منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(13) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(13) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

الفصل الثالث: إستراتيجية المدافعة ومعادلة القوة غير المتكافئة

المبحث الثاني: هندسة الصمود السوسيولوجي:كيف تدير المجتمعات المحاصرة محنتها؟ (دراسة حالة غزة ).

1. مفهوم “المجتمع العضوي المقاوم”: تجاوز ثنائية “المدني/العسكري”

إنَّ أعظم ما أنجزه “طوفان الأقصى” على الصعيد السوسيولوجي هو تحطيم تلك الثنائية الغربية المفتعلة بين “المدني” و”العسكري” في سياق حروب التحرر؛ فقد استطاعت غزة أن تقدم للعالم نموذج “المجتمع العضوي المقاوم”، حيث انصهرت كافة فئات المجتمع—من الطبيب في مشفاه، والخباز في فرنِهِ، والأم في خيمتها، والمقاتل في نفقه—في بوتقة واحدة لا تقبل القسمة أو الانفصام.

إنَّ هذا المجتمع لم يعد مجرد مجموعة من “الضحايا السلبيين” الذين ينتظرون الإغاثة، بل تحول إلى “ظهيرٍ إستراتيجي” واعٍ يدرك أنَّ دوره في الصمود لا يقل أهمية عن دور المقاتل في الاشتباك. إنَّ هذا الالتحام العضوي هو تجسيدٌ ميداني لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾. فهذا “البنيان المرصوص” لم يعد محصوراً في جبهة القتال الفنية، بل امتد ليشمل جبهة الصبر الشعبي التي تمثل القواعد الارتكازية لكل فعل مقاوم، حيث يتساند الجميع في لوحة ملاحمية لا تجد فيها ثغرة للخذلان.

إنَّ تحليل هذه الظاهرة الفريدة يكشف لنا كيف أنَّ غزة قد “أمَّمت” التضحية وجعلتها ثقافة جمعية؛ فالمواطن الغزي لم يعد يرى في نفسه “هدفاً سهلاً” للعدوان، بل يرى في صموده فوق الأنقاض فعلاً هجومياً يحطم أهداف العدو في التهجير والتركيع. لقد فشلت كافة محاولات “كي الوعي” التي استهدفت الفصل بين المقاومة وحاضنتها، لأنَّ المجتمع أدرك بمنهاجه الأصيل أنَّ المقاومة ليست “كيانا طارئاً” عليه، بل هي ابنه وأخوه وامتداد لبيته وتعبير عن إرادته، وهو ما يعززه قول الله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

إنَّ سيكولوجية هذا “المجتمع العضوي” تقوم على “وحدة المصير”؛ حيث تفيض الرحمة والتكافل داخلياً لتتحول إلى غلظة وصلابة في وجه المحتل، في مشهدٍ يعيد تعريف “المواطنة” في زمن الاستضعاف؛ حيث المواطن هو “مرابطٌ بالضرورة”. هذا النموذج هو الذي أسقط نظرية “تأليب الشارع”؛ إذ كيف ينقلب المجتمع على نفسه وهو يرى في المقاومة ذراعه الحامية وفي الصمود كرامته الباقية؟ إنها الحالة التي وصفها الله عز وجل في علاقة المؤمنين ببعضهم البعض حيث قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “المجتمع العضوي المقاوم” في غزة قد قدم للعالم درساً في “سوسيولوجيا الرفض”؛ مفاده أنَّ الشعوب التي تعي دورها في معركة الوجود لا يمكن هزيمتها بآلة القتل. إنَّ تجاوز ثنائية (المدني/العسكري) يعني أنَّ المعركة أصبحت “شعبية شاملة”، لا تنتهي بانتهاء ذخيرة المقاتل، بل تستمر بنفَس الأم والطفل. إنَّ هذا الالتحام هو الضمانة الحقيقية لانتصار المنهاج، محققاً الوعد الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ وهذا الفلاح هو الثمرة الحتمية لهذا الاندماج العضوي الفريد الذي جعل من غزة استثناءً تاريخياً في وجه الطغيان.

2. سوسيولوجيا “الألم المنتج”: تحويل الكارثة إلى وقود للمواجهة

إنَّ المتأمل في حجم الدمار وفجائع الفقد في غزة يدرك أننا لسنا أمام مجرد “كارثة إنسانية” بالمعنى التقليدي، بل نحن أمام عملية إعادة صياغة اجتماعية لما يمكن تسميته “الألم المنتج”. فبينما يراهن العدو على أنَّ تكثيف الألم وتوسيع رقعة الأشلاء سيؤدي حتماً إلى “انكسار الإرادة” وطلب الاستسلام، يثبت المجتمع الغزي أنَّ الألم في “منهاج الصمود” يتحول من وسيلة للتركيع إلى وقود للمواجهة والاستمرار.

إنَّ هذه السوسيولوجيا الفريدة تجعل من “الجرح” مدرسة، ومن “الفقد” عهداً غليظاً على مواصلة الطريق؛ فالمجتمع الذي يستقبل شهداءه بالرضا والتسليم، لا يمارس طقوساً جنائزية يائسة، بل يمارس فعلاً ثورياً يجدد شرعية الاشتباك. إنَّ هذا الصمود الأسطوري يجد جذوره الضاربة في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ فهذا “الرجاء” هو الكيمياء الربانية التي تحول الألم الجسدي والنفسي إلى طاقة استعلاء إيماني لا تملك آلة الحرب مفاتيحها.

إنَّ الاسترسال في تحليل “هندسة الألم” في غزة يكشف كيف استطاعت الحاضنة الشعبية امتصاص الصدمات الكبرى وتحويلها إلى “عقد اجتماعي” قوامه الصبر والمصابرة. فالأم التي تفقد أبناءها تحت الأنقاض ثم تخرج لتعلن ثباتها، لا تعبر عن حالة ذهول، بل تعبر عن “وعيٍ سنني” يدرك أنَّ ثمن التحرر باهظ، وأنَّ المعاناة هي المخاض الضروري لولادة الفجر، وتجسيداً لقوله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فهذه الاسترجاعة ليست مجرد كلمة، بل هي “إعلان سيادة” الروح على المادة.

إنَّ “الألم المنتج” يتجلى أيضاً في تحول المشاعر الفطرية كالحزن والغضب إلى أفعال إيجابية في بناء المجتمع؛ فرأينا كيف تولد من رحم الركام مبادرات التكافل، وكيف يصبح “اليتيم” ابناً للحي كله. إنَّ العدو الذي ظنَّ أنَّ سياسة “الأرض المحروقة” ستحول المجتمع إلى غوغاء تتصارع على المساعدات، فوجئ بمجتمعٍ يزداد نُبلاً كلما ازداد ألماً، مقتدياً بقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾. إنَّ هذا الصبر المسند بالله هو الذي يجعل مكر الصهيوني يرتد على صاحبه.

وبناءً على ذلك، فإنَّ سوسيولوجيا “الألم المنتج” قد أسقطت تماماً مدرسة “الردع” الغربية؛ ففي غزة، صار الألم هو “دافع الفعل”. إنَّ الدم الذي ينزف لا يذهب سدى، بل يروي شجرة “الفرقان” التي تفصل بين من يبيع دينه وعرضه، ومن يشتري رضاء الله وجنة الخلد بصبره على البلاء. إنَّ غزة تقدم اليوم النموذج الأرقى للإنسان الذي تحرر من “عبودية الرفاه” ليدخل في “رحاب العزة”، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وهذا القرب هو اليقين الذي يجعل من كل آهة ألم في غزة صرخة نصر قادمة في وجه الطغيان.

3. “اقتصاد التكافل” تحت النار: البديل المنهاجي عن الدولة والمنظمات

إنَّ المتأمل في الصمود الغزي يكتشف أنَّ الحصار الكلي الذي فُرض على القطاع لم يكن مجرد إجراء عقابي، بل كان محاولةً لتفكيك النسيج الاجتماعي عبر دفع الناس إلى “صراع الغرائز” من أجل البقاء. لكنَّ الذي حدث هو انبعاث “اقتصاد التكافل”؛ وهو البديل المنهاجي الذي حلَّ محل مؤسسات الدولة ومنظمات الإغاثة الدولية التي خذلت الإنسان أو استُخدمت لابتزازه. في غزة، تفككت قيم “الفردانية الرأسمالية”، لتحل محلها قيم “الإيثار المنهاجي” الذي يرى في تقاسم رغيف الخبز وجرعة الماء فعلاً مقدساً يحفظ كرامة المجموع، تجسيداً لقول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

إنَّ هذه الظاهرة تكشف لنا عن عبقرية “الإدارة الشعبية للمحنة”؛ فالمجتمع الغزي لم ينتظر المساعدات المشروطة، بل أقام شبكات تكافلية عفوية تنطلق من المسجد والحي والأسرة الممتدة، في مشهدٍ يجسد مفهوم “الجسد الواحد”. إنَّ هذا الاقتصاد الروحي يعتمد على مبدأ “البركة” لا “الحسابات الرقمية”؛ وهو ما يعززه قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. هذا اليقين بأنَّ الإنفاق في زمن الضيق هو مفتاح الرزق، جعل المجتمع الغزي عصياً على الانكسار أمام سياسة التجويع، وحوّل “المحنة” إلى فرصة لتجذير الروابط الاجتماعية التي لا تستطيع قذائف الفسفور حرقها.

إنَّ “اقتصاد التكافل” تحت النار هو صرخة في وجه “الوثنية المادية” التي تربط الكرامة بالاستهلاك؛ فقد أثبت إنسان المنهاج أنه يستطيع أن يعيش بـ “الكفاف الكريم” طالما أنَّ روحه متصلة بالعزة. لقد فشل المحتل في تحويل الجوع إلى “أداة ضغط” سياسية، لأنَّ المجتمع الغزي طوّر “مناعة أخلاقية” تجعله يفضل الموت بكرامة على العيش بذلِّ المساعدات المسمومة. وهذا الترفع هو الذي يصفه الله سبحانه في قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾؛ فسيما العزة الغزية جعلت من المحاصرين “أغنياء بالقيم” في زمنٍ فقرت فيه المنظومات الدولية من أدنى معايير الإنسانية.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الدرس السوسيولوجي الأهم هو أنَّ “التكافل” هو السلاح النووي للمستضعفين؛ فبينما يمتلك العدو “سلاح الدمار”، يمتلك المجتمع المقاوم “سلاح البناء” الروحي. إنَّ “اقتصاد التكافل” هو الذي يضمن ديمومة المقاومة؛ لأنَّ المقاتل الذي يطمئن إلى أنَّ عائلته في حوزة مجتمعٍ رحيم، يقاتل بقلبٍ لا يعرف الالتفات للخلف. إنَّ هذا النموذج هو البديل الحضاري الذي نبحث عنه، عالمٌ لا تحكمه أرقام البورصات، بل تحكمه آيات التراحم، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. وهذه الرحمة الداخلية هي التي صنعت الغلظة في وجه المحتل، مؤكدةً أنَّ المجتمع الذي يتراحم في المحنة هو المجتمع الذي يُقدر له التمكين.

4.”الأسرة الغزية” كخرسانة حضارية: دور المرأة والطفل في تخليد الصمود

إنَّ المتأمل في بنية المجتمع المقاوم يدرك أنَّ “الأسرة” في غزة ليست مجرد وحدة سكنية، بل هي “ثكنةٌ تربوية” ومؤسسةٌ روحيةٌ تتولى مهمة صناعة الإنسان وصياغة وعيه التاريخي. لقد راهنت الحداثة الغربية وحلفاؤها على تفكيك الأسرة العربية والمسلمة عبر “ميوعة القيم”، لكنَّ غزة قدمت نموذجاً معاكساً تماماً؛ حيث برزت الأسرة كـ “خرسانة حضارية” متماسكة تتحدى الركام. وهنا يسطع دور المرأة الفلسطينية، ليس كضحية، بل كـ “حارسةٍ للهوية” ومصنعٍ للأبطال. إنها الأم التي تستقبل خبر استشهاد أبنائها برباطة جأش تحيّر العقول، استيعاباً ليقين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾. فهذا الارتباط الإيماني العابر للحياة والموت هو الذي يجعل من الأسرة الغزية كيانًا عصيًا على الفناء.

إنَّ تشريح هذا الصمود الأسري يقودنا إلى ملاحقة “صناعة الطفل” في غزة؛ ذلك الطفل الذي تجاوز مرحلة “الطفولة المستهلكة” ليدخل في “رجولة الوعي”. لقد فشلت “الآلة الصهيونية” في زرع الخوف في قلوب صغارنا، لأنهم تربوا في محاضن العزة التي تعلمهم أنَّ الكرامة أغلى من الخبز. إنَّ الطفل الغزي الذي يقف أمام الدبابات بقلبٍ ثابت هو ثمرة تربية قرآنية تزرع فيهم قوله عز وجل: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. هذا الصبر الموصوف بـ “عزم الأمور” هو الذي يشكل الشخصية الغزية منذ المهد، ويحول دون “هزيمة الجيل” التي يخطط لها العدو.

إنَّ “الأسرة الخرسانية” هي التي منعت سقوط المجتمع سيكولوجياً رغم سقوط المباني؛ ففي خيمة النازح، ترى الأم تحول قسوة النزوح إلى “خلوةٍ إيمانية” لإعادة بناء الروح. إنَّ المرأة الغزية اليوم هي التجسيد المعاصر لآسية بنت مزاحم؛ فهي التي تختار الثبات أمام “فرعون” العصر، موقنةً أنَّ بيتها في الجنة يُبنى بمداميك الصبر في الدنيا. إنَّ هذا الحضور النسائي القيادي هو الذي يربك حسابات المحتل، امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. فرحمة الأم وصبرها هما اللذان يجمعان الشمل ويمنعان الانفضاض في أحلك الظروف.

وبناءً على ذلك، فإنَّ “الأسرة الغزية” هي الضمانة الكبرى لـ “تخليد الصمود”؛ فهي التي تسلم الراية من جيل إلى جيل. إنَّ عالم ما بعد الطوفان يجب أن يتعلم من غزة كيف تتحول المرأة من “سلعة” في سوق الحداثة إلى “صانعةٍ للتاريخ”. إنَّ بقاء الأسرة الغزية قوية شامخة تحت النيران هو المعجزة السوسيولوجية التي تؤكد أنَّ النصر يبدأ من “البيت”، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. وغزة اليوم تقي نفسها وأهلها نار الذل والتبعية، لتبقى منارةً للعزة والكرامة في كل الأزمان.

5. هندسة “الزمن والانتظار”: سيكولوجية الصبر الطويل

إنَّ المعركة في غزة لم تُدر فقط بتبادل النيران، بل أُديرت بصراعٍ مرير حول “عامل الزمن”؛ فبينما يعيش الكيان الصهيوني على سيكولوجية “الحرب الخاطفة” والقلق الوجودي من طول الأمد، طورت غزة ما يمكن تسميته بـ “هندسة الصبر الطويل”. إنَّ إنسان المنهاج لا يتعامل مع الزمن بوصفه عدداً من الساعات يمر على جسده المنهك، بل يتعامل معه بوصفه “فضاءً للعبادة” وميدانًا لإنهاك الخصم. لقد حولت غزة “الانتظار” تحت القصف من حالة عجزٍ إلى “فعل مقاومةٍ إيجابي”؛ فكل يومٍ يمر دون انكسار هو طعنة في قلب العقيدة الأمنية للمحتل.

إنَّ هذا الصبر يستند إلى يقينٍ قرآني راسخ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ فالمصابرة هنا هي التفوق على العدو في تحمّل طول الأمد حتى ينهار الخصم داخلياً قبل أن ينهار ميدانياً. إنَّ الاسترسال في تحليل هذه السيكولوجية يكشف لنا كيف أعادت غزة صياغة مفهوم “الانتظار”؛ فالعدو يراهن على أنَّ “تراكم الوجع” سيؤدي بالضرورة إلى صرخة “كفى”، لكنَّ المنهاج التربوي في غزة قلب المعادلة؛ حيث يصبح الزمن فرصةً لـ “التمحيص”، ويقرأ الإنسان الغزي في طول المحنة قوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. إنَّ سؤال “متى نصر الله” هنا ليس شكاً، بل هو “منتهى الزلزال” الذي يعقبه الفجر.

إنَّ “هندسة الصبر” تتجلى أيضاً في قدرة المجتمع على التعايش مع “اللا-يقين” المادي بيقينٍ غيبي مطلق؛ فالنازح الذي لا يعرف أين سيبيت غداً، يملك “طمأنينةً زمنية” لأنه أخرج نفسه من ضيق الحسابات البشرية إلى سعة الأقدار الإلهية. إنَّ هذا الصبر هو الذي يفتت جبهة العدو الذي لا يطيق “حرب الاستنزاف”؛ فالمحتل كائنٌ مستعجل يطلب الرفاه السريع، بينما إنسان المنهاج كائنٌ “نَفَسُهُ طويل” يطلب العزة ولو بعد حين، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. فالرجاء في الله هو الذي يمد حبال الصبر، ويجعل من الانتظار عملية “بناء” لا “فناء”.

وبناءً على ذلك، فإنَّ هندسة “الزمن والانتظار” قد جعلت من غزة مدرسةً عالمية؛ حيث أدرك الأحرار أنَّ النصر هو “صبر ساعة”، وأنَّ القوي ليس من يملك الساعة الأغلى، بل من يملك “النفس الأطول”. إنَّ غزة اليوم تكسر جبروت “اللحظة الراهنة” بالاتصال بـ “الأبدية”؛ فالشهيد الذي يرحل يترك خلفه جيلاً يرضع “فقه الانتظار المقاتل”. إنَّ هذا الصبر الإستراتيجي هو الذي سيؤدي حتماً إلى الانهيار الوجداني للمشروع الصهيوني الذي واجه “بشرٍ لا يملون من الثبات”، محققاً الوعد الصادق: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. وغزة اليوم هي اليقين الذي لا يستخفه مكر الأعداء، لتبقى هي “سيدة الزمن” وحارسة التاريخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.