حرروا أنفسهم من قيود المادة واستعلوا بإيمانهم فوق جبروت التكنولوجيا.

إننا نستشرف من خلال الطوفان نهاية “عصر الوصاية”؛ فالأنظمة التي ظنت أنها “قدر الأمة” المكتوب أصبحت تعيش خارج سياق التاريخ، بينما أصبحت “الكتلة المنهاجية” المرابطة هي المحرك الفعلي للوعي الجمعي، وهي التي تعيد تعريف “المستحيل” وتفتح أبواب الأمل للشعوب المستضعفة. إنَّ حتمية الاستبدال تقتضي أنَّ “الجيل الجديد” الذي رضع لبان العزة من تضحيات غزة، لن يقبل بالعودة إلى حظيرة التبعية، مما يعني أننا بصدد “ثورة سوسيولوجية” صامتة ستغير ملامح النظام العالمي في العقود القادمة.

إنَّ الأفول الغربي ليس مجرد تراجع عسكري، بل هو “إفلاس إبستيمولوجي” جعل الغرب غير قادر على تقديم حلول لمشاكل الروح والعدالة، وهنا تبرز مهمة “أمة الشهود” التي استعادت بوصلتها؛ لتقدم للعالم نموذجاً يزاوج بين القوة والقيمة، وبين العقل والوحي. إنَّ الطوفان هو “صافرة البداية” لعملية الاستبدال الكبرى، حيث تتحلل “البنى القديمة” المتآكلة، وتنبثق “البنى الجديدة” المترابطة، مؤكدةً أنَّ المستقبل ليس لمن يملك “العتاد” الأكثر ضخامة، بل لمن يملك “الحق” الأكثر صلابة و”المنهاج” الأكثر استقامة. وبذلك، يختتم الطوفان عصر “الهباء النوعي” ليدشن عصر “الوزن الإستراتيجي” للأمة، تنفيذاً للوعد الإلهي وتصديقاً لسنن التاريخ التي لا ترحم المتولين، وتفتح ذراعيها للمستبدلين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا “القوم” الذين لا يكونون أمثال من سبقوهم في الذل والتبعية، بل يكونون أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون: “وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ”.

2. مآل “الكيان الوظيفي”: من التمدد الإمبراطوري إلى الانكماش الوجودي

إنَّ الاستبصار السنني لمسار الصراع يضعنا أمام حقيقة تاريخية كبرى؛ وهي أنَّ الكيان الصهيوني قد دخل فعلياً مرحلة “الأفول البنيوي” بعد أن استنفد طاقته التوسعية التي قامت على “أسطورة الجيش الذي لا يُقهر” و”الأمن المطلق”. فبعد عقودٍ من محاولات التمدد الإمبراطوري (سواء عبر القوة العسكرية المباشرة أو عبر “الاختراق الناعم” بالتطبيع والتبعية الاقتصادية)، جاء “الطوفان” ليجبر الكيان على الانكفاء داخل “جدران الخوف” المادية والنفسية.

إننا نشهد اليوم تحولاً إستراتيجياً جذرياً؛ حيث لم يعد الكيان “ذخراً إستراتيجيًا” للمركزية الغربية يحمي مصالحها في المنطقة، بل تحول إلى “عبءٍ أخلاقي وعسكري وكلفة مادية” باهظة تُثقل كاهل الرعاة الدوليين. فالدولة التي كانت تُسوق كـ “قلعة للديمقراطية” والتقدم، أصبحت اليوم “وصمة عار” حقوقية تطارد الغرب في محافله، وجيشاً يستجدي الذخائر والمساعدة لكسر شوكة ثلة من المحاصرين؛ وهذا التحول هو “إرهاص السقوط” السنني الذي يسبق الانهيار الكبير.

إنَّ تشريح هذا المآل يقودنا إلى قراءة “سنن سقوط القرى الظالمة”؛ فالحضارات والكيانات التي تُبنى على “الظلم الصراح” والإبادة والسطو على التاريخ والجغرافيا، تحمل في أحشائها بذور فنائها. فالكيان الصهيوني يعاني اليوم مما نسميه “الشتات القلبي”؛ وهو التحلل الداخلي الذي يسبق الانهيار الخارجي. فالتناقضات بين “اليمين الديني” والمنظومة “العلمانية الليبرالية”، وبين “المستوطن” الذي يبحث عن الرفاه و”المقاتل” الذي لم يعد يؤمن بجدوى الحرب، خلقت شرخاً في “العقد الصهيوني” لا يمكن ترميمه. إنَّ قوله تعالى: “بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ”، يتجلى اليوم في أبهى صوره السوسيولوجية؛ حيث أصبح المجتمع الصهيوني غابة من الكراهيات المتبادلة، ولم يعد يجمعه إلا “الخوف من الطوفان”، وهو جامعٌ هش ينهار عند أول انكسارٍ جدي للردع.

إنَّ مآل “الانكماش الوجودي” يعني أنَّ الكيان قد فقد القدرة على “صناعة المستقبل”؛ فهو اليوم يقاتل فقط من أجل “تأجيل النهاية”. لقد سقطت أسطورة “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، وتحل محلها اليوم حقيقة “إسرائيل المذعورة” خلف الأسوار والأنظمة الدفاعية. إنَّ هذا الانكماش ليس جغرافياً فحسب، بل هو انكماشٌ في “الدور الوظيفي”؛ فالعالم لم يعد يرى في هذا الكيان “القوة المتفوقة” التي تضمن الاستقرار، بل يراه “بؤرة استنزاف” دائمة تهدد مصالح القوى الكبرى وتستنزف هيبتها الأخلاقية.

إنَّ السنن التاريخية تخبرنا أنَّ الكيانات الوظيفية التي تُزرع غصباً في أجساد الأمم، مصيرها “اللفظ” (لفظ الجسد للغريب)؛ والطوفان هو المرحلة المتقدمة من عملية اللفظ هذه، حيث استعادت الأمة “روح المبادأة” وفقد الكيان “يقين البقاء”. إنَّ النهاية ليست مجرد “توقع عاطفي”، بل هي “قراءة في المآلات”؛ فالكيان الذي يحتاج إلى “جسر جوي” دائم ليبقى، ويحتاج إلى “فيتو” دولي ليحمي قتَلته، هو كيانٌ ميت سريرياً، ينتظر فقط اللحظة التي تنقطع فيها خيوط “التغذية الاصطناعية” الغربية، أو اللحظة التي تكتمل فيها “قوة الدفع المنهاجية” للأمة لتقتلع ما تبقى من جذوره الواهنة. وبذلك، يغلق الطوفان عصر “العربدة الصهيونية” ويفتح عصر “الحساب السنني”، حيث لا يبقى في الأرض إلا ما ينفع الناس، أما زبد “الباطل المدجج” فسيذهب جفاءً بقوة السنن وعزيمة المرابطين، ليتحقق الوعد الحق وتعود الأرض لأهلها صاغرةً لربها ومستبشرةً بنور منهاجها.

3. “الوعي العابر للحدود”: الطوفان كشرارة لثورة عالمية ضد الإمبريالية

إنَّ الاستشراف السنني لمآلات الصراع يفرض علينا تجاوز القراءة العسكرية الضيقة لننظر في “الانفجار المعرفي” الذي أحدثه الطوفان في الوعي الجمعي العالمي؛ فالحقيقة التي بدأت تتشكل بوضوح هي أنَّ وعي “جيل الطوفان” قد تجاوز أسوار غزة المحاصرة ليصبح تياراً جارفاً يهدد عروش التبعية ومنظومات الهيمنة في العالم أجمع. إننا بصدد ولادة ما يمكن تسميته بـ “أممية المستضعفين الجديدة”؛ وهي حالة من التلاحم الوجداني والمعرفي التي وحدها دم غزة، متجاوزةً العرق والدين والجغرافيا، لتصطف في خندقٍ واحد ضد “الإمبريالية المركزية” وأدواتها الوظيفية.

إنَّ هذا الوعي العابر للحدود يمثل “الشرارة” التي ستعيد رسم ملامح الحراك الشعبي في العواصم العربية أولاً؛ حيث لم يعد “المواطن الغثائي” يقبل بصورة الأنظمة التي تقف متفرجة أو متواطئة، مما يعني حتمية الصدام القادم بين “الشعوب التي استردت وعيها المنهاجي” وبين “أصنام التبعية” التي أدمنت القيد. إنَّ الطوفان قد كسر “حاجز الخوف” و”حاجز الإمكان”؛ فإذا كانت غزة المحاصرة قد فعلت ما فعلت، فإنَّ الشعوب أدركت أنَّ “التغيير” ليس خيالاً شعرياً، بل هو ثمرة إرادة واعية ومنظمة.

إنَّ الناظر بعين النقد يرى هذا “المد الوعوي” يقودنا إلى مراقبة الزلزال الذي ضرب الشارع الغربي نفسه؛ فلأول مرة منذ عقود، نرى انقساماً راديكالياً بين “القواعد الشعبية” (خاصة جيل الشباب) وبين “النخب الليبرالية” الحاكمة. إنَّ الطوفان قدم للشباب الغربي “عدسة مكبرة” رأوا من خلالها زيف ادعاءات دولهم حول الحرية وحقوق الإنسان، مما خلق حالة من “الاغتراب السياسي” داخل المجتمعات الغربية نفسها. هذا الحراك الذي يملأ ميادين لندن وباريس ونيويورك ليس مجرد “تضامن عاطفي”، بل هو “ثورة معرفية” ضد السردية الصهيونية الإمبريالية، وهو استشرافٌ لبزوغ جبهة عالمية جديدة ترفض منطق “السيادة بالبلطجة”.

إنَّ “أممية المستضعفين” التي نراها اليوم هي الرد السنني على “عولمة الطغيان”؛ حيث يلتقي الطالب في “هارفارد” مع المرابط في “حي الزيتون” على مبدأ واحد: إنَّ هذا النظام العالمي القائم على الدم والنهب يجب أن يزول. إنَّ قوله تعالى: “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ”، يتجلى اليوم كقانون تاريخي؛ فالاستضعاف حين يقترن بالوعي والمنهاج، يتحول إلى “طاقة قيادية” تقلب موازين الأرض.

إنَّ جيل الطوفان لن يتوقف عند المطالبة بوقف إطلاق النار، بل سيطالب بـ “وقف إطلاق التبعية”، وسيسعى لهدم الأطر السياسية التي كبلت طاقات الأمة لعقود. إنَّ “أممية المستضعفين” هي التي ستمهد لنظام عالمي “متعدد الأقطاب” حقيقةً، لا يقوم على توازن الأسلحة فحسب، بل على “توازن القيم”؛ حيث تعود العدالة لتقود المادة. إنَّ ما نراه اليوم من تحركات في الجامعات والشوارع والساحات الرقمية هو “تمرينٌ تعبوي” لما هو آت؛ حيث ستلتحم قضايا التحرر في فلسطين بقضايا التحرر من الدكتاتوريات في العالم العربي، وبقضايا التحرر من “توحش الرأسمالية” في الغرب، ليشكل الطوفان “نقطة الانعطاف التاريخي” التي أعلنت نهاية عصر “الهيمنة القطبية الواحدة” وبداية عصر “الشعوب المستيقظة”.

وبذلك، يصبح الطوفان هو “المعلم الأول” الذي لقن البشرية درساً في “فلسفة الكرامة”، وجعل من المستضعف فاعلاً حضارياً يفرض شروطه على التاريخ، مستيقناً أنَّ “الحق” الذي يحرسه الدم لا يمكن أن يُهزم، وأنَّ “الوعي” الذي ينبثق من رحم الألم هو الوعي الذي سيصنع “فجر التمكين” القادم لا محالة.

4. “النصر بالرعب” وفشل السيطرة المادية: انقلاب المفاهيم العسكرية

إنَّ الاستشراف السنني لمآلات الصراع يضعنا أمام “ثورة في الشؤون العسكرية” (RMA) من نوع فريد، لم تضع لبناتها مختبرات السلاح في “البنتاغون”، بل صاغتها سواعد المجاهدين في أنفاق غزة؛ حيث سقطت “وثنية المادة” التي سيطرت على العقائد العسكرية لقرون. إنَّ الطوفان قد أعلن رسمياً فشل “السيطرة المادية المطلقة”؛ فالتفوق الجوي الكاسح، والرقابة الاستخباراتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والترسانات النووية والتقليدية، كلها وقفت عاجزةً أمام إرادة “الإنسان المنهاجي” الذي استطاع تحييد التكنولوجيا عبر “هندسة الصمود”. إنَّ مفهوم “النصر بالرعب” هنا لا يعني الإرهاب العبثي، بل يعني قذفه في قلوب الذين كفروا بآيات الله السننية، تنفيذاً لقوله تعالى: “سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا”؛ فالإشراك هنا هو “الاعتماد الكلي على المادة” وإغفال قوة الروح البشرية المتصلة بخالقها.

لقد تحول ميزان القوة من “كثافة النار” إلى “كثافة الإرادة”، وأصبح “المقاتل الصفر” (الذي لا يملك شيئاً ليخسره إلا كرامته) هو المتغير الإستراتيجي الأهم الذي يربك حسابات الجيوش النظامية. لعل تشريح هذا التحول العسكري يوضح لنا كيف ستتغير العقائد القتالية العالمية في المستقبل؛ فالعالم يراقب اليوم كيف استطاع “إنسان المنهاج” أن يحول “باطن الأرض” إلى جغرافيا سيادية تكسر سيطرة “السماء”، وكيف تحول الصراع إلى “صراع نفَس طويل” لا تحسمه القنابل الذكية، بل يحسمه الصبر السنني فوق الأرض وتحتها.

إنَّ “فشل السيطرة المادية” يعني أنَّ التكنولوجيا، برغم جبروتها، تظل أداةً صماء إذا واجهت “إنساناً مستعلياً بإيمانه” يجيد المناورة في مساحات “الغموض الإستراتيجي”. هذا المقاتل الذي تربى على المنهاج النبوي، لم يعد يرهبه “الرصد الإلكتروني” لأنه تحرر من “فوبيا الموت” التي يراهن عليها العدو لإخضاع الخصوم؛ وبذلك سقطت نظرية “كي الوعي” بالبارود، وحلت محلها نظرية “استنزاف العدو” بالروح والجسد. إنَّ استشرافنا العسكري يشير إلى أنَّ الحروب القادمة ستكون حروب “الإرادات المتصادمة” لا “الآلات المتصادمة”؛ حيث يميل النصر دائماً لمن يمتلك “المعنى” الأعمق والقضية الأعدل.

إنَّ هذه الواقعية العسكرية الجديدة تخبرنا أنَّ “الكيان الوظيفي” والقوى الإمبريالية قد فقدوا ميزة “الحسم السريع”، وغرقوا في مستنقع “حرب الاستنزاف” التي لا يملكون أدواتها النفسية ولا الاجتماعية. إنَّ إنسان الطوفان قد فرض “توازن رعب” جديداً؛ رعبٌ ينبع من “عدم القدرة على التنبؤ” بفعلِ من لا يخشى الموت، ورعبٌ ينبع من فشل “الآلة” في حماية “المستوطن”. إنَّ قوله سبحانه: “إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ”، هو القانون العسكري الذي أدارت به غزة المعركة؛ فالمساواة في الألم المادي لم تمنع التفوق في “الرجاء الغيبي”، وهو المتغير الذي يقلب الهزيمة المادية إلى نصرٍ معنوي وميداني مستدام.

إنَّ مآل الصراع العسكري بعد الطوفان يتجه نحو “سيادة الإنسان” على “الآلة”؛ حيث ستضطر الأكاديميات العسكرية لإعادة تدريس سيرة “المرابطين” كنموذج للقدرة على الصمود تحت الضغط المطلق، وسيدرك العالم أنَّ “طوق النجاة” الوحيد أمام التغول التكنولوجي هو العودة لصلابة “المنهاج” الذي يصنع رجالاً كزبر الحديد، لا تفتنهم الدنيا ولا ترهبهم الآلة، بل يمضون نحو هدفهم بيقينٍ يهز الجبال ويحطم أساطير الأمن المطلق، ليعلنوا للعالم أنَّ القوة ليست في ما نملك، بل في ما نحن عليه من إيمانٍ وعزيمةٍ وفداء.

5. الاستخلاف والتمكين: ملامح النظام العالمي القادم

إنَّ الختام المنطقي والسنني لهذا الفصل يقتضي منا تجاوز القراءات الآنية للجراح، لننظر في مآلات “الوعد الغيبي” بوصفه “حقيقة سوسيولوجية” قيد التشكل، وليس مجرد أملٍ عاطفي؛ فالمتأمل في حركة التاريخ يدرك أنَّ الله سبحانه حين يريد تهيئة أمةٍ لـ “الاستخلاف والتمكين”، فإنه يمررها عبر “مصفاة الابتلاء” العظيم لتنقية الصف من الغثائية والوهن، وهو ما يفعله الطوفان اليوم بامتياز. إنَّ ملامح “العالم ما بعد الطوفان” بدأت ترتسم فوق ركام المادية الغربية المحتضرة؛ حيث نرى بوضوح إفلاس النماذج الوضعية (الليبرالية، الاشتراكية، والمادية العارية) التي فشلت في تقديم معنى للحياة أو إقامة عدلٍ حقيقي، مما أوجد فراغاً حضارياً هائلاً لا يمكن لغير “المنهاج النبوي” ملؤه.

إنَّ الاستخلاف الذي نستشرفه هو نظامٌ عالمي جديد، “متعدد الأقطاب” سياسياً، لكنه “واحد القبلة” قيمياً؛ حيث تعود فيه القيم الروحية والوحي الإلهي لتسوس المادة الجامحة، وتلجم توحش القوة العارية بضوابط الحق والرحمة، ليعود الإنسان مركباً من روحٍ ومادة، لا مجرد “ترس” في آلة الاستهلاك الإمبريالية.

إنَّ ملامح هذا التمكين تقودنا إلى استعادة “مركزية القدس” كبوصلةٍ كونية للحق والعدل؛ فالعالم الذي دار لعقود حول قطبية واشنطن أو لندن، بدأ يكتشف أنَّ “السر الإلهي” والكرامة البشرية تُصنع اليوم في أكناف بيت المقدس. إنَّ التمكين القادم ليس تمكيناً لـ “جغرافيا” بل لـ “فكرة”؛ فسيادة المنهاج تعني استعادة الأمة لقرارها، وقدرتها على تقديم نموذجٍ حضاري يُنقذ البشرية من “العدمية” ومن “سيولة القيم”. إنَّ قوله تعالى: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ”، يتنزل اليوم في مختبر الواقع كقانونٍ اجتماعي؛ فالاستخلاف مشروطٌ بـ “الإيمان” (الرؤية الكونية) و”العمل الصالح” (الفعل السنني المتقن)، وهذان هما جناحا الطوفان اللذان يحلق بهما جيل التحرير.

إنَّ “العالم ما بعد الطوفان” هو العالم الذي ستسقط فيه “سلطة الوهم” الصهيونية، وتسترد فيه الشعوب المستضعفة حقها في الشهود الحضاري، بعيداً عن وصاية المركزية الغربية التي أحرقت سفنها الأخلاقية في بحر غزة. إنَّ استشراف ملامح النظام القادم يخبرنا أنَّ “الكتلة الصلبة” التي صمدت في غزة ستكون هي “النواة المغناطيسية” التي تجذب إليها أحرار العالم، مشكلةً “جبهة عالمية للعدل” تقلب موازين مجلس الأمن والمنظمات الدولية الزائفة.

إنَّ التمكين ليس لحظةً سحرية، بل هو “عملية تراكمية” تبدأ من “انتصار الوعي” وتمر بـ “امتلاك القوة” وتنتهي بـ “إقامة القسط”؛ وقد قطع الطوفان الشوط الأكبر في تحرير الوعي، ممهداً الطريق لسيادة قانون الله في أرضه. إننا نختم هذا الفصل ونحن نرى “أفول الشمس الغربية” بوضوح، ليس بفعل صواريخ مادية فحسب، بل بفعل “انكشاف الزيف” وتآكل الشرعية، وفي المقابل نرى “بزوغ فجر المنهاج” الذي يحمل في طياته “طوق النجاة” الوحيد للبشرية التائهة.

إنَّ التمكين هو “قدر الله الغالب”، ولكنه قدرٌ يمر عبر سواعد الرجال ويقين النساء وصمود الأطفال؛ ليتحول “الوعد الغيبي” إلى “واقعٍ مشهود” تراه أعين الذين صبروا، وتذوق حلاوته أمةٌ أبت أن تركع إلا لربها، ليكون الطوفان هو “البرزخ” الفاصل بين زمن الذلة وزمن العزة، وبين عصر الغثائية وعصر الشهود، مصداقاً لقوله تعالى: “وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.