الحلقة 17: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛ دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الحلقة 17: فقه تنزيل الأحكام في السيرة النبوية وعمل الصحابة؛
دراسة أصولية تطبيقية
ذ. محمد الغالي
الصحابة ومقاصد الشريعة
تقديم:
لقد أدرك الصحابة الكرام أن الله تعالى ما شرع هذا الدين العظيم إلا لتحقيق مقاصد شريفة، كانوا السباقين في وضع اللبنة الأولى لفهم هذه المقاصد، ثم إعمالها في اجتهاداتهم التنزيلية. وقد بين ذلك الإمام الشاطبي في مقدمة كتاب المقاصد، موضحا منزلة هذا العلم عند الصحابة “الذين عرفوا مقاصد الشريعة فحصَّلوها، وأسسوا قواعدها وأصَّلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها، وعنوا بعد ذلك باطّراح الآمال، وشفعوا العلم بإصلاح الأعمال، وسابقوا إلى الخيرات فسبقوا، وسارعوا إلى الصالحات فما لُحقوا”[1].
وحينما يتحدث ابن تيمية عن اجتهادات الصحابة وقياساتهم وقولهم في المسائل؛ يعترف أنه لم يجد أجود منها إلى حدود زمانه، ويبرر ذلك بقوله: “ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان القياس معه، ولكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلِّ العلوم، وإنما يعرف ذلك من كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده”[2]. ويذكر ابن القيم أن الرأي والاجتهاد من الصحابة كان في المقام الأول، وكانت معرفتهم بمقصود الشرع كاملة وبدون تكلف، “وقد كانوا أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده”[3].
ومنطلق الصحابة رضوان الله عليهم في القياس والاستدلال وتعليل الأحكام ورعاية المصالح العامة للشريعة، كان منطلقا من أمرين: الوحي والمقاصد، يقول الشاطبي: “الصحابة رضي الله عنهم قصروا أحكامهم على إتباع الأدلة وفهم مقاصد الشرع”[4]. و تفصيل ذلك من خلال المطالب الثلاثة الآتية.
المطلب الأول: اعتبار المقاصد في فقه الصحابة المجتهدين.
كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مراجعته في أي أمر أو نهي عن ما إذا كان هذا الأمر عن وحي أو عن رأي ارتآه، فإذا كان وحيا التزموا به وإن كان رأيا يراه اشتركوا بآرائهم[5]. ويعتبر اجتهاد الصحابة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهادا عمليا مرتبطا بالمسائل الحقيقية التي تحدث في واقعهم، “ولم تكن تغييرا للحكم لمجرد مرور الزمان أو لهوى النفوس، وإنما كانت استجابة لظروف لو لم يُستجب لها لحصل ضرر واضح لضياع المقصد المستهدف بالحكم”[6].
والمستقصي لاجتهادات الصحابة يلاحظ، وبشكل واضح، عنايتهم المقاصدية بحفظ الكليات الخمس- الدين والنفس والمال والعقل والنسل- وأن جميع اجتهاداتهم دائرة رحاها حول هذا المقصد العظيم ورعايته قولا وعملا، وهذا ما يؤكد القول بأن الصحابة كانوا أول من اعتنى بأصول الفقه وقواعده.
- الفرع الأول: الاجتهاد بالرأي عند الصحابة.
الاجتهاد بالرأي هو: “تأمل وتفكير في تعرُّف ما هو الأقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ أكان يتعرف ذلك الأقرب من نص معين وذلك هو القياس، أم الأقرب إلى المقاصد العامة للشريعة وذلك هو المصلحة”[7]. وذهب بعض العلماء[8]، أن الصحابة-رضي الله عنهم- هم الذين فتحوا الاجتهاد بالرأي، ولم يخُصُّوه بنوع معين. فهو يشمل سائر أنواع الاجتهاد التي عرفت فيما بعد؛ سواء فيما فيه نص، أو فيما لا نص فيه.
ولم يكن علماء الصحابة وفقهاؤهم على درجة واحدة في استعمال الرأي والاجتهاد وفق أصوله؛ ذلك أن الصحابة الذين تحملوا المسؤولية في دولة الإسلام، أو كانت لهم السابقة والحظ في الدين وتميزوا بالقدرات الشخصية والاستعداد الفطري، هؤلاء كانوا معنيين قبل غيرهم بالبحث والاجتهاد وإيجاد الحلول للوقائع المستجدة، فهم كانوا على مستوى متميز بالإحاطة بالمتغيرات التي كانت تؤثر توسيعا وتضييقا في عملية الرأي. “وأكابر هذا الوجه: عمر وعلي، وابن مسعود، وابن عباس”[9] رضي الله عنهم.
وذكر ابن القيم أن المكثرين في الفتيا من الصحابة سبعة: “عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، رضي الله عنهم”[10].
غير أن أكثر الصحابة استعمالا للرأي، وأجودهم مذهبا فيه، هو: عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أتاح له استعداده الفطري علاوة عن المسؤوليات التي اضطلع بها تبعًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر، واستقلالا في عهده لمَّا آلت إليه الخلافة. فما عُرف به الفاروق من حس فقهي عالي، ميَّز آراءه الفقهية ومواقفه الاجتهادية، وجعلها تتمتع بجودة ودقة ومنهجية رفيعة.
وأما علي بن أبي طالب، فقد كان من أشهر مقدّمي فقهاء الصحابة في الأقضية والفتاوى التي تتصل بمجال الدعاوى والنزاعات الحقوقية.
وأما ابن عباس فهو معدود من فقهاء الرأي من الصحابة، وقد تميز رأيه بأنه أميل إلى التفسير منه إلى الفقه، وإن كانت له آراء كثيرة في الفقه والفرائض وأحكام الحلال والحرام[11].
كما تعتبر عائشة أم المؤمنين، مضرب المثل في الذكاء ونباهة العقل وفور العلم بالقضاء والفرائض. يقول مسروق بن الأجدع عنها: “والذي نفسي بيده لقد رأيتُ مَشْيَخَة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض”[12].
ومن أكابر فقهاء الصحابة وأهل الرأي فيهم؛ معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وعلامة ذلك اعتراف عمر بن الخطاب لبعضهم بهذا التميز، في خطبة له بالجابية يقول فيها: “من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد المال فليأتيني فإن الله جعلني له واليًا وقاسمًا”[13].
وممن لحق بهؤلاء أيضا أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمر، وآخرون كانت لهم آراء كثيرة في الفتيا والرأي، بتفاوت بينهم في ذلك، وصفه مسروق في قوله: “جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا كالإخاذ يروي الراكب، والإخاذُ يروي الراكبين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذُ لو نزل بها أهل الأرض لأصدرهم، وإن عبدَ الله من تلك الإخاذ”[14]، يقصد ابن عمر.
ولبيان ذلك نعرض أمثلة تطبيقية من الاجتهادات الفردية والجماعية، توضح بعض مظاهر الاجتهاد بالرأي عند الصحابة رضوان الله عليهم:
1- مظاهر الاجتهاد بالرأي الفردي عند الصحابة؛ تطبيقات اجتهادية:
يعتبر الاجتهاد الفردي عند الصحابة حق معنوي كسائر الحقوق التي كفلها التشريع وشرع في سبيل حفظها الضمانات والمؤيدات، وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد شلتوت: “والاجتهاد الفردي حق ثابت في الإسلام لكل من له أهلية النظر والبحث، يستوي فيه الرجل والمرأة والحاكم والمحكوم، وأرباب الوظائف الكبرى وغيرهم ممن لا يشغلون وظيفة”[15]. وعليه، فإن الصحابة الذين اكتملت فيهم مقومات الاجتهاد وتوفرت عندهم أدواته، زاولوه بكل حرية، وباحترام آراء بعضهم في حال الاختلاف والتعدد؛ سواء في زمن النبوة أو خلال الخلافة الراشدة أو بعدها.
ذكر ابن عبد البر[16] أن عمر بن الخطاب لقي أثناء خلافته رجُلا له قضية، فسأله عمر: ماذا صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا. قال عمر: “لو كنت أنا لقضيت بكذا”. قال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟ فأجابه عمر:” لو كنتُ أرُدك إلى كتاب الله أو سنة رسوله لفعلت؛ ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك، ولست أدري أي الرأيين أحق عند الله!.
والمتأمل في اجتهادات الصحابة الفردية يلاحظ نزعة الاحتياط والتخوف بادية عليها، مع إقرارهم الدائم باحتمال الخطأ في قولهم. فانظر إلى أبي بكر الصديق يجتهد في مسألة “الكلالة” بأنها ما عدا الوالد والولد، ثم يقول: “هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله”[17]. ومثل هذا القول رُوي عن عبد الله بن مسعود حينما قضى في مسألة “المفوضة” (وهي: المرأة التي تزوجت ومات عنها زوجها قبل أن يسمي أو يفرض لها صداقا) ، قال: “هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان”[18].
– وكان الاجتهاد الفردي عند الصحابة يصدر أحيانا من فرد وأحيانا يتفق عليه الفردان والثلاث بحيث لا يصل إلى مستوى الاجتهاد الجماعي؛ ومن هذا النوع ما اتفق عليه عمر وابن مسعود-رضي الله عنهما- على عدة المطلقة وأنها لا تنتهي إلا باغتسالها من الحيضة الثالثة، لأن “القرء” عندهما هو الطُّهر؛ فلا تنتهي العدة إلا بثلاثة أطهار، كما نقل ذلك ابن حزم رحمه الله[19].
وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب قوله: “اجتمع رأيي ورأيُ عمرَ في بيع أمهات الأولاد أن لا يُبَعْنَ، ثم رأيت بعدُ أن يُبَعْنَ. قال عبيدة السلماني(القاضي): يا أمير المؤمنين، فرأيك و رأي عمر في الجماعة أحبُّ إلي من رأيك وحدك في الفرقة، قال فضحك علي”[20]، يقصد بالفرقة زمن الفتنة وأواخر الخلافة الراشدة.
– ومن الصفات التي تميز بها الصحابة في ميدان الاجتهاد الفردي في القضايا الفقهية المعروضة عليهم؛ التورع في الفتوى، وإحالة السائل إلى من هو أفقه منه. فقد سئل أبو موسى الأشعري عن مسألة من مسائل الفرائض وأفتى فيها، وقال للسائل: “إذهب إلى ابن مسعود فسيتابعني، فلما سمع أبو موسى بقضائه المخالف له، قال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم”[21] ورجع عن فتواه.
ومن هذا ما ذكره ابن عبد البر أن عبد الله بن عباس أرسل إلى زيد بن ثابت يسأله عن حجته فيما ذهب إليه في مسألة “الزوج والأبوين”، فأجابه زيد:” أنا أقول برأيي و-أنت- تقول برأيك”[22].
– ومن القضايا التشريعية الكبرى التي اجتهد فيها فقهاء الصحابة وكبار مجتهديهم؛ اجتهاد الفاروق –وهو خليفة للمسلمين-“ألا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر”[23]، يريد بفعله هذا أن يجنب نساء المسلمين الوقوع في الفاحشة، فلم يبرر وقوعها بحبس الجيوش المجاهدة على الثغور، وهو أمر اقتضته المصلحة، بعد استشارة ابنته حفصة على هذا الأمر. لأن مجموعة من الأمور الاجتهادية لا يستطيع الفقيه المجتهد النظر فيها وحده، ولذلك احتاج الأمر استشارة أهل الدراية والتجربة والاختصاص.
– ومنها أن معاذ بن جبل أخذ الثياب اليمنية بدل العين من زكاة الحبوب والثمار، فقال يعلل اجتهاده: “ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة؛ فإنه أهون عليكم، وخيرٌ للمهاجرين بالمدينة”[24]. فهو اختار الثياب بدل الحبوب والثمار لأنها أهون وأخف كلفة على أهل اليمن، ولأهل المدينة من فقراء المسلمين أفضل؛ لأنهم أحوج إليها. وهذا اعتبارا منه للظروف واستحضارا للمصلحة العامة للمسلمين.
لكن ما يمكن تسجيله في مجال الاجتهاد الفردي عند الصحابة الكرام هو تحرزهم الشديد من الرأي الواحد إلا اضطرارا، وهذا ما جاء في وصية عمر لشُريْح- قاضي الكوفة- في كلام طويل له، من ذلك قوله: “إن شئت أن تجتهد رأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك”[25]. فالمنهج السائد عند الصحابة، عموما في الفتوى والقضاء، هو اعتماد الاجتهاد الجماعي واستشارة رؤوس الناس وخيارهم فإن أجمع رأيهم على أمر ما عملوا به.
2- مظاهر الاجتهاد الجماعي عند الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم:
إذا كانت الاجتهادات الفردية عند الصحابة أغلبها يتعلق بالفتاوى الشخصية والقضايا الخاصة التي تهم المشكلات الجزئية والفردية؛ فإن الاجتهاد الجماعي يتعلق موضوعه بالقضايا العامة ويمس الجماعة المسلمة. واجتهاد الصحابة بهذا المعنى يصدر عن شبه مؤسسة تجمع المجتهدين وتحرص على عدم الاستفراد بأمر الاجتهاد، “ويكون في اجتماع عام أو اجتماع خاص بعلماء الصحابة وفقهائهم”[26].
– وتبدو أول مظاهر الرأي الجماعي في عصر الخلافة الراشدة في قضية قتال أهل الردة؛ حيث اختلف فقهاء الصحابة الكرام في قتال من امتنع عن إعطاء الزكاة على فريقين: فريق يرى أن الإيمان بالله ورسوله يعصم النفس والمال فلا يباحان إلا بحق، ودليلهم قوله صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله”[27]. وفريق آخر يرى أن إنكار أي ركن من أركان الإسلام أو فريضة من فرائضه بمثابة نقض لأصل الإيمان، يقول زعيم هذا الرأي بعزم وحزم: “والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال”[28].
وبعد الحوار والنقاش بين الفريقين وتداول وجهات النظر استقر رأيهم جميعا على وجوب القتال، فكان بذلك اجتهادا جماعيا يخدم مصلحة ومستقبل الأمة الإسلامية بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
– وهكذا توالت اجتهادات الصحابة الجماعية، خصوصا خلال عهد الشيخين أبي بكر وعمر. يقول ابن القيم: “وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليس عنده فيها نصٌّ عن الله ولا عن رسوله، جمع لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جعلها شورى بينهم”[29]. ومن هؤلاء الكبار: عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمان بن عوف، وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وابن مسعود. وكان منهم بعض المبرزين من فقهاء صغار الصحابة أمثال ابن عباس وابن عمر وغيرهما.
– ومن أظهر الشواهد الدالة على معالجة الصحابة للرأي الجماعي منذ عهد الخليفة الأول؛ تداول الصحابة ونقاشهم حول جمع المصحف وكتابته في الصحف وإجماعهم على فعل ذلك.
– ومنها ما فعله أبو بكر رضي الله عنه حين جاءت الجدة أم الأم وأم الأب فقالت: إن ابن ابني-أو ابنتي- مات، وقد أُخبرت أن لي في كتاب الله حقا، فقال أبو بكر: ما أجد لك في كتاب الله من حق، وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء، وسأسأل الناس. فسأل الناس، فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، قال: ومن سمع ذلك معك؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري مثل ما قال المغيرة، فأعطاها السدس[30]. يعني أن أبا بكر أنفذ ذلك بعدما اجتمع الرأي على ذلك.
وهكذا كان منهاج الاجتهاد الجماعي عند الصحابة، فعن المسيب بن رافع قال: “كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا”[31].
– ومن هذا ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما بلغه أن امرأة مُغيبة يدخل عليها الرجال، فبعث إليها رسولا، فأتاها الرسول فقال: أجيبي أمير المؤمنين. ففزعت فزعة وقعت الفزعة في رحمها، فتحرك ولدها، فخرجت فأخذها المخاض فألقت غلاما جنينا. فأتى عمر بذلك فأرسل إلى المهاجرين فقص عليهم أمرها، فقال: ما ترون؟ فقالوا: ما نرى عليك شيئا يا أمير المؤمنين، إنما أنت معلم ومؤدب. وفي القوم علي، وعلي ساكت، قال فما تقول أنت يا أبا الحسن؟ قال: أقول إن كانوا قاربوك في الهوى فقد أثموا، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا، وأرى عليك الدية يا أمير المؤمنين. قال عمر: صدقت”[32].
فهذه الواقعة تبين لنا تشاور الصحابة في القضايا التي كانت تحدث لهم أو تنزل بهم، ولا يقضي أحدهم فيها برأيه، ولو كان أميرا، إلا بعد جمع أهل الرأي والمشورة والعلم و السماع منهم والنزول عند رأيهم.
– ومنه كذلك ما رواه الحاكم عن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه، فأتيته وهو في المسجد معه عثمان بن عفان وعلي وعبد الرحمان بن عوف وطلحة والزبير رضي الله عنهم، متكئ معهم في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم. فقال علي بن أبي طالب: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال”[33]. وكان رأي من حظر هذه الواقعة من الصحابة موافق لرأي علي. وجَلَدَ خالدُ ثمانين، وجَلَدَ عمرُ وعثمانُ ثمانين.
– وفي مراسلة أخرى أن خالدا بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق، أنه وجد رجلا في بعض نواحي العرب يُنكحُ كما تُنْكحُ المرأة، فاستشار خليفة رسول الله أصحابه وفيهم علي فقال: أرى أن تحرقه بالنار، فاجتمع رأي الصحابة على ذلك. فكتب أبو بكر لخالد أن يحرق بالنار[34]. رغم وجود أحاديث تقول بالقتل والرجم لمقترف هذه الجريمة.
– وكان عثمان بن عفان يجمع مجتهدي الصحابة المتفرقين بالأمصار في موسم الحج للتشاور وتبادل الآراء في القضايا المستجدة، غير أن الفتنة التي ظهرت في أواسط عهد عثمان وعهد علي، وما نتج عنها من فرقة وأثر على حركة الرأي الجماعي، شغلت الصحابة عن الاجتهاد والاجتماع.
ولكي تكتمل الصورة سيأتي بعد هذا بيان مسالك الاجتهاد التطبيقي المقاصدي عند الصحابة؛ الاجتهاد الذي يقوم على التعليل والقياس ورعاية المصالح الشرعية في تصريف الأحكام وتنزيلها.
- الفرع الثاني: الاجتهاد المقاصدي عند الصحابة رضي الله عنهم.
الاجتهاد المقاصدي هو “العمل بمقاصد الشريعة والالتفات إليها، والاعتداد بها في عملية الاجتهاد الفقهي”[35]، بمعنى إعمال العقل في النصوص والأحكام لبيان مقاصد الشريعة ورعايتها عند التنزيل.
والناظر في حياة الصحابة، بعد عهد النبوة، يجد أن كثيرا من الوقائع اجتهدوا فيها اجتهادا مقاصديا، وذلك بسبب الحاجة الماسة إلى بيان حكم الشريعة في العديد من النوازل والمشكلات التي استجدت في زمانهم. “فقد كان النظر إلى المقاصد الشرعية من قبلهم أمراً مهما جدا، ومستندا ضروريا لمعالجة ما أدركوه من أوضاع ومحدثات، وأحد الشروط والمعارف الاجتهادية التي لا يتم استنباط الأحكام إلا بها”[36].
ومن الطبيعي أن يكون للصحابة دور كبير في الاجتهاد المقاصدي، لأنهم ورثوا صفات في عصر النبوة تجعلهم الأوائل في كل شيء، ففهموا المقاصد والغايات والمصالح واستوعبوا ذلك جيدا. ولم يكن الصحابة على قدر واحد من هذا الفهم سواء في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو بعد غيابه، فعن عمر بن الخطاب قال: قال لنا الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجعنا من الأحزاب: “لا يصلّيَن أحد العصر إلا في بني قريضة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي؛ لم يرد منا ذلك، فذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم”[37]. فالصحابة اختلفوا في الفهم والإدراك، فمنهم من أخذ بظاهر النص، ومنهم من أخذ بسياق النص والتزم بمقصده.
وليس الغرض هنا استقصاء الوقائع والحوادث التي تجلى العمل فيها بالمقاصد عند الصحابة -فهي كثيرة- ولكن المقام يقتضي إيراد بعض الأمثلة لبيان اهتمام فقهاء ومجتهدي الصحابة بالمقاصد في تنزيل الأحكام على الوقائع والحوادث المستجدة في زمانهم، وهذه بعضها:
1- اجتهاد أبي بكر الصديق في اختيار الخليفة من بعده:
كان الصديق رضي الله عنه يعلم جيدا أن الأصل في الخلافة هو أن يترك أمرها للأمة؛ تختارُ مَنْ تراهُ مناسبا للقيام بواجب الإمامة فيها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يُعيّن من يخلفه في ولاية أمر المسلمين. لكن أبا بكر خشي-إن هو ترك الأمر من غير أن يعين من يخلفه- أن يتكرر مثل ذلك الخلاف الذي كان في سقيفة بني ساعدة بين المهاجرين والأنصار، وأخذ يشاور في عمر بن الخطاب كبار الصحابة مثل: عثمان بن عفان وعبد الرحمان بن عوف وأُسيد بن حُضير وغيرهم[38]، وكانت كلمتهم أن عمر بن الخطاب خير من يلي أمر المسلمين.
فمن الملاحظ أن ما فعله أبو بكر من عزل نفسه واختيار خليفة على أساس الشورى، ومبايعة هذا الخليفة في حياته قبل موته، إنما هو عمل راعى فيه مقصود الشارع في جلب المصلحة ودرء المفسدة عن المسلمين من الحفاظ على وحدة الأمة ودفع الفرقة والاختلاف من بعده، “فهذا أبو بكر الذي كان جاعلا وجهته تحقيق مقاصد الشرع ومصلحة المسلمين بما يحفظ عليهم دينهم وقوتهم ووحدتهم”[39].
2- بعض اجتهادات عمر بن الخطاب المالية المقاصدية؛ وهي كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:
أ- مخالفته لما كان عليه أبو بكر في بعض أبواب السياسة المالية؛ فقد كان الخليفة الأول يُسوي بين الناس في العطاء والأرزاق، بين الحر والمملوك والمرأة والرجل والصغير والكبير، أما عمر فكان يفضل الناس بعضهم على بعض، وقال: “لا أجعل حظ من قاتل رسول الله كحظ من قاتل معه، وإنما الناس بسوابقهم، وحسن بلائهم، وعظم غنائهم في الإسلام، يتفاوتون في عطائهم وأرزاقهم على حسب تفاوتهم في تلك المزايا”[40]؛ وهذا تقرير منه لمبدأ الكفايات، وتشجيع لقوى الإنتاج، ونهوض بالعاملين أصحاب المواهب الممتازة[41]. هكذا كان رأي الفاروق يدور حكمه مع مقصده.
ب- أنه كان يشاطر الولاة أموالهم فيجعلها شطرين؛ شطرا للولاة وشطرا للمسلمين. لأنه كان يرى أن أموالهم الخاصة قد تختلط بالأموال التي يكتسبوها بجاه الولاية والسلطان[42]، فيعتريها شيء من الحرام. والهدف المقاصدي من ذلك؛ هو إصلاح الولاة والأخذ على أيديهم من فتنة المال، ثم المحافظة على المصالح العامة للمسلمين وحفظ حقوقهم.
ج- و كان يجعل غنائم الأرض وقفا على مصالح المسلمين؛ ينتفع بثمراتها أولهم، ولا يحرم منها من يجيء بعدهم. وفي ذلك ما أخرجه البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: “لولا آخر المسلمين ما فتحت عليهم قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر”[43]. فرغم معرفته بأنه خالف سنة الرسول عليه الصلاة والسلام في تقسيم الأرض المفتوحة؛ إلا أنه اجتهد في ذلك مبينا بذلك ما يترتب على التقسيم من الضرر العام الذي يلحق المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم.
3- عثمان بن عفان وإنشاؤه أول أسطول بحري:
في خلافة عثمان بن عفان تغيرت الظروف وتوسعت الفتوحات الإسلامية لما وراء البحار، واحتاج المسلمون لخوض معركة بحرية من أجل فتح قُبرص، فقام معاوية بن أبي سفيان، بأمر من الخليفة الثالث، بإنشاء أول أسطول بحري سنة سبع وعشرين[44]، وانتصر على الروم وفتح المسلمين قُبرص، فكانت “نظرة عثمان الثاقبة وهمته العالية وقصده الواضح من طموحه للوصول إلى أقصى البلدان لفتحها ونشر الإسلام فيها وذلك باستخدام أفضل الوسائل التي تحقق أعلى النتائج”[45]، مراعيا في ذلك ظروف وطبيعة تلك البلدان المراد فتحها، مع استحضار واقع المسلمين ومستشرفا مستقبل الأمة الإسلامية ومكانتها بين الأمم.
4- علي بن أبي طالب وعقوبة الطبيب إذا أخطأ بتقصير منه:
كان سيدنا علي بن أبي طالب يُحمل الطبيب مسؤولية خطئه إن مات المريض، ويوجب عليه دفع ديته، وكان يحذر الأطباء والبياطرة والمتطببين من التطبيب بدون علم ولا معرفة، “فإن لم يأخذ لنفسه البراءة فعطب، فهو ضامن”[46]، وفي رواية لأبي داود قال رضي الله عنه: “من تَطبَّبَ ولم يُعلم منه طِبٌّ فهو ضامنٌ”[47].
ومن مقاصد هذا الحكم حفظ النفس وصيانة الحقوق بمراعاتها، وهو إشعار للطبيب بمسؤوليته تُجاه علمه وعمله وتُجاه المريض، وكذا مقصد الحفاظ على مصلحة المسلمين وصيانتها ورعايتها وطمأنينتهم على أنفسهم، مراعاة لنفسية المريض ورفعا لهمة الطبيب والمطببين؛ لينتج عن ذلك الإتقان والإحسان في العمل.
وباختصار؛ فكثيرة هي المواقف والأحداث التي صدرت من الصحابة الكرام، في مضمونها اجتهاد مقاصدي يرمي لتحقيق روح الدين عند تنزيل الأحكام على الواقع.
– من ذلك؛ زيادة الاجتماع في المساجد لقيام رمضان، والمقصد هو المحافظة على الجماعة، وفوائدها ومصالحها المتعلقة بزيادة الأجر وتحقيق الوحدة وتيسير العبادة[48].
– ومنها أيضا؛ منع النساء من شهود الجماعة عند خشية الفتنة، والمقصد هو حفظ الأعراض وسد ذريعة الفساد وتقديم مصلحة كل ذلك على مصلحة إدراك الجماعة[49].
– ومنها كذلك؛ إراقة اللبن المغشوش بالماء تأديبا للبائع، كي لا يأخذ حق الغير بلا وجه شرعي، وضمانا لمصلحة المشتري وحقه[50].
– ومن هذه الأمثلة؛ جواز قطع الصلاة لإدراك الدابة الشاردة، والمقصد هو حفظ المال من الضياع، ودفع مشقة العودة إلى الأهل على غير دابة.
– ومنها؛ الفصل بين الأقارب في الجوار، والمقصد هو حفظ صلة الرحم، ونفي التنازع والافتتان الواقِعَيْن بسبب الاقتراب والاحتكاك[51].
ولا شك أن فقه الصحابة لمقاصد الشريعة كان عميقا أثلوه لنا فيما ورثناه عنهم من أفعالهم وأقوالهم وفتاواهم، في عباداتهم وسلوكهم ومعاملاتهم، في دعوتهم ودولتهم، وفي كل ما يهم دينهم ودنياهم.
هذه بعض الأمثلة السريعة على سبيل الإجماع والعموم؛ وهي غيض من فيض مما تركه الصحابة من فقههم لمقاصد الشريعة.
المطلب الثاني: عناية الصحابة بتعليل الأحكام والقياس.
لا نقصد بالتعليل هنا ما هو سائد عند الفقهاء والأصوليين، وإنما نعني به التعليل المصلحي المقاصدي؛ الذي هو نهج الصحابة ودأبهم في تعليل الأحكام والتوسع في بيان أسبابها عند الحاجة “من غير مخالفة ولا عصيان، بل اعتقادا منهم أن شريعة الله ليست جامدة على النصوص حتى توقع الناس في إِصْرٍ أخبر اللهُ أنه وضعه عنهم”[52]. وهكذا كان نهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي مهد لهم ولنا الطريق إلى التعليل والقياس[53]. فما هي إذن مظاهر عناية الصحابة بهذا العلم، وكيف تم تنزيله في واقعهم؟
- الفرع الأول: التعليل عند الصحابة وأثره في تنزيل الأحكام.
حينما يعْمدُ الصحابة إلى تعليل الأحكام وإتباع أسرار الشريعة ومقاصدها، ويتخذون من ذلك مقدمة لمنهجهم في رعاية المصالح العامة، فإنهم لا يلجون في ذلك من باب واحد؛ بل يدخلونه من أبوب متفرقة، فتراهم “تارة يعللون الفتوى بما نص عليه كتاب الله أو نطق بمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطورا يعمدون إلى حكم منصوص فيستنبطون له العلة ليوسعوا دائرته، وأن يحكموا أحكاما يخال أنهم خالفوا بها ما حكم الله به، ولكنهم بثاقب نظرهم علموا أن الحكم معلل بعلة قد زالت، فيغيرون الحكم تبعا لتغير علته. وحينما يمنعون الناس من مباح زجرا وعقوبة لهم، أو لما يرون أنه يؤدي إلى ظن خلاف الحقيقة، فيقع الناس في المفاسد من أجله”[54].
وهذه مجموعة من الأمثلة والشواهد تعزز معرفة أهمية التعليل عند الصحابة وأثر ذلك في تنزيل الأحكام وتوجيهها:
1- تغيير قيمة الدية ونقلها من العاقلة إلى أهل الديوان:
كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تُؤخذ من الإبل، لِما رواه النسائي ومالك في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم في العقول: “أن في النفس مائة من الإبل”[55].
فلما جاء عمر بن الخطاب زمن الخلافة الراشدة، نظر إلى ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أنه معلل بشيوع هذا الصنف في بيئة المدينة وجزيرة العرب عامة. فلم يكن في عهد عمر من مقدور كل الناس دفع الدية إبلا، وأن إلزامهم بذلك يلحق بهم العنت والضيق والحرج[56]، وهو مرفوع عنهم. فكان ذلك دافعا لعمر بن الخطاب إلى تقويم الدية نقدا، فعن عبد الله بن عمرو أن عمر بن الخطاب لما رأى الإبل قد غلت، فرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورِق إثنى عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة[57].
كما كانت الدية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في القتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة[58]. ثم صارت على أهل الديوان في زمن عمر بن الخطاب، وتعليله على ذلك ما ذهب إليه ابن تيمية[59] أنه النصرة والمواساة والمعونة؛ لأن الناس لا قدرة لهم على تحمل دية القتل في غير العمد والتي بلغت قيمتها مائة من الإبل أو ما يعادلها نقدا.
ولتحقيق هذا المقصد احتاج الفاروق رضي الله عنه إلى إحداث الدواوين وصَنّف الناس بحسبها. فنظر إلى أهل الديوان نظرة القبيلة الواحدة فنقل الدية من العاقلة إلى أهل الديوان[60]، وذلك لما صاروا يتناصرون بالديوان بعدما كانت نصرتهم بالقبيلة.
2- اتخاذ اليهود والنصارى واستعمالهم في أسواق المسلمين والتراجع عن ذلك:
كان اليهود والنصارى يعملون في أسواق المسلمين منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صيارفة أو جزارين أو بائعين، وفي خلافة أبي بكر وحتى صدر من خلافة عمر. إلى أن كتب الفاروق إلى البلدان ينهاهم عن ذلك، ويأمرهم أن يقاموا من الأسواق[61]. فمنعهم من أسواق المسلمين لا يبيعون في شيء من أعمالهم، وقال: إن الله قد أغنانا بالمسلمين؛ وعلل رضي الله عنه استعمال أهل الكتاب في أسواق المسلمين للحاجة إليهم، فلما زالت تلك الحاجة واستغنى المسلمون عنهم نهى عن استعمالهم؛ دفعا للشبهة والحرام.
وعلى هذا المنهج كذلك، استبعد عمر أهل الكتاب عن ولاية المسلمين بعلة استعمالهم للرشوة، فقال: “لا تستعملوا أهل الكتاب، فإنهم يستحلون الرشاء. واستعينوا على أموركم بالذين يخشون الله تعالى”[62]. وهكذا كان عمر بن الخطاب في أغلب اجتهاداته ينظر بعين مقاصدية مصلحية لمستقبل الأمة والمسلمين.
3- موقف الصحابة من الرّمَل بالبيت ثلاثا، وطواف الحاج راكبا:
جاء عند ابن حبان أن ابن عباس سئل عنه الرّمَل بالبيت أهو سنة؟ فإن القوم يزعمون أنه سنة، فقال ابن عباس: “صدقوا وكذبوا قد رمل رسول الله وليس بسنة، تم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة فقال المشركون: إن محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الجهد الهزال، ، قال: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ليريَهم أن بهم قوة”[63].
وسئل كذلك عمر بن الخطاب عن الرمل، فقال: “ما لنا وللرمل، إنما راءَيْنا به المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه رسول الله فلا نحب أن نتركه”[64]. فالملاحظ أن ابن عباس وعمر بن الخطاب وغيرهما من مجتهدي الصحابة يرون أن الهرولة في الأشواط الثلاثة الأولى من السعي بين الصفا والمروة، ليست من السنن والأعمال الأصلية في مناسك الحج والعمرة، “وإنما حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم لمقصد ظرفي وعلة عابرة، وبزوال تلك العلة يزول الحكم ويرتفع الأمر النبوي. فمن رمل لا على أنها سنة مأمور بها، وهو الأفقه والأقصد”[65]، فالأصل عدم اعتبارها سنة، ويستحب فعلها اتباعا واقتداء.
ومثل هذا أيضا، عندما سئل ابن عباس عن طواف رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبا، أسنة هو؟ قال: “صدقوا وكذبوا. وقال موضحا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس؛ يقولون هذا محمد هذا محمد، حتى خرج العوَاتِقُ من البيوت، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُضربُ الناس بين يديه[66]، فلما كثر عليه ركِب، والمشي والسعي أفضل”[67]. فالصحابة يعلمون أن ركوب الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان لسبب خاص، ولذلك لا يمكن اعتباره سنة عامة لجميع الناس وفي جميع الأحوال، ولكنه يبقى رخصة تقدر بقدرها ويأخذ بها عند الحاجة والضرورة.
4- موقف الصحابة من قيام رمضان جماعة:
سبق وأن ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم توقف عن الخروج لصلاة التراويح جماعة بالمسجد، خشية أن يفرض على المسلمين ويعجزوا عليه[68]. لكن لما تولى عمر بن الخطاب الخلافة رأى أن العلة التي من أجلها امتنع النبي عليه الصلاة والسلام عن قيام رمضان في المسجد لم تعد قائمة، فقال: “إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل”[69]، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب؛ حتى لا يقع التشويش والفتنة في الصلاة والناس يصلون فرادى وجماعات صغرى هنا وهناك بالمسجد، وهذه مفسدة تؤدي إلى التفرقة وغياب الخشوع في الصلاة، فالأفضل هو جمع الناس على إمام واحد يحسن القراءة. إنها مصلحة عظيمة كامنة في اتحاد الصفوف المؤدية لاتحاد القلوب، وتوحيد الكلمة. فنعم البدعة هذه إذن، بل هي سنة وأي سنة، لصاحبها ولمن عمل بها الأجر والثواب على الدوام إلى يوم القيامة.
- الفرع الثاني: فقه القياس[70] عند الصحابة رضي الله عنهم.
كان الصحابة، رضي الله عنهم، يجتهدون في النوازل، ويُعملون آراءهم فيما استجد لديهم من الحوادث والوقائع، ويقيسون ما لم يجدوا فيه نص على ما وجدوه منصوصا، ويعتبرون المثل بالمثل والنظير بالنظير. يقول ابن خلدون: “ثم نظرنا في طرق استدلال الصحابة والسلف بالكتاب والسنة؛ فإذا هم يقيسون الأشباه بالأشباه منهما، ويناظرون الأمثال بالأمثال بإجماع منهم وتسليم بعضهم لبعض في ذلك. فإن كثيرا من الواقعات بعده صلى الله عليه وسلم لم تندرج في النصوص الثابتة، فقاسوها بما ثبت وألحقوها بما نص عليه بشروط في ذلك الإلحاق تصحح تلك المساواة بين الشبهين أو المثلين حتى يغلب ذلك دليلا شرعيا بإجماعهم عليه وهو القياس”[71].
ويرجع القياس في أصله إلى تعليل الشارع للأحكام مبينا أنه شرعها لما يترتب عليها من تحقيق مصلحة أو من جلب منفعة، أو دفع مضرة أو رفع حرج، وكل أحكام التشريع ترجع إلى واحد من هذه الأمور.
كما أنه يرجع إلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقيسة في اجتهاداته، وأقيسة أصحابه. فالتعليل مع تطبيق الرسول وأصحابه هما أساس القياس في الفقه الإسلامي[72].
وفي مقدمة من دعوا للقياس وعملوا به من الصحابة، عمر بن الخطاب، لأنه عُرف بأقيسته المتنوعة والعديدة، ولقد جاء في كتابه إلى أبي موسى الأشعري، قاضيه بالعراق، قوله: “ثم الفهم الفهم في ما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، وأعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق”[73]. وهذا يعتبر أصلا يعتمد عليه كل من أراد القياس بعده، يقول ابن القيم: “هذا أحد ما اعتمد عليه القياسيون في الشريعة، ولم ينكره أحد من الصحابة بل كانوا متفقين على القول بالقياس”[74]، بل مارسوه عمليا في العديد من الوقائع كما سنرى.
ومن أشهر الصحابة كذلك في هذا المجال؛ علي بن أبي طالب، لكثرة ما حدث في عهده من متغيرات ووقائع جديدة، استدعى الأمر العمل بالقياس وفقه الواقع ومعرفة ما يصلح لأهل زمانه، وها هو يوصي أهل العقل والعلم من بعده ويقول: “كل قوم على بينة من أمرهم ومصلحة من أنفسهم يزرون على من سواهم، ويعرف الحق بالمقايسة عند ذوي الألباب”[75].
وحتى يتبين ما ادعيناه سلفا، نسرد بعض الأمثلة التي أعمل فيها الصحابة القياس قولا أوعملا أوتقريرا.
1- قياس إمامة أبي بكر الصديق في السياسة على إمامته في الصلاة:
اجتمع الصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، وعزم الأنصار في البداية على اختيار سعد بن عبادة خليفة لرسول الله، وعزم المهاجرون على أن يكون أبو بكر هو الخليفة؛ وأدلى كل بدلوه لإثبات صاحبه، ومما استدل به عمر بن الخطاب لإقناع إخوانه من الأنصار بأحقية صاحبه الصديق بالخلافة؛ تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لإمامة المسلمين في الصلاة وهو لا يزال حيا بين ظهرانيهم، قال: “يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم على أبي بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر”[76]. فعمر بن الخطاب قاس الإمامة الكبرى وخلافة الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته على الإمامة الصغرى في الصلاة بجامع الأهلية لذلك والفضل الذي عرف به الصديق، و وافقه الصحابة على ذلك.
وبيانا لصحة هذا القياس يعلق ابن خلدون قائلا: “ويشهد لذلك استدلال الصحابة في شان أبي بكر رضي الله عنه باستخلافه في السياسة وفي قولهم ارتضاه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، فلولا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس”[77]. فالعمل الذي قام به الصحابة وتوافقوا عليه في هذه الواقعة، هو الاجتهاد بإلحاق حكم أمر لا نص فيه بحكم ثاني منصوص عليه، بجامع علة بينهما.
2- قياس مُعين قُطاع الطرق بالمحارب:
قال تعالى يبين عقوبة الحرابة: “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم من خلاف أو ينفوا من الأرض” المائدة،33. فهذا جزاء المحارب أو قاطع الطريق الذي تعرض، للناس بالسلاح مجاهرة، لأموالهم أو نفوسهم أو أعراضهم، وليس من المسلمين من شهر السلاح[78]. ولا نجد في كتاب الله و لا في سنة رسول الله حكما في مُعين المحارب، لكن الفاروق رضي الله عنه، قاسه على قاطع الطريق وقضى فيه بالقتل. قال ابن تيمية: “وعمر بن الحطاب قتل ربيئة المحاربين، وهو الناظر الذي ينظر لهم الطريق، فالمتعاونون على الظلم والعدوان تجب عليهم العقوبة بالضمان وغيره”[79]، فألحق الصحابة مُعين قُطاع الطريق بالمحارب قياسا في حكم القتل بجامع الفساد والإفساد في الأرض؛ لأن المُعين كالفاعل المباشر.
3- إلحاق الشهود على الزنا دون الأربعة بالقذفة:
من المفيد أن نذكر في هذا المقام أن الزنا لم يثبت قط بالشهادة لا في زمن النبوة ولا في عهد الخلافة الراشدة بعده، بل كان الحد يقام بسبب الإقرار، وذلك طبعا لصعوبة إيجاد أربعة شهود عيان على فعل الزنا كما وقع مباشرة. وحد الزنا منصوص عليه في القرآن الكريم بنص قطعي لا يحتمل التأويل.
وقد حدث في زمن عمر بن الخطاب أن شهد مجموعة من الناس على المغيرة بن شعبة بالزنا[80]، وكانوا أربعة، لكن امتنع واحد منهم عن الشهادة، فاعتبر عمر بن الخطاب أن الثلاثة كاذبين انطلاقا من قوله تعالى: “لولا جاءو عليه بأربعة شهداء، فإذا لم ياتوا بالشهداء فأولائك عند الله هم الكاذبون” النور،13، فأقام عليهم حدّ القذف.
إن ما قام به عمر بن الخطاب كان قياسا لأولئك الشهود على القذفة بجامع الكذب في أمر يتعلق بأعراض الناس، وإن لم يكن كذبا إلا أنه في حكم الشرع هو كذلك، يقول ابن القيم: “ولما شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة بن شعبة بالحد ولم يكملوا النصاب، حدّهم عمر قياسا على القاذف، ولم يكونوا قذَفَة بل شهودا”[81]. فهو إذن اجتهاد في قياس حكم نازلة على حكم آخر منصوص عليه بجامع علة معروفة.
4- قياس التعريض بالتصريح:
من الاجتهادات المأثورة عن الصحابة في القياس، حملهم التعريض بالقذف أو الفاحشة أو السب والإهانة على التصريح بها، بسبب العلة الجامعة بينهما.
فهذا عمر بن الخطاب قد أقام الحد على من عرض بمحدثه في لهجة مريبة، فنقل قول بعضهم لبعض: “ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية، فاستشار عمر أصحابه في ذلك، فقال البعض: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح سوى هذا؛ نرى أن تجلده الحد، فجلده عمر ثمانين”[82]. لقد رأى الصحابة أن التعريض هنا قام مقام التصريح، بحكم الاستعمال والعرف اللغوي، فحصلت المعرة به[83]. وهو قياس بين التعريض بالفاحشة والتصريح بها بعلة جامعة بينهما وهي القذف.
ومثل هذا ما ذكره القرطبي عن عمر بن الخطاب أنه حكم على الحُطيْئة-الشاعر المعروف- بالسجن عندما قام بهجاء أحد الرجال وشبهه بالنساء[84]. لأن ذلك تعريض للمسلم وطعن في كرامته قياسا.
5- أمثلة أخرى من قياس الصحابة منوعة ومختصرة:
– أمر عمر بن الخطاب زوجة المفقود أن تتزوج بعد أربعة سنين[85]، فحمل حكم التربص مدة من الزمن ثم التطليق، على التربص والتطليق في المرأة التي يقع عليها الإيلاء- أو العُنة- بجامع الضرر اللاحق بهن.
– ومثل هذا، تأبيد عمر حرمة الزواج على من دخل بالمرأة في العدة، قياسا على منع النبي صلى الله عليه وسلم القاتل من الميراث بجامع العجلة في أمرهما؛ فعقوبة المنع منه معاملة لهما بنقيض قصدهما وزجرا وتأديبا لهما على تعدي حدود الله تعالى[86].
– ومن ذلك، قياس أبي بكر الصديق استخلافه لعمر بن الخطاب على اختيار المسلمين له، لجامع العلة التي كانت سببا في اختيارهما للخلافة. وهذا من أحسن القياس، على حد قول ابن القيم[87] رحمه الله.
– ومن ذلك أيضا، تنصيف عدد الزوجات في حق العبد وكذا عدد الطلقات وعِدة الأَمَة، قياسا على تنصيف الله سبحانه وتعالى للحد على الأَمَة والعبد[88]. فعليهم النصف في الغُرم كما لهم النصف في الغُنم.
– ومن أشهر اجتهاداتهم؛ قياسهم في الجد مع الإخوة. فكانوا يرون أن الجد أولى من الأخ، فأعطوه الثلث، وأعطاه عمر السدس. قال ابن القيم بعد ذكره لاختلاف الصحابة في الموضوع: “ورأي الصديق أولى من هذا الرأي وأصح في القياس”[89] وهو رأي عثمان بن عفان وجملة من الصحابة.
– ومن هذه الأمثلة، قياس الصحابة النهي عن أخذ ثمن الخمر في الجزية والخراج والعشر على النهي عن أخذ ثمن الشحوم على اليهود-المقصود شحم الميتة-، وذلك لما بلغ عمر أن سمرة بن جندب باع الخمر من اليهود واحتسب ذلك من العُشُور المأخوذ من تجارتهم، قال عمر: “قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله يهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها”[90]. فقاس عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحريم ثمن الخمر، عند تحريم شربها، على تحريم ثمن الشحوم لتحريم أكلها، وهذا هو عين القياس[91].
وهكذا يثبت عندنا بالدليل والبرهان والتطبيق العملي كيف تم توظيف الصحابة الكرام لمسلكي التعليل والقياس في تنزيل الأحكام على واقعهم، وتشييد لمن بعدهم الأسس الأولى لعلم أصول الفقه.
المطلب الثالث: الصحابة وفقه المصلحة المرسلة.
الاستصلاح أو العمل بالمصلحة المرسلة هي؛ “كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء”[92]. والمصالح وإن اختلف العلماء في العمل ببعض أنواعها، فهم متفقون على أنها أصل من أصول الشريعة، “وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي عُلم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والإجماع؛ فليس خارجا من هذه الأصول، وتسمى مصلحة مرسلة”[93].
والاستصلاح بهذا المعنى قد اتضح أمره واستقر مفهومه، وتجاوز مرحلة المنازعة النظرية حول شرعيته وحجته- كما يقول الريسوني[94]– وأصبح تشريعا يُعمل به ولا غبار في ذلك.
ومن تتبع فقه الصحابة، يجدهم عملوا بالمصلحة دون أن يضبطوها بضابط غير كونها موافقة لمقاصد الشارع من تحقيق نفع أو دفع ضرر أو رفع حرج. ومسلكهم في ذلك أنهم لم يكونوا “يتمسكون إذا لم يجدوا نصا في الواقعة المعروضة بالاستناد إلى أصل معين يردونها إليه”[95]، بل يجتهدون رأيهم.
ولقد تقرر، منذ بداية هذا الفصل، أن الصحابة لم يكونوا يحيدون في اجتهاداتهم على اعتبار المصلحة ومراعاتها، فالأحكام عندهم معللة بمصالح العباد امتثالا لمنهاج الشريعة، وبذلك فهم لا يترددون في اعتبار المصالح المرسلة متى وجدوها مندرجة ضمن المقاصد الكلية والعامة للشريعة. يقول الجويني: “إن من تتبع أحوال الصحابة الذين هم القدوة في كل شيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يُرَ لواحد منهم في مجالس الإشتوار تمهيد أصل واستشارة معنى، ثم بناء الواقعة عليه، ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أم لم تكن”[96]. فهم يرسلون الأحكام ويعقلونها بالمصلحة الكلية، باعتمادهم على المصلحة المرسلة التي لا شاهد لها من الكتاب والسنة. كانوا يعملون أمورا “لمطلق المصلحة المرسلة لا لتقديم شاهد بالاعتبار”[97]، ولكن بناء على خبرتهم في ذلك ومعرفتهم العميقة بأسرار الشريعة وأحوال الشارع.
ولبيان هذه المعاني لابد من الاستدلال عليها بمجموعة من الأمثلة التطبيقية الدالة على إعمال الصحابة لهذا النوع من الفقه الاستصلاحي المقاصدي، وهي كثيرة منها:
1- منع كبار الصحابة من مغادرة المدينة-عاصمة دولة الإسلام-:
اعتاد الصحابة في عهد النبوة التنقل بين الأمصار، دعوة وجهادا وتجارة وسياحة، وهذه حريات كفلها لهم الإسلام، بل وأمر بها في كثير من الأحيان. وقد جاءت في القرآن الكريم توجيهات تعبر عن هذا المعنى، مثل{فسيروا في الأرض}،(آل عمران،137والنحل،36).{فسيحوا في الأرض}،(التوبة،2) وغيرها.
وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عزم الصديق على ضم كبار الصحابة إليه وإبقائهم إلى جنبه بالمدينة، روي عنه أنه منع بلال بن رباح-مؤذن رسول الله- حينما أراد مغادرة المدينة قاصدا الشام ليرابط في ثغورها حتى يلقى الله تعالى، فقال له الصديق: ومن يؤذن لنا؟ فأجابه بلال: إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله. فلما ألح عليه قال: يا أبا بكر، إن كنت أعتقتني لله فدعني، فبكى أبو بكر الصديق وقال: إنما أعتقتك لله فاذهب فاعمل لله تعالى[98].
فأبو بكر الصديق يرى في الإبقاء على بلال مؤذنا بالمدينة، كما كان على عهد رسول الله، فيه مصلحة عظيمة، لكن عدل عن ذلك من “أجل الشبهة التي شابت هذا الفعل، وخشية أن يكون لعتقه بلالا دخْل في الأمر، كما أن طبيعة الصديق اللينة لم تسمح له بإرغام أحد ولو اقتضت المصلحة العامة منه ذلك أن يعمل له دون رغبته أو يبقيه رغما منه”[99]. وكان الخليفة الصديق لا يستعمل أحدا من كبار الصحابة في المسؤوليات خارج المدينة، وقيل له في ذلك، فأجاب أنه يكره أن يدنسهم بالدنيا.
وثبت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له: يا خليفة رسول الله، ألا تستعمل أهل بدر؟ قال: إني أرى مكانهم(أي أعرف فضلهم)، ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا[100].
ولما تولى عمر بن الخطاب الخلافة منع بعض الصحابة من التنقل في الأمصار ومغادرة عاصمة دولة الإسلام، وذلك لأنه في حاجة ماسة إليهم؛ من أجل استشارتهم والاستعانة بعلمهم وآرائهم، خاصة في الأمور المستجدة والتي تستدعي اجتهادا جماعيا. وهو حرصٌ منه على جماعة المسلمين أن تبقى في العاصمة حاملة للدعوة، ومصدر إشعاع وقوة إيمانية للأمة دون إشغال كبرائها بتدبير شؤون الدنيا.
قال ابن سعد: “وكان عمر يستعمل رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمان بن عوف ونظرائهم، لقوة أولئك على العمل والبصر به، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له. وقيل له: مالك لا تُولي الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أكره أن أُدنسهم بالعمل. وفي رواية أن أبي بن كعب قال لعمر ابن الخطاب: مالك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يُدنّس دينك”[101]. فما كان من الخليفتين الراشدين إلا أن ضما إليهما خيار الصحابة حتى لا تلوتهم الدنيا و تشغلهم عن الهم الأكبر وهو الحفاظ على دين الأمة ومركز قوتها.
فالمصلحة العامة اقتضت تقييد حرية التنقل الممنوحة لهؤلاء الصحابة، وليس لخليفة المسلمين في هذا الفعل أي مستند في القرآن أو السنة أو حتى القياس، ما عدى عموم المصلحة المرسلة.
وهكذا كان عثمان بن عفان، فإنه كان على رأي من سبقه في ضرورة إبقاء كبار الصحابة ومجتهديهم حوله، خاصة أهل الشورى منهم والرأي فيهم. إلا أن الفرق هو أنه لم يرغمهم على ذلك، خلافا لعُمر بن الخطاب الذي عزم على ذلك ونفذه. يقول عثمان رضي الله عنه: “أيها الناس إني كنت كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهة تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله يقول: رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل”[102] .
وجاءت الفتنة وتفرق الصحابة في الأمصار، وإن كان لهذا التفرق فوائد وإيجابيات على نشر الدعوة في الأقطار، إلا أنها سببت في كثير من المتاعب والمفاسد لدولة الإسلام وللصحابة أنفسهم؛ فنتج عن ذلك الافتتان بالمال والسياسة والدنيا وانتشر الاختلاف والفرقة، خاصة بعد ذهاب الخلافة وظهور الملك.
2- تدوين الدواوين في عهد الفاروق:
لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عهد الصديق رضي الله عنه، تدوين الدواوين، ولا يعرف كتابة الناس على مراتبهم أو على منازلهم. كما أنه لم يوجد نص من نصوص القرآن أو السنة يشهد لهذا العمل بالإلغاء. لكن لما اتسعت موارد الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، ولم يعد الولاة قادرين على ضبط هذه المداخيل وإحصاء من يستحقها، فكر الفاروق في وسيلة تضمن التوزيع العادل للعطاء بين جميع المسلمين، فاستشار الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه بتدوين الدواوين وكتابة الناس على منازلهم ومراتبهم[103].
فهذا الاجتهاد من عمر وبموافقة كبار الصحابة من أمثال عثمان وعلي، اقتضته حاجة المسلمين وشهدت مقاصد الشريعة بذلك؛ التي تأمر بحفظ المال وبتقسيمه العادل بين مستحقيه. وهو اجتهاد مستند إلى المصلحة المرسلة باعتباره من المهام الضرورية للإمامة، يقول ابن خلدون: “هذه الوظيفة من الوظائف الضرورية للمُلك، وهي القيام على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدّخْل والخرْج، وإحصاء العساكر بأسمائهم، وتقدير أرزاقهم، وصرف أعطياتهم في إبانتها، والرجوع في ذلك إلى القوانين التي يرتبها قومة تلك الأعمال وقهارمة الدولة، وهي كلها مسطورة في كتاب شاهد بتفاصيل ذلك يسمى بالديوان”[104]. ويعتبر عمر بن الخطاب الخليفة الراشدي الثالث أول من دون الدواوين في الدولة الإسلامية.
وشبيه بهذا ما قام به الفاروق من قوانين لمحاربة الغش والاحتكار والتدليس والتلاعب بالأسعار في السوق؛ فأحدث من أجل ذلك: “ولاية الحسبة”[105] وجعلها غير ولاية القضاء؛ فخاصتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما ليس من خصائص الولاة والقضاة. لأن من الحقوق ما قصدت الشريعة حفظه وليس في تفريطه ضرر شخص معين حتى يقوم لدى القاضي أو يكون المتضرر من تفريطه ضعيفا عن القيام بالحق. ومن صلاحيات هذه الولاية، النهي عن الخيانة وتطفيف المكيال والميزان والغش في الصناعات والبياعات وتفقد أحوال الصناع[106].
والشاهد عندنا هو أن عمر بن الخطاب استند في إحداث هذه الولاية على المصلحة المرسلة المستندة إلى كليات الشريعة العامة القاضية برعاية مصالح المسلمين ودفع الضرر عنهم.
3- ضرب الدرهم والتأريخ بالهجرة:
أ- ظل المسلمون طيلة عهد النبوة وعهد الصديق ونصف خلافة الفاروق، يتعاملون بالنقود الرومية والفارسية. وكان عمر بن الخطاب يتضايق من التعامل بالنقود الأجنبية؛ خاصة وقد نُقش عليها شعارات نصرانية ومجوسية. وكان يتطلع إلى سك عملة إسلامية، حتى أنه هم يوما أن يجعل الدراهم من جلود الإبل، فقيل له: إذن لا بعير، فأمسك[107].
وفي سنة 18هـ، ولما توفرت الوسائل وسمحت الظروف، قام الخليفة عمر بن الخطاب بضرب الدراهم على شكل الدراهم الفارسية وميزها بنقش عبارات إسلامية باللغة العربية، وجعل على بعضها “محمد رسول الله” وعلى بعضها “لا إله إلا الله وحده”. وفي آخر حياته أدخل عليها بعض التعديل في الوزن[108].
الشاهد عندنا هو أن الفاروق رضي الله عنه لم يكن له مستند من الكتاب ولا من السنة على هذا الفعل، وإنما كان اجتهادا مقاصديا اقتضته المصلحة العامة في استكمال النظام المالي للدولة الإسلامية، والاستقلال عن الدول الأخرى. ومستنده في ذلك عموم المصلحة القاضية بضرورة التميز والزيال عن اليهود والنصارى وأهل الكتاب.
ب- وفي إطار ضبط وتتمة كافة الشؤون الإدارية والسياسية للدولة الإسلامية، وإثبات تاريخ المراسلات التي كانت تجري بين الخليفة وعماله وولاته وموظفيه وسائر الولايات والأقطار، وتاريخ تدوين الدواوين وتنظيم الخراج وغيرها من الأمور التي تحتاج إلى تسجيل التاريخ وضبطه[109]؛ لهذا ولغيره، رأى الصحابة لزوم وضع التاريخ لضبط تلك الحوادث والمراسلات.
ذكر الطبري وغيره أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب أنه تأتينا منك كتب ليس فيها تاريخ. وقيل أنه رُفع إلى عمر صك محله في شعبان فقال: أي شعبان، الذي نحن فيه، أو الذي هو آت؟ ثم جمع الصحابة واستشارهم فيما هم فيه من الحيرة في أمر الأوقات. وبعد المشاورة والتداول في الاقتراحات، استقر رأيهم على التأريخ بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة[110]. وهذا الاجتهاد طبعا لم يكن عند الصحابة مستند له في نصوص الوحي من كتاب أو سنة؛ إلا ما اقتضته المصلحة المرسلة.
4- أمثلة متنوعة ومختصرة:
– كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، ولم يكن ذلك إلا لحفظ كتاب الله من ضياع جزء منه بموت القراء، في خلافة الصديق. ولتوحيد المسلمين على الرسم والقراءة، في خلافة عثمان.
– ولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وإنما أراد في ذلك الخير للأمة والمصلحة للمسلمين[111].
– ترْك الخلافة شورى في عهد عمر بين عدد محصور من كبار الصحابة؛ تضييقا للخلاف وتجنبا لترك المسلمين بدون عهد، وتقديرا لمصلحة الأمة .
– منع عمر الفاروق لكبار الصحابة من امتلاك الأراضي لمصلحة تتعلق بأمن الدولة ووحدتها، خشية تجمع الناس عليهم وإعجابهم بهم، فتحصل الفتنة[112]. ولتحصينهم من فتنة الدنيا ودنسها.
– اتخذ عمر بن الخطاب الحبس، ولم يكن من قبل. ونظم الجيش وجعل له أرزاقا في بيت المال. وربط أرزاق الولاة والقضاة، وفصل القضاء عن الولاية العامة[113].
– وهذه الأوقاف التي بإزاء المسجد الحرام والتوسعة بها عند ضيقه، فعلها عمر الفاروق[114]، وسار عثمان[115] ذو النورين على ذلك ونهج نفس المنهاج.
– ولقد زاد عثمان الأذان الثالث لما كثر الناس[116]، ولم يكن في زمن رسول الله، ليحقق الغرض المقصود من الآذان؛ وهو إعلام الناس بدخول وقت الصلاة لما كثروا. كما امتنع عن قصر الصلاة في السفر.
– وأسكن عمر بن الخطاب في الدور الفارغة من لا مأوى له، تطبيقا للمصلحة المرسلة[117]. وقضى أيضا بلزوم إيواء الحاج في دور مكة حيث نزل، كان ذلك في بداية خلافته[118]. وأشرك المساكين مع الأغنياء في ثرواتهم عام الرمادة، حتى لا يعم الاضطراب والفتنة بين المسلمين…. وغير هذا كثير.
يقول الريسوني: “ولما غاب النظر المصلحي والميزان المصلحي والتقدير المصلحي، عند كثير من فقهاء الإسلام، تحول ذلك مع مرور الزمان إلى طامة كبرى على الإسلام والمسلمين، فلقد أغفلوا المصالح العظيمة وسكتوا عن المفاسد الجسيمة”[119]. ومن هذه المصالح العظيمة: حفظ الحرية والكرامة للناس، والدفاع عن الحقوق، وتحقيق الكفاية، وحفظ الثروة والاستقلال والسيادة في جميع المجالات، وإقامة الحكم والسياسة على الشورى والشرعية، وعدم التعايش مع الفساد والاستبداد والظلم، بل مقاومته.
خلاصة في جملة:
إن الصحابة هم أهل العناية بمقاصد الشريعة تأصيلا وتطبيقا، والمتتبع لاجتهاداتهم العملية والقولية يجد أن الأحكام التي قضوا بها كانت مقاصد الشريعة فيها حاضرة بمراعاتها في تطبيق الحكم على واقع المكلفين.
في الحلقة القادمة نكتشف معكم معالم فقه تنزيل الأحكام
في تصرفات الصحابة رضوان الله عليهم.
…………………….يتبع…………………………
[1] الموافقات، الشاطبي، 1/7.
[2] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 20/582.
[3] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/219.
[4] الاعتصام، الشاطبي، 2/153.
[5] ينظر: اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد الجليل عيسى، ص:4.
[6] الاجتهاد المقاصدي من التصور الأصولي إلى التنزيل العملي، جاسر عودة، ص:50.
[7] تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبو زهرة، 2/17.
[8] ينظر: المناهج الأصولية، فتحي الدريني، المقدمة، ص:9.
[9] حجة الله البالغة، ولي الله الدهلوي، 1/408.
[10] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/17. وينظر: الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، 5/92.
[11] ينظر: الاجتهاد بالرأي في عصر الخلافة الراشدة، عبد الرحمان السنوسي، ص:40-42.
[12] أخرجه الدارمي في السنن، كتاب الفرائض، باب في تعليم الفرائض، رقم:2735. والشوكاني بإسناد حسن في در السحابة في مناقب القرابة والصحابة، برقم:254. وقال الهيتمي في مجمع الزوائد: “إسناده حسن”، 9/245.
[13] أخرجه ابن أبي شيبة برقم:33567. والبيهقي في السنن برقم:12551 واللفظ له. وصححه ابن حجر في فتح الباري، 7/157.
[14] أخرجه أبو خيثمة في العلم، رقم:59. وقال الألباني: “إسناده صحيح”، تحقيق العلم لأبي خيثمة، برقم:59.
[15] الإسلام عقيدة وشريعة، محمد شلتوت، ص:567.
[16] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، 2/854.
[17] أخرجه الدارمي في السنن، كتاب الفرائض، باب الكلالة، رقم:2845. ورواه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح، عن ابن مسعود عن عمر قوله، وقال ابن حجر: “رجاله ثقات”، التلخيص الحبير، 3/1077
[18] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات، رقم:2116. والنسائي في المجتبى، كتاب النكاح، باب إباحة التزوج بغير صداق، رقم:3354. والترمذي في السنن، كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، رقم:1145. والبيهقي في السنن الكبرى، بإسناد صحيح، 7/246.
[19] ينظر: المحلى، ابن حزم، 1/268.
[20] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم:22290 واللفظ له. وعبد الرزاق في المصنف، رقم:13224. وقال الألباني: “إسناده صحيح”، السلسلة الصحيحة، 5/543.
[21] أخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة، رقم:6736.
[22] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، 2/851.
[23] أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب النكاح، باب حق المرأة على زوجها وفي كم تشتاق، 7/151. وذكره ابن حجر في التلخيص الحبير، 4/1264.وحسنه النخشبي في تخريج الحنائيات، 2/1274.
[24] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب من أجاز اخذ القيم في الزكوات، 4/113. وقال ابن حجر في فتح الباري: “إسناده صحيح إلى طاووس” ، 3/365.
[25] أخرجه الدارمي في السنن، باب الفتيا وما فيه من شدة، رقم:169. والنسائي في السنن برقم:5499. قال ابن حجر في المختصر: “صحيح”، 1/120. وقال الألباني: “صحيح الإسناد موقوف”، صحيح وضعيف سنن النسائي،11/399.
[26] تاريخ المذاهب الإسلامية، أبو زهرة، 2/24.
[27] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم:1399 واللفظ له. ومسلم في صحيحه، رقم:20
[28] أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم:1399.
[29] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/66.
[30] الترمذي في السنن، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، رقم:2894، واللفظ له. وابن ماجة في السنن برقم:2724. وصححه الأرناؤوط في تخريج سنن أبي داود، برقم:2894.
[31]أخرجه الدارمي في السنن، باب التورع، عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، 1/62.
[32] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، كتاب الإجارة، باب الإمام يضمن والمعلم يغرم من صار مقتولا بتعزير. وعبد الرزاق في المصنف، برقم:18010. قال ابن كثير: “مشهور متداول وهو منقطع”، مسند الفاروق،2/449.
[33] أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الحدود، وكانوا أهل فقر وحاجة، رقم8131. والبيهقي في السنن، برقم:17994. وحسنه ابن حجر في موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر، 2/425.
[34] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن صفوان بن سليم، رقم:16805. قال المنذري: “إسناده جيد”، الترغيب والترهيب،3/272. وقد اختلف الصحابة في حد اللواطة بين الحرق والرجم والقتل، وذلك لتعدد الأحاديث والآثار الواردة في الموضوع والاجتهاد في تنزيلها على الواقع المعاصر للصحابة.
[35] الاجتهاد المقاصدي، الخادمي، ص:39.
[36] المرجع السابق، ص:92.
[37] أخرجه البخاري في أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء، رقم:3119، واللفظ له. ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير،باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، رقم:1770.
[38] ينظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، 3/199-200. وتاريخ الطبري، 3/428. ومناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ابن الجوزي، ص:55.
[39] اجتهادات الرسول، العمري، ص:226.
[40] الأموال، أبو عبيدة، ص:245. والخراج، أبو يوسف، ص:219.
[41] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمان تاج، ص:219.
[42] ينظر: الطرق الحكمية، ابن القيم، ص:16.
[43] أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم:3125.
[44] ينظر: تاريخ الطبري، 4/258. وسير أعلام النبلاء، الذهبي، ص:170.
[45] الاجتهاد المقاصدي في عصر الخلفاء الراشدين، مها الصيفي، ص:102.
[46] المصنف، عبد الرزاق، رقم:8046، 9/471.
[47] أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب فيمن تطبب بغير علم فأعنت، رقم:4586. وابن ماجة في سننه، مطولا، رقم:3466. والدرقطني، واللفظ له،4/216. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم:6153.
[48] ينظر: حجة الله البالغة، الدهلوي، 1/46.
[49] قالت عائشة أم المؤمنين: “لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل”؛ أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الأذان، باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، رقم:869.
[50] ينظر: حجة الله البالغة، الدهلوي، 1/47.
[51] ينظر: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، الدهلوي، ص:30.
[52] تعليل الأحكام، مصطفى شلبي، ص:35.
[53] يقول ابن القيم: وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عِلَلَ الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها، ليدل على ارتباطها بها، وتعديها بتعدي أوصافها وعللها، كقوله: “إنما جعل الاستئذان من أجل البصر” وقوله في الهرة: “ليست بنجس إنما من الطوافين عليكم والطوافات”. ينظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، 1/152.
[54] تعليل الأحكام، شلبي، ص:35.
[55] أخرجه النسائي في السنن مرسلا، رقم:4857 واللفظ له. ومالك في الموطأ، 2/849. وقال ان بطال: “مرسل، وفي إجماع العلماء على القول به ما يغني عن الاسناد فيه”، شرح البخاري،8/548. وقال ابن العثيمين: “تلقته الأمة بالقبول حتى صار عندهم بمنزلة المتواتر وأهل العلم يقولون أنه صحيح بقطع النظر عن سنده”، شرح بلوغ المرام،5/261.
[56] تعليل الأحكام، شلبي، ص:41.
[57] أخرجه أبي داود في السنن، كتب الديات، باب الدية كم هي؟ رقم:4543. وحسنه الألباني في إرواء الغليل، رقم:2247.
[58] العاقلة: من العقل وهو المنع لأنهم يتحملون العقل وهو الدية، يقال عقلت فلان إذا أديت ديته. لسان العرب، مادة: ودى.
[59] ينظر: الفتاوى ابن تيمية، 19/256.
[60] تعليل الأحكام، شلبي، ص:42.
[61] ينظر: المدونة، مالك، 3/68.
[62] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 4/179.
[63] أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل، رقم:1264.
[64] أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب كيف كان بدء الرمل، رقم:1605.
[65] القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة، أحمد الريسوني، ص:37.
[66] يعني أنه لم يكن عليه السلام يسمح بضرب الناس وتعنيفهم لتفريقهم عنه، كما يفعل الملوك والجبابرة.
[67] أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل، رقم:1264. وابن حبان في صحيحه، رقم:3845.
[68]ينظر: صحيح البخاري ، كتاب التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم:1908.
[69] أخرجه البخاري في كتاب التراويح، باب فضل من قام رمضان، رقم:1906.
[70] القياس: هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه الشرعي بأمر منصوص على حكمه، لاشتراكهما في علة الحكم. ينظر: اللمع في أصول الفقه، الشيرازي، ص:96.
[71] المقدمة، ابن خلدون، ص:453.
[72] ينظر: الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، مصطفى شلبي، ص:135.
[73] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/130.
[74] المرجع السابق ، 1/130.
[75] المرجع نفسه، 1/203.
[76] أخرجه النسائي في السنن، رقم:777. وأحمد في المسند، 5/289، رقم:133، واللفظ له. وقال الأرناؤوط: “إسناده حسن”، تخريج المسند، رقم:3765. وقال ابن حجر في الفتح، “إسناده حسن وله شواهد”، 12/159.
[77] المقدمة، ابن خلدون، ص:219.
[78] روي عن عمر مرفوعا، قال:” ليس منا من شهر السلاح”. أخرجه الترمذي في السنن وابن ماجة في سننه مرفوعا في كتاب الحدود، وابن أبي شيبة في مصنفه، 5/555.
[79] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 30/326.
[80] ذكر القصة الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: “رجاله رجال الصحيح”،6/283. وصححه الألباني في إرواء الغليل،8/29.
[81] أعلام الموقعين، ابن القيم، 1/215.
[82] أخرجه ابن كثير بإسناد صحيح في مسند الفاروق،2/510. وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم:2371،8/39.
[83] ينظر: بداية المجتهد ابن رشد، 2/330 .
[84] قال: دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي. التفسير، القرطبي، 12/174.
[85] ينظر: المصنف، عبد الرزاق، 7/85. والسنن الكبرى، البيهقي، 7/443. والمصنف، ابن أبي شيبة، 3/521. 2/40.
[86] ينظر: بداية المجتهد، ابن رشد، 2/36. والموطأ، مالك، 2/536.
[87] ينظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/216.
[88] المصدر السابق، 1/210.
[89] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/213.
[90] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة، رقم:2223.
[91] ينظر للتفصيل: إحكام الفصول في أحكام الأصول، الباجي، ص:498.
[92] ضوابط المصلحة، البوطي، ص:288. وينظر: الاستصلاح، مصطفى الزرقا، ص:39.
[93] معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، شرح القاعدة رقم: 119، 5/355.
[94] ينظر: القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة، الريسوني، ص:66.
[95] الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية، شلبي، ص:154.
[96] البرهان في أصول الفقه، الجويني، 2/542.
[97] التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج، 3/381.
[98] الحديث مرسل، التلخيص الحبير لابن حجر،1/327. وقال الأرناؤوط: “رجاله ثقات”، تخريج سير أعلام النبلاء،1/357.
[99] موسوعة أبي بكر، قلع جيه، ص:54.
[100] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ابن نعيم، 1/37. كذا في كنز العمال،1/146.
[101] الطبقات الكبرى، ابن سعد، 3/60. وينظر: حياة الصحابة، الكاندهلوي، ص:285.
[102] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل المرابط، رقم:1667. والنسائي في سننه مختصرا، رقم:3169. قال أحمد شاكر: “إسناده صحيح”، مسند أحمد، رقم:442،1/218.
[103] ينظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، 3/295. وتاريخ الطبري، 2/570.
[104] المقدمة، ابن خلدون، ص: 243.
[105] ينظر: مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص:229.
[106] ينظر: الطرق الحكمية، ابن القيم، ص:349 وما بعدها.
[107] ينظر: الفتوح البلاذري، ص:451. وموسوعة فقه عمر، ص:827.
[108] ينظر: رسالة النقود الإسلامية والقديمة، تقي الدين أحمد المقريزي، ص: 60. وموسوعة فقه عمر، ص:827.
[109] منهاج الراشدين في رعاية مصالح الدنيا والدين، اللياوي، ص:128.
[110] ينظر: تاريخ الطبري، 2/3. والبداية والنهاية، ابن كثير، 3/26. وتاريخ الخلفاء، السيوطي، ص:140.
[111] جاء في كتاب العهد الذي أملاه أبو بكر على عثمان: “إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بَرَّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدَّل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت”. ينظر: تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم حسن، 1/174.
[112] ينظر: تاريخ الإسلام، حسن إبراهيم، 1/345 وما بعدها.
[113] ينظر: الفقه الإسلامي، محمد شلبي، ص:154-157.
[114] في عام: 17 للهجرة، قام الخليفة عمر بتوسيع المسجد الحرام، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى أخذوها. ينظر: تاريخ الطبري، 2/492.
[115] جدد الخليفة عثمان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تجديدا كاملا سنة: 29 للهجرة. وزاد فيه زيادة كبيرة. ينظر الطبقات الكبرى، ابن سعد، 4/21.
[116] ينظر: الاعتصام، الشاطبي، ؛/288.
[117] كان عمر يكره أن يكون شخص ببلد وله دار لا يسكنها أحد في بلد آخر، ويقول: فليدعها للمسلمين ينتفعون بها. ينظر: موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص:167.
[118] قال عمر: “إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه، فاتخذ الناس الأبواب”. التفسير، القرطبي، 12/32.
[119] القواعد الأساس لعلم مقاصد الشريعة، أحمد الريسوني، ص:68.