منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(15) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(15) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الثالث: إستراتيجية المدافعة ومعادلة القوة غير المتكافئة

المبحث الرابع:”المسافة صفر” والحروب الهجينة: هل نحن أمام نسخة مطورة من حرب العصابات؟

1. تأصيل “المسافة صفر”: من “صدفة الميدان” إلى “عقيدة المنهاج” الإستراتيجية

تاريخياً، عُرف مصطلح “المسافة صفر” (Point-blank range) في القواميس العسكرية التقليدية كواصفٍ تقني للمدى الذي يبلغ فيه السلاح ذروة دقته وتأثيره دون الحاجة لتعديلات الزاوية؛ وكان الالتحام بهذا القرب في الحروب الكبرى يحدث إما “صدفة” في اشتباكٍ مفاجئ، أو “اضطراراً” حين تنفد الذخائر. لكنَّ غزة، بمنهاجها القتالي الفريد، قد أحدثت طفرةً معرفية؛ حيث نقلت “المسافة صفر” من حيز “الصدفة العسكرية” إلى حيز “العقيدة الممنهجة”. في غزة، لم يعد القرب من العدو قدراً مفروضاً، بل أصبح “هدفاً إستراتيجياً” يُبذل في سبيله الغالي والنفيس، وتُحفر لأجله الأنفاق، ليصبح القرب هو الوسيلة الوحيدة لإلغاء مفعول ترسانة العدو المليارية.

إنَّ هذا التأصيل يكشف أنَّ غزة جعلت من “المسافة صفر” سلاحاً استراتيجياً كلياً يقوم على “تصفير المسافات وتحييد التكنولوجيا”. فبينما يقاتل العدو بعقيدة “الانفصال” (أنا هنا، وأقتلك هناك خلف الشاشات)، يقاتل إنسان المنهاج بعقيدة “الاتصال” (أنا هنا، وأضع الموت في بدن آليتك). هذا الانتقال هو استجابة عملية لروح قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾. فالمجاهد الذي يسعى للمسافة صفر، يسعى في الحقيقة لتلاشي الأسباب المادية المعتادة ليحل محلها “القدر الإلهي” المباشر؛ ففي تلك اللحظة، يصبح قلب المجاهد ويده أداةً لتنفيذ الحكم الإلهي في تحطيم كبرياء القوة المادية.

إنَّ “المسافة صفر” في مدرسة غزة ليست انتحاراً، بل هي “أعلى درجات الذكاء القتالي”؛ فهي المنطقة التي تتحول فيها الدبابة من “وحشٍ كاسر” إلى “قفصٍ معدني” أعمى، وتصبح فيها الطائرة المقاتلة “قوةً مشلولة” تخشى قصف مقاتليها الملتحمين بالمقاومين. لقد حوّلت غزة هذا المصطلح من مفهومٍ تقني صامت إلى “منظومة إيمانية” تعتمد على جسارة الروح لا على سمك الدروع. إنَّ هذا السعي الواعي لللالتحام يعيد إلى الأذهان سيرة الفرسان الأوائل، محققين قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. فالإقبال والزحف نحو العدو في غزة صار إستراتيجيةً ثابتة تهدف إلى إبطال مفعول السلاح البعيد المدى، وفرض إرادة الإنسان على الآلة.

وبناءً على ذلك، فإنَّ مصطلح “المسافة صفر” قد وُلد ولادةً جديدة في غزة كـ “مصطلح هجومي” يعبر عن سيادة المستضعف على الميدان. لقد نجحت غزة في إثبات أنَّ “القرب المادي” هو السلاح الإستراتيجي الذي لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتنبأ به. إنَّ هذا التجديد المعرفي يقول للعالم: إنَّ المسافة بين الحق والباطل لم تعد تُقاس بالأميال، بل تُقاس بمدى قدرة الروح على اختراق جدران الخوف والوصول إلى مكمن الضعف في قلب القوة الظالمة، ويتحقق فيها الوعد الصادق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾. وهذا البنيان في غزة لا يقف صامداً فحسب، بل يتقدم ليطبق على صدر عدوه من “المسافة صفر”، معلناً نهاية أسطورة التفوق المادي.

2. غزة وعبد الكريم الخطابي: مقارنة بين “جبال الريف” و”أنفاق غزة”

إنَّ المتأمل في تاريخ حركات التحرر يجد خيطاً ناظماً يربط بين ملحمة “أنوال” في الريف المغربي وملحمة “طوفان الأقصى” في غزة؛ فكلاهما انطلق من قاعدة “القوة غير المتكافئة” في مواجهة إمبراطوريات تظن أنها ملكت ناصية التاريخ. لقد وضع الأمير عبد الكريم الخطابي قديماً أسس “حرب العصابات” الحديثة، معتمداً على جغرافيا الجبال الوعرة التي حولها إلى “قلاعٍ طبيعية”. لكنَّ غزة، في عبقريتها المنهاجية، لم تكتفِ باستنساخ تجربة الخطابي، بل قامت بـ “هندسة جغرافيا بديلة”؛ فحيث لم توجد الجبال في غزة المنبسطة، حفر المقاتلون “جبالهم” تحت الأرض. إنَّ الأنفاق في غزة هي “جبالٌ مقلوبة”، وهي التطوير السوسيولوجي والعسكري لجغرافيا الريف، حيث استبدل إنسان المنهاج “قمم الجبال” بـ “أعماق الأرض” ليحقق ذات الهدف: الاختفاء عن عين التكنولوجيا والظهور المفاجئ في مكمن الخطر.

إنَّ هذه المقارنة تكشف أنَّ غزة قد طورت مفهوم “التحصن بالشعب”؛ فالأمير المغربي كان يقول إنَّ “السلاح الحقيقي هو الشعب”، وغزة حولت هذه المقولة إلى “نظام عضوي” متكامل. والفرق الجوهري هنا هو أنَّ حرب غزة هي “حرب عصابات حضرية هجينة” تُدار في أضيق بقعة جغرافية وتحت حصارٍ مطبق، وهو تجسيدٌ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. ففي غزة، جاء المقاتل للعدو “من أسفل”، ليقلب موازين الرعب ويحول الأرض التي يطؤها المحتل إلى لغمٍ ينفجر في وجه كبريائه.

إنَّ غزة قد تفوقت في “مأسسة” ثورة الخطابي؛ فبينما كانت “عصابات” الريف تعتمد على التنظيم القبلي، تعتمد مقاومة غزة على “نظامٍ عسكريٍ مؤسسي” يدير المعركة بنفَس “الدولة” وتكتيك “العصابة”. هذا المزج العبقري هو ثمرة قوله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾؛ حيث كان “المستطاع” في زمن الخطابي هو البندقية والجبل، وأصبح في زمن غزة هو الصاروخ والنفق والمسيرة المصنعة محلياً. إنَّ غزة هي “الوريث الشرعي” والمتطور لمدرسة الخطابي؛ لقد أخذت منه فلسفة “استنزاف المتغطرس” وأضافت إليها “التقانة الإيمانية”.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الفرق بين جبال الريف وأنفاق غزة هو فرق “الإبداع في الوسيلة” مع “وحدة المبدأ”؛ فكلاهما أثبت أنَّ المستعمر مهما امتلك من أساطيل يظل غريباً خائفاً أمام صاحب الأرض الذي يستمد قوته من باطنها ومن سماء ربه. إنَّ ملحمة غزة اليوم تقول لروح الخطابي: إنَّ البذرة التي بذرتها في ريف المغرب قد أزهرت في رمال غزة “نظاماً قتالياً” جديداً، يثبت أنَّ الحق لا يحتاج لجغرافيا واسعة لينتصر، بل يحتاج لقلوبٍ أوسع من الجبال تؤمن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾. وهذه المعية هي التي حولت أنفاق غزة إلى قلاعٍ تذل عتو الأكاسرة والقياصرة الجدد.

3. لماذا غزة ليست مجرد “حرب عصابات”؟ تحليل المنظومة القيادية والتصنيعية

إنَّ حصر فعل المقاومة في غزة تحت مسمى “حرب العصابات” (Guerrilla Warfare) هو قصورٌ في التوصيف لا يستوعب حجم الطفرة التي حققها إنسان المنهاج. فحرب العصابات تاريخياً تعتمد على مجموعات غير نظامية تفتقر للقيادة المركزية. أما غزة، فقد قدمت نموذج “الجيش الشعبي المنظم”؛ وهو كيانٌ يمتلك تراتبية قيادية صارمة، وغرف عمليات مشتركة تدير المعركة بتنسيقٍ فائق. إننا أمام “جيشٍ غير مرئي” يمتلك من الانضباط ما تفتقر إليه جيوشٌ نظامية، وهو ما يفسر قدرته على القتال لشهور طويلة دون انهيار، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾. فهذا “البنيان” في غزة هو بناءٌ مؤسسي وعسكري متكامل.

إنَّ الاسترسال في هذا التحليل يقودنا إلى “المعجزة التصنيعية”؛ فالمقاومة في غزة تجاوزت “عقدة التبعية” للسلاح الخارجي. لقد أنشأت غزة تحت الحصار المطبق “مدناً صناعية” تحت الأرض تنتج الصواريخ والمسيرات وقذائف الياسين بجهدٍ ذاتي. هذا “الاكتفاء الذاتي” هو الذي منح القرار المقاوم استقلاليةً تامة، وحوّل الحصار إلى دافعٍ للإبداع، تجسيداً لقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾. فـ “المستطاع” الغزي اليوم هو نتاج عقلٍ علمي مؤمن، حوّل مواسير المياه والحديد الخردة إلى قذائف حطمت أسطورة “الميركافا”، في تفوقٍ تقني ومعنوي لم تعرفه حروب العصابات التقليدية.

إنَّ الفارق الجوهري الآخر يكمن في “السيادة المعلوماتية”؛ فغزة تدير حرباً استخباراتية وإعلامية موازية للميدان، حيث يتم توثيق العمليات بالصوت والصورة باحترافية تكسر الرواية الصهيونية. هذا “الإعلام الحربي” هو جزءٌ من منظومة قيادية تعي أهمية “كي وعي العدو”. إنَّ غزة ليست مجموعات تطارد عدواً في الغابات، بل هي “منظومة دفاعية هجومية شاملة” تدافع عن مدنها، وتدير شؤون سكانها، وتفرض شروطها في التفاوض، كما يصف الله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فهذه “العلوية” تتجلى في تفوق العقل الذي أذل جبروت “هيئة الأركان” الصهيونية.

وبناءً على ذلك، فإنَّ نموذج غزة يمثل انتقالةً نحو “المقاومة المؤسسية الشاملة”. إنها الحرب التي تزاوج بين “سيولة الحركة” و”ثبات المنهاج”. إنَّ العالم اليوم لا يدرس في غزة “تكتيكات الهروب”، بل يدرس “إستراتيجيات الثبات والتحكم”؛ فغزة أثبتت أنَّ التنظيم المؤمن إذا ما تذرع بالعلم والصبر، يمكنه أن يبني “قوةً موازية” تتحدى قوى عظمى. إنَّ ما يحدث في غزة هو إعلانٌ عن ميلاد “نموذجٍ عسكريٍ ثالث” لا هو بالجيش النظامي الهش، ولا بالعصابة المشتتة، بل هو “جندُ الله” المنظمون، مؤكدين قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

4. صك المصطلح الجديد: “حرب الفرقان الميداني” أو “المقاومة العضوية الهجينة”

إنَّ الضرورة العلمية والمنهاجية تقتضي منا تجاوز التوصيفات العسكرية الكلاسيكية (نظامية، عصابات، استنزاف) لنضع اسماً لهذا النمط الفريد من القتال الذي اجترحته غزة؛ وأقترح هنا مصطلح “حرب الفرقان الميداني”. إنَّ هذا المصطلح ليس مجرد تسمية عاطفية، بل هو توصيف دقيق لحالةٍ قتالية تفرق بين عصرين من الحروب: عصر “سيادة المادة” وعصر “سيادة الروح المسلحة بالوعي”. إنها حرب “فرقان” لأنها تفصل العدو عن مصادر قوته التكنولوجية بمجرد الالتحام، وتكشف زيف القوة التي لا تسندها قضية. وفي ذات السياق، يمكن وصفها بـ “المقاومة العضوية الهجينة”؛ فهي “عضوية” لالتصاقها بالخلايا الشعبية والجغرافية (الأرض والأنفاق)، وهي “هجينة” لجمعها بين سيولة العصابات ودقة الجيوش النظامية.

إنَّ شرح هذا المصطلح الجديد يقودنا إلى ميزته الكبرى: “تصفير المسافات الوجودية”. في “حرب الفرقان الميداني”، لا يتم تحييد السلاح فحسب، بل يتم “إذابة” الفوارق المادية؛ فالمجاهد لا يواجه الدبابة كآلة، بل يواجهها كـ “حجاب” بينه وبين النصر أو الشهادة. إنَّ هذا النمط من الحروب يعتمد على “الهجوم الساكن” (الكمون الطويل ثم الانفجار المباغت)، حيث تصبح الأرض وما عليها وما تحتها منظومةً واحدة تقاتل بوعيٍ موحد، تجسيداً لقوله سبحانه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. فالميدان في غزة هو مختبر للتمحيص والمحق، حيث يُغلب “المعنى” على “المبنى” في كل مواجهة.

إنَّ مصطلح (حرب الفرقان الميداني) يؤسس لعقيدة عسكرية جديدة للمستضعفين؛ مفادها أنَّ “القوة ليست في الوفرة، بل في البركة والالتحام”. إنها الحرب التي تجعل من “الضعف المادي” ثغرةً لاستدراج “القوة المستكبرة” ثم الإجهاز عليها. لقد قدمت غزة للعالم “كتالوج” المقاومة في القرن الحادي والعشرين: كيف تهزم “الذكاء الاصطناعي” بـ “اليقين الروحي”، وكيف تكسر “الأقمار الصناعية” بـ “ستائر الدخان والأنفاق”. إنَّ هذا النمط هو الذي سيُدرس مستقبلاً كبديلٍ عن الحروب النظامية الهشة، مؤكداً أنَّ الروح المؤمنة هي “المتغير المستقل” الوحيد الذي لا يمكن قيسه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ صك هذا المصطلح هو اعترافٌ بـ “السيادة المعرفية” لغزة؛ فمن يصنع الميدان يملك حق تسميته. إنَّ “حرب الفرقان الميداني” هي النسخة المطورة والمؤصلة التي تتجاوز تجربة الخطابي وفيتنام، لأنها أضافت “البعد الغيبي” كعنصرٍ فاعل في الحسابات العسكرية. إن غزة اليوم لا تدافع عن حدودها فحسب، بل تدافع عن “حق الإنسان في المقاومة” أمام تغول الآلة. إنها الحرب التي أعادت صياغة معنى “الانتصار”؛ فلم يعد الانتصار هو تدمير الخصم فحسب، بل هو “إسقاط نموذجه القيمي”، لتظل آيات الله تتلى في ميادينها: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.