منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فقه التدافع عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

عبد الرحمن البشارة

0

فقه التدافع عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

عبد الرحمن البشارة

فقه التدافع عند الإمام عبد السلام ياسين هو أحد المفاهيم الأساسية في فكره الدعوي والسياسي، ويعد من أبرز معالم مشروعه الإصلاحي الذي قدمه في سياق الحركة الإسلامية في المغرب والعالم العربي. فقه التدافع يعتمد على فكرة أن الإسلام لا يتعامل مع الواقع على أساس استسلامي انهزامي، بل يتضمن صراعًا وتدافعًا مع القوى المعاكسة للحق والعدل. وقد أشار الإمام عبد السلام ياسين إلى أن هذا التدافع يجب أن يكون فطريًا وطبيعيًا في مواجهة الظلم والفساد، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو الجماعات أو حتى الأنظمة السياسية.

بعض النقاط الرئيسة حول فقه التدافع عند الإمام عبد السلام ياسين:

  • أولا: التدافع ضرورة شرعية:

يرى الإمام عبد السلام ياسين أن التدافع هو سنة من سنن الله في الكون. وهذا التدافع لا يعني الصراع العنيف، بل يشمل كل أشكال مقاومة الباطل ومواجهة الظلم، سواء عن طريق الدعوة أو الإصلاح أو التغيير السياسي.

يستدل رحمه الله في هذا السياق بمجموعة من الآيات والأحاديث النبوية، ثم يختم بقصة سيدنا أبي بكر ليبرز تدافع المسلمين مع الشرك حتى في حال ضعفهم: ” هذا أبو بكر رضي الله عنه يجهر باحتجاجه: «أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟».كان المسلمون يومها مستضعفين قليلين، وكان الشرك في عنفوانه. ومع ذلك جهر جند الله بكلمة الحق، وواجهوا التهديد والأذى بالدفع والاحتجاج والإنذار في أحرج المواقف وأشدها”. المنهاج النبوي الطلعة الخامسة ص 321.

“إن منهاجنا القرآن كتاب الله تعالى، وهو يحملنا رسالة الرحمة للعالمين، ويخبرنا أن الله جلت عظمته جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف ونتآخى في ظل سلم ندخل فيه كافة من باب الإيمان به سبحانه ربا، وقبول شريعته قانونا.

لكن هذا المنهاج نفسه أخبرنا أن هذا الكون يحتضن قوتين: قوة الحق وقوة الباطل، وأن جند الله واجبهم نصرة الحق ليزهق الله بجهادهم الباطل، وأن نصرة الحق تقتضي عند الحاجة أن نقاتل المشركين كافة، وأن نعتدي على من اعتدى علينا بالمثل وزيادة حتى يكون الدين كله لله والخضوع، وأن نرصد للكفار المعتدين كل مرصد”. الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية ص 46

  • ثانيا: التدافع بين الحق والباطل

في نظر الإمام ياسين، التدافع هو عملية مستمرة بين الحق والباطل، وأن المسلم يجب أن يكون جزءًا من هذا التدافع، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي. يدعو إلى أن يتم التدافع بوعي وفهم صحيح لطبيعة المعركة، وتحت قيادة ربانية واعية.

“لا تحسبن أن الهجرة والنصرة معنيان قاما بجماعة الصحابة ثم ذهبا، كلا! فإن معاني القرآن الكريم خالدة، فعلينا أن نبحث عن مناط حكمي الهجرة والنصرة في واقعنا الفتنوي، فإذا حددنا من هو المهاجر، وما هي الهجرة والجهاد، وحددنا ما هي النصرة والإيواء، اتضح لنا كيف ننزل تلك الأحكام على مجتمعاتنا وفئات الناس فينا.” المنهاج النبوي ص 78.

  • ثالثا: التدافع بالأدوات السلمية

على الرغم من أن الإمام ياسين لا ينفي حق المسلمين في الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم بالقوة في حالات معينة، إلا أنه يشدد على أن الدعوة والتغيير يجب أن يتم عبر وسائل سلمية وحضارية قدر المستطاع. من هذا المنطلق، لا يفضل العنف أو التصعيد غير الضروري.

فبالرفق واللين يكون تغيير الواقع لا بالعنف؛ لأن العنف يهدم ولا يبني وهو ما كان يدعوا إليه الأستاذ عبد السلام ياسين في نصائحه لأتباعه فيقول: “تريد تغيير واقع أليم، لا يغير العنف إلا المظاهر والهياكل النخرة”. رسالة إلى كل طالب وطالبة ص 19.

ويضيف: ” الرفض الانفعالي للحال التي وصلنا إليها، والتهييج والعنف، لن تؤدي إلى بناء حالة ترضي. العنف يهدم. وقد يخر البناء الهرم كله على رأس الكل في فتنة عارمة غاضبة قاتلة مبيدة”. رسالة إلى كل طالب وطالبة ص 20

وأن ”البذل والتسامح شرطان لازمان لإحلال التوازن في المجتمع الإسلامي بدلا من التنازع والبغضاء، وأهم غايات الشريعة الإلهية إتمام مهمة خلاص الإنسان وسعادته الأخروية. وهو مقصد سام لا يتحقق إلا بالمحافظة على الحياة والعقل والأخلاق والمِلْكية لتأمين النظام والأمن الاجتماعيين الضروريين لكل عمل بناء.  الإسلام والحداثة، ط 1، السنة 1998، ص 191

  • رابعا: الإعداد والمجاهدة

يشدد الإمام ياسين على ضرورة أن يكون المسلمون مستعدين لهذا التدافع، سواء من خلال الإعداد الفكري أو العلمي أو الروحي. فالتدافع لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان المسلمون مستعدين للإسهام في هذا التدافع بأدوات ووسائل منسجمة مع القيم الإسلامية. على أن المدخل الأساس هو التربية، وفي هذا يقول رحمه الله في الجزء الثاني من كتاب الإحسان:

” وإنه لا سبيل إلى التحيُّز عن ظلام الجاهلية إلا لمن انغمس روحا وقلبا وعقلا وخطاباً وحركة في نور الإيمان والإحسان حتى أصبح لقب “مجاهد” في حقه اسما على مسمى، لا مجرَّدَ صياح متفائل متمسح بالإسلام. ويبدأ هذا من إخلاص النية، والنية عمل قلبي، وللقلب أمراض، ودون الصدق والإخلاص عقبات، وللقلب طب، ولاقتحام العقبات ضوابط.

وهكذا ترتبط ضرورة الجهاد بضرورة التربية كيلا يختلط تحركنا القتالي والسياسي بتحركهم، ولكيلا تكون مواجهتنا للجاهلية الخارجية والداخلية الدخيلة فينا ضربا من تقارع الأمثال كما تتقارع الأحزاب السياسية على أرضية واحدة، وكما تتقارع عصبية ضدَّ عصبية، ولفيف ضد لفيفٍ، كل يقاتل تحت راية جاهلية عُمِّيَّة”. ص 489

ويقول رحمه الله: “التربية الإيمانية عملية على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوؤه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية” المنهاج النبوي  ص 314

ليعود للتأكيد على أن “كل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته، وعقيدته، وأخلاقه، وإرادته، وحركته كلها على الأرض، لتكون حركةً لها غاية، ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ“. إمامة الأمة، ص 88

  • خامسا: التدافع في إطار الأمة

وفقًا لفكر الإمام ياسين، فإن التدافع لا يجب أن يكون مجرد فعل فردي، بل يجب أن يكون جماعيًا، حيث تتعاون الأمة الإسلامية في مواجهة التحديات المشتركة. وقد دعى إلى وحدة الصف وعدم التفريق بين المسلمين بناءً على الانتماءات الحزبية أو المذهبية.

” لما انفرمت وحدة المسلمين الأولى تحت الملك العاض والجبري لم يتحدث فقهاء ذلك الزمان عن ضرورة إعادة الحكم الشوري لأن وحدة الشوكة والسلطان بقيت قائمة على رقعة دار الإسلام، حقيقية في القرون الأولى، رمزية بعد استقلال كثير من الأمصار. آخر عهدنا بوحدة الشوكة عهد آل عثمان رحمهم الله. لم يذكر علماؤنا السابقون أثناء حديثهم عن مقاصد الشريعة هذا المقصد الجامع. أما في زماننا وقد نشبت فينا مخالب الجاهلية والأنياب، فنشعر بضرورة استعادة الوحدة شعورا عميقا. إنها مسألة حياة أو موت. إنها أم المقاصد وشرط تحقيقها، إنها مطلب من مطالبها” نظرات في الفقه والتاريخ 55-56

  • سادسا: التوازن بين الدعوة والسياسة

في فقه التدافع عند الإمام ياسين، لا يكون التدافع مقتصرًا على الجانب الدعوي فحسب، بل يشمل أيضًا العمل السياسي والاجتماعي. ويرى أن المسلم يجب أن يساهم في بناء المجتمع وتحقيق العدالة من خلال المشاركة في الحياة السياسية.

يقول الإمام ياسين: “ما وعدَ الله سبحانه وتعالى بالاستخلاف والتمكين في الأرض القاعدين الهاربين مما وضعه الله عز وجل من نواميس تضبط هذا الكون الواسع، وما وضع من قوانين تحكم المجتمعات البشرية. يجمع هذه القوانينَ قولُ الله عز وجل (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ)، وفي آية أخرى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا). وليكون فعلنا صالحا ومؤثرا لا بد لنا من معرفة نفوسنا فردا فردا. لا بد لكل فرد منَّا أن يعرف نفسه، هل هو ماضٍ في التقرب إلى الله عز وجل، أم أنه يخبِط على غير هدى؟ لا بد لنا من معرفة نفسنا الجماعية من جذورها التاريخية، عبر تطور الأحداث في زمن الفتنة، ثم لا بد لنا أن نعرف تاريخ الشعوب وتاريخ العالم الذي نعيشه وتقلباتِه المفاجئةَ في الوقت الحاضر. ففي آخر القرن العشرين من تاريخ النصارى وفي مستهل القرن الخامس عشر، قرن الخلافة الثانية على منهاج النبوة إن شاء الله تعالى، ظهرت تقلبات مفاجئة مذهلة، انتهت الاشتراكية وانتهت فكرتها واعترف أهلها بخيبتها، وانتهت المنافسات بين كتلتي الغرب والشرق، فينبغي للمسلمين أن يحسُبوا لكل متجدد في كون الله عز وجل حسابَهأحاديث في العدل والإحسان من محاضرات الإمام المجدد عبد السلام ياسين، ص: 25 ـ 26.

  • سابعا: أهمية فقه الواقع المعاصر في التدافع

فقه التدافع يكتسب أهمية خاصة في واقعنا المعاصر، حيث يواجه المسلمون تحديات كبيرة من الأنظمة السياسية الفاسدة، والاحتلالات، والظلم الاجتماعي. من خلال فقه التدافع، يقدم الإمام عبد السلام ياسين نموذجًا إسلاميًا شاملًا للتفاعل مع هذه التحديات بشكل فعال، مع الحفاظ على القيم والمبادئ الإسلامية.

  وقد أفصح الأستاذ ياسين بوضوح تام عن أصل اعتبار حال الزمان في منهج مراجعاته إلى جانب الأصل الشرعي حين قال: “نرجع إلى تأصيلاتهم ناظرين إليها من إزاء القرآن والسنة، ناظرين إليها أيضًا من زاوية واقعنا وظروفنا. نظرات في الفقه والتاريخ ص 109.  ومقتضى القول بمراعاة الواقع وظروفه الانطلاق من إشكالاته وأسئلته في النظر إلى تراث السلف تثمينًا وترتيبًا؛ ذلك أن “ما عشناه من نكبات احتلال القدس وخذلان حكام الجبر للأمة بما منعوها من توحيد جهودها لتجاهد عدوها، وبما بددوا من أرزاق، وبما والَوا الكفار وضحوا بالمقدسات؛ ليحتفظوا بالسلطان مهما تمزقت الأمة وافترقت وأُهينت، كل ذلك يلح على ضميرنا لنعيد النظر فيما رتبه علماؤنا من قبلنا في حديثهم عن مقاصد الشريعة”. نظرات في الفقه والتاريخ ص 52

“ما نراه اليوم من انهيار للأمة لا يمكن تجاوزه إلا بالتدافع بين الحق والباطل، وبالاستمرار في الجهاد المشروع لتغيير الواقع.” الإمام المجدد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.