“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(10) تابع
عبد الغني منتصر
“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(10) تابع
بقلم: عبد الغني منتصر
المبحث الرابع:نقد الحداثة السائلة من منظور الطوفان
1. الصمود الـمُعجز في مواجهة “السيولة الأخلاقية”
إنَّ المتأمل في بنية “الحداثة السائلة” كما نظّر لها فلاسفة الغرب المعاصرون، يجد أنها تقوم على فكرة “التحلل من الروابط الدائمة”؛ حيث صار كل شيء قابلاً للتبديل، بدءاً من الهوية والجنس وصولاً إلى المبادئ والأخلاق. في هذا العالم السائل، لا توجد “حقيقة مطلقة”، بل “حقائق نسبية” تتغير بتغير ميزان القوى أو سهم الأرباح. لكنَّ الطوفان جاء ليعلن انكسار هذا النمط أمام “الصلابة الإيمانية” في غزة.
فبينما يعيش الإنسان الغربي حالة من التيه الأخلاقي والهروب من الالتزام (Commitment)، قدم إنسان غزة نموذجاً إعجازياً في “الارتباط المقدس”؛ ارتباط لا ينفصم بالأرض، وبالعرض، وبالمبدأ. إنَّ الصمود الغزي لم يكن مجرد فعل عسكري، بل هو “احتجاج وجودي” ضد السيولة؛ حيث وقف الفلسطيني ليقول للعالم إنَّ هناك قيمًا لا تقبل المساومة، وأنَّ “الحق” ليس وجهة نظر خاضعة للنقاش في أروقة السياسة السائلة، بل هو “قدرٌ صلب” يُفتدى بالأرواح.
هذا الصمود يقودنا إلى كشف زيف “النسبية الأخلاقية” الغربية التي هي جوهر الحداثة السائلة. ففي الغرب، تُفصّل الأخلاق وفق المقاسات الوظيفية؛ فتصبح “حقوق الإنسان” سائلة تذوب فور ملامستها للدم الفلسطيني، وتصبح “الديمقراطية” مجرد قناع يذوب أمام مصالح اللوبيات. هذا “التشكيك السائل” الذي زرعته الحداثة في العقول، والذي يهدف لجعل الإنسان بلا “مركز” وبلا “يقين”، قد تحطم على صخرة “اليقين الصلب” في غزة. لقد قدم إنسان المنهاج البديل الحضاري: “الأخلاق المطلقة” المستمدة من الوحي، والتي لا تتغير بتغير الظروف؛ فالصبر في غزة ليس “خياراً” بل هو “عبادة”، والثبات ليس “تكتيكاً” بل هو “رباط”.
إنَّ سوسيولوجيا هذا الصراع الأخلاقي تظهر في قوله تعالى: “يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ”؛ فـ “القول الثابت” هو النقيض الجذري لـ “الفكر السائل”. إنَّ الحداثة السائلة تحاول “تفكيك الروابط” لكي يسهل استعباد الإنسان وتحويله إلى ذرة تائهة في مجتمع الاستهلاك، لكنَّ الطوفان أعاد بناء “الروابط المقدسة”؛ رابطة الأخوة في العقيدة، ورابطة الوفاء للشهداء، ورابطة اليقين بالنصر. لقد كسر الطوفان فكرة “القيم المتغيرة” التي تتبدل بتبدل المصلحة، وقدم للعالم “أخلاق الغايات” لا “أخلاق الوسائل”.
إنَّ “السيولة الأخلاقية” الغربية جعلت من الإنسان كائناً “مغترباً” عن نفسه وعن ربه، يلهث خلف متعة عابرة بلا معنى، أما “إنسان الطوفان” فقد استعاد معنى الوجود من خلال التضحية. إنَّ العالم اليوم، وهو يراقب غزة، يشعر بمدى “فقره الروحي” في ظل الحداثة السائلة، ويبدأ في التساؤل عن سر هذه “الصلابة الروحية”؛ ومن هنا تبدأ رحلة العودة نحو “القيم الراسخة”. إنَّ الطوفان لم يحرر غزة من الاحتلال فحسب، بل بدأ في تحرير البشرية من “سجن السيولة” ومن عبثية “اللا-يقين”، محققاً قوله سبحانه: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”؛ والسيولة الغربية هي “الزبد” الذي سيذهب جفاءً، واليقين المنهاجي هو الذي سيمكث ليصنع مستقبل البشرية.
2. “تأليه الإنسان” وانكسار صنم “الرفاه المادي”
إنَّ حجر الزاوية في فلسفة “الحداثة السائلة” هو تحويل الإنسان إلى “إله صغير” (Homo Deus) مرجعيته الوحيدة هي لذته، وغايته القصوى هي مراكمة الرفاه والاستهلاك. لقد نجحت الحداثة في ترويض البشرية عبر فلسفة “المتعة أولاً”، حيث تم اختزال معنى “الحياة الطيبة” في القدرة على الشراء والامتلاك والتمتع بالرفاه البيولوجي. في هذا العالم، يصبح “الألم” شراً مطلقاً يجب الهروب منه، وتصبح “التضحية” حماقةً لا يرتكبها إنسان عاقل.
لكنَّ الطوفان جاء ليمارس عملية “هدم صنمي” لهذا النمط؛ ففي غزة، حيث انعدم الرفاه المادي تماماً تحت وطأة الحصار والقصف، انبعث إنسانٌ جديد يثبت للعالم أنَّ هناك “غايات أسمى” بكثير من مجرد العيش البيولوجي الرتيب. لقد سقط صنم “الرفاه” أمام جلال “الشهادة”، وانكسرت فلسفة “المتعة” أمام عظمة “الواجب المنهاجي”، ليعلن الفلسطيني أنَّ الكرامة والحرية والارتباط بالخالق هي المحركات الحقيقية للتاريخ، وليست “البطاقات الائتمانية” أو “المنتجات العالمية”.
إنَّ هذا الانكسار يقودنا إلى فهم كيفية تحطم جاذبية “النمط الاستهلاكي” أمام ما يمكن تسميته بـ “جمال الزهد المقاوم”. فبينما يلهث الإنسان في الحداثة السائلة خلف “الامتلاك” لملء فراغه الروحي، وجد العالم في غزة بشراً يبتسمون وهم لا يملكون حطاماً، ويحمدون الله وهم فوق ركام بيوتهم. هذا المشهد قلب موازين “السعادة” العالمية؛ فقد اكتشفت الشعوب أنَّ السعادة في غزة قد نُزعت من “الأشياء” لتوضع في “الاستعلاء بالإيمان”. إنَّ إنسان المنهاج لم يعد يرى في المادة رباً يُعبد، بل أداةً تُسخر، فإن فقدها لم يفقده ذلك توازنه الوجودي. هذا “الفطام عن المادة” هو الذي منح المقاتل والمواطن الغزيّ تلك الصلابة الخارقة؛ فالذي لا يخشى فقدان “رفاهه” هو إنسان لا يمكن تهديده ولا يمكن كسر إرادته.
إنَّ هذا التحول النفسي يتسق تماماً مع المنهج القرآني الذي حذر من “الركون إلى الدنيا” كغاية، في قوله تعالى: “ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا”. لقد كانت الحداثة السائلة هي “الغارّة” الكبرى التي أوهمت الإنسان أنَّ وجوده ينتهي عند حدود جسده، لكنَّ الطوفان أعاد ربط الإنسان بالخلود. إنَّ “فلسفة التضحية” التي جسدها أهل غزة ليست “انتحاراً” أو “حباً للموت” كما يحاول المستشرقون تصويرها، بل هي “ذروة الاستثمار في الحياة الحقيقية”؛ هي إدراك أنَّ الموت في سبيل المبدأ هو “الولادة الحقيقية” للمعنى.
إنَّ انكسار صنم الرفاه يعني بالضرورة سقوط “الابتزاز المادي” الذي تمارسه القوى الكبرى على الشعوب؛ فالأمة التي لا يرهبها الجوع ولا يغريها الرفاه الزائف هي أمةٌ حرة بامتياز. إنَّ غزة اليوم تعيد تعليم البشرية معنى “السيادة الروحية”؛ حيث يكون الإنسان هو السيد على المادة لا العكس. وبذلك، يكون الطوفان قد قدم للعالم “ميثاقاً جديداً” للوجود، يقوم على أنَّ عظمة الإنسان تُقاس بما يقدمه لا بما يجمعه، محققاً قوله سبحانه: “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”؛ والعاقبة في غزة أثبتت أنَّ من يتقي الله ويتحرر من صنم المادة، يمنحه الله “علوّاً” تهتز له عروش الجبابرة وتتضاءل أمامه كل ثروات الأرض السائلة.
3. سحق “الفردانية المتوحشة” ببعث “الروح الجماعية الربانية”
إنَّ أخطر ما أنتجته الحداثة السائلة هو ظاهرة “الفردانية المتوحشة”؛ وهي إستراتيجية تهدف إلى عزل الإنسان عن جذوره، وعن أسرته، وعن أمته، لتحويله إلى “ذرة” هائمة في فضاء الاستهلاك. في هذا النموذج، يُدفع الفرد ليؤمن أنَّ نفسه هي المركز، وأنَّ مصلحته الخاصة هي المعيار الوحيد للحق والباطل، مما أدى إلى نشوء مجتمعات من “الغرباء” الذين يعيشون تحت سقف واحد لكنهم لا يشعرون بوجع بعضهم البعض. لكنَّ “الطوفان” جاء ليمارس عملية “صهر وجودي” لهذه الفردانية.
ففي غزة، تحطمت فكرة “الإنسان الذرة” أمام حقيقة “البنيان المرصوص”. لقد قدمت غزة نموذجاً للروح الجماعية التي تذوب فيها “الأنا” الفردية لتنصهر في “نحنُ” المقاوِمة الشاملة. هذا التحول ليس مجرد اصطفاف عسكري، بل هو انبعاث لمفهوم “الأمة” بوصفها كائناً حياً يتألم ويتنفس ويقاتل بجسد واحد، حيث يصبح وجع الفرد هو دافع الجماعة، وصمود الجماعة هو حماية للفرد. إنَّ هذا السحق للفردانية يقودنا إلى مراقبة “عزلة الإنسان الغربي” التي فضحتها صور التكافل في غزة؛ فبينما يعيش الفرد في الحداثة السائلة “وحيداً في الزحام”، ويموت أحياناً في شقته ولا يُكتشف أمره إلا بعد أيام رغم ضجيج التكنولوجيا، رأى العالم في غزة مشهداً نقيضاً تماماً.
لقد رأى العالم الجار يقتسم رغيف الخبز الأخير مع جاره، ورأى الغريب يفتح بيته لمن هُدمت بيوتهم دون سؤال عن قرابة أو مصلحة. هذا “التكافل الاجتماعي الرباني” هو الرد العملي على جفاف الروح في الحداثة؛ حيث تحولت غزة إلى “خلية نحل” اجتماعية تتحدى القصف والجوع بالحب والولاية. لقد اكتشف العالم أنَّ “القوة” ليست في الانعزال الفردي طلباً للنجاة، بل في الالتحام الجماعي طلباً للعزة؛ فالإنسان في غزة لم يعد يشعر بالخوف “الوجودي” الذي ينهش قلب الغربي، لأنه يدرك أنه جزء من “بنيان” لا يتركه وحيداً في مواجهة القدر.
إنَّ هذا الانبعاث للروح الجماعية يستند إلى أصل قرآني عميق يصف المؤمنين بأنهم: “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ”. إنَّ “الذلة على المؤمنين” هنا هي قمة التراحم والتآخي التي تسحق “الأنا” المتضخمة. لقد أثبت الطوفان أنَّ “الجسد الواحد” هو حقيقة إستراتيجية؛ فعندما يتألم طفل في رفح، يتحرك المقاتل في الشمال، وينتفض المتظاهر في المغرب. هذه “السيولة الوجدانية” بين أبناء الأمة هي التي هزمت “السيولة المادية” الغربية. إنَّ الحداثة الغربية حاولت إقناعنا أنَّ الإنسان “ذئب لأخيه الإنسان”، لكنَّ “إنسان المنهاج” في غزة أثبت أنَّ الإنسان “عضد لأخيه الإنسان”.
إنَّ سحق الفردانية المتوحشة يعني نهاية عصر “الإنسان المستهلك” وبداية عصر “الإنسان الرسالي”؛ ذلك الذي يجد كينونته في عطائه لا في أخذه. إنَّ غزة اليوم تعيد تعليم البشرية أنَّ الحرية الحقيقية ليست في “التحلل من الروابط”، بل في “الارتباط المقدس” الذي يجعل منك لبنة في بناءٍ يشد بعضه بعضاً. وبذلك، يكون الطوفان قد قدم العلاج لمرض “العزلة” الحديث، محققاً قوله سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ”؛ وهذا “الصف” هو الذي حطم شتات الفردانية، وأثبت أنَّ قوة الأمة تكمن في “انصهار آحادها” في بوتقة المنهاج، ليكونوا قوةً لا تُخرق، وروحاً لا تُهزم.
4.”زمن الطوفان” مقابل “الزمن السائل”: استعادة غائية التاريخ
إنَّ من أعمق تجليات “الحداثة السائلة” هي قدرتها على “تفتيت الزمن”؛ حيث حوّلت حياة الإنسان إلى سلسلة من “اللحظات المنفصلة” التي لا رابط بينها، جاعلةً من “اللحظة الراهنة” هي الإله المعبود والسقف النهائي للتفكير. في هذا “الزمن السائل”، يُدفع الإنسان ليكون أسيراً للمتعة العابرة والمنفعة الآنية (الزمن القصير)، مما أدى إلى غياب “الغائية” وفقدان الشعور بالمسؤولية تجاه التاريخ أو المستقبل.
لكنَّ “طوفان الأقصى” جاء ليمارس عملية “مدٍّ زماني” هائلة، محطماً جدران اللحظة الضيقة ليعيد ربط إنسان المنهاج بـ “الزمن الممتد”؛ ذلك الزمن الذي يبدأ من “عقد الاستخلاف” الأول ويمتد إلى “يوم الدين”. لقد استعادت غزة “غائية التاريخ”؛ فالفعل في غزة لا يُقاس بمردوده الآني، بل بمكانه في سلسلة الصراع الكبرى بين الحق والباطل، وبأثره في ميزان الخلود. هذا الصراع الزمني يكشف لنا كيف حطم الطوفان “عبثية الحياة” التي تروج لها الحداثة. فالإنسان في المنظور الغربي السائل يخشى الموت لأنه يراه “نهاية الخط” وانقطاع اللذة، لذا فهو يعيش في قلقٍ دائم ومحاولة يائسة لتمديد اللحظة. أما في غزة، فقد جعل “إنسان المنهاج” من موته “جسر عبور” نحو الخلود؛ فالموت هنا ليس “عدماً” بل هو “استكمال للمسيرة”.
لقد تحول الزمن في غزة من “كمٍّ” يُستهلك إلى “كيفٍ” يُستثمر؛ فصارت الدقيقة في الرباط تعادل دهراً في وعي الأمة، وصارت دماء الشهداء هي “المداد” الذي يربط ماضي الأمة (بدر والفتح) بمستقبلها الموعود. إنَّ هذا التحول الزمني يستند إلى الرؤية القرآنية التي تذم “الحياة الدنيا” حين تكون غاية، وتصفها بأنها “لَعِبٌ وَلَهْوٌ”، بينما تدعو إلى “الدَّارَ الْآخِرَةَ” بوصفها “لَهِيَ الْحَيَوَانُ”. إنَّ “زمن الطوفان” هو زمن “المرابطة”، وهو زمنٌ “صلب” لا يذوب أمام الضغوط، لأنه يستمد شرعيته من “الأزل” ويتطلع إلى “الأبد”.
لقد كسر الفلسطيني “ديكتاتورية اللحظة” الغربية؛ فلم يعد يُفكر في “ماذا سأكسب غداً؟” بل في “ماذا سأترك للتاريخ وللميزان؟”. هذا الانعتاق من سجن “الزمن القصير” هو الذي منح المقاومة قدرةً مذهلة على الصبر الإستراتيجي؛ فالذي يقاتل من أجل “قضية ممتدة” لا يستعجل النتائج المادية، لأنه يدرك أنَّ “سهم التاريخ” يتجه حتماً نحو نصر الحق. إنَّ سيكولوجية “استعادة الغائية” تعني أنَّ الطوفان قد شفى الأمة من مرض “العدمية”؛ ذلك المرض الذي يجعل الإنسان يشعر أنَّ حياته بلا معنى إذا لم يحقق رفاهه الشخصي.
غزة اليوم تقول للعالم: إنَّ المعنى يُخلق بالالتحام بـ “الزمن الجماعي” و”الزمن الإلهي”. وبذلك، يكون الطوفان قد حرر “الوعي التاريخي” للأمة؛ فلم نعد نرى أحداثنا كوقائع متناثرة، بل كـ “خطة ربانية” محكمة تسير نحو وعد الآخرة. إنَّ “زمن الطوفان” هو الزمن الذي سقطت فيه “أوهام النهاية” الغربية (نهاية التاريخ)، لتبدأ “بداية التاريخ الحقيقية”؛ حيث الإنسان ليس عبداً للّحظة، بل هو سيدٌ في محراب الخلود، محققاً قوله سبحانه: “وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ”؛ وهي الأولوية التي جعلت من غزة منارةً تضيء عتمة “السيولة الزمنية” الغربية ببريق “الخلود المنهاجي”.
5. سقوط “المؤسسات السائلة” وبروز “التنظيم العقدي الصلب”
إنَّ أكبر أكذوبة روجت لها الحداثة السائلة هي “عالمية المؤسسات” وقدرتها على ضبط الفوضى البشرية عبر هياكل محايدة؛ مثل الأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية، والمحاكم الدولية. لقد صُوِّرت هذه الهياكل كأبنيةٍ صلبة تحمي الضعفاء، لكنَّ الطوفان كشف حقيقتها بوصفها “مؤسسات سائلة”؛ تفتقر إلى المركز الأخلاقي الصلب، وتتبخر فاعليتها فور اصطدامها بإرادة القوى المادية الكبرى. لقد شاهد العالم كيف وقفت هذه المنظمات “عاجزة” و”مشلولة” أمام طغيان الإبادة في غزة؛ فالمواثيق التي كُتبت بمداد الوعود الليبرالية سالت وتلاشت، ولم يتبقَّ منها سوى “القلق” اللفظي والبيانات الجوفاء.
هذا السقوط المؤسساتي أثبت أنَّ الهياكل المبنية على “التوافقات المادية” والمصالح المتغيرة هي هياكل “هشة” لا تصمد في الأزمات الوجودية، لأنها تفتقر إلى “الروح الجوهرية” التي تمنح المؤسسة ثباتها وصدقيتها. في المقابل، وعلى وقع القصف الذي لا يهدأ، برز نموذج “التنظيم العقدي الصلب” في غزة؛ وهو التنظيم الذي لم تستطع أعتى آلات الدمار تفكيكه. إنَّ “المؤسسة المنهاجية” المرتبطة بالوحي أثبتت أنها الأقدر على الإدارة والتحدي في أحلك الظروف؛ فبينما فشلت المنظمات الدولية في إيصال “قطرة ماء”، ظلت المؤسسة المنهاجية تدير الميدان، وتنظم شؤون الناس، وتخوض أعقد المعارك العسكرية والاستخباراتية بكفاءة مذهلة.
هذا التباين الصارخ يعود إلى أنَّ التنظيم في غزة لا يقوم على “عقد وظيفي” سائل يمكن فضّه بالخوف أو الطمع، بل يقوم على “عقدٍ إلهي” يربط الفرد بالمجموع وبالخالق. إنَّ المؤسسة التي تستمد شرعيتها وصلابتها من “الوحي” تظل ثابتة لأنَّ مرجعيتها فوق-مادية، بينما المؤسسة التي تستمد وجودها من “توازنات القوى” تسيل وتذوب بمجرد اختلال تلك التوازنات. هذه الظاهرة تقودنا إلى قوله تعالى: “أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ”.
إنَّ المؤسسات الدولية السائلة هي “البنيان على شفا جرف هار”؛ جرف المصالح والتبعية، لذا كان انهيارها حتمياً في لحظة الاختبار الحقيقي. أما “التنظيم المنهاجي” فهو البنيان المؤسس على “التقوى”؛ والتقوى هنا ليست مجرد شعور قلبي، بل هي “نظام أخلاقي وإداري صارم” يجعل من الفرد لبنة صلبة في هيكل لا ينكسر. لقد أثبت الطوفان أنَّ “التنظيم العقدي” هو البديل الحضاري عن الهياكل البيروقراطية الغربية؛ لأنه يمتلك “المرونة السائلة” في التكيف مع الظروف و”الصلابة العقدية” في التمسك بالأهداف.
إنَّ سقوط المؤسسات السائلة يعني نهاية عصر الركون إلى “الشرعية الدولية” الزائفة، وبداية عصر بناء “المؤسسات الذاتية المستقلة” التي تستمد قوتها من عقيدتها وشعوبها. إنَّ غزة اليوم تقدم للعالم درساً في “الإدارة تحت النار”؛ حيث لم تنهار المنظومة الاجتماعية أو العسكرية رغم مسح أحياء كاملة، مما يدل على وجود “هيكل روحي” غير مرئي يربط أجزاء هذه المؤسسة. وبذلك، يكون الطوفان قد كشف للعالم أنَّ المستقبل ليس للمنظمات التي تملك المكاتب الفارهة، بل للتنظيمات التي تملك “الإرادة الصلبة” والارتباط الوثيق بالسماء، محققاً قوله سبحانه: “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ“؛ وهو الغلبة التي سحقت فيها صلابة المنهاج سيولة النظام الدولي المتواطئ.