منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(5)تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(5)تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الأول: زلزال السنن وقراءة التحولات الحضارية

 

المبحث الرابع: قراءة في الانهيارات الكبر ى ” السياسية والقيمية “.

1.  سقوط “اليوتوبيا الليبرالية”: الطوفان ككاشف لزيف الأقنعة وانتحار السردية

إنَّ القراءة العميقة للانهيارات الكبرى التي صاحبت زلزال “الطوفان” تفرض علينا البدء بتفكيك الانهيار الأضخم، وهو انهيار “اليوتوبيا الليبرالية” التي نصّبتها المركزية الغربية كدينٍ عالمي بديل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ فهذا الطوفان لم يحطم جداراً أمنياً مادياً فحسب، بل حطم “الجدار الأخلاقي” الصفيق الذي شيدته الليبرالية حول مفاهيم حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، وسيادة القانون الدولي. إننا اليوم أمام مشهدٍ سوسيولوجي بامتياز، حيث سقطت “الأقنعة الحقوقية” التي تترس بها الغرب لعقود لاستعباد الشعوب معرفياً، لتظهر الحقيقة العارية: أنَّ هذه القيم لم تكن يوماً “مبادئ كونية” كما ادعى فلاسفة التنوير، بل كانت “أدوات وظيفية” وإملاءات إمبريالية تُستخدم لشرعنة التدخل في شؤون الآخرين وتدجينهم، بينما يتم تعليقها بالكامل حين يصطدم التطبيق بمصالح “الكيان الوظيفي” أو المركزية الغربية.

إنَّ ما حدث في غزة هو “الانتحار الأخلاقي” الرسمي للغرب؛ حيث شاهد العالم بأسره كيف تلاشت شعارات “حرية التعبير” و”حماية المدنيين” أمام ضرورة حماية المشروع الاستعماري، ليتحول “الإنسان” في الميزان الليبرالي إلى فئات تصنيفية: إنسانٌ من الدرجة الأولى يحق له الدفاع عن نفسه ولو بالإبادة، وإنسانٌ “فائض عن الحاجة” (أهل المنهاج) لا بواكي له ولا حق له حتى في الصراخ.

إنَّ تشريح هذا السقوط يكشف لنا عن حالة من “الفصام القيمي” الذي أصاب النخب الغربية، حيث سقطت فلسفات “كانت” و”هيجل” و”فوكوياما” تحت أنقاض البيوت المهدمة في غزة، وأثبت الطوفان أنَّ “نهاية التاريخ” التي بشر بها الغرب لم تكن سوى محاولة لتأبيد الطغيان المادي. إنَّ القيمة المعرفية لهذا الانهيار تكمن في “تحرر الوعي العالمي”؛ فالشعوب التي كانت تنظر إلى الغرب كمصدر للقيم والمثل العليا، أدركت في لحظة “الطوفان” أنَّ هذه اليوتوبيا هي مجرد “خديعة بصرية” وستار دخاني لممارسة أبشع أنواع “السياسة العارية” التي لا تؤمن إلا بميزان القوة.

إنَّ هذا الانهيار لم يقتصر على المستويات السياسية، بل امتد لضرب “المركزية الأخلاقية” للجامعات والمؤسسات الثقافية الغربية التي مارست الرقابة والقمع ضد كل من حاول كشف الحقيقة، مما أثبت أنَّ “الليبرالية” هي منظومة إقصائية بامتياز حين تتعرض أسسها الاستعمارية للخطر. إنَّ الاستشهاد القرآني العظيم في قوله تعالى: “مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”، ينطبق تماماً على هذه المنظومة القيمية الهشة؛ فقد ظنَّ العالم أنَّ حقوق الإنسان الغربية هي حصنٌ حصين، فجاء الطوفان ليثبت أنها أوهن من بيت العنكبوت أمام تجبر المصالح المادية والنزعة العنصرية الدفينة.

إنَّ هذا السقوط القيمي هو مقدمة ضرورية للسقوط السياسي، فالمنظومة التي تفقد “شرعيتها الأخلاقية” لا يمكن أن تستمر في قيادة البشرية طويلاً، لأنها فقدت القدرة على الإقناع ولم يتبقَّ لها إلا “الإخضاع بالترهيب”. ومن هنا، ندرك أنَّ الطوفان كان “زلزالاً إبستيمولوجياً” أطاح بقدسية النموذج الغربي، وأفسح المجال لبزوغ “النموذج المنهاجي” الذي يربط القيمة بالوحي والعدل بالسنن، لا بمزاج القوى المهيمنة.

إنَّ سوسيولوجيا الانهيار الليبرالي تخبرنا أنَّ الغرب اليوم يعيش حالة “إفلاس قيمي” شامل، وهو يحاول مداراة هذا السواد بمزيد من التوحش العسكري، لكنَّ الكاميرا والهاتف والدم الطاهر في غزة كانوا أسرع من آلة البروباغندا، فصار الغربي العادي يشعر بالخزي من حضارته التي تبرر قتل الأطفال، بينما صار المسلم المستضعف يشعر بالعزة لأنَّ “منهاجه” ظل صامداً أخلاقياً وميدانياً في أحلك الظروف.

إنَّ نهاية “يوتوبيا الغرب” هي البداية الحقيقية لسيادة “يقين المنهاج”، حيث لا سيادة إلا للحق، ولا حصانة إلا لمن استمسك بالعروة الوثقى، بعيداً عن زيف الشعارات المائعة التي سقطت في اختبار الدم والبارود، لتعلن للعالم أنَّ عهد “الوصاية الأخلاقية الغربية” قد ولى إلى غير رجعة، وأنَّ البشرية اليوم تبحث عن “قبلة قيمية” جديدة تجدها في صمود غزة وإرادة أهلها المستمدة من رب السموات والأرض.

2. “تآكل الردع” وسقوط أسطورة “الأمن المطلق”: الانهيار البنيوي وسوسيولوجيا الرعب

إنَّ القراءة الفاحصة للانهيار السياسي والأمني للكيان الصهيوني في أعقاب “الطوفان” تكشف عن زلزالٍ لم يضرب القواعد العسكرية فحسب، بل ضرب “الأساس الفلسفي” الذي قام عليه هذا الكيان منذ نشأته؛ فالعقيدة الصهيونية تأسست تاريخياً على مفهوم “الأمن المطلق” و**”الردع الحاسم”**، وهي سردية حاولت إقناع المستوطن القادم من شتات الأرض بأنه في “الملاذ الآمن” الذي لا يُخترق، وبأنَّ الجيش هو “الإله الأرضي” القادر على نقل المعركة دوماً إلى أرض الخصم. بيد أنَّ الطوفان جاء ليمارس عملية “هدمٍ إبستيمولوجي” لهذه الأسطورة، حيث تآكل الردع في ساعاتٍ معدودة، وانهارت نظرية “الجدران الذكية” والاستخبارات الفائقة أمام بساطة التخطيط المنهاجي وجسارة التنفيذ. وهذا الانهيار ليس مجرد “إخفاق تكتيكي” يمكن ترميمه، بل هو “انهيار سياسي بنيوي” يعلن نهاية حقبة “الاستقرار بالقوة”؛ فالكيان الذي كان يسوّق نفسه كـ “واحة أمن” ومركز للتكنولوجيا المتقدمة، تحول فجأة إلى “بقعة مضطربة” يطاردها شبح الفناء، مما ضرب “العقد الاجتماعي” بين الدولة والمستوطن في مقتل.

إنَّ هذا الانهيار يقودنا إلى فهم “سوسيولوجيا الخوف” التي دبّت في مفاصل المجتمع الصهيوني؛ فالمجتمع الذي تربى على “المبادأة” والغطرسة والقدرة على حسم المعارك في أيامٍ قليلة، وجد نفسه يتحول إلى “مجتمع الملاجئ”، يعيش تحت رحمة الصواريخ والمسيرات، وينتظر بترقبٍ قاتل لحظة الانفجار القادم. هذا التحول من الهجوم إلى الدفاع، ومن “السيادة الواهمة” إلى “القلق الوجودي”، أدى إلى تخلخل بنية الولاء للمشروع الصهيوني؛ حيث بدأت ظاهرة “الهجرة العكسية” تطفو على السطح، وبدأ المستوطن يدرك أنَّ “أرض الميعاد” المزعومة ليست سوى “فخ تاريخي” لا يمنح أمناً ولا استقراراً.

إنَّ الاستشهاد بالواقع الميداني يثبت أنَّ الردع الصهيوني الذي كان يرتعب منه المحيط الرسمي العربي، قد سقطت هيبته حين رأى العالم قادة “نخبة النخبة” يُساقون أسرى، ورأى القواعد التي كانت تُسمى “حصينة” وهي تُستباح في وضح النهار؛ وهذا ما يفسر لجوء الكيان إلى “العنف المفرط” و**”الإبادة”** في غزة، ليس كدليل قوة، بل كفعل “انتقام يائس” لمحاولة ترميم صورة الردع المحطمة، وهو ما يسميه علماء الاجتماع السياسي بـ “توحش الضعيف” الذي فقد عقله بعد صدمة العجز.

إنَّ الانهيار هنا يتجاوز العسكر ليمس “الروح المعنوية” للكيان؛ فالمجتمع المادي الذي يقدس الحياة والرفاهية لا يمكنه الصمود في حرب استنزاف وجودية، وهذا هو “الشرخ السنني” الذي استغله المنهاج النبوي بذكاء؛ فبينما يقاتل الصهيوني ليحمي “رفاهيته” (إنسان سائل)، يقاتل الغزي ليحمي “وجوده” (إنسان صلب)، وفي صراع الإرادات يربح من يمتلك “الأفق الأبعد”. إنَّ قوله تعالى: “لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ”، يمثل أدق توصيف سوسيولوجي لهذا الانهيار؛ فالتحصينات والجدران الإلكترونية التي أنفقوا عليها المليارات لم تحمِ “القلوب الشتى” التي تفرقت عند أول اختبار حقيقي، وصار المجتمع الصهيوني غارقاً في صراعاته الداخلية (الديني والعلماني، اليمين واليسار) كنتيجة حتمية للفشل الأمني.

إنَّ نهاية أسطورة الأمن المطلق تعني بالضرورة بداية “نهاية الكيان” كخيار جاذب لليهود في العالم، وتحوله إلى “عبء إستراتيجي” حتى على رعاته الغربيين الذين لم يعد بإمكانهم المراهنة على جيشٍ “لا يقهر” وقد قُهر أمام أعينهم؛ وبذلك يكون الطوفان قد سلب الكيان “علة وجوده” (الأمن)، وترك جسده السياسي يتآكل من الداخل بانتظار اللحظة السننية الفاصلة التي يذهب فيها هذا الباطل جفاءً أمام حقٍ أبلج تأيد بنور المنهاج وقوة السلاح.

3. انهيار “النظام الدولي” وبزوغ قانون الغاب: من عدالة القانون إلى “السياسة العارية”

إنَّ الوقوف على أطلال المؤسسات الدولية في ظل “الطوفان” يكشف عن حقيقة سوسيولوجية صادمة ومؤلمة، وهي أنَّ ما كان يسمى “نظاماً عالمياً” لم يكن في حقيقته سوى “إقطاعية إمبريالية” منظمة، صُممت مفاصلها بعناية لضمان سيادة المركزية الغربية وحماية وكيلها الوظيفي في المنطقة؛ فـ “الطوفان” لم يفضح عجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن فحسب، بل أعلن “الوفاة السريرية” لمفهوم العدالة الدولية ككل. إنَّ عجز هذه المؤسسات عن وقف حرب إبادة تُبث على الهواء مباشرة، واستخدام حق “النقض” (الفيتو) كدرع قانوني لممارسة القتل، أثبت أنَّ القوانين الدولية ليست “قواعد ملزمة” بل هي “توصيات انتقائية” تُطبق على الضعفاء لتجريدهم من أسباب القوة، وتُعلق في وجه الأقوياء لتمكينهم من البطش.

نحن أمام ولادة عصر “السياسة العارية” (Bare Politics)، وهو المصطلح الذي يعبر عن ممارسة القوة في صورتها الخام والبدائية، متجردةً من أي غطاء أخلاقي أو رداء قانوني؛ حيث لم يعد الغرب بحاجة إلى اختلاق مبررات لخرق القانون، بل أصبح يخرقه علانيةً وبوقاحة، معلناً أنَّ “الحق” هو ما تقرره فوهات المدافع، لا ما تقرره أروقة المحاكم الدولية. إنَّ التحليل المنهجي لهذا الانهيار يضعنا أمام مفارقة تاريخية كبرى؛ فإقطاعية النظام الدولي التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لإرساء “السلم العالمي” قد تحولت إلى “أكبر مهدد” لهذا السلم، عبر تكريس الغابة كنموذج للحياة الدولية.

إنَّ سقوط “شرعية المؤسسات” يعني بالضرورة سقوط “هيبة القانون” في وعي الشعوب المستضعفة، مما يمهد لولادة نظام عالمي جديد لن يقوم على “طاولات التفاوض” أو “المعاهدات الورقية”، بل سيقوم على “توازن الرعب” وقدرة الشعوب على انتزاع حقها بالقوة الذاتية؛ فالطوفان أعاد للمستضعفين الثقة في أنَّ القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الإقطاع العالمي، وأنَّ ميزان القوى لا يتغير بالاستجداء في “الجمعية العامة”، بل بالمقاومة في “الميدان”. إنَّ الاستشهاد بالواقع التاريخي لسقوط عصبة الأمم يخبرنا أنَّ الأمم المتحدة تسير اليوم في ذات الطريق الجنائزي، لأنها أصبحت أداة لتشريع الظلم بدلاً من رفعه، وهو ما يفسر لماذا لجأ “إنسان المنهاج” إلى صناعة “قانونه الخاص” تحت الأرض، مدركاً أنَّ السماء لا تمطر عدلاً في ظل نظامٍ دولي أعمى.

إنَّ سوسيولوجيا الانهيار هنا تخبرنا أنَّ “قانون الغاب” الذي فرضه الغرب سيعود عليه بالوباء؛ فحين يقتل القوي القانون، فإنه يحرم نفسه من الحماية حين يضعف، وهذا هو التحول السنني القادم؛ إذ إنَّ الأمة التي رأت مؤسسات العالم تتواطأ على ذبح أطفالها، قد طلقت “أوهام الشرعية الدولية” بالثلاث، وبدأت تؤسس لـ “شرعية الفعل والتمكين”.

إنَّ ممارسة القوة العارية من قبل المركزية الغربية هي شهادة إفلاس حضاري، وتعبير عن خوف دفين من ضياع الهيمنة، مما يجعلها تتصرف كوحشٍ جريح يضرب في كل اتجاه بلا ضوابط. إنَّ النظام العالمي الجديد الذي يلوح في الأفق هو نظام “الأقطاب المتدافعة”، حيث لن يكون للضعيف مكان إلا إذا امتلك من “صلابة المنهاج” و**”قوة السلاح”** ما يجبر العالم على احترامه، ولنا في قول الله تعالى: “وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ” خير برهان؛ فالتدافع اليوم هو الذي يمنع فساد الإقطاعية الدولية من الاستمرار، والطوفان هو “أداة الدفع” السننية التي جاءت لتهدم معبد الزيف الدولي وتفتح الباب لزمنٍ لا يُحترم فيه إلا القوي الصادق، ولا يُسمع فيه إلا صوت الحق المدعوم باليقين والبارود، بعيداً عن أوهام “المجتمع الدولي” التي لم تكن سوى سرابٍ يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه (في غزة) لم يجده شيئاً، ووجد الله وسننه وقدره عنده فوفاه حسابه.

4. “التحلل الاجتماعي” داخل مجتمعات الوفرة: هشاشة المادة أمام صلابة المعنى

إنَّ المتأمل في “سوسيولوجيا الصمود” يلحظ مفارقةً عجيبة تضرب جذور النظريات المادية في مقتل؛ وهي أنَّ المجتمعات التي تملك كل “أسباب البقاء” المادية قد أظهرت هشاشةً اجتماعية مرعبة، بينما المجتمع الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة (غزة) أظهر تماسكاً عضوياً أسطورياً. إننا هنا بصدد تشريح حالة “التحلل الاجتماعي” التي تصيب مجتمعات الوفرة، حيث تتحول “المادية المفرطة” من ميزة إلى عبءٍ يفكك “الرابطة الاجتماعية”؛ ففي مجتمع الاستهلاك (سواء لدى العدو الصهيوني أو في الحواضن الغربية)، تقوم العلاقة بين الأفراد على “المنفعة المتبادلة” و**”الرفاهية الفردية”**، وحين تغيب هذه المنفعة أو يتهدد الرفاه بفعل “الأزمات الوجودية”، يرتد كل فردٍ إلى ذاته بحثاً عن خلاصه الشخصي، فتسقط “أسطورة التضامن” وتظهر حقيقة “الشتات القلبي”.

إنَّ هذا التحلل هو ما نسميه بـ “الانهيار الداخلي لكتلة الطغيان”؛ حيث لا يجمع هؤلاء إلا “طمع المغانم”، فإذا حلت “المغارم” وتطاير شرار الموت، رأينا مجتمعاً “سائلاً” يفر أفراده نحو الملاجئ أو المطارات، لأنَّ “الإنسان المادي” لم يُربَّ على بذل الذات في سبيل فكرةٍ عليا، بل رُبي على استهلاك العالم لإشباع نزوته.

إنَّ هذه المقارنة تكشف لنا أنَّ “الرابطة الاجتماعية” في غزة هي رابطة “وحي ومصير”، بينما في مجتمع الوفرة هي رابطة “عقد مصلحي”؛ ولذلك رأينا في غزة الأم تودع ابنها بجلدٍ صابر، والجار يتقاسم رغيفه مع جاره تحت القصف، في حالة من “التكافل المنهاجي” الذي يذيب الفردانية السامة. وفي المقابل، نجد مجتمع العدو يغرق في “حروب الهوية” الداخلية (حريديم وعلمانيين، يمين ويسار) عند أول فشل أمني، لأنَّ الصدمة الوجودية كشفت أنَّ ما يجمعهم هو “الخوف من الآخر” وليس “الإيمان بالمبدأ”، وهذا هو جوهر قوله تعالى: “تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ”؛ فالعقل السنني هنا يربط بين “الاستبصار القلبي” وبين “التماسك الجماعي”. إنَّ المجتمع المادي هو مجرد “تراكم أرقام”، وحين يزداد الضغط، تتنافر الأرقام، بينما “مجتمع المنهاج” هو “بنيان مرصوص” تزداد لبناته تلاحماً كلما اشتد الضغط الخارجي، تماماً كما الكربون الذي يتحول بضغط الأرض الهائل إلى “ألماسٍ” لا يُكسر.

إنَّ سوسيولوجيا التحلل الاجتماعي داخل كتلة الطغيان تخبرنا أنَّ “الهرب” ليس جسدياً فقط، بل هو هربٌ من “المسؤولية التاريخية”؛ فالمستوطن الصهيوني الذي جاء من أوروبا أو أمريكا ليحصل على “فيلا ومسبح” لن يضحي بحياته من أجل بقاء كيانٍ مأزوم، لأنه يفتقر إلى “العمق الروحاني” الذي يربطه بالأرض، فإذا ما تحول “الملاذ الآمن” إلى “خندق خطر”، استدعى جنسيته الأخرى ورحل. إنَّ هذا الانهيار النفسي والاجتماعي هو الذي جعل العدو يلجأ لـ “حرب الإبادة” من الجو، لأنه يخشى “المواجهة الصفرية” على الأرض، حيث تتصادم “الأرواح الصلبة” بـ “الأجساد الخاوية”.

إنَّ التحلل الاجتماعي هو “المرض العضال” الذي يسري في عروق الحضارة المادية، وهو ما يؤذن بزوالها السنني؛ فالأمم التي تفرط في “المعنى” لحساب “المبنى” تسقط دائماً حين يهتز المبنى، أما الأمم التي شيدت “معناها” فوق صخر المنهاج، فهي التي ترث الأرض ومن عليها. ومن هنا، يبرز “طوق النجاة” في العودة لنموذج “الجماعة المؤمنة” التي قتلت الفردانية الحداثية في مهدها، واستبدلتها بـ “الولاية الإيمانية” التي تجعل من المجتمع كتلةً واحدة لا تقبل التحلل ولا ترهبها الوفرة أو القلة، لأنَّ بوصلتها معلقةٌ بالخالق لا بالخلق.

5. سقوط “المثقف الوظيفي” وانهيار النخب التابعة: نهاية عصر الوصاية الزائفة

إنَّ المشهد الختامي للانهيارات الكبرى في زمن الطوفان يتجلى في السقوط المريع والمدوي لطبقة “المثقفين الوظيفيين” والنخب التابعة، أولئك الذين انتدبوا أنفسهم لعقود كـ “سدنة للهزيمة” وحراسٍ لوعي التبعية؛ فالسابع من أكتوبر لم يكن زلزالاً عسكرياً فحسب، بل كان “مقصلةً أخلاقية” سقطت عليها رؤوس النخب التي ظلت تبيع الشعوب أوهام “الحداثة الليبرالية” و”القيم الغربية” و”السلام الواقعي”. إنَّ تشريح هذه الحالة يكشف عن “عفنٍ بنيوي” في تكوين هذه النخب، سواء في الغرب الذي تنكر لكل فلسفات “التنوير” ليبرر الإبادة، أو في عالمنا العربي الذي شهد انبطاحاً “نخبوياً” مخزياً، حيث تحول المثقف من “ضمير للأمة” إلى “مدافع عن الجلاد” أو صامتٍ يبرر القتل بذرائع “توازن القوى” و”تجنب المغامرات”.

إنَّ ما حدث هو انفضاحٌ كامل للنموذج الذي بشرت به هذه النخب؛ إذ سقطت أقنعة “الموضوعية” و”الإنسانية” و”حقوق المرأة والطفل” حين صار الدمُ دماً فلسطينياً مسلماً، ليثبت أنَّ هذه النخب ليست سوى “أدوات وظيفية” في ماكينة الاستحمار العالمي، مهمتها الأساسية هي “كي وعي الشعوب” ومنعها من الحلم بالانعتاق.

إنَّ النظر في تحليل هذا السقوط يقودنا إلى ملاحظة ظاهرة سوسيولوجية كبرى، وهي “تحرر الوعي الشعبي” من وصاية هذه النخب؛ فالجماهير التي شاهدت أشلاء الأطفال في غزة لم تعد بحاجة إلى “محاضرة” من مثقفٍ ليبرالي أو “تحليل” من خبيرٍ استراتيجي تابع لتخبره من هو العدو ومن هو الصديق. لقد سقطت “المرجعية الثقافية” لهذه النخب، وحلَّ محلها “الوعي الفطري المنهاجي” الذي يربط بين الدم والكرامة، وبين الأرض والعقيدة.

إنَّ الفجوة السحيقة التي تشكلت اليوم بين الشعوب وأنظمتها ونخبها التابعة هي فجوةٌ “وجودية” لا يمكن ردمها؛ فالشعوب باتت ترى في هذه النخب “طابوراً خامساً” يعمل على تخدير الأمة ومنعها من الاستجابة لنداء الطوفان، وهذا هو “الانهيار القيمي” الأخير في حصون التبعية، حيث لم يعد للمثقف الوظيفي ما يقدمه سوى “الضجيج” في القنوات التي يملكها الممول، بينما الحقيقة يكتبها المقاتل بدمه والطفل بصموده. إنَّ الطوفان مارس عملية “فرزٍ تاريخي” كبرى، استحضرت قوله تعالى: “مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ”؛ فكانت غزة هي “الفرقان” الذي ميز المثقف العضوي المرتبط بهموم أمته، عن المثقف “المستحمَر” الذي يقتات على فتات الموائد الدولية.

إنَّ سقوط هذه النخب يعني بالضرورة نهاية عصر “الوصاية الفكرية”؛ فالجيل الصاعد من شباب الأمة، الذي استلهم وعيه من “مدرسة الطوفان”، تجاوز تلك النخب المهزومة نفسياً بمسافاتٍ ضوئية، وأصبح يبحث عن “مرجعياتٍ صلبة” تستمد قوتها من الوحي والواقع، لا من السفارات والمراكز البحثية المشبوهة. إنَّ الانهيار الأخلاقي للنخب الغربية وتواطؤ النخب العربية التابعة قد أوجد “خلاءً قيادياً” سارعت الجماهير لملئه ببطولات الميدان، مما أدى إلى ولادة “جمهورٍ عالمي” جديد يتظاهر في شوارع لندن وباريس ونيويورك، متجاوزاً لغة نخب بلاده المنافقة، ليحيي قيم الحق والعدل بلسانٍ ومنطقٍ يقترب كثيراً من منطق المنهاج النبوي في نصرة المظلوم.

إنَّ هذا الانهيار هو شهادة وفاة للتبعية الثقافية، وإعلانٌ لبداية زمنٍ “يصنع فيه الوعيُ الفعلَ”، وتعود فيه الكلمة لتكون “سلاحاً” في يد الأحرار، لا “أفيوناً” في يد العبيد؛ وبذلك نغلق الفصل الرابع ونحن نرى أنَّ الانهيارات الكبرى في معسكر العدو وأتباعه هي الوجه الآخر للصمود الأسطوري في معسكر المنهاج، ممهدةً الطريق للانتقال من “نقد القديم” إلى “بناء الجديد” في فصول كتابنا القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.