الحلقة 16: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة 16: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية
بقلم: ذ. محمد الغالي
فقه الصحابة الكرام في حفظ مقاصد الأمة
مقدمة:
يسعى فقه التنزيل إلى تطبيق الحكم الشرعي مع تحقيق مصالحه ومقاصده، وإن الاجتهاد في اختيار الأحكام الملائمة للواقع، المحققة للمقاصد، المبصرة للمآلات والعواقب؛ ليُعَدُّ من أرقى أنواع فقه المستقبل، الذي نهجه الخلفاء الراشدون والصحابة المجتهدون استمرارا على منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم في تنزيل الأحكام على مناطاتها المناسبة لها.
لقد كان الصحابة رضي الله عنهم في مقدمة من فهم أسرار الشريعة ومقاصدها، بما عرف عنهم من سابقة في الإسلام، وطول باع في صحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وملاحظة دائمة ومستمرة لحوادث الشريعة ومنازل الوحي. ولا شك أن فقههم العميق لمقاصد الشريعة ظهر من خلال أقوالهم وأفعالهم وفتاويهم، وفي عبادتهم ومعاملاتهم وسلوكهم.
كما كان لفقه الواقع لدى الصحابة الكرام أثر كبير على اجتهاداتهم وفتاويهم، فهما وتنزيلا، بما يحقق مقاصد الشارع والمصلحة العامة.
ويفيد استقراء آثار الصحابة رضوان الله عليهم وتصرفاتهم في رعاية المصالح العامة وفهمهم لمقاصد الشريعة في زمانهم، أنهم كانوا يطلبون ذلك أولا من نصوص الشريعة، من الكتاب والسنة أولا باعتبارهما المصدرين الرئيسين للشريعة والأحكام الشرعية ثم الاجتهاد بعد ذلك بصفة عامة.
ولذلك سنتناول، بشيء من الدراسة والتحليل، تعامل الصحابة الكرام مع النصوص التشريعية من حيث الالتزام بظاهرها من جهة، والغوص في معانيها وسبر أغوارها، والعدول بها عن ظاهرها إلى روحها وجوهرها، من جهة ثانية. ثم كيف حَفِظوا الدين بحفظهم القرآن الكريم والسنة النبوية من الابتذال والتحريف والتغيير، مع بيان جهودهم في الحفاظ على الأمة موحدة ومتماسكة.
المطلب الأول: حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية من التبديل والتغيير:
قام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بأعمال جليلة خدمة للقرآن والسنة، وحاولوا أن يدفعوا عنها كل ما من شأنه المساس بها، وسدوا كل ذريعة فساد محتملة اللحوق بأحدهما. فجمعوا القرآن الكريم في مصحف واحد، ثم جمعوا الناس على القراءات الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وألغوا غيرها تجنبا لاختلاف المسلمين وافتتانهم، ونهوا عن كتابة العلم في بداية الإسلام ونزول الوحي حتى لا يختلط كلام الله تعالى بكلام البشر؛ فهذا أبو بكر الصديق يجمع أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يحرقها، وهذا عمر الفاروق يقول: “إني ذكرت قوما، كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا”[1]. وحذروا من كتابة علوم العلماء من الأمم السابقة، فقد نهى علي بن أبي طالب عن ذلك حينما قال: “أعزم على كل من عنده كتاب، إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم”[2]. والشاهد عندنا في هذه الأمثلة هو خوف الصحابة رضي الله عنهم على كتاب الله من لحوق الفساد إليه، من تحريف أو تغيير أو تبديل.
وهكذا كان عملهم مع السنة الشريفة، فإنهم لم يألوا جهدا في سد كل الذرائع الفاسدة التي تهدد هذا الأصل الشرعي بالزوال أو التغيير، كطروق الوضع إليه والتحريف والتدليس، ومن أجل ذلك آثروا الاعتدال في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنها من العلم؛ والعلم أمانة يجب تبليغه إلى الناس، يقول ابن قُتيبة في تعليل إنكار الصحابة كثرة الرواية، خصوصا عمر بن الخطاب، أنهم يريدون بذلك “ألا يتسع الناس فيها، ويدخل الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي(…) وكان كثير من جلة الصحابة، وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر والزبير، وأبي عبيدة والعباس، يقلون الرواية عنه”[3].
فما هي إذن الإجراءات العملية والاجتهادات التطبيقية التي قام بها الصحابة لحفظ القرآن والسنة؟
ذلك ما سنعرفه في الفروع التطبيقية الآتية:
الفرع الأول: حفظ القرآن بجمعه ونسخه وحمايته من الضرر والاستغلال.
إن الغاية من تنزيل القرآن الكريم هي تطبيق أحكامه وإتباع تعاليمه وأوامره، يقول علال الفاسي: “والقصد العام من نزول القرآن هو هداية الخلق وإصلاح البشرية”[4]، فالقرآن الحكيم هو الوسيلة العظمى لتحقيق المقصد العظيم الذي يحفظ للعباد مصالحهم في الآجل والعاجل. ولتحقيق هذا، كان لزاما على الصحابة الكرام حماية القرآن الكريم من الابتذال والاستغلال، وذلك بحفظه في الصدور وكتابته في الصحف ونسخه في المصاحب.
1- الصحابة وجمع القرآن في الصدور:
لقد تكفل الحق سبحانه وتعالى بحفظ كتابه العزيز من كل تحريف أو تغيير أو تبديل أو زيادة أو نقصان، قال تعالى:”إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر،9). ومن حفظه سبحانه للقرآن الكريم؛ تحفيظه إياه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمعه في قلبه، قال تعالى: “إنا علينا جمعه وقرآنه” (القيامة،17)، وبعد ذلك تيسر لنخبة من الصحابة على عهد النبوة حفظ القرآن في الصدور كاملا متقنا، لينقلوه بالتواتر إلى الأجيال المتعاقبة من صدر إلى صدر حتى قيام الساعة.
وقد اجتهد الصحابة في حفظ القرآن، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون، فكان أبو بكر الصديق أول من جمع ما بين اللوحين، وعثمان بن عفان كان يجمع القرآن في صدره بدليل أنه كان يقوم الليل ويختم فيه القرآن، كما أن علي بن أبي طالب لزم بيته عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم زمنا أتم فيه جمع القرآن في صدره[5]. فضلا عن أبي بن كعب وزيد بن ثابت في جملة من الصحابة القراء من المهاجرين والأنصار وأمهات المؤمنين. ومنهم من تيسر له أن يعرضه على النبي صلى الله عليه وسلم، وكثير منهم[6] لم يعرضه عليه أو لم يجمعه إلا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.
ولم يكتف الصحابة بجمع القرآن في صدورهم بل عملوا على تعليمه للناس وترغيبهم في حفظه ورعاية حقوقه، خاصة من كان فيهم في منصب الإمامة والمسؤولية[7]، وكانوا يشجعون على ذلك بطرق مادية ومعنوية، حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب أفرض العطاء لمن جمع القرآن في الديوان، كما ذكر مالك في الموطأ[8]، واجبا ماديا، بمثابة تحفيز وتشجيع للتنافس على حفظ القرآن في الصدور.
2- الصحابة وجمع القرآن في الصحف:
ومن هنا تظهر أولى ملامح فقه الواقع في اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم، فرغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر بشيء من هذا، لا في سنة قولية أو فعليه منه، لكن الحس المقاصدي الذي عُرف به الصحابة، وتغير أحوال الواقع العامة بظهور الحاجة لذلك، دفع أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة بضرورة جمع القرآن الكريم، خصوصا لما استشهد كثير من حفظة القرآن وحملته في معركة اليمامة[9].
عن زيد ابن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال: “إن عمر أتاني فقال: إن القتل استحر-اشتد- يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستمر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر”[10].
وبعدما اقتنع زيد، هو كذلك، وشرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر وعمر؛ قام فتتبع القرآن وجمعه في الرقاع والأكتاف والعُسب وصدور الرجال. وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر[11]. ولعل هذه الصحف لم تكن للقراءة، وإنما كانت كنسخة رسمية يُرجع إليها عند الحاجة أو الاختلاف.
ويكون هذا الفعل من أبي بكر وعمر وزيد وبموافقة الصحابة، اعتبارا للمآلات التي قد تلحق المسلمين من تفرق الناس وتشتت آيات القرآن، وبذلك يضيع القرآن لا قدر الله ويختلف الناس فيه.
3- الصحابة ونسخ القرآن في المصاحف:
في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه طرأ أمر جديد، لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا على عهد الخليفتين أبي بكر وعمر؛ وهو اختلاف الناس في القراءات وافتتانهم بها بعد تفرقهم في البلدان.
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ الصحابة القرآن على سبعة أحرف[12]، فلما تفرقوا في الأمصار ذهب كل منهم يُعلم من حوله حسب ما تعلم من رسول الله، إلى أن ظهرت أحوال جديدة بدخول الأعاجم إلى الإسلام واتساع بلاد المسلمين، فاختلف الناس في قراءة القرآن اختلافا كبيرا أفزع الخليفة الراشدي الثالث ومن معه من الصحابة[13]، فأمر بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد وتوحيد المسلمين عليه، بنَسخِه وتوزيعه على الأمصار وإحراق ما عداه من النسخ الأخرى.
ولعل في قول الصحابي حذيفة بن اليمان للخليفة عثمان بن عفان: “أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك”[14] نبراسا لنا في معرفة العلة التي دفعت بعثمان إلى الإقدام على هذا العمل، بعد اقتناعه بكلام حذيفة، وهي “الخوف على الأمة من الهلاك، والسبب في ذلك اختلافهم في القرآن. فكان واضحا من عثمان أن يهرع لحفظ دين الأمة من الفرقة والتنازع بسبب الاختلاف حول أصل من أصوله؛ القرآن الكريم. وحسمًا لمادة الخلاف؛ أمر بحرق كل ما سوى هذه المصاحف التي نسخها. وهو أمر اجتهادي محض أساسه رعاية مصلحة الأمة ودرء المفسدة العظيمة التي ستلحق بها من جراء استمرار اختلاف الناس في القرآن”[15].
ولم يكن هذا اجتهادا فرديا، كما يتبادر للبعض، بل كان جماعيا وبموافقة كبار الصحابة وفقهاءهم، فقد روي عن علي بن أبي طالب قوله: “لو كُنتُ الوالي وقت عثمان، لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان”[16]. ولم يُنقل عن أحد من مجتهدي الصحابة وكبرائهم أن اعترض على عثمان رضي الله عنهم.
وإذا كان جمع أبي بكر الصديق للقرآن في الصحف استند على جلبة المصلحة والخير، فإن جمع عثمان بن عفان ونسخه للقرآن في المصاحف ارتكز هو الآخر على درء المفسدة والفتنة وسد ذرائع الشر، وهكذا يكون المستند الأول والركيزة الثانية هما عمدتا الاجتهاد المقاصدي.
4- الصحابة وحماية القرآن من الضرر والفهم الفاسد والابتذال:
لم يتوقف عمل الصحابة لحماية القرآن وحفظه على جمعه في الصحف ونسخه وتوحيد قراءته في المصاحف، بل تعدى ذلك إلى أعمال جليلة تقصد حفظ جوهره وروح أحكامه فقها وتنزيلا.
فقد اشتهر عن فقهاء الصحابة نهيهم عن التكلف في تفسير القرآن وتأويله، حتى أن أغلبهم كان يتهيب تفسير معاني القرآن الكريم خوفا من الوقوع في التكلف. روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي قال: “أدركت أصحاب عبد الله ابن عمر وأصحاب علي ابن أبي طالب وليس عندهم لشيء من العلم أكره منهم لتفسير القرآن”[17]، وليس ذلك منهم لنقص في العلم أو غيره ولكن لتهيبهم الوقوع في فرط التفسير والإكثار منه، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبين للصحابة معاني القرآن إلا البعض منه، ولأن التفسير في هذه المرحلة اكتفى بالوقوف عند المعنى الإجمالي، ولم يلزم الصحابة أنفسهم بتفهم معاني القرآن الكريم تفصيلا. حتى إنه كان يكفيهم أن يفهموا من مثل قوله تعالى:”وفاكهة وأبا“(عبس،31، أنه تعداد لنعم الله تعالى على عباده[18]. وقد حاول عمر الفاروق مرة تفسير كلمة: {أباًّ} الواردة في الآية السالفة الذكر، وتراجع عن ذلك مخافة السقوط في التكليف.
وكان الصحابة شديدو الحرص على القرآن الكريم من التأويلات الفاسدة، ومن ذلك ما ورد عن علي بن أبي طالب في رده على الخوارج الحرورية في فهمهم الفاسد لقوله تعالى:”إن الحكم إلا لله“(الأنعام،57). قال: “الحكم لله وفي الأرض حكام، ولكنهم يقولون لا إمارة، ولا بد للناس من إمارة”[19]. وروي عن عمر بن الخطاب أنه جيء يوما بقُدامة بن مظعون وكان قد شرب الخمر، فتأول تأويلا فاسدا قوله تعالى:”ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ماتقوا“(المائدة،93)، فقال عمر: “أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك”[20]، فأمر بقُدامة فجلده الحد.
والأمثلة على طرق و وسائل حماية القرآن الكريم في سيرة الصحابة كثيرة لا تحصى، وخصوصا الخلفاء الراشدين، كلها تبين مدى حرصهم على حفظ كتاب الله من المفاسد المحتملة التي تعطل تنزيل أحكامه وتمنع تحقيق مقاصده العظمى. بل وصل بهم الحد إلى كراهية بيع المصحف صونا لحرمته ومنعا لتعرضه لأي شكل من أشكال الابتذال أو الاستغلال، كما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يمر بأصحاب المصاحف فيقول: “بئس التجارة، لا تبيعوا المصاحف و لا تشتروها”[21]. رغم أنه لا شيء في أحكام القرآن ولا في السنة يمنع من ذلك، لكنه اجتهاد عمر كعادته في تنزيل الأحكام على الوقائع.
الفرع الثاني: حفظ السنة بين الاعتدال في الرواية والتطبيق العملي.
تعتبر السنة النبوية الشريفة المنهاج النبوي الذي يفسر ويبين ويفصل ما تضمنته الأصول والقواعد الإلهية الأساسية المبثوثة في القرآن الكريم، ولا يمكن أن تتم عملية حفظ الدين من الزوال، إلا بحفظ السنة بما تم به حفظ القرآن. لذلك حرص الصحابة الكرام على حفظ السنة وحمايتها من كل ما من شأنه أن يلحق بها الضرر والفساد.
1- الصحابة وحفظ السنة في الصدور:
وهذه الميزة خاصة بأمة سيد المرسلين؛ وهي الحفظ في الصدور، والصحابة الكرام هم أكثر الناس حفظا لكتاب الله وسنة رسول الله، فهم أول من وقعت عليهم مسؤولية حمل هذه الأمانة إلى العالمين وحمايتها من التلف والزوال، وقد حفز الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم غير ما مرة على أهمية حفظ سنته وحسن فهمها، ومن ذلك قوله: “نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها”[22]، ففهم الصحابة أن هذا الأمر يعنيهم، فسارعوا إلى حضور مجالس الحديث والعلم، التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعقدها بين الفينة والأخرى ويحرصون عليها ولو بالتناوب فيما بينهم، قال عمر بن الخطاب: “كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك”[23]، ويتذاكرون ذلك فيما بينهم حتى يحفظوه. وكانوا يجتهدون في حفظ الأجوبة النبوية والفتاوى والأقضية التي كانت تصدر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم أثناء سؤال أعرابي ما، أو إثر حوادث كانت تقع للمسلمين فيسألون عنها ويتناقلون أجوبة رسول الله فيما بينهم، حتى أحاطوا بالسنة وحفظوها على أحسن وجه.
2- الصحابة وحفظ السنة بالتدوين:
رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة غير القرآن وكره ذلك في بداية الإسلام مخافة الاختلاط، إلا أن هذا النهي لم يمنع مجموعة من الصحابة من كتابة الحديث، خصوصا من سمح لهم بذلك في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ أمثال: عبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب وغيرهما. فقد صح أن عبد الله كان يكتب كل ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينهه عن ذلك، بل قال له: “أكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق”[24]، وكانت صحيفة عبد الله بن عمرو تسمى بالصحيفة الصادقة. وقد وجدت مع علي بن أبي طالب هو الآخر صحيفة[25] دون فيها مسائل العقل-الدية- وأحكام فكاك الأسير.
فكتابة الحديث كان في عهده صلى الله عليه وسلم، أما التدوين فلم يُعرف إلا بعد الخلافة الراشدة في زمن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي أمر بجمع الحديث لما خشي دروس العلم وذهابه، ولأن استمرار كراهية التدوين أصبح مفسدة تؤدي إلى ضياع السنة، فأصبح من المصلحة جمعها وتدوينها.
3- الصحابة ونشأة علم مصطلح الحديث:
يعتبر الصحابة الكرام أول من وضع لرواية الحديث قوانين علمية عملية تميز بين المقبول من الحديث وغير المقبول، حماية للسنة من التغيير والتحريف.
فقد ورد عن الصحابة أنهم كانوا يكرهون كثرة الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى أنهم كانوا يخشون على المكثر من الكذب، يقول عمر بن الخطاب: “بحسْب المرء من الكذب أن يُحدّث بكل ما سمع”[26]. وكان كثير من جلة الصحابة[27]، كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس، يُقِلٌون عن رسول الله الرواية. ويرجع سبب كراهيتهم لكثرة الرواية إلى الخوف من الخطأ والاختلاط، يقول أنس بن مالك: “لولا أني أخشى أن أخطئ، لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم”[28].
وتجدر الإشارة أن للصحابة منهجا ثابتا في رواية الحديث وقبوله، من حيث السند والمتن معا. ذكر الذهبي في التذكرة[29] أن أبا بكر الصديق هو أول من احتاط في قبول الأخبار، وأن عمر بن الخطاب هو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل والتحرز من الوهم وما شابهه. ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: “إذا استأذن أحدكم ثلاثا، فلم يؤذن له فليرجع. فقال عمر لأبي موسى: والله لتُقيمَن عليه بينة، وإلا أوجعتك، أمنكم من سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلم يدعه حتى شهد أبو سعيد الخدري بذلك. فقال عمر: أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن تقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم”[30]. كل ذلك زيادة في التثبت والاحتياط.
وهذا علي بن أبي طالب يستحلف من يحدثه عن رسول الله، فإذا حلف -الراوي- صدقه، قال الذهبي في ترجمة علي رضي الله عنه: “كان إماما عالما متحريا في الأخذ؛ بحيث إنه يستحلف من يحدثه بالحديث”[31]. ونقل عنه أنه قال: “إذا حدثني أحد من أصحابه-صلى الله عليه وسلم- استحلفته، فإذا حلف لي صدقته”[32]. كل هذا التشديد والتوقي كراهية وقوع التحريف أو الزيادة أو النقصان في الرواية.
وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها-كسائر فقهاء الصحابة- تتثبت من صحة الحديث وتعرضه على القواعد الشرعية من الكتاب والسنة، فقد سمِعَت حديث عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله أن الله يعذب المؤمنين ببكاء أحد، ولكن قال: إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، وقالت: حسبكم القرآن:”ولا تزر وازرة وزر أخرى“(فاطر،18) ، زاد مسلم:”إنكم لتحدثونني غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ”[33].
وزيادة في حماية السنة من التحريف، استعمل الخلفاء الراشدون وازع السلطان، وهددوا بتعزير كل من حاول الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبقت الإشارة إلى تهديد عمر لأبي موسى الأشعري حينما طلبه أن يأتي بالحجة والدليل والشهود على ادعائه.
ومن خلال هذه الأعمال الجليلة، الصادرة عن الصحابة الكرام، لحماية السنة النبوية من الأضرار والمفاسد وسد ذرائع التحريف والوضع، يمكن القول أن الصحابة هم أول من وضع الأسس الأولى لنشأة علم مصطلح الحديث.
4- الصحابة وحفظ السنة بتعلم علومها وتطبيق تعاليمها:
يعتبر الصحابة أشد الناس تمسكا بالسنة وأكثرهم حرصا على تطبيقها، تأسيا بالمعلم القدوة صلى الله عليه وسلم. ولتحقيق مقاصد هذه السنة في حفظ الدين ورعاية مصالح المسلمين؛ اجتهد الصحابة في تعلم علومها وفهمها فهما جيدا لتطبيقها على أحسن وجه.
وكثيرة هي المواقف التي تبين حرص الصحابة على تعلم علم السنة والتفقه في الدين والحض والتحفيز على ذلك، خصوصا مَن تحمل مسؤولية أمور المسلمين وامتلك الشرعية لتطبيق أحكام السنة النبوية، ومن ذلك وصية عمر الفاروق للولاة والعمال في قوله: “تفقهوا قبل أن تسودوا”[34].
كما كان الخلفاء الراشدون يبعثون للأمصار من يُعلم الناس أحكام الدين وتعاليم الشريعة وعلوم السنة، وكانوا يختارون لهذه المهمة كبار فقهاء الصحابة، ومثال ذلك أن عمر بن الخطاب آثر أهل الكوفة بعبد الله بن مسعود على نفسه وهو في أمس الحاجة إليه وإلى أمثاله، وقال لهم:” قد آثرتكم بعبد الله على نفسي”[35].
ومن الأمثلة الواضحة على تمسك الصحابة الكرام على تطبيق سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إصرار الصديق على مقاتلة مانعي الزكاة، وبيان ذلك في قولته المشهورة: “والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه”[36]، رغم ما كلفته حروب الردة من خسارة كبيرة في الأنفس والأموال.
تأسيسا على ما سبق فإن حياة الصحابة كلها أمثلة عملية دالة على تمسكهم بتطبيق السنة وتنزيلها في واقعهم اليومي، شكلا ومضمونا، حرصا منهم على حفظها من الزوال والضياع، وحفظ الدين بإقامة أصله الثاني بعد القرآن وتعلم علومه وتوريث روح السنة مع جوهرها إلى الأجيال القادمة.
المطلب الثاني: جهود الصحابة في حماية وحدة الأمة.
لا شك أن الصحابة الكرام أدركوا أهمية الحفاظ على وحدة الأمة وضرورة حمايتها من الضرر والفرقة، لأنهم يعلمون علم اليقين أن حفظ وحدة الأمة من أكبر وأهم مقاصد الشريعة وأجَلّها. لذلك بذلوا كل ما في وسعهم لإقامة أركانها، واجتهدوا في الوسائل لرعاية مقوماتها حتى لا تنفرط عقدة هذه الوحدة وينفرط ما بعدها من المقاصد الأخرى وتحصل المفسدة الكبرى.
ونرى أن جهود الصحابة في حماية وحدة الأمة اعتمد على ثلاثة ركائز رئيسية كبرى، وهي: الدعوة والتعليم والجهاد؛ تتفرع عن كل ركيزة منها مجموعة من المقومات الجزئية نبسطها على الشكل التالي:
الفرع الأول: الصحابة والدعوة بالحال:
لا نريد في هذا المحور الوقوف على جهود الصحابة الدعوية و نشر الإسلام في البقاع، فهذا أشهر من نار على جبل، وليس هذا موضوعنا، ولكن نريد التركيز على كيفية تنزيل مفهوم الدعوة في سلوكات الصحابة اليومية وعلاقة ذلك بحفظ الدين وآثاره على وحدة الأمة بتطبيق تعاليم الإسلام والمحبة والأخوة والعدل بين الناس، مما جعل الأمة في زمانهم-وخصوصا عصر الخلفاء الراشدين- تعيش الأمن والأمان والحرية والاستقرار. ويرتكز هذا الأساس على مقومات ثلاثة هي: العدل والشورى والحوار.
1- الدعوة بالعدل ومقاصدها:
تعتبر الدعوة بالحال والقدوة الحسنة عموما من أفضل الوسائل الدعوية المؤثرة في الناس والجامعة لقلوبهم على الدين، كما يعتبر العدل أكبر مؤثر في إيمان الناس ووحدتهم. ومن الطبيعي إذا ذكر العدل ذكر الفاروق، وذكرنا قولته الحكيمة: “وأما العدل؛ فلا رخصة فيه في قريب ولا بعيد، ولا في شدة ولا رخاء، والعدل وإن رُؤي لَيِّنا فهو أقوى وأطفأ للجور وأقمع للباطل، وإن رُؤي شديدا فهو أنكس للكفر”[37]. والعدل إذا كان ينكس الكفر فهو كذلك يساهم في نشر الدعوة والإيمان بين الناس.
وقد ركز الخليفة عثمان بن عفان على أهمية العدل في رعاية مصالح الأمة واعتبره مقصدا من مقاصد الإمارة على المسلمين، فقال في رسالة لعماله: “إن الله أمر الأئمة أن يكونوا رُعاة، ولم يُخلقوا جباة”[38]؛ لأن ذلك سيؤدي إلى ظلم الناس، وفقدان الأمانة وانفراط عقد الوفاء في الأمة. وقال أيضا: “إن أعدل العدل أن تنظروا في أمور المسلمين، وفيما عليهم، فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوا الذي عليهم”[39]. ولا شك أن هذه المساواة بين المسلمين وأهل الذمة والعدل بينهم في القضاء وقسمة الأرزاق، كان له الأثر البليغ في النفوس والقلوب، مما أدى إلى إقبال أهل الذمة على الإسلام واحترام تعاليمه.
وهكذا كان الحال مع الخليفة الراشدي الرابع، فقد روى البيهقي عن الإمام الشعبي أن عليا بن أبي طالب ضاع منه درعه، فوجده عند نصراني، فاستقضاه عند شريح، فقال علي: هذه درعي وقعت مني منذ زمان، وقال النصراني: ما أُكَذِّبُ أمير المؤمنين الدرع هي درعي، فقال شريح القاضي: ما أرى أن تخرج من يده، فهل من بينة؟ فقال علي: صدق شريح. فقال النصراني: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجئ إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمنين درعك؛ اتبعتك من الجيش وقد زالت عن جملك الأورق فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال علي: أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرسه”[40]؛ وهذه من أعظم الأمثلة التي تبين أثر العدل في الدعوة إلى الدين ونشر الإسلام.
وقد اشتهر الخلفاء الراشدون بالعدل في القضاء، فكان أبو بكر الصديق خليفة وقاضيا في المدينة، وعين عمر بن الخطاب قاضيا له بها[41]، وكان عمر هو الآخر خلفية وقاضيا، ولما ولي عثمان بن عفان الخلافة كان يجلس للقضاء بالمدينة[42]. وأما علي بن أبي طالب فقد كان أقضى الصحابة على الإطلاق بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم[43]، فكان يقول عنه عمر بن الخطاب: “لولا علي لهلك عمر”[44]. وكان علي يصف شريح قاضي الكوفة ويقول له: “إنك أقضى العرب”[45]. واشتهر بالقضاء من الصحابة كذلك: أبو موسى الأشعري وزيد بن ثابت وأبو الأسود الدؤلي وغيرهم.
بالإضافة إلى العدل في القضاء والحرص على استقلاله وتربية الأمة على عدم الاستسلام للعسْف والظلم، كان الصحابة رضوان الله عليهم يعدلون في العطاء وتقسيم الأرزاق خدمة لمبدأ العدالة الاجتماعية في الأمة وتقريب الشقة بين طبقات المجتمع الإسلامي، يقول عمر بن الخطاب: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين”[46]، بغض النظر عن أحسابهم أو أنسابهم أو سابقتهم في الإسلام، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.
2- الصحابة والشورى وأثر ذلك في استقرار الدعوة وانتشارها:
الشورى من الركائز الأساسية للعدل، ولإقامة العدل لا بد من محاربة الاستبداد بالرأي، وهذا من صميم خصال المؤمنين الموسومين في قوله تعالى:”وأمرهم شورى بينهم“(الشورى،38).
وقد اقتنع الصحابة بأهمية الشورى في صيانة الأمة وحفظ حقوق الرعية، يقول عمر الفاروق: “الإمارة شورى”[47]، ويقول الإمام علي: “من استبد برأيه هلك، والاستشارة عين الهداية”[48]. وبهذا كان الصحابة – وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين- يحرصون على الشورى في كل أمورهم، رعاية لمصالح الناس في الدين والدنيا.
فهذا أبو بكر الصديق يستشير المهاجرين والأنصار في قتال أهل الردة وما نعي الزكاة، كما استشارهم في قتال الروم[49]، واستشارهم في حكم من يتعاطى لأعمال قوم لوط[50]، كما سنرى في محور لاحق. واستشار عمر بن الخطاب الصحابة في قسمة الأرض المفتوحة، وفي حد شارب الخمر، كما استشارهم في إحداث التأريخ بالتوقيت الهجري[51]، واستشار النساء في أمور زوجات الجنود المرابطين في الثغور، وفي الذين يغيبون عن أزواجهم مدة طويلة؛ وبعد الاستشارة جعل الخليفة مدة الغزو عند الرجال أربعة أشهر، فإذا مضت استرد الغازين، ووجه آخرين[52]. وكذلك عثمان بن عفان، فقد استشار أهل المدينة في أمر الفتنة، وكان أكثر ما يستعين بعبد الله بن عباس في الشورى والفتوى، وكان عمر بن الخطاب[53] يستعين بعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمان بن عوف رضي الله عنهم.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي بكر أنه كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه دعا رجالا من المهاجرين والأنصار ودعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمان بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله عنهم[54].
هكذا كان الصحابة الكرام- والخلفاء الراشدون منهم بالخصوص- يحرصون على الشورى في جميع تصرفاتهم التزاما بالعدل وإتباعا للحق وتحقيقا لمقاصد الدعوة المتعلقة بصلاح الأمة. والاعتناء بالوسائل وصلاحها، هو اعتناء بالمقاصد وتحقيقها؛ وهذا ما كان عليه فقه الصحابة في الدعوة بالحال.
3- الصحابة وأسلوب الحوار لحل المشاكل الداخلية:
أول مشكل تعرض له الصحابة بعد رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم، هو كيفية معالجة أمر الخلافة، لما لذلك من دور أساسي في وحدة الأمة وحماية الدعوة الإسلامية وانتشارها. ولقد سجل التاريخ الحس السياسي لذا الصحابة الكرام المتمثل في إدارة الأزمات بالحوار وبالتي هي أحسن.
ومن أجل ذلك استطاع الصديق والفاروق إدارة الحوار مع الأنصار يوم السقيفة بكل احترافية؛ قال الأنصار: “منا أمير ومنكم أمير”[55]، وقال عمر: “سيفان في غمد واحد إذن لا يصلحان”[56]. وقال سعد بعدما ذكره الصديق بمكانة قريش وأقنعه: “صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء”[57]، وهكذا استطاع فريق المهاجرين إقناع فريق الأنصار بفكرة مفادها أن تعدد الخلفاء يؤدي إلى الاضطراب وتصادم الآراء فيفتح على الأمة باب الانقسام والفساد. والحل هو خليفة واحد موحد تجتمع عليه الأمة.
وفي صورة أخرى من الحوار، لما حاصر الأعراب الخليفة عثمان في بيته يطالبونه باعتزال الخلافة، قالوا: “اخلعها وندعك، فقال لهم: لست خالعا قميصاً كسانيه الله تعالى، حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاوة”[58]. وكان بعض أبناء الصحابة يعرضون على عثمان قتال الخارجين عليه، فأبى عليهم ذلك خوفا على الأمة من الفرقة والنزاع وإراقة الدماء. وبقي رحمه الله متمسكا باللين والحوار وهو يقول: “فإنما تراد نفسي وسأقي المؤمنين بنفيس”[59]؛ تقديما منه للمصلحة العامة للأمة على المصلحة الخاصة.
وروى الطبري أنه لما قتل عثمان رضي الله عنه أتى الناس عليا بن أبي طالب وهو في سوق المدينة وقالوا: أبسط يدك نبايعك، قال: لا تعجلوا فإن عمر كان رجلا مباركا وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون”[60]. والأمثلة على تشبث الإمام علي بالحوار والشورى كثيرة؛ من ذلك ما روي عنه أنه لما خرج يوم الجمل، قال: أما الذي نريد وننوي فالإصلاح إن قبلوا منا وأجابوا إليه”[61]. وأرسل القعقاع بن عمرو التميمي لطلحة والزبير، وقال له: “أدعهما إلى الألفة والجماعة، وعظم عليهما الفرقة”[62].
وكان أبو موسى الأشعري يتحاور باسم أمير المؤمنين علي، وعمرو بن العاص باسم معاوية بن أبي سفيان لحل مشكلة الخلافة بين الإمام علي ومعاوية[63]. كما كان عبد الله بن عباس يتحاور باسم الخليفة علي بن أبي طالب مع الخوارج، حتى أن الخوارج قالوا لعلي: “لئن لم تدع تحكيم الرجال لنقاتلنك”، فرد عليهم قائلا: “إن لكم عندنا ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدؤونا”[64]. أنظر إلى قيمة الحوار مع المعارضة السياسية في دولة الإسلام.
وحتى عندما ينتهي الحوار السلمي ويلجأ الصحابة إلى الحوار بالسيف لحل المشاكل والخلافات الداخلية، يكون ذلك اضطرارا -لا اختيارا- من أجل المصلحة العليا للأمة والحفاظ على وحدتها .
فما زاد الإسلام وانتصر وتقوى وانتشر إلا بدعوة الحال قبل المقال؛ الدعوة بالعدل والشورى والحوار.
الفرع الثاني: الصحابة واهتمامهم بالعلم والتعلم والتعليم.
كان للعلم عند الصحابة الكرام مكانة مهمة وخاصة، وكانوا يمتثلون لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة”[65]. و كانوا يدركون أهمية العلم في بناء الأمم وتحصينها من الجهل وتحرير العقول من الأوهام والشرك، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب: “يا أيها الناس عليكم بالعلم فإن لله سبحانه رداء يحبه، فمن طلب بابا من العلم رداه الله عز وجل بردائه، فإن أذنب ذنبا استعتبه ثلاث مرات لئلا يسلبه رداءه ذلك، وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت”[66]. وهكذا كان الصحابة يفضلون العلم ويجلونه أكثر من شيء آخر، قال الإمام علي: “العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، والعلم خير من المال”[67]، لأن المال يفنى ويفنى صاحبه والعلم يبقى ويخلد صاحبه.
ويشهد لهذا اهتمامهم بالمعرفة وحرصهم على تعلم القرآن وتعليمه، ففي الحديث الذي رواه عثمان بن عفان-رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[68]. ومن ذلك تدارسهم لآيات القرآن وأحكامها، وأحكام السنة ومستجداتها، فاستمع لابن عباس يقول: “والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت، وأين نزلت، وإن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا”[69]. وعن أبي طفيل عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: “سلوني فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليْلٍ نزلت أم بنهار”[70]. ويقول عبد الله بن مسعود عن عمر بن الخطاب: “لو وضع علم عمر بن الخطاب في كفة الميزان ، ووضع علم أهل الأرض في كفة، لرجح علم عمر بن الخطاب رضي الله عنه”[71].
وقد بذل الصحابة عموما، والخلفاء الراشدون الأربعة خصوصا، الجهد في خدمة التعليم والدعوة إلى الاشتغال به لأهمية ذلك في حياة الفرد والأمة على السواء. ولذلك انتشر فقهاء الصحابة في الأمصار يعلمون الناس ما ورثوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، “فالعلماء ورثة الأنبياء”[72]، والرُّسل لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر. يقول ابن تيمية: “إن عمر رضي الله عنه لما فتح الأمصار بعث إلى الشام والعراق من علماء الصحابة من علمهم وفقههم، واتصل العلم من أولئك إلى سائر المسلمين”[73]، ومن هؤلاء عبد الله بن مسعود.
ومن مظاهر الاهتمام بالتعليم عند الصحابة أنهم كانوا يجلون معلم الصبيان ويقدرونه، ويفرضون له راتبا يسمح له بالتفرغ للتعليم والتربية، فقد جاء في مسند الفاروق لابن كثير أن سعد بن أبي وقاص، قال: “من قرأ القرآن ألحقته الفين”[74] أي جعلته ممن يتقاضى ألفي درهم، وجاء في المصنف لابن أبي شيبة أنه “كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان، فكان عمر بن الخطاب يرزق كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر”[75]، وفي شعب الإيمان للبيهقي، “أن عليا رضي الله عنه فرض لمن قرأ القرآن ألفين ألفين”[76]. وهكذا كانت سيرة الخلفاء الراشدين مع أهل العلم ، حتى ذكر ابن عبد البر أن عمر بن العزيز كتب إلى عماله: “أن أجروا على طلبة العلم الرزق، وفرغوهم للطلب”[77]، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومُعلمو القرآن أجدر وأولى بالتكريم والعطاء من غيرهم في دولة الإسلام.
وقد اشتهر علي بن أبي طالب بشدة حرصه على العلم والتعليم، فعن سماك بن خالد قال: أتيت الرحبة فإذا بنفر جلوس قريبا من ثلاثين أو أربعين رجلا فقعدت معهم، فخرج علينا علي فما رأيته أنكر أحدا من القوم غيري، فقال: “ألا رجل يسألني فينتفع وينتفع جلساؤه”[78]، حرصا منه على نشر العلم على أي حال. وأما عبد الله بن عباس فكان يفضل مدارسة العلم عن باقي نوافل العبادة، حتى قال: “تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها”[79]، لأنه يدرك جيدا أن تعلم العلم من أفضل العبادات والقربات التي تؤدي إلى معرفة الله والخشية منه سبحانه. وابن عباس هذا هو نفسه راوي حديث: “من جاءه أجله وهو يطلب العلم لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيئين إلا درجة النبوة”[80]، لأن ثمرة العلم والتعلم هو الزهد في الدنيا والورع واجتناب الشبه، والإكثار من العمل الصالح والعبادة، قال تعالى:”إنما يخشى الله من عباده العلماء“(فاطر،28).
وكان الصحابة يدركون أن العلم ينقسم إلى قسمين:
– الأول: العلم بالله الذي لا علم أشرف منه؛ وهو العلم بما فرضه الله وسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو العلم المفروض طلبه على كل مسلم بنص الحديث الذي رواه أنس بن مالك قال: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”[81]؛ فهذا هو العلم الواجب، لا يسع أي مسلم الاستغناء عنه، وقد مارسه الصحابة وسعوا في طلبه وتعليمه. عن صفوان بن عسال المرادي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر فقلت له: يا رسول الله، إني جئت أطلب العلم، فقال: “مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب”[82].
– والعلم الثاني: العلم الكوني وهو العلم المتعلق بالعقل؛ العلوم الإنسانية من طب ورياضيات وفلك وغيرها من العلوم التي برع فيها المسلمون عبر العصور. قال الحسن البصري: “العلم علمان؛ علم في القلب فذاك علم نافع، وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم”[83]، فالعلم الذي باشر القلوب أثمر الخشية والسكينة والتواضع والانكسار لله تعالى، وإذا بقي على اللسان كان حجة على صاحبه يوم لقاء ربه.
ولكي يعطي التعليم أكله في حفظ مقاصد الأمة ووحدتها، وضع الصحابة شروطا لطالب العلم حتى يبقى على الصراط المستقيم ويحفظ نفسه والأمة من الزلل وسوء العاقبة، نذكر من هذه الشروط ما يلي:
أ- ملازمة التقوى في السر والعلن؛ فهي المدخل الصحيح لتعلم العلم النافع، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم نور يُقذف في القلوب”[84]، فالتقوى تبدأ بتطهير القلب محل العلم من الرذائل، لأن العلم عبادة القلب كما يقول الغزالي.
ب- ملازمة التواضع للعلم وللمعلم وعدم التكبر؛ وذلك بحسن الاستماع والتأدب والاحترام، ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في تقدير العلماء وتوقيرهم ومعرفة حقهم، عن الشعبي قال: صلى زيد بن ثابت على جنازة فقربتُ إليه بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: لا تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال زيد: أريني يدك، فأخرج يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم”[85]. هكذا تكون آداب الرجال والأكابر، وهكذا ينبغي أن تكون علاقة طالب العلم بالمعلم القدوة في شريعتنا .
ج- احترام مبدأ التدرج في التعليم وعدم الخوض في دقائق الأمور وغوامضها، قبل التمكن من المبادئ والأصول؛ فالعلوم بعضها طريق إلى بعض وهي مرتبة ترتيبا ضروريا، والموفق من راعى ذلك الترتيب والتدرج[86]، واحترم الأولويات في حياته العلمية، وابتعد عن التسرع والتشدد والغلو في ما لا نفع فيه للأمة.
إن العلم يحفظ العقل، والعقل بدوره يحفظ النفس ويحفظ الدين، وفي حفظ الدين حفظ لمقاصد الأمة ووحدتها. وكل ذلك من أجل بقاء الشخصية المؤمنة الصالحة للاندماج في المجتمع الواعية بمسؤولياتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانتصار للمستضعفين في مجتمع العمران الأخوي، لأن أخطر ميدان للمواجهة وتحديد المصير وتقرير المستقبل هو ميدان التربية والتعليم، وعلى نتائج التعليم يتوقف مصير الأمم. ولذلك فالتربية والتعليم هي المهمة الأساس في الدعوة المحمدية والدولة الإسلامية.
الفرع الثالث: أنواع الجهاد عند الصحابة ومقاصده.
الجهاد بالمعنى العام يشتمل على أبواب كثيرة وأصناف عديدة، والجامع بينها كلها هو بذل الجهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله عز وجل.
ومن أنواع الجهاد: نجد جهاد النفس ومحاربة الشيطان ومغالبة الهوى والطبع الفاسد؛ وهذا أهم أنواع الجهاد وأكبرها. ثم يليه جهاد بذل المال في سبيل الله؛ لأنه ليس هناك أعز للإنسان بعد نفسه من ماله. ويلي المال، جهاد العلم وبذل الجهد العلمي في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ولإقامة مجتمع مسلم صالح ومتقدم. ثم جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد ذلك، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”[87]؛ وهنا ذكر الحديث أعلى مراتب الجهاد وأدناها وأسهلها على النفس. ثم يأتي الجهاد بالسيف والقتال وبذل المهج والأنفس في سبيل الله.
ولقد أدرك الصحابة الكرام الأهمية البالغة للجهاد بجميع أنواعه وأبوابه في الحفاظ على مقاصد الأمة ووحدتها. وقد تحدثنا في الفقرات السالفة عن اهتمام الصحابة بجهاد الدعوة والكلمة والحجة وجهاد العلم والتعلم فضلا عن جهاد النفس، والآن نتحدث في هذه الفقرة عن الجهاد القتالي ومشروعيته ومقاصده عند الصحابة وفقه ذلك ودوره في الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية.
1- أهمية الجهاد في فقه الصحابة:
كان الصحابة رضي الله عنهم على علم بمقاصد الإسلام وأهدافه في نشر الدعوة في الآفاق وحمايتها، ومن أجل إقامة العدل في الأرض وتحرير العباد من الظلم المسلط عليهم، وهم مقتنعون بأن الدعوة إلى الله تعالى لا بد لها من ثمن، والثمن الجنة، وما شُرع الجهاد إلا لتحقيق هذه الغاية النبيلة، لذلك تجدهم يشجعون الناس عليه ويبينون لهم قيمته ومقاصده. فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يدعوا للجهاد في سبيل الله ويحرص عليه، فيقول: “ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله، ما ينبغي للمسلم أن يُحب أن يحضره، هي النجاة-أو التجارة- التي دل الله عليها ونجى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة”[88].
ويعتبر الجهاد عند الصحابة من أفضل الأعمال الصالحة بل هي من عرى الإيمان عندهم، فاسمع لعمر بن الخطاب-رضي الله عنه- وهو يقول: “عليكم بالحج فإنه عمل صالح أمر الله به، والجهاد أفضل منه”[89]. وقال في خطبة له: “عرى الإيمان أربعة: الصلاة والزكاة والجهاد والأمانة”[90]؛ فكأنما حدد غاية وجود المؤمن في هذه الحياة في الأركان الأربعة التي تنظم حياته مع ربه ونفسه وأخيه وغيره. وكان أغلب الصحابة لا يرون معنى لوجودهم إلا مع الجهاد والذكر.
ولكثرة ارتباطهم برسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه، أصبحوا يفضلون حالة الجهاد عن غيرها من حالات الحياة. فكان عثمان بن عفان-رضي الله عنه- يحدث أصحابه عن المرابطة في سبيل الله، ويذكرهم بحديث رسول الله القائل: “رباط يوم في سبيل الله خير من رباط ألف يوم فيما سواه من المنازل”[91]. وتميز علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- عن غيره من الصحابة في باب الجهاد، وكان أكثرهم معالجة له وخبره به وتحريضا عليه، قال: “إن الله عز وجل قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تشفي بكم على الخير: الإيمان بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله تعالى ذكره، وجعل ثواب مغفرة الذنب، ومساكن طيبة في جنات عدن. ثم أخبركم أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص”[92]، في كلام طويل له يحرض أصحابه يوم صفين.
ولم يقتصر الصحابة على الفهم والتحفيز والتشجيع، بل كانوا أول المجاهدين. ولا نتحدث هنا عن جهادهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا تحصيل حاصل، ولكن نذكر جهاد الصحابة بعد التحاق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، وانتشار الدعوة في الأمصار وخذلان الأعراب للمسلين والامتناع عن أداء فرائض الإسلام المالية ووقوع الفتن، لفهم كيف تم تنزيل أحكام الجهاد.
2- الصحابة وجهاد الأعداء والمرتدين ومانعي الزكاة:
قلنا أن الجهاد شُرع زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لحماية الدعوة ونشرها في العالمين، وبالمقابل دفع ومدافعة من يقف أمام هذه الدعوة الجديدة وفي طريقها؛ وهذه هي مقاصد الجهاد التي أدركها الصحابة واستمروا بتنزيلها وتحقيق أهدافها بعد عهد النبوة وعلى طول عصر الخلافة الراشدة.
وخير دليل على ذلك هو تمسك الصديق رضي الله عنه بإنفاذ جيش أسامة تنفيذا لأمر رسول الله وتحقيقا لمرامي الجهاد وغايته، ولو في أحلك الظروف التي تمر منها أمة الإسلام بفقدانها لنبيها عليه الصلاة والسلام. قال أبو بكر: “والذي نفسي بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته”[93]؛ فالخليفة الأول لرسول الله غلب المصلحة العليا للأمة دفعا لمفسدة الفتنة والفرقة ورفعا لهمة المسلمين بعد فقدان القائد الحبيب عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وقد اقتنع الصحابة بهذا الاجتهاد الصائب من أبي بكر، بعد تحفظ أغلبهم على ذلك، واتبعوه وقاتلوا معه الفرس والروم والقبائل المرتدة من العرب بالعراق وتخوم الشام وغيرها. وكان من بعده من الخلفاء الراشدين وباقي الصحابة يشاطرون أبا بكر الرأي في جهاده الكفار والأعداء ويتوخون نفس المقاصد والأهداف، المتمثلة في جلب المصلحة العليا للإسلام؛ بنشر دعوته ودفع المفسدة الكبرى عنه بحمايته وصد العدوان عنه وصون وحدته وتحقيق مقاصده.
وهكذا استمر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في مقاتلة الفرس والروم، فانتصر المسلمون على الفرس في معركة القادسية وفتح المدائن[94] بقيادة سعد بن أبي وقاص. واستمع للفاروق يوجه قائده سعدا لمقاصد حفظ نفوس المسلمين في الجهاد، قال عمر: “وددت لو أن بيننا وبين الفرس سدا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد. إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال”[95]، ويأمر المجاهدين المنتصرين بعدم مطاردة فلول الفرس المنهزمة، لأن الهدف من الجهاد في هذه المعركة قد تحقق.
وسار عثمان بن عفان، الخليفة الراشدي الثالث، إلى ما تبقى من الفرس بجيش فيه العبادلة الأربعة والحسن والحسين وحذيفة، حتى قتل ملكهم الأخير يزد جرد[96]، وبه انتهت دولة الفرس ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحرروا من ظلم وعسف وعبودية الأكاسرة. وهكذا كان نهجه مع الروم حتى نهايتها.
ولم يختلف جهاد الصحابة في محاربتهم للمرتدين ومانعي الزكاة عن جهادهم للأعداء والظالمين لوجود نفس العلة. فلكي يحافظ الصحابة على وحدة الأمة ومصالحها الكبرى كان لزاما حمايتها من كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الفتنة والفرقة والنزاع، فعزم الصديق على مقاتلتهم ووافقه الصحابة بعد ذلك، قال أبو بكر الصديق: “والله لأقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال”[97]، ويرد عليه عمر بن الخطاب بالتكبير، ويقول:”قد علمت، والله، حين عزم أبو بكر على قتالهم أنه الحق”[98]. وقد أجمع الصحابة على ذلك وانخرطوا في قتال المرتدين ومانعي الزكاة، وكان مقصدهم من ذلك هو حفظ دين الأمة من جانب العدم بدفع الضرر والمفسدة التي تلحق به بسبب الردة وانتشار الفتنة، ومن هنا تظهر مشروعية قتال الصحابة لأهل الردة حفاظا على ركنين من أركان الدين، وهما: الإيمان والزكاة.
وخلاصة الكلام أن الصحابة الكرام بذلوا كل ما في وسعهم لحفظ وحدة الأمة من الانفراط، وظهرت جهودهم العظيمة من خلال فقههم المقاصدي الذي مكنهم من لم شمل الأمة ورص صفوفها، فاجتمعت كلمتها على أيديهم، وانتشرت الدعوة في الأمصار بفعل انتشار فقهاء الصحابة الوارثين لعلم النبوة، وانتشر معهم العلم والدين. وجاهد الصحابة بكل أنواع الجهاد وحاربوا الأعداء والمرتدين والخارجين عن وحدة الأمة الإسلامية والمهددين لها في الخارج والداخل. كل ذلك كان من أجل غاية واحدة ومقصد نبيل هو؛ حفظ وحدة الأمة ورابطتها الإيمانية.
المطلب الثالث: فقه الصحابة؛ بين الالتزام بظاهر النص و العمل بجوهره.
انطلاقا من استقراء آثار الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وتصرفاتهم العامة، يمكن القول أنهم أشد الناس تمسكا بأمر الشرع ونواهيه، وأكثرهم حرصا على إتباع الدليل من الكتاب والسنة كلما عرضت لهم مسألة من المسائل، أو حلت بهم مشكلة فقهية لم تكن في أسلافهم.
ولذلك كان الصحابة شديدو الالتزام بالنصوص الشرعية والوقوف عند ظاهرها وعدم تجاوزها إلى غيرها حينما يتعلق الأمر بعموم القواطع والثوابت، أو كل ما يعد قطعيا في نظر الشرع؛ سواء بالتنصيص أو الإجماع، أو ما علم من الدين بالضرورة.
وفي المقابل كانوا يُعْمِلون النظر في النصوص، ويفهمون معانيها، ويدركون أهدافها، ويجتهدون في تنزيل روحها، و يتنافسون في تطبيق جوهرها، تحقيقا لمقاصدها التي شرعت من أجلها.
وبهذا يكون فقه الصحابة؛ فقه متكامل يجمع بين الالتزام بالنص وتنزيل مقاصده. وإليك الأمثلة على ذلك:
الفرع الأول: التزام الصحابة بالنص من أجل المصلحة.
يعتبر الصديق-رضي الله عنه-أول من أعطى المثال على هذا الالتزام، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، من خلال ثلاثة أعمال له بارزة، قد أشرنا إلى بعضها سابقا، و نذكرها مختصرة هنا؛ وهي:
– العمل الأول: التزامه بعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم “الأمراء من قريش”[99]، حينما حاجه الأنصار في سقيفة بني سعيدة بقولهم: منا أمير ومنكم أمير، اعتقادا منه بضرورة العمل بما دل عليه ظاهر النص، حتى يقوم دليل آخر على التخصيص أو التأويل أو النسخ.
– العمل الثاني: تنفيذه-رضي الله عنه- لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم حرفيا بإرساله بعثة أسامة بن زيد، وطاعته لما أمر به، رغم مخالفة بعض الصحابة لذلك في بداية الأمر.
– العمل الثالث: قتاله-رضي الله عنه- لمانعي الزكاة، طاعة وإصرارا منه على إتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، وتطبيقا للنصوص الموجبة لحق الزكاة في المال.
هذه بعض الأمثلة التي تبين التزام أبي بكر الصديق بظاهر السنة بشكل لا يقبل التفسير ولا التأويل، تحقيقا منه للمصلحة الكبرى للأمة. وهكذا كان أغلب الصحابة يتحرون الدليل من الكتاب والسنة، ويسألون عن ذلك، يقول الإمام علي، رضي الله عنه: “أول القضاء ما في كتاب الله عز وجل، ثم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم”[100]. كما كان الصحابة يرجعون عن رأيهم في مسألة ما، عندما يصلهم الدليل من الكتاب والسنة، والمواقف التي رويت عن الصحابة في هذا الموضوع كثيرة، نورد بعضها على سبيل المثال:
1- موقف عمر بن الخطاب من موت الرسول صلى الله عليه وسلم: جاء في فتح الباري[101] مفصلا أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عمر بن الخطاب ممن أنكر موت رسول الله، حتى أنه اتهم رجالا بالنفاق لأنهم يزعمون أن رسول الله توفي، و اعتقد بداية أن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فعلى إثر الصدمة وهول الفاجعة غاب عن عمر الفاروق قوله تعالى: “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل…“(آل عمران،144)، فلما سمع أبا بكر الصديق يقرأ هذه الآية على مسامع الصحابة ليثبتهم بها، ويذكرهم أن محمدا قد مات وأن المعبود هو الله الحي الذي لا يموت؛ استيقظ عمر من غفلته وجلس على الأرض لا تحمله قدماه وكأنه لم يسمع الآية إلا تلك الساعة، وأدرك الحقيقة.
الشاهد عندنا في هذا المثال، هو عودة عمر بن الخطاب إلى النص والالتزام به وعدم تجاوزه بعد سماعه، مع الاعتذار للناس عما صدر منه عن طريق اجتهاد رآه صوابا في بداية الأمر.
2- ميراث المرأة من دية زوجها: كان عمر بن الخطاب، ومن وافقه من الصحابة، يقضون بعدم توريث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضّحاك بن سفيان الكلابي: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشْيم الضّبابي من ديته”[102]، فرجع عمر. يقول الإمام الشافعي تعليقا على هذا الأمر: “فلما أخبر بقضاء رسول الله فيه، سلم له ولم يجعل لنفسه إلا إتباعه فيما مضى بخلافه وفيما كان رأيا منه لم يبلغه عن رسول الله فيه شيء، فلما بلغه خلاف فعله صار إلى حكم رسول الله وترك حكم نفسه، وكذلك كان في كل أمره”[103]، بل كل الصحابة كانوا يرجعون عن رأيهم لوجود ما صح عن الرسول عليه السلام.
3- دية الجنين: اختلف بعض الصحابة في دية الجنين، فقال عمر بن الخطاب: أذكر الله امرءاً سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئاً؟ فقام رجل- هو: حمل بن مالك بن النابغة- فقال: كنت بين جاريتين لي- يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغُرَّة (عبد أو أمة)، فقال عمر: لو لم أسمع بهذا لقضينا فيه بغير هذا”[104]؛ يقصد بذلك أنه لو لم يسمع بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة دية الجنين لحكم رأيه واجتهد بما يراه مناسبا، لكنه لما وصله الخبر رجع للنص والتزم به، لأن المصلحة هنا في الاقتداء بالسنة لا في إتباع الرأي والاجتهاد.
4- جواز التسمية بأسماء الأنبياء: أورد ابن القيم[105] أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن التسمية بأسماء الأنبياء، وقد خفي عليه جواز ذلك لعدم اطلاعه على إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للأمر، ولكن لما أخبره طلحة بن عبيد الله أن الرسول عليه السلام كناه: أبا محمد[106]، أمسك عمر عن النهي ولم يتمادى في ذلك، التزاما منه بظاهر السنة النبوية.
5- أصابت امرأة وأخطأ عمر: جاء في تفسير القرطبي أن عمر بن الخطاب خطب في الناس ونهاهم عن المغالاة في المهور، وقد غاب عنه أن الله تعالى أباح المغالاة فيها، في قوله سبحانه:”..وآتيتم إحداهن قنطارا..” (النساء،20)، ولأنه عز وجل لا يمثل إلا بمباح. لكنه لما قامت إليه امرأة، وذكرته بالآية، وقالت: يا عمر أيُعْطِينا الله وتحرمنا؟ حينها قال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، أو قال: كل الناس أفقه منك يا عمر[107]. بل كان عمر رضي الله عنه أفقه الصحابة وأكثرهم فهما للاجتهاد المقاصدي، لكن حرصه على إتباع كتاب الله وسنة رسوله جعله يتهم نفسه ورأيه ويرجع عنه بكل تواضع.
6- دية الأصابع؛ عَشْر بعَشْر: نقل ابن القيم[108] عن عمر بن الخطاب أنه كان يقضي بالمفاضلة في دية الأصابع المقطوعة، ولما أخبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى فيها بعَشْر عَشْر من الإبل[109]، ترك قوله ورجع إلى الحكم بالتسوية في الأصابع، التزاما بالحكم الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وهكذا كان منهج الصحابة جميعا وحالهم في التعامل مع نصوص الوحي الشرعي؛ الكتاب والسنة.
الفرع الثاني: فقه الصحابة في الالتزام بتنزيل روح النص وجوهره.
لم يقف الصحابة حبيسي دائرة النص بالمعنى الظاهري؛ بل تجاوزوا ذلك إلى الغوص في معانيه وسبر أغواره، والالتزام بتنزيل روحه وتطبيق جوهره، خدمة لمقاصد الشريعة ومصالح الأمة.
ويظهر ذلك جليا في تخصيص الصحابة للنصوص العامة، فهذا أبو بكر الصديق، مثلا، يمنع فاطمة الزهراء من إرث أبيها، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة”[110]، رغم أن الآية العامة في الإرث تقول: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” (النساء،11).
وإلى هذا ذهب أغلب الصحابة حينما خصصوا آيات كثيرة بأحاديث آحاد، كتخصيص قوله تعالى:” يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاص في القتلى“(البقرة،178)؛ بحديث: “لا يُقتل مسلم بكافر”[111]. وآية:”والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما“(المائدة،38)؛ بحديث: “لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا”[112]. وأسقطوا الجمعة على العبد والمرأة بإجماع من قوله تعالى:”يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع“(الجمعة،9). وخصّصُوا قوله تعالى: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع“(النساء،3)؛ بإجماعهم على أن العبد لا ينكح إلا امرأتين، فعن ابن جريج قال: أُخبرت أن عمر بن الخطاب سأل الناس: كم يَنكح العبد؟ فاتفقوا على أن لا يزيد على اثنتين[113]، وعن ابن سيرين عن عمر وعبد الرحمان ابن عوف لا ينكح العبد إلا اثنتين[114]. وعن الشافعي أن علي بن أبي طالب قال: “ينكح العبد اثنتين لا يزيد عليهما”[115].
كما أسقطوا على العبد نصف الحد الذي على الحُر؛ روى الإمام مالك[116] وغيره عن ابن شهاب الزهري أنه سئل عن حدّ العبد في الخمر فقال: بلغني أن عليه نصف حدّ الحُر في الخمر، وأن عمر وعثمان وعبد الله بن عمر قد جلدوا عبيدهم نصف حدّ الحُر في الخمر.
وكذلك سائر الأحكام التي هي على هذا النحو في حق العبد والأمة، فقد نصفوها تخصيصا لعموم الآيات الواردة في حق عامة المكلفين بالإجماع، وهو قياس على قوله تعالى:”فإذا أحصن فإن آتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب“(النساء،25).
واشتهر الصحابة الكرام بتخصيص النص بالمصلحة المرسلة، وقد روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك ما روي عن الفاروق أنه أجاز شهادة النساء في الطلاق، كما أجاز شهادة رجل مع نساء في النكاح[117].
وروي عن الخلفاء الراشدين الأربعة قبولهم بشهادة القابلة وحدها في الطفل يوم الولادة[118]. وروي عن عثمان بن عفان أنه أخذ بشهادة النساء في أمور الرضاع، وفرق بين أهل أبيات بشهادة امرأة[119]، وقضى علي بن أبي طالب في حق امرأة وطأت صبيا مسجى فقتلته، فشهدت عشرة نسوة بذلك فقبل شهادتهن.
كل هذا وغيره صَدَر عن الصحابة ضمانا لمستحقات العباد ودفع ما يمكن أن يلحق بهم من الضرر والمفسدة. فصيانة حقوق الناس من المصالح الضرورية التي نصت عليها الشريعة الإسلامية، فوجب الأخذ بذلك.
ومن الأمثلة التي التزم فيها الصحابة الكرام بتنزيل روح النص ومقصده، نذكر ما يلي:
1- فقه الصحابة في تعجيل الفطور: الأصل في هذه المسألة هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر”[120]، والظاهر من هذا الحديث أن المراد بالتعجيل بالفطر أن يكون بمجرد سماع الأذان وحتى قبل صلاة المغرب. لكن بعض الصحابة، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، رُوي عنهم خلاف ذلك. فهذا أبو بكر الصديق يقدم صلاة المغرب عن الإفطار في رمضان[121]، وتبعه في ذلك كل من عمر وعثمان وغيرهما.
فهؤلاء الصحابة كانوا يرون أن تعجيل الفطور واسع[122]، وأن ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل الإفطار في رمضان يحتمل أن يقصد به إيقاعه قبل الصلاة ويحتمل أن يكون بعد الصلاة مباشرة. ويذكر الإمام الشاطبي[123] أن عمر وعثمان وأبا بكر أيضا كانوا يصلون المغرب قبل الفطور، ثم يفطرون بعد الصلاة بيانا أن هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة، بل إذا كان بعد الصلاة فهو تعجيل أيضا.
وهذا اجتهاد منهم في فهم النص والالتزام بتطبيق روحه وجوهره لما احتمل مضمون الحديث هذا التأويل.
2- عثمان بن عفان والقصر في الصلاة: من المعلوم من الدين بالضرورة أن تقصير الصلاة في السفر سنة نبوية أخذ بها الصحابة والخلفاء الراشدون من بعده صلى الله عليه وسلم، حتى كان عهد ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه. عن أنس بن مالك أن عثمان صلى بهم في الحج بمنى أربعًا، بعد أن كان يصليها بهم ركعتين صدرا من خلافته[124]. وأورد العلماء لهذه المسألة تفسيرين؛ فبعضهم إدعى أن عثمان تزوج في مكة ونوى الإقامة فيها بعد تمام الحج، مما تسقط عنه رخصة التقصير، وقيل أنه صرح بهذا بنفسه حينما عاب عليه البعض هذا الفعل بقوله: “إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تأهل في بلد، فليصل صلاة المقيم”[125].
بينما يرى البعض الآخر أن هذا الفعل من عثمان، سببه هو وجود كثرة الأعراب معه في ذلك الموسم من الحج، فأتم الصلاة أربعاً حتى يفهم حديثو العهد بالإسلام أن الصلاة أربعا وليس ركعتان. قال الزهري: “إن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب؛ لأنهم كثروا عامئذ، فصلى بالناس أربعا ليعلمهم أن الصلاة أربعا”[126]. وهذا التعليل، في اعتقادي، هو الأقرب إلى الصواب والله تعالى أعلم.
ومهما يكن، فالشاهد عندنا هنا، هو اجتهاد عثمان بن عفان في التزامه بجوهر النص لا ظاهره، وتحقيق المقصد الذي وضع من أجله، حتى أنه رضي الله عنه كان يرى أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو ما احتاج فيه المسافر إلى الزاد والمزاد[127]. وأما المزارع والراعي والتاجر المتجول ومن على شاكلتهم، فإنه لا يرى جواز التقصير في حقهم، وقد كتب بذلك لعماله على الأمصار لتعميمه.
3- الصحابة ومتعة الحج: عن عمران بن حصين قال: “نزلت آية المتعة في كتاب الله[128]، وفعلناها مع رسول الله، ولم ينزل قرآن يحرم التمتع ولم ينه الرسول عنه حتى مات”[129]. ورغم أن الحج ثابت بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بصوره الثلاثة؛ الإفراد والقران والتمتع، إلا أن فقهاء الصحابة وكبارهم، اختلفوا في فهم مقاصد النوع الثالث، والتزم كل واحد منهم بما يراه الأفضل عنده والصواب.
نقل ابن حزم عن عمر بن الخطاب قوله: “متعتان كانت على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء”[130]. ونهيه عن متعة الحج لا يعني تحريمها كما هو الشأن في حكم متعة النساء، بقدر ما هو اجتهاد منه رضي الله عنه وحرصه على سنة الإفراد والقران من الضياع، وذلك لميل الناس في خلافته إلى التمتع لسهولته ويسره، فكان يرى-رضي الله عنه- أن من تمام الحج والعمرة هو القران والإفراد، وإنما التمتع رخصة يُؤخذ بها عند اقتضاء المصلحة، ويستدل على رأيه بقوله تعالى:”وأتموا الحج والعمرة لله“(البقرة،196). وكان يقول:”أخلصوا أشهر الحج للحج، واعتمروا فيما سواها من الشهور”[131]. وهذا الفعل من عمر الفاروق يهدف إلى الحفاظ على فريضة الحج في وقتها، وإعمار البيت الحرام بالعمرة طيلة أيام السنة، ويشهد لهذا التعليل جوابه عن سؤال علي بن أبي طالب حين قال له: أأنهيت عن المتعة؟ قال عمر: “لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت”[132]. وقيل لعبد الله في ذلك وقال: “إن أبي لم يقل الذي تقولون إنما قال: أفردوا الحج من العمرة؛ أي أن العمرة لا تتم في أشهر الحج إلا بهدي وأراد أن يزار البيت شهور الحج”[133].
وأما عثمان بن عفان فكان يرى هو كذلك أن أفضل أنواع الحج الإفراد، وينهي عن المتعة لنفس الأسباب. وكان ذلك لا يعجب الإمام علي بن أبي طالب، فقال له يوما: أنت تنهى عن أن يُقرن بين الحج والعمرة؟ فقال عثمان: ذلك رأيي فخرج وهو يقول: لبيك اللهم بحج وعمرة معا[134]. وأحرم بعكس ما يعتقده بيانا منه أن المسألة رأي وليس تشريع.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن عمر وعثمان “خصّصَا عموم الآيات والأحاديث المرخصة في متعة الحج بالمصلحة المرسلة المتمثلة في دوام النسك بالبيت وإعماره بالعبادة طيلة أشهر السنة”[135]، وخوفا منهما على ضياع نُسكي الإفراد والقران كذلك، لتفضيل عامة الناس للتمتع.
4- تضمين صاحب الدواب ما أفسدته، وموقف الصحابة من ذلك: ورد في السنة أن ما توقعه الدابة أو البهيمة من أضرار بالنفس أو المال، لا حكم له، بل هو باطل وهدر. وقد صاغ الفقهاء على ذلك قاعدة تقول: “جناية العجماء جُبَار”[136]، والأصل المعتمد في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: “العَجْمَاء جُرحها جُبَارٌ، والبئر جُبَار، والمعدن جُبار، وفي الركاز الخمس”[137].
لكن الفقهاء من الصحابة كان لهم فهم آخر في تنزيل هذا النص على الوقائع المختلفة. فقد روي عن عمر الفاروق أنه لم يأخذ بذلك على إطلاقه، وقال بغير الضمان إذا كان الحيوان مُنفلِتا، وبوجوب الضمان في غير المُنفلِت[138]. وكذلك عند تكرار الجناية وبيان التهاون من صاحب الحيوان، يقول عمر بن الخطاب: “يُرَدُّ البعير أو البقرة أو الحمار أو الضواري إلى أهلهن ثلاثا إذا حظر الحائط ثم يعقرن”[139]؛ وهذا اجتهاد منه في تقييد النص بعدم التهاون والتفريط، وتخصيص ذلك بالمصلحة في ضمان أموال الناس وحفظ أنفسهم. ولقد روي مثل هذا عن علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز وكثير من التابعين والأئمة المتبوعين.
والأمثلة كثيرة على التزام الصحابة بتنزيل روح النص وجوهره وعدم الوقوف عند حروفه وظاهره، حينما يقتضي الأمر ذلك. نكتفي بهذا القدر هنا، وسيزيد الموضوع وضوحا وبيانا عندما نتطرق لاحقا لتطبيقات الصحابة في فقه تنزيل الأحكام ومراعاة قواعد المآل في ذلك إن شاء الله تعالى.
خلاصة:
ختاما فقد تعرضت في هذا المبحث لفقه الصحابة في حفظهم لمقاصد الأمة عبر ثلاثة مداخل أساسية وهي:
أولا: حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية من التبديل والتغيير؛ وذلك عن طرق الحفظ في الصدور والفهم بالعقول والتدوين في السطور والجمع في الصحف والنسخ في المصاحف والصحائف، مع الحرص على تعليم وتعلم علوم القرآن والحديث وتطبيق تعاليمهما.
ثانيا: حماية وحدة الأمة من الفرقة والاختلاف؛ وذلك عبر ثلاثة مقومات أساسية، وهي: الدعوة بالحال؛ وما يتفرع عنها من عدل وشورى وحوار لحل المشاكل الداخلية. و التعليم؛ اهتماما وخدمة ونشرا. ثم الجهاد؛ ذروة سنام الدين وحامي وحدة الأمة من الزيغ والانحراف.
ثالثا: التزام الصحابة الكرام بالنصوص الشرعية ظاهرها وباطنها؛ خدمة للمصلحة العامة وتحقيقا لمقاصد تنزيل الأحكام على واقع وحياة العباد.
في الحلقة القادمة لنا موعد مع اعتبار المقاصد في فقه الصحابة
و عنايتهم بتعليل الأحكام والقياس وفقه المصلحة المرسلة.
…………………….يتبع…………………………
[1] أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، 3/287. وابن كثير في مسند الفاروق، وقال: “إسناده صحيح”،2/562.
[2]أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف، رقم:26969، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، رقم:337
[3] تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، ص:39.
[4] مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي، ص:48.
[5] ينظر: الإتقان في علوم القرآن، الزرقاني، 1/195. والمصنف، ابن أبي شيبة، 6/148.
[6] ينظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي، 1/241-242.
[7]وممن أشتهر بالإقراء من الخلفاء عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ومن التابعين عمر بن عبد العزيز. ينظر: الإتقان في علوم القرآن، الزرقاني،1/197.
[8]قال الإمام مالك: “كُتب إلى عمر بن الخطاب من العراق، يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى (أي حفظوه)، فكتب لهم عمر: أن أفرض لهم في الديوان وأعطهم”. ينظر: موسوعة فقه عمر، محمد رواس قلعجي، ص:712.
[9] استشهد من الصحابة نحو سبعمائة رجل أكثرهم من القراء، منهم زيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهو أكبر منه سنا وأقدم إسلاما، ومنهم البراء بن مالك أخو أنس بن مالك. ينظر: تحفة الأنام مختصر تاريخ الإسلام، عبد الباسط الفاخوري، ص:18.
[10] أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم:4986.
[11]أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى:{لقد جاءكم رسول من أنفسكم}، رقم:4402.
[12] روى الإمام مسلم عن أبي بن كعب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هون على أمتي، فأرسل إلي: أن اقرأ حرفين، فرددت إليه: أن هون على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف”. صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، رقم:820.
[13] روى البخاري أن حذيفة بن اليمان فزع إلى عثمان يحذره من مآل التنازع في كتاب الله، فأرسل عثمان بن عفان إلى حفصة بنت عمر أن أرسلي إلينا بالصُّحُف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، ثم أمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمان بن الحرث بن هشام، فنسخوها في المصاحف”. صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم: 4987.
[14]أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن، رقم: 4987.
[15] مقاصد الأمة في فقه الخلفاء الراشدين، محمد اللياوي، ص:24.
[16] التفسير، القرطبي، 1/54. وينظر كذلك: العلل، الدار قطني، 3/229.
[17] المصنف، ابن أبي شيبة، 1/136.
[18]ينظر: التفسير والمفسرون، الذهبي، 1/97.
[19] المصنف، عبد الرزاق، 10/149. والمصنف ابن أبي شيبة، 7/562.
[20]أخرجه عبد الرزاق في المصنف،9/240. وقال شعيب الأرناؤوط: “رجاله ثقات”، تخريج سير أعلام النبلاء،1/161.
[21] موسوعة فقه عمر، رواس قلعجي، ص:170.
[22] أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب العلم، باب الزجر عن كتبه المرء السنن، رقم:69. والترمذي في السنن، رقم: 2658. وصححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح، برقم:223
[23] أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب التناوب على العلم، رقم:89.
[24] أخرجه وأبو داود في السنن، باب في كتابِ العلم، رقم:3646. وأحمد في المسند واللفظ له،11/56، رقم:6802، قال أحمد شاكر: “إسناده صحيح”، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم:1196.
[25] ينظر: البخاري في الصحيح، كتاب العلم، باب كتابة العلم، رقم:111.
[26]أخرجه مسلم في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، رقم:5.
[27] ينظر: تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، ص:40.
[28] أخرجه الإمام أحمد بسنده، مسند أنس بن مالك، وصححه الأرناؤوط في تخريج المسند، رقم:12764. وذكره ابن حجر في فتح الباري، كتاب العلم، شرح الحديث رقم:108.
[29] ينظر: تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/2.
[30] أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاث، رقم:5891. ومسلم في الصحيح، كتاب الآداب، باب الاستئذان، رقم: 2153.
[31] تذكرة الحفاظ ، الذهبي، 1/10.
[32] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب الاستغفار، رقم:1521. والترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب سورة آل عمران، رقم:3017. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، رقم: 2404.
[33]أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، رقم:1225. ومسلم في كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، رقم:929.
[34] أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم قبل حديث:83، وأخرجه موصولا الدارمي، رقم:250. وقال ابن حجر في الفتح: “إسناده صحيح”، 1/199.
[35] أخرجه الحاكم في المستدرك، 3/438، والهيثمي في مجمع الزوائد، وقال:” رجاله رجال الصحيح”، 9/294.
[36] أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: 6855. ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم:20.
[37] تاريخ الأمم والملوك، الطبري، 2/496.
[38]2 تاريخ الأمم والملوك، الطبري 2/590.
[39]المصدر السابق، 2/591.
[40] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، باب إنصاف الخصمين، رقم:20969. وابن عساكر في تاريخ دمشق،23/23.
[41] ينظر: موسوعة فقه أبي بكر، قلعه جي، ص:202. وأخبار القضاة، وابن حبان، 1/104.
[42] ينظر: أخبار القضاة، ابن حبان، /110. وموسوعة فقه عثمان، وقلعه جي، ص:257.
[43]قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب”. أخرجه ابن ماجة في السنن عن أنس بن مالك، رقم:125. والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
[44] تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، ص:162. ومنهاج السنة، ابن تيمية، 8/62.
[45] الإصابة، ابن حجر، 3/335. وسير أعلام النبلاء، الذهبي، 4/102.
[46] تاريخ الأمم والملوك، الطبري، 2/579. والمحلى، ابن حزم، وقال: “إسناده في غاية الصحة والجلالة”، 6/158.
[47] أخرجه عبد الرزاق في المصنف، 5/446. وقال ابن حزم:” صح بأجل إسناد”،المحلى، 10/38.
[48] تراث الخلفاء الراشدين في الفقه والقضاء، صبحي المحامصي، ص:93.
[49] ينظر: حياة الصحابة، الكندهلوي، 1/355.
[50] ينظر: شعب الإيمان، البيهقي، 4/355.
[51] ينظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري، 2/3. الكامل في التاريخ، ابن الأثير، 1/12.
[52] ينظر: التفسير، القرطبي، 3/108. السنن الكبرى، البيهقي، 9/29.
[53] ينظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، 8/463.
[54]المصدر السابق، 2/250.
[55] أخرجه النسائي في السنن، رقم: 777، وأحمد في المسند بإسناد حسن،5/279، واللفظ له، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، برقم:776.
[56] الكامل في التاريخ، ابن الأثير، 1/11
[57] أخرجه أحمد في المسند،1/32، واللفظ له. وقال الأرناؤوط: “صحيح لغيره مرسل”، تخريج المسند، رقم:18. والطبري في التاريخ، 12/232. وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة، وقال: “رجاله ثقات”، 3/146.
[58] تاريخ الأمم والملوك، الطبري، 2/675. والكامل في التاريخ. ابن الأثير، 3/67. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان: “ولا تنزعن قميص الله الذي قمّصك”، صححه الألباني في تخريج كتاب السنة، برقم:1174.
[59] ينظر: حياة الصحابة، الكندهلوي، 2/100.
[60] ينظر: تاريخ الطبري، 2/700.
[61] تاريخ الطبري، 2/24. والكامل في التاريخ، ابن الأثير، 3/116.
[62] الكامل في التاريخ، 3/122. تاريخ الطبري، 3/29
[63] أنظر تتمة الحوار السياسي بين علي ومعاوية في: السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، عبد المتعال الصعيدي، ص: 276 وما بعدها.
[64] تاريخ الطبري، 2/114. والكامل في التاريخ، ابن الأثير، 3/213.
[65] أخرجه مسلم في كتاب العلم، رقم:2699، وأبو داود في السنن، رقم:3641. وفي صحيح الترمذي، الألباني برقم:2646.
[66] إحياء علوم الدين، الغزالي، 1/18.
[67]المصدر السابق، 1/17.
[68] أخرجه الترمذي في السنن، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء في تعليم القرآن، رقم:2909. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم:2907.
[69] حلية الأولياء، الأصبهاني، 1/68. والطبقات، ابن سعد، 2/338.
[70] فتح الباري، ابن حجر، 8/599.
[71] منهاج السنة، ابن تيمية، 6/59. وقال الألباني: “إسناده صحيح”، العلم لأبي خيثمة، برقم:60.
[72] أخرجه وأبو داود في السن، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم:3641. والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم:2682. وحسنه الألباني في صفة الفتوى، برقم:103.
[73] منهاج السنة، ابن تيمية، 6/464.
[74] مسند الفاروق وأقواله على أبواب العلم، ابن كثير، وقال: إسناده صحيح، 2/626.
[75] المصنف، ابن أبي شيبة، 4/341.
[76] شعب الإيمان، البيهقي، 2/1041
[77] جامع بيان العلم، ابن عبد البر، 1/228.
[78] المصنف، ابن أبي شيبة، 5/312.
[79] الإحياء، الغزالي، 1/18.
[80] أخرجه الطبراني في الأوسط، 9/174. وابن عبد البر، في جامع بيان العلم وفضله، رقم:175. والمنذري في الترغيب والترهيب، 1/75.
[81] أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم رقم:224. والبزار في مسنده، رقم:6746 مختصرا. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم3914.
[82] أخرجه الطبراني بإسناد جيد واللفظ له، رقم:7347،8/64. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب، رقم:71، وقال: “إسناده حسن ورجاله ثقات رجال الصحيح”، السلسلة الصحيحة، رقم:3397.
[83] أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق، رقم:1161. وابن أبي شيبة في المصنف، رقم:35502. قال الألباني: “من قول الحسن إسناده صحيح وروي مرفوعا بسند فيه ضعف”، تخريج مشكاة المصابيح، برقم:260.
[84] الإحياء، الغزالي، 1/61.
[85] الطبقات الكبرى، ابن سعد، 2/360. وصفوة الصفوة، ابن الجوزي، 1/706.
[86] ينظر: الإحياء، الغزالي، 1/66.
[87]أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، رقم:49.
[88] تاريخ دمشق، ابن عساكر، 2/73. وينظر: موسوعة آثار الصحابة، مسند آثار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، سيد كسرويه حسن، 1/23.
[89] المصنف، ابن أبي شيبة، رقم: 1834، 4/211. وينظر: موسوعة آثار الصحابة، مسند آثار الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سيد كسرويه حسن، 1/315.
[90] المصنف، ابن أبي شيبة، رقم:19553، 4/238.
[91] أخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله، باب ما جاء في فضل المرابط، رقم:1667، وقال:” حديث حسن صحيح”. وأحمد في مسنده بإسناد صحيح،2/15. وحسنه الألباني في صحيح النسائي، برقم:3169. وقال ابن العربي: “حديث صحيح”، عارضة الأحوذي، 4/113.
[92] تاريخ الطبري، 3/85.
[93] البداية والنهاية، ابن كثير، 6/304. وتاريخ الطبري، 2/245.
[94] معركة القادسية مع الفرس كانت في شهر شعبان سنة 15 للهجرة. والمدائن هي عاصمة ملوك الفرس، تم فتحها تباعا بعد هزيمة جيوش الفرس في القادسية. ينظر: تاريخ الطبري، 3/480 وما بعدها.
[95] تاريخ الطبري، 2/470.
[96]المصدر السابق، 2/624.
[97] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم:1335. ومسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، رقم:20.
[98] تاريخ الخلفاء، السيوطي، 1/73.
[99] أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم:8528 واللفظ له، والبيهقي في السنن، رقم:16985. وصححه الألباني في الجامع الصغير، برقم:2788، وقال: “على شرط مسلم”، إرواء الغليل،2/299.
[100] تراث الخلفاء الراشدين في الفقه والقضاء، صبحي المحمصاني، ص:126.
[101] فتح الباري، ابن حجر، 28/145. وينظر: السيرة النبوية الصحيحة، أكرم العمري، ص:620
[102] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الديات عن رسول الله، باب ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها رقم:1415، وقال:”حديث حسن صحيح”. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم:2927.
[103] الرسالة، الشافعي، ص:428.
[104] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب دية الجنين، رقم:4028. وصححه شعيب الأرناؤوط في تخريج السنن، برقم:4573. وحسنه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح، برقم:3433.
[105] ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، 2/271.
[106] عن يحيى بن بُكير قال:” كان طلحة بن عبيد الله يُكنى أبا محمد”، مجمع الزوائد، الهيثمي، وقال: “رجاله ثقات”، 9/151.
[107] التفسير، القرطبي، 5/99. والحديث ذكره ابن حجر في فتح الباري، 9/111. وابن كثير في مسند الفاروق،2/573.
[108] ينظر: إعلام الموقعين، 2/271.
[109] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، رقم:4556. وقال شعيب الأرناؤوط: “صحيح لغيره”، تخريج المسند، برقم:19707. وصححه الألباني في إرواء الغليل، 7/318.
[110] أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء، رقم:1775.
[111]أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر، رقم:6517.
[112]أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب قول الله تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وفي كم يُقطع؟ رقم: 6789. ومسلم في واللفظ له، كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، برقم:1684.
[113] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، 7/158. وقال الأرنؤوط:” رجاله ثقات رجال الشيخين”. وقال ابن كثير: “إسناده صحيح”، إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه، 2/160.
[114]الإعراب عن الحيرة والالتباس، ابن حزم،2/802. وقال الأرنؤوط:” إسناده صحيح” تخريج زاد المعاد،5/579.
[115] الأم، الشافعي، كتاب النكاح، نكاح العدد ونكاح العبيد، 5/78. والإعراب عن الحيرة والالتباس، ابن حزم،2/803.
[116] مالك في الموطأ، كتاب الأشربة، باب الحد في الخمر، رقم:1534. وانظر: فتح الغفار للرباعي،3/1674.
[117] أخرجه البيهقي في السنن الصغرى، 3/21. وعبد الرزاق في مصنفه، 8/331.
[118] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، رقم:596. والبيهقي في السنن الكبرى،10/151. والدر قطني في السنن،3/475. وعبد الرزاق في المصنف، 8/334.
[119] ينظر: المغني، ابن قدامى، 8/153. والمصنف، عبد الرزاق، 7/482. والمصنف، ابن أبي شيبة، 5/466.
[120] أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب فضل السحور، رقم:1098، واللفظ له. والبخاري في كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار، رقم:1856.
[121] البيهقي في السنن الكبرى، 1/447. وينظر: موسوعة فقه أبي بكر، قلعة جي، ص:175.
[122] ينظر: المجموع، النووي، 6/418.
[123] الموافقات، الشاطبي، 3/338.
[124] ذكره ابن جرير الطبري في مسند عمر بإسناد صحيح، تبرئة الإمام المحدث من قول المرجئة المحدث، إبراهيم بن عامر الرحيلي، 1/223. وابن أبي شيبة في مصنفه، 1/177.
[125] أخرجه أحمد في المسند،1/219، رقم:443، واللفظ له. والحميدي،36. والطحاوي في شرح مشكل الآثار،4222.
[126] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب من ترك القصر في السفر غير رغبة في السنة. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم:1964. وقال الأرناؤوط: “رجاله ثقات”، تخريج سنن أبي داود، رقم:1964.
[127] مجموع الفتاوى، ابن تيمية بإسناد صحيح، 24/86. وقال ابن حزم: “إسناده في غاية الصحة”، المحلى بالآثار،2/5.
[128]في قوله تعالى:{ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} سورة البقرة، من الآية:196.
[129] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب التفسير، برقم:4518. ومسلم في كتاب الحج، باب جواز التمتع، رقم:1226.
[130] أخرجه ابن حزم في المحلى بالآثار، 7/107. والعيني بإسناد صحيح في نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار، 9/198. وحسنه الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد، 3/406.
[131] أحكام القرآن، أبو بكر الجصاص، 1/355. وذكره العيني بطريق صحيح، نخبة الأفكار،9/202.
[132] أخرجه البيهقي في السنن، كتاب الحج، باب كراهية من كره القران والتمتع. وأخرجه النووي في المجموع بإسناد صحيح، 7/158. وقال الشنقيطي: “إسناده صحيح”، رحلة الحج، رقم:302.
[133] ذكره محمد أمين الشنقيطي في رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، بإسناد صحيح، رقم:303.
[134] أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التمتع، رقم:1488.
[135] منهاج الراشدين في رعاية مصالح الدنيا والدين، محمد اللياوي، ص:60.
[136] شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا، ص:457.
[137] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الركاز، رقم:6912. ومسلم في الصحيح، كتاب الزكاة، رقم:1710.
[138] ينظر: بداية المجتهد، ابن رشد، 2/242.
[139] المصنف، عبد الرزاق، 10/84. والمحلى، ابن حزم، 8/147.