منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(2)

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة:

استبصار السنن في زمن التحولات”

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل الأول: زلزال السنن وقراءة التحولات الحضارية

تصدير: في نقد القراءة السطحية للحدث التاريخي

لا يمكن مقاربة حدث بحجم “طوفان الأقصى” من خلال الأدوات التحليلية التقليدية التي تكتفي برصد حركة الميدان أو إحصاء موازين القوى المادية؛ فهذه القراءات –على أهميتها الإجرائية– تظل عاجزة عن النفاذ إلى “الجوهر المحرك” للتاريخ. إنَّ الإشكالية المعرفية التي واجهت العقل المعاصر في قراءته لهذا التحول تكمن في ارتهانه لنموذج “الواقعية الصلبة” التي لا تؤمن إلا بما يُقاس ويُحسب، متجاهلةً القوانين الكلية التي تُدير حركة الأمم صعوداً وهبوطاً.

إننا في هذا الفصل، نسعى إلى تأسيس “إبستيمولوجيا” (دراسة نقدية للمعرفة) جديدة للحدث، تنطلق من مركزية “السنن الإلهية” ليس كفكرة غيبية مجردة، بل كـ “ميكانيزمات تاريخية وسوسيولوجية مطردة”. نحن هنا بصدد تفكيك “اللحظة القدرية” لنعيد تركيبها في سياقها المنهاجي؛ حيث لا مكان للمصادفة، بل هناك تراكمٌ للأسباب يفضِي بالضرورة إلى تحولات نوعية.

إنَّ الهدف من هذا الفصل هو انتشال العقل المسلم من “الحالة الانفعالية” التي يفرضها ضجيج المعركة، ووضعه في “الحالة التحليلية” التي تمنحه القدرة على رؤية “الفعل الإلهي من خلال الفعل البشري”. سنقوم هنا بضبط مفاهيم “السنن” و**”التداول”** و**”الاستبدال”**، لا لنقدم وعظاً يخدّر الإرادة، بل لنقدم “علماً بالواقع” يفتح آفاق الاستخلاف والتمكين.

المبحث الأول: الفعل البشري والقدر الإلهي: قراءة في الميكانيزمات السننية لتداول الأيام

1. مفهوم السنن بين الصرامة القانونية والفاعلية البشرية

إنَّ الاستهلال الحقيقي لضبط البوصلة المنهاجية يفرض علينا ابتداءً أن ننتشل مفهوم “السنة” من براثن التفسير الوعظي الاختزالي الذي حصرها في دائرة التبرك التاريخي، لننقلها إلى رحاب المعرفة الشاملة بصفتها “الدستور الكوني” والناموس الحاكم لحركة المجتمعات البشرية.

فالسنن في جوهرها المنهاجي هي القوانين الصارمة والمطردة التي بذرها الخالق في نسيج الاجتماع الإنساني لتعمل بآلية لا تعرف المحاباة ولا تؤمن بالصدفة، بل هي في دقتها وصرامتها تضاهي القوانين الفيزيائية التي تحكم حركة الأجرام وتفاعلات المادة، حيث تؤدي المقدمات المتشابهة في ميزان الله حتماً إلى نتائج متماثلة لا تتخلف إلا إذا انكسرت شروط استحقاقها. وهذا الوعي يقتضي منا أن ندرك أنَّ السنن الإلهية لا تعمل بمعزل عن “الأسباب المادية” أو كبديل عنها في لحظات العجز، بل هي الحاضنة الكبرى التي تمنح تلك الأسباب معناها وفاعليتها وشرعيتها التاريخية.

ومن هنا فإن قراءة حدث “الطوفان” خارج هذا الإطار تعدُّ قراءة قاصرة، إذ إنه لم يكن مجرد وثبة عسكرية أو خرق إعجازي للقوانين الأرضية بمعناها الساذج، بل كان “استثماراً عبقرياً” ووعياً فائقاً بميكانيزمات السنن التي لا تمنح نصرها إلا لمن امتلك أدواته؛ حيث استدعى ذلك الفعل البشري المتقن والقائم على عقود من الإعداد والصمود والتخطيط المنظم استجابةً فورية من السنن الكونية التي تنحاز للحق حين يتجسد في “فاعل تاريخي” يرفض الغثائية.

إننا هنا نواجه حقيقة “القدر المعلّق بالعمل”، وهو المفهوم الذي ينسف تلك “القدرية الانهزامية” التي استوطنت عقول أجيال من المستضعفين فجعلتهم ينتظرون الخوارق التي تهبط من السماء دون كدح أو مراغمة، كما أنه في الوقت ذاته يوجه ضربة قاصمة لـ “المادية الغارقة” التي سقطت في فخ الإلحاد السنني فظنت أنَّ الأرقام وحدها هي من يصنع التاريخ، متجاهلةً أثر الروح والوحي في خلخلة التوازنات وإعادة صياغة الواقع.

إنَّ هذا الفهم الجديد للسنة يعيد للإنسان هيبته بصفته خليفة مأموراً بفك شفرات القدر عبر بوابة العمل المتقن، ليكون الطوفان بذلك مدرسةً في فقه الاستحقاق الذي يثبت أنَّ السنن لا تجامل العاطفة ولا تنحني للدموع، بل تنحني للجباه التي تعرقت في “محراب الإعداد” قبل أن تسجد في “محراب العبادة”. وبذلك يخرج الكتاب من حيز الوعظ السلبي ليؤسس لمنظومة تفكير استراتيجية ترى في السنن “قوانين تمكين” لا تقبل العبث ولا تخضع للأماني، بل تخضع لمن يتقن لغة التعامل معها بصفتها ميكانيكا إلهية تسير بالكون نحو غاياته المرسومة.

2. سوسيولوجيا التداول: نقد “الأهلية الحضارية” ونهاية الهيمنة

حين نقرأ قول الحق سبحانه “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، فإننا لسنا أمام مجرد إخبار إلهي بتقلب الأحوال، بل نحن أمام “القاعدة الذهبية” التي يقوم عليها علم الاجتماع التاريخي وفلسفة الحضارات في أعمق صورها، فالتداول في ميزان السنن ليس حركة دائرية عفوية أو عبثاً تاريخياً تذروه الرياح، بل هو “صيرورة محكمة” تخضع لقانون الاستحقاق الحضاري والأهلية الأخلاقية، وهذا يوجب علينا الغوص في تشريح “المركزية الغربية” وحليفها الوظيفي الذي زُرع في قلب جغرافيتنا، لنرى بوضوح كيف بلغت هذه المنظومة ذروة “الترهل السنني” الذي يسبق الانهيار.

فالتاريخ الذي سجله ابن خلدون بمداد الحكمة يخبرنا بيقين لا يتردد أنَّ الدول والإمبراطوريات حين تبلغ قمة ترفها المادي المقترن بالظلم والغطرسة، تصاب بنوع من “العمى الحضاري” الذي يحجب عنها رؤية التحولات العميقة والتململ السوسيولوجي في وعي الشعوب التي ظنت أنها استعبدتها للأبد، وقد جاء “الطوفان” ليكون هو “اللحظة الكاشفة” والفاضحة لانبراء الصلاحية السننية لهذه الهيمنة المتجبرة، إذ إنَّ سلب “الأهلية” الحضارية من القوي لا يبدأ بقرار من هيئة دولية أو بانهيار اقتصادي مفاجئ، بل هو نتيجة حتمية لتحلل “القوة الأخلاقية والقيمية” التي هي الروح المحركة لكل كيان سياسي، فحين تتعفن الجذور الأخلاقية لمنظومةٍ ما، تفتح السنن الإلهية “ثغرة في جدار القدر” تسمح لهذا المستضعف الذي تحول إلى “فاعل إرادي” بأن يقتحم مسرح التاريخ من جديد ويغير مساراته التي ظنها القوي قد استقرت له.

إنَّ “قانون المداولة” هو البرهان العملي على أنَّ دوام الحال من المحال سوسيولوجياً قبل أن يكون شرعياً، وأنَّ فداحة الترسانات وموازين القوى المادية لا قيمة لها ولا وزن حين تفقد المنظومة “شرعية وجودها السننية” وتصبح عبئاً على العدل الكوني، فالطوفان لم يضرب السياج الأمني فحسب، بل ضرب “مركزية اليقين” لدى القوي بمشروعية بقائه، وفي المقابل أعاد للمستضعف يقينه بأنَّ التاريخ ليس قدراً محتوماً يكتبه الأقوياء وحدهم، بل هو ساحة مفتوحة لمن يمتلك الأهلية لوراثة الأرض.

إنَّ هذا التحليل السوسيولوجي للتداول يجعلنا ندرك أنَّ الصراع ليس صراعاً على الأمتار والحدود فحسب، بل هو صراعٌ على “المعنى” وعلى استحقاق حمل لواء الشهود على الناس، وهو ما يجعل نهاية الهيمنة الغربية ضرورة سننية قبل أن تكون أمنية سياسية، فالعالم الذي استنزفته المادية المتوحشة بات ينتظر لحظة “الاستبدال” التي يبشر بها فقه الطوفان، حيث تولد الأمة الجديدة من رحم المعاناة لتعلن أنَّ عهد الأصنام الدولية قد ولى، وأنَّ موازين السماء قد تدخلت لتصحيح اعوجاج موازين الأرض التي طغت وبغت فحق عليها القول السنني بالزوال.

3. الميكانيكا السننية: تجاوز ثنائية “الغيب” و”المادة”

في هذا المنعطف المعرفي الحاسم، يتحتم علينا معالجة ذلك الشرخ العميق الذي أصاب العقل البشري المعاصر تحت وطأة السطوة الإبستيمولوجية الغربية، التي ألقت به في أتون “ثنائية حادة” ومدمرة، جعلته يتأرجح بين مادية صِرفة جافة لا تعترف إلا بالمختبر والحساب الكمي الميكانيكي، وبين عقلية غيبية انسحابية تائهة ترى في أحداث التاريخ مجرد خوارق عادات عشوائية لا ناظم لها ولا صلة بينها وبين الكدح الإنساني.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة لطرح “الميكانيكا السننية” كإطار فكري ناظم يتجاوز هذا الانشطار المعرفي ويصهر الغيب والمادة في بوتقة واحدة لا تقبل التجزئة، فالحديث عن “السببية المركبة” يقتضي منا إدراك أنَّ الغيب في ميكانيكا السنن لا ينفصل عن المادة انفصال الضد عن ضده، بل يحلُّ فيها حلول الروح في الجسد، مانحاً إياها القوة والوجهة والبركة، ولذلك فإننا في فقه الطوفان نرفض وبشدة تلك التسميات التبسيطية التي تصف الحدث بالمعجزة التي تُلغي دور الأسباب المادية، كما نرفض في الوقت ذاته اختزاله في كونه مجرد فعل عسكري تقني تفسره الترسانة، بل إنَّ ما شهدناه هو “استجابة كونية” مذهلة لفعل بشري استوفى بامتياز شروط “السببية السننية”.

حيث إنَّ قانون الإمداد الإلهي ليس ضرباً من العبث أو المحاباة، بل هو نتيجة رياضية تترتب على مقدمة بشرية شاقة تسمى “الإعداد”، فالمادة هنا من تخطيط دقيق وحفر للأنفاق وتطوير للعتاد وتدريب شاق هي في الحقيقة “اللغة” التي تخاطب بها الإرادة البشرية قَدَر الله وتستنزل بها نصره، والغيب هو “المضاعف النوعي” الذي يبارك هذا الأثر ويصرف السهام نحو أهدافها التي تعجز العين المجردة عن إدراكها. وبذلك يتجاوز هذا السفر الطرح الوعظي العقيم الذي يكتفي بالدعاء القولي دون الدواء العملي، ليؤسس لـ “واقعية إيمانية” شجاعة ترى الغيب من خلال مسام المادة وتطويعها، وفي صلب هذه الميكانيكا تبرز “القوة المعنوية” كـ “متغير فيزيائي” حقيقي وملموس في أرض الصراع.

بعيداً عن الكلام الإنشائي، فاليقين والثبات هنا هما مصطلحات سوسيولوجية وعسكرية ذات وزن ثقيل، إذ يعمل الإيمان كـ “مضاعف قوة” ($Force Multiplier$) يقلب الطاولة على الحسابات المادية الجافة، فإذا كانت الحواسب تخبرنا أنَّ الغلبة لمن يملك النسبة الكاسحة في السلاح، فإنَّ العامل السنني يتدخل ليعيد صياغة القيمة الرياضية لهذا الإنسان المرابط الذي كسر في داخله حاجز الخوف من الموت، مما يؤدي إلى “شلل إدراكي” وصدمة وجودية لدى العدو تجعله يتهاوى أمام إرادة لا يراها في أجهزته الرادارية.

إنَّ هذا التدخل الغيبي يتم عبر “سيكولوجية الرعب” و**”تثبيت الأقدام”** التي هي نتائج سوسيولوجية لأفعال إيمانية كبرى، وهذا يقودنا بالضرورة إلى إدراك وحدة السنن الكونية والاجتماعية، فكما أنَّ قوانين الفيزياء كالجاذبية والاحتراق لا تحابي أحداً، فإنَّ قوانين الاستبدال والتمكين والنهوض الحضاري تعمل بنفس الصرامة والاطراد، وكما لا ينتظر العاقل ناراً بغير وقود، فلا يصح للمؤمن أن يرجو نصراً بغير استيفاء كامل لشروط الميكانيكا السننية.

فالطوفان بهذا المعنى قد أعاد للعقل المسلم رشده المفقود عبر إثبات أنَّ الخوارق لا تتنزل على القاعدين المستسلمين، بل هي المكافأة والتاج الذي تضعه السنن على رؤوس المقتحمين الذين زاوجوا بين طاقة النية الغيبية وحركية المادة الميدانية، لينتج عن هذا التزاوج كمال الاتساق مع مشيئة الله التي لا تظلم أحداً، بل تعطي كل ذي حق حقه بناءً على ما قدمت يداه في محراب السنن الكوني الفسيح.

4. فلسفة التداول وسوسيولوجيا القوة: قراءة في الأهلية الحضارية وحتمية الانفجار السنني

إنَّ سبر أغوار التاريخ وتفكيك ميكانيزمات سقوط القوى المهيمنة وانبعاث المستضعفين يفرض علينا تجاوز القراءات السياسية المختزلة نحو غوصٍ سوسيولوجي ومعرفي في أعماق آية “وتلك الأيام نداولها بين الناس”، فهي في فقه المنهاج ليست مجرد تعزية أخلاقية للمنكسرين، بل هي “القانون الكلي” الذي يحكم ديناميكية السيادة وفلسفة البقاء في الفضاء الإنساني. فالتداول في هذا المنظور السنني هو العملية الجراحية القدرية التي تتدخل لتطهير مسار البشرية من الكيانات التي فقدت “وظيفتها الأخلاقية” واستنفدت رصيدها من القيم، ولم يعد يربطها بالواقع إلا قشرة مادية صلبة وترسانات مدججة بالحديد والنار تفتقر إلى الروح المحركة. ومن هنا تبرز إشكالية “الأهلية الحضارية” كمعيار وحيد لاستمرار القوى في قيادة المشهد البشري؛ وحين نسلط مشرحة التحليل السنني على المركزية الغربية وحليفها الوظيفي، نجد أننا أمام منظومة بلغت ذروة “الترهل السنني” الذي يسبق الانهيار الحتمي، حيث تحول “الظلم المنظم” و”التحلل القيمي” وفقدان الوظيفة الأخلاقية كحامية للحقوق المزعومة إلى “سموم سننية” نخرت أسس هذه القوى وجعلتها في حالة موت سريري بانتظار الصدمة الكاشفة.

إنَّ حق البقاء في ميزان السنن ليس معطىً أبدياً يرتبط بالقوة المادية، بل هو “حق مشروط” بالأهلية، وحين تتجرد القوة من المعنى وتصبح أداة للقهر المحض، فإنها تفقد “مشروعيتها الكونية” وتبدأ في الهبوط الاضطراري تاريخياً، وهذا ما يقودنا بالضرورة إلى فهم “سوسيولوجيا الإرادة” لدى المستضعفين الذين خضعوا لعملية “تراكم نوعي” مذهلة. فالطوفان في السابع من أكتوبر لم يكن قراراً انفعالياً وليد اللحظة أو مجرد مغامرة عسكرية معزولة، بل كان “ضرورة رياضية” وحتمية تاريخية استوجبها تراكم آلاف الأفعال الصغيرة والممنهجة التي تمت في غزة والأمة على مدار عقود من الصمود والرباط والإعداد الصامت. إنَّ قانون “التراكم النوعي” يخبرنا أنَّ التغيرات الكبرى في المجتمعات لا تحدث فجأة، بل هي نتيجة لاحتشاد “الكتلة الحرجة” من الوعي والإرادة؛ فكل دمعة، وكل غرس، وكل حجر سقط، وكل تدريب في أنفاق غزة، كان يمثل “وحدة بناء” في صرح الانفجار السنني القادم، حيث تتحول هذه التراكمات الكمية إلى تحول نوعي مفاجئ يغير وجه التاريخ، تماماً كما يصل الماء إلى درجة الغليان بعد تراكم الحرارة قطرة بقطرة. وبذلك يخرج الطوفان من دائرة “الصدفة” ليدخل في دائرة “الحسابات السننية الدقيقة” التي لا تخطئ، فالانفجار الذي زلزل العالم كان هو “النتيجة الرياضية” المنطقية لانسداد أفق العدل وتراكم ضغط المظلومية المقترنة بالعمل المنهاجي.

إنَّ هذا التحليل ينأى بنا عن الوعظ التقليدي لنقرر أنَّ السنن لا تحابي العاطفة، بل تستجيب لقوة “الاستحقاق”؛ فالكيان والمركزية الغربية فقدا حق البقاء السنني لأنهما أصبحا يمثلان “عطالة تاريخية” تعيق حركة التطور الأخلاقي للبشرية، بينما اكتسب جيل الطوفان أهليته لأنه استطاع أن يزاوج بين مشروعية الحق ودقة الوسيلة. إنَّ فلسفة التداول تخبرنا أنَّ سقوط الأقوياء يبدأ من لحظة استعلائهم على القوانين الفطرية وظنهم أنَّ المادة هي الإله، فيأتي المستضعفون الذين صهرتهم المحن فحولوا آلامهم إلى “محركات دفع” تاريخية، ليثبتوا أنَّ القوة الحقيقية هي “إرادة الاستخلاف” التي تتجاوز الترسانات. فالطوفان هو الإعلان الرسمي عن انتهاء “صلاحية النموذج الغربي” وبداية انبعاث “أمة المنهاج” كضرورة كونية لتصحيح انحراف العالم، وهو ما يجعل من كل فعل مقاوم، مهما صغر، لبنة في بناء “اللحظة الصفر” التي تقلب موازين القوى رأساً على عقب.

إننا في هذا السرد نؤسس لوعي يرى في الأحداث الكبرى تجلياً للعدل الإلهي المطلق الذي يسخر السنن لنصرة من أتقن لغة التعامل معها، ليظل التداول هو “الميكانيزم” الذي يضمن حيوية التاريخ ومنع ركوده تحت وطأة الطغيان، وليكون الطوفان بذلك هو المختبر الأعظم الذي أثبت أنَّ السنن لا تنام، وأنَّ حتمية سقوط الظلم هي حقيقة فيزيائية وسوسيولوجية لا تقبل الجدل لمن ملك البصر والبصيرة في قراءة حركة الأيام بين الناس.

5. سوسيولوجيا الإرادة وتحولات القوة: حين يغدو “المعنى” كاسراً للمادة

إنَّ الوصول إلى عمق ميكانيزمات الغلبة السننية يقتضي منا تجاوز القراءة السطحية لمعادلات القوة التقليدية، لنقف بذهنية التحليل الرصين أمام الحقيقة الكبرى التي جسدها الطوفان، وهي أنَّ “المعنى” حين يتغلغل في وجدان الجماعة البشرية يتحول إلى قوة مادية قاهرة تتجاوز حدود المنطق الحسابي الجاف، فالقاعدة القرآنية الراسخة التي أعلنت “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ” ليست مجرد إخبار عن واقعة تاريخية مضت، بل هي صياغة لقانون “سوسيولوجيا الإرادة” الذي يجعل من التفوق النوعي للإنسان الفاعل ميزاناً يرجح بآلاف الأطنان من العتاد الأصم.

وهنا يجب ضبط مصطلح “القوة المعنوية” ليس بوصفه حالة عاطفية من الحماس العابر أو جيشاناً وجدانياً مؤقتاً، بل كعنصر فاعل وأساسي في “علم الاجتماع العسكري” المعاصر، فالروح المعنوية في ميزان الطوفان هي “مادة إستراتيجية” لا تقل أهمية عن الوقود والسلاح، بل هي المحرك الذي يمنح السلاح جدواه، وبدونها تصبح الترسانات الأكثر تطوراً مجرد خردة تكنولوجية أمام إنسانٍ امتلك “المعنى” وآمن بقضيته حتى الاستشهاد.

إنَّ ما شهدناه في الميدان هو تجلٍ حي لمفهوم “مضاعف القوة” ($Force Multiplier$)؛ حيث يعمل “اليقين” في قلب المقاتل كعامل ضرب إستراتيجي يغير القيمة الرياضية للفرد في الميدان، فالمقاتل الذي يرى في الموت بوابة للخلود وفي الثبات ذروة السنام الحضاري، يمتلك قدرة على “المناورة النفسية” تشل حركة العدو وتصيبه بـ “العمى العملياتي”، لأنَّ العدو المادي الذي يقدس الحياة الدنيا لا يمتلك في أجهزته الاستخباراتية رادارات ترصد طاقة “الفداء”. ومن ثمَّ فإنَّ حسابات الميدان المادية التي تتحدث عن تفوق جوي أو سيطرة تكنولوجية تنهار أمام “صلابة الانتماء” الذي يبديه إنسان المنهاج، وهذا ما تؤكده التجارب الحضارية الكبرى، حيث نجد في “فلسفة المواجهة” أنَّ القوة الحقيقية ليست في “ما تملكه” بل في “من أنت”. فالطوفان أثبت أنَّ المقاتل الذي يواجه الدبابة بـ “المسافة صفر” لا ينطلق من تهور عاطفي، بل من “استيعاب سنني” لقيمة الحق الذي يحمله، وهو ما يحول جسده النحيل إلى سدٍ سوسيولوجي يمنع تمدد المشروع الاستعماري.

إنَّ “ميكانيزمات الغلبة” في هذا السياق تعتمد على كسر “إرادة القتال” لدى الخصم عبر إظهار تفوق قيمي كاسح؛ فالمعنى هنا هو الذي يمنح الصمود الأسطوري في غزة تلك الصبغة “المعجزة”، بينما هي في حقيقتها ثمرة لـ “سيكولوجية التحرر” التي ترفض الارتهان للمادة. إنَّ الاستشهاد بالنماذج الحضارية، بدءاً من ثبات جيل الصحابة وصولاً إلى حركات التحرر التي هزمت الإمبراطوريات، يثبت أنَّ السنن لا تحابي الغطرسة، بل تنحاز للقلة التي استطاعت أن تعوض النقص العددي بـ “الكثافة الروحية”. فالطوفان أعاد تعريف “القوة” في القرن الحادي والعشرين، ليقول للعالم إنَّ السيادة لن تكون لمن يملك التكنولوجيا الأكثر فتكاً، بل لمن يملك “السردية” الأكثر حقاً والإرادة الأكثر ثباتاً.

إننا بصدد تحول كوني في مفهوم “الفاعلية”؛ حيث يتراجع الإنسان “الآلة” أمام الإنسان “الرسالة”، وحيث يثبت “المنهاج” أنه الأقدر على حشد الطاقات الاجتماعية في مواجهة “الهيمنة” التي تفتقر إلى الغطاء الأخلاقي. إنَّ هذا التحليل السوسيولوجي للإرادة يمنحنا القدرة على تفسير “لماذا يهرب الجنود المدججون بالسلاح أمام فتية آمنوا بربهم”، وهو تفسير ينأى عن الغيبيات المنفصلة عن الواقع ليؤكد أنَّ “اليقين” هو أرقى درجات “الوعي العسكري”، لأنه يحرر المقاتل من قيود الخوف ويجعله “سيداً للميدان” حتى وهو في قمة الاستضعاف المادي. وبذلك نصل إلى حقيقة أنَّ الفعل البشري حين يتحد بالقدر الإلهي عبر بوابة الإرادة الواعية، فإنه يصنع واقعاً جديداً تخرُّ له الجباه، وتتزلزل له عروش الطغاة الذين حسبوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ومن سننه، فجاءهم الطوفان من حيث لم يحتسبوا، ومن داخل “المعنى” الذي حاولوا طمسه وتغييبه عن وعي الأمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.