منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عصمةُ النَّبِيِّ الطّاهِر مِنَ الزّلّات والصّغائِر

عصمةُ النَّبِيِّ الطّاهِر مِنَ الزّلّات والصّغائِر/  عبد المجيد فاضل

1
الفهرس إخفاء

عصمةُ النَّبِيِّ الطّاهِر مِنَ الزّلّات والصّغائِر

بقلم: عبد المجيد فاضل

مقدمة:

الحمدُ لِلّهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على خاتَمِ الأنبياء والمرسلين، وبعدُ:

فإن مسألة عصمة الأنبياء من الذنوب تكلّم فيها العلماءُ، وكثُرَ فيها الجدالُ والمِراء، وخاض فيها العَوامُّ وأهلُ الأهواء؛ قال الأستاذ الدكتور مصطفى سعيد الخن: “إنَّ مسألة عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هي من المسائل التي اتسع فيها دائرة الخلاف، وتنوعت فيها الأقوال على تعدد المذاهب، من سنة ومعتزلة وشيعة وغير ذلك. سواء أكانت المعاصي قبل النُّبُوَّة أو بعدها، وسواء في ذلك صغائر المعاصي أم كبائرها”. [الكافي الوافي في اصول الفقه الإسلامي، الأستاذ الدكتور مصطفى سعيد الخن، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1421هـ – 2000م، ص123].

أمّا العلماء فإنهم يبحثون في هذه المسألة؛ لأن لها علاقةً باتباع الأنبياءِ والتّأسِّي بهم، قال الدكتور محمد حسن هيتو: “لقد قدّم جمهور الأصوليين هذا البحث على الخوض في أفعال الأنبياء وأقوالهم، لِمَا في اعتقاد العصمة من الأهمية لِمَا يصدر عنهم عليهم الصلاة والسلام”. [الوجيز في اصول التشريع الاسلامي، الدكتور محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1421هـ – 2000م، ص269].

وأمّا أعداءُ الإسلامِ فإنهم يتصَيّدون أخطاء الأنبياء؛ للطّعن في رسالتهم، وإبعادِ المسلمين عن التّمَسُّك بِهدْيِهم، وهدْيَ نبِيّهم.

ومِنَ الجدير بالذِّكر أنّ الذين اشتهروا بالبحثِ عن أخطاء الأنبياء، ومحاولة تشْوِيه صورة النَّبِيِّ ﷺ، والطعنِ في عصمته، هم الذين يُسَمُّونَ أنفسَهم (أهلُ القرآن) أو (القرآنيون)، الذين ينكرون العَمَلَ بالسُّنَّةِ النّبَوِيَّةِ، ويدْعُون إلى الاكتفاء بالقرآن وحدَه.

ولا شَكَّ أنّ الطعنَ في عصمة النبي ﷺ نتيجتُه هي التشكيكُ في السُّنَّةِ النّبَوِيَّةِ، وإبعادُها عن ساحة الاحتجاج بها، وهذا يعني فتح المجال لتفسير القرآن بالهوى، وتحريف معانيه؛ وهذا هو الهدف الحقيقي الذي يريد أن يصل إليه (القرآنيون).

هذا، والغرض من هذا البحث هو ما يأتي:

– إحياءُ تعظيم مقام النَّبِيِّ ﷺ في بعض النفوس.

– بيان أن قلبَ النَّبِيِّ ﷺ كان أطهرَ القلوب، وأبعدَهم عن التلوث بالمعاصي والذنوب.

– بيان أن النَّبِيِّ ﷺ كان أشدَّ النّاسِ خشيةً للهِ، وأكثرَهم خوْفاً من الوقوع في التقصير في حق الله تعالى.

– ذِكْر النصوص من الكتاب والسنة، التي تفيد عصمة النبي ﷺ من الوقوع في الذنوب والمعاصي.

– بيانُ أن المذهبَ الرّاجح هو القولُ بعصمة النَّبِيِّ ﷺ من جميع الذنوبِ الصغائر.

– بيان أن ما ورد في القرآن الكريم أو في السُّنَّةِ النّبَوِيَّةِ، مما يُوهِم ظاهرُه بأنه ﷺ ارتكب ما يتنافى مع عصمته، فهو ليس على ظاهره عند جَمْعٍ من المُحَققين.

– الرّدُّ على أهَمّ الشبهات التي تُثارُ حول عصمة النَّبِيِّ ﷺ.

ويتكون هذا  البحث من مقدمةٍ، وسبعةِ فصول، وخاتمةٍ، على النحو الآتي:

مقدمة.

الفصل الأول: تعريف عِصْمَةِ الأنْبِياءِ:

أ‌) التعريف اللغوي.

ب) التعريف الاصطلاحي.

الفصل الثاني: كيف اختار اللهُ تعالى رُسلَه؟

الفصل الثالث: الحكمة من إرسال الرسل.

الفصل الرابع: نظرة العلماء إلى أخطاء الرسل.

1) تنبيه.

2) أقوال بعض الأئمة وأهل العلم والتفسير.

3) تساؤلات وإيضاحات:

أوَّلًا- من هم القائلون بالعصمة من الصغائر؟

ثانياً: هل الأئمة والعلماء القائلون بالعصمة من الصغائر كلِّها انحرفوا في فهم النصوص؟ وهل يجوز أن نُبدِّعهم؟

الفصل الخامس: الحكمة من تسجيل أخطاء بعض الرسل في الكتاب والسُّنَّة.

الفصل السادس: القول في عصمة النبي محمّد ﷺ من الصغائر.

المبحث الأول: هل القولُ بعصمةِ النَّبِيِّ ﷺ من الصغائر فيه غلوّ؟

المبحث الثاني: دلائلُ العصمة من الكتاب والسُّنة.

أوَّلًا: دلائلُ العصمة من الكتاب.

ثانياً: دلائلُ العصمة من السُّنَّةِ.

المبحث الثالث: الجواب عن بعض الصغائر – التي قيل إنها غير مُخِلَّة – التي جوّزَها بعضُهم على الأنبياء، وَالنَّبِيُّ ﷺ أبْعدُ النَّاسِ عنها.

المبحث الرابع: كيف كان الصحابة ينظرون إلى النّبِيِّ ﷺ؟

المبحث الخامس: كيف كان الصحابة ينظرون إلى الذنوب الصغيرة؟

الفصل السابع: إضاءات حول نصوصٍ ظاهرُها وقوعُ النَّبِيِّ ﷺ في الصغائر.

الفصل الثامن: الرَّدُّ على من طعن في زواج النَّبِيِّ  ﷺ من عائشةَ ابْنَةِ الصِّدِّيق.

الخاتمة.

الفصل الأول: تعريف عِصْمَةِ الأنْبِياءِ:

أ) التعريف اللغوي:

قال الجوهري (393 هـ) في (الصحاح) : “والعصمة: الحفظ”.

وقال ابن منظور (711 هـ) في (لسان العرب): “عصم: العِصْمة فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: المَنْعُ. وعِصْمةُ اللهِ عَبْدَه: أَنْ يَعْصِمَه مِمَّا يُوبِقُه. عَصَمه يَعْصِمُه عَصْماً: منَعَه ووَقَاه”.

ب) التعريف الاصطلاحي:

قال مجد الدين الفيروزآبادي (ت 817هـ): “وعِصمة الأَنبياءِ: حِفْظ الله تعالى إِيّاهم بما خصّهم به من صفاءِ الجوهر، ثم بما أَوْلاهم من الفضائل النفسيّة والجسميّة، ثمّ بالنُصْرة وتثبيتِ أَقدامهم، ثم بإِنزال السكينة عليهم، وبحفظ قلوبهم، وبالتوفيق”. [بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، مجد الدين الفيروزآبادي، تحقيق: محمد علي النجار، نشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، عام النشر: جـ 4: 1412 هـ – 1992 م، ج4 ص73].

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (852 هـ): “وَعِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ – عَلَى نَبينَا وَعَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – حِفْظُهُمْ مِنَ النَّقَائِصِ، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالْكِمَالَاتِ النَّفِيسَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَالثَّبَاتِ فِي الْأُمُورِ وَإِنْزَالِ السَّكِينَةِ”. [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة – بيروت، ط 1379 هـ، ج11 ص501-502].

وقال النجار الحنبلي (ت 972 هـ): “وَقِيلَ: «إنَّ الْعِصْمَةَ صَرْفُ دَوَاعِي الْمَعْصِيَةِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، بِمَا يُلْهِمُ اللَّهُ الْمَعْصُومَ مِنْ تَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ»”. [شرح الكوكب المنير، ابن النجار الحنبلي، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الطبعة الثانية 1418 هـ – 1997 مـ، ج2 ص167)].

قال القرطبي – عند تفسيره لقوله تعالى: {وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} –: “وَسُمِّيَتِ الْعِصْمَةُ عِصْمَةً لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ”.

الفصل الثاني: كيف اختار اللهُ تعالى رُسلَه؟

* قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 75].

قال مكي بن أبي طالب (437 هـ) في تفسيره (الهداية إلى بلوغ النهاية): “أي: الله يختار من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى من يشاء من خلقه، كجبريل وميكائيل صلى الله عليهما وسلم. ومن الناس، أي: يختار من شاء من الناس رسلاً يرسلهم إلى خلقه.

ويقال: إن هذه الآيةَ جوابٌ لقول المشركين: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ فأنزل الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ذلك إليه، يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه”.

* وقال تعالى: {وَإِذَا جَاۤءَتۡهُمۡ ءَایَةࣱ قَالُوا۟ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَیۡثُ یَجۡعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: جزء من الآية 124].

قال الشوكاني في تفسيره: “أيْ: إنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ أنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا ويَكُون مَوْضِعًا لَها وأمِينًا عَلَيْهَا”.

وقال الدكتور عبد العزيز الطَّوْيان في مقدمة تحقيقه لكتاب «النُّبُوّات» لابن تيمية (19/1): “والنُّبُوّة لا تُنالُ بِعلْمٍ ولا رياضة، ولا تُدْرَك بكثرةِ طاعةٍ أو عبادة، ولا تأتي بتجويع النفس أو إظْمائِها كما يظنّ مَن في عقله بلادة. وإنّما هي محضُ فضلٍ إلهيّ، ومجرّد اصطفاء ربانيّ، وأمر اختياريّ؛ فهو جلّ وعلا كما أخبر عن نفسه: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمُ} [البقرة، 105].

فالنُّبُوّة إذاً لا تأتي باختيار النبيّ، ولا تُنالُ بطلبه”.

نَعَم، إنّ النُّبُوَّةَ اختيارٌ سماوِيٌّ، واصطفاءٌ ربّانيٌّ، ولكنْ لا ينال فضلها إلاّ مَن كان أهلاً لها؛ وتاريخُ الأنبياءِ يشهد على أنّ اللّهَ تعالى – كما قال الدكتور عدنان زرزور –: “لمْ يَبعث نبيّاً إلاّ وكان ذا حظٍّ وافر من صفاء النفس، وجودة القريحة، وسلامة العقل، وسداد التفكير، إلى جانب اتصافه بالصدق والأمانة، … إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل والعادات…

ولكن ليس معنى ذلك أنّ كلَّ مَن أصاب طرفاً من هذا صار نبيّاً أو «استطاع» أنْ يكون نبيّاً، أو أن يبدأ الاتصال بعالم الغيب!! إنّ صفاءَ صفحةِ النّبِيِّ  – أيِّ نبيٍّ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين – أمْرٌ أو «شرطٌ» لازمٌ لاستقبال ما يوحَى إليه من عالم الغيب … ولكنْ «الركنُ» الذي تتحقق به النُّبُوَّةُ هو اصطفاء اللّهِ ووحيُ السماء!”. [في الفكر والثقافة الإسلامية: المدخل والأساس العقائدي، الدكتور عدنان محمّد زرزور، المكتب الإسلامي–بيروت، الطبعة الرابعة، سنة 1991م، ص133-134].

وإذا رجعنا – مثلاً – إلى تاريخ نَبِيِّنا محمّد ﷺ، فإنّنا نجد أنّه كان من أفضل النّاس وأشرَفِهم نسباً، وكان قلبُه من أطهر القلوب وأصفاها؛ قَالَ عليه الصّلاةُ والسّلامُ: “بُعِثت مِنْ خَيْرِ قُرون بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى بُعِثْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ”. [رواه البخاري].

وقال أيضاً: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ”. [رواه مسلم].

وقال ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ”. [قال محققو المسند: “إسناده حسن”؛ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق : شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، تحت إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ج6 ص84].

الفصل الثالث: الحكمة من إرسال الرسل:

إنّ الحكمة من إرسال الرسل – كما ذكرها أهل العلم – هي كما يأتي:

* تعريفُ النّاسِ بِربِّهم وخالقهم، ودعوتُهم إلى عبادةِ اللهِ تعالى وحدَه، والكفرِ بما يُعبَدُ مِن دونه، قَالَ تَعَالَى: {وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِیۤ إِلَیۡهِ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وقال تعالى: {وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِی كُلِّ أُمَّةࣲ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَیۡهِ ٱلضَّلَـٰلَةُۚ فَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ} [النحل: 36].

* الفصل في أهم الأخبار الغيبية التي يحتاجها الناس، وهي أمور لا يمكن إدراكها بالحواس أو العقل، وذلك مثل: أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ومعرفة عالم الملائكة وعالم الجن والشياطين، ومعرفة ما أعدّه الله للمؤمنين في الجنة، وما أعده للكافرين في جهنم، والتذكير بالنشأة والمصير، وتعريف الناس بما بعدَ الموت من شدائدَ وأهوال.

قال تعالى: {الۤمۤ. ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلۡكِتَـٰبُ لَا رَیۡبَۛ فِیهِۛ هُدࣰى لِّلۡمُتَّقِینَ. ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَیۡبِ وَیُقِیمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ} [البقرة: 1-3].

* هداية الناس وإرشادهم إلى الصراط المستقيم:

قال تعالى: {وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ رُوحࣰا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِی مَا ٱلۡكِتَـٰبُ وَلَا ٱلۡإِیمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلۡنَـٰهُ نُورࣰا نَّهۡدِی بِهِۦ مَن نَّشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِیۤ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ} [الشورى: 52].

* تبليغ أوامر الله – عز وجل – ونواهيه إلى البشر:

قال تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ} [المائدة: 67].

* إصلاح النفوس، وتزكيتها:

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}  [الجمعة: 2].

* اقتداء النّاسِ بهم في العبادات، والمعاملات والأخلاق:

قال تعالى: {أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَـٰلَمِینَ} [الأنعام: 90].

وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

* تبشيرُ المؤمنين بما أعدّ لهم من النعيم جزاءَ طاعتِهم، وإنذارُ الكافرين بعواقب كفرهم، وإقامةُ الحُجةِ على البشر بإرسال الرسل:

قال تعالى: {وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِلَّا مُبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ} [الأنعام: 48].

وقال تعالى: {وَكَذَ ٰ⁠لِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِیࣰّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ یَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَیۡبَ فِیهِۚ فَرِیقࣱ فِی ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِیقࣱ فِی ٱلسَّعِیرِ} [الشورى: 7].

الفصل الرابع: نظرة العلماء إلى أخطاء الرسل:

1) تنبيه: إن البحث في أخطاء الأنبياء مَحْفُوفٌ بالمزالق والخاطر؛ ولذلك فإنّه يلزمنا التأدُّب عند الخوض في هذه الأخطاء؛ جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية): “يَجِبُ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ تَوْقِيرُ الأَنْبِيَاءِ وَهُوَ تَعْظِيمُهُمْ وَإِكْرَامُ ذِكْرِهمْ، وَتَجَنُّبُ أَيِّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ يَغُضُّ مِنْ أَقْدَارِهِمْ”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، ج40 ص46].

وقال أبو بكر بن العربي (ت 543هـ) في معرِض حديثه عن خطأ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْ آدَمَ، إلَّا إذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ قَوْلِ اللَّهِ عَنْهُ، أَوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ. وَأَمَّا أَنْ نَبْتَدِئَ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِنَا فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الْأَدْنَيْنَ إلَيْنَا، الْمُمَاثِلَيْنِ لَنَا، فَكَيْفَ بِأَبِينَا الْأَقْدَمِ الْأَعْظَمِ، النَّبِيِّ الْمُقَدَّمِ، الَّذِي عَذَرَهُ اللَّهُ، وَتَابَ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ”. [أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة، 1424 هـ – 2003 م، ج3 ص259].

2) أقوال بعض الأئمة وأهل العلم والتفسير:

جاء في (الموسوعة الفقهية الكويتية): “الأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ عَنِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ. (كشف الأسرار عن أصول البزدوي 3 / 199، والبحر المحيط 4 / 170).

وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ الإِجْمَاعَ عَلَى الْعِصْمَةِ عَنِ الصَّغِيرَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْخِسَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ وَالْحِشْمَةِ. (البحر المحيط 4 / 171).

وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ صُدُورَ الصَّغَائِرِ غَيْرِ الْخَسِيسَةِ أَيْضًا. (فواتح الرحموت 2 / 99، والبحر المحيط 4 / 170)”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، ج38 ص218].

وهذه أقوالُ بعض الأئمة والعلماء في هذه المسألة بشيء من التفصيل:

* قالَ الإمامُ أبو حنيفة النعمان (ت 150هـ) في كتابه (الفقه الأكبر): “القَوْلُ فِي الرَّسُول ﷺ: وَمُحَمّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حَبِيبُهُ وَعَبدُه وَرَسُولُهُ وَنبيُّه وَصَفِيُّه ونَقِيُّه، وَلم يَعبُدِ الصَّنَم، وَلم يُشْركْ بِاللَّه تَعَالَى طرفَة عين قطّ، وَلم يرتكبْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً قطّ”. [الفقه الأكبر، أبو حنيفة النعمان، مكتبة الفرقان – الإمارات العربية، الطبعة الأولى، 1419هـ – 1999م، ص39].

تنبيه: كتاب (الفقه الأكبر) نسبه إلى أبي حنيفة ابن أبي العِز في شرح الطحاوية، والشيخ ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، وقد ذكر ابن تيمية أنه معروف مشهور عند أصحابه، وأنهم رَوَوْه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي. [انظر موقع إسلام ويب، الفتوى رقم: 62923، جواباً عن السؤال حول مدى صِحّة نسبة كتاب (الفقه الأكبر) لأبي حنيفة، المنشورة بتاريخ: الأحد 28 ربيع الآخر 1426 هـ – 5-6-2005 م].

* وقال الإمامُ ابنُ حَزْم الظاهري (ت 456 هـ) في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل): “(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) اخْتلف النَّاس فِي هَل تعصي الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِم السَّلَام أم لَا؟ فَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن رسل الله صلى الله عَلَيْهِم وَسلم يعصون الله فِي جَمِيع الْكَبَائِر والصغائر عمدا، حاشى الْكَذِب فِي التَّبْلِيغ فَقَط، وَهَذَا قَولُ الْكَرَّامِيَّة من المرجئة، وَقَولُ ابْن الطّيب الباقلاني من الأشعرية وَمَن اتَّبعهُ، وَهُوَ قَول الْيَهُود وَالنَّصَارَى. وَسمعت من يَحْكِي عَن بعض الْكَرَّامِيَّة أَنهم يُجَوِّزون على الرُّسُل عَلَيْهِم السَّلَام الْكَذِب فِي التَّبْلِيغ أَيْضا! وَأَمَّا هَذَا الباقلاني فإنا رَأينَا فِي كتاب صَاحبه أبي جَعْفَر السمناني قَاضِي الموصل، أَنه كَانَ يَقُول: إِن كل ذَنْب دق أوجل فَإِنَّهُ جَائِز على الرُّسُل حاشى الْكَذِب فِي التَّبْلِيغ فَقَط، قَالَ: وَجَائِز عَلَيْهِم أَن يكفروا، قَالَ: وَإِذا نهى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام عَن شَيْء ثمَّ فعله فَلَيْسَ ذَلِك دَلِيلا على أَن ذَلِك النَّهْي قد نسخ؛ لِأَنَّهُ قد يَفْعَله عَاصِيا لله عز وَجل، قَالَ: وَلَيْسَ لأَصْحَابه أَن ينكروا ذَلِك عَلَيْهِ. وَجَوَّز أَن يكونَ فِي أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام من هُوَ أفضل من مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُذْ بُعِث إِلَى أَن مَاتَ!

(قَالَ أَبُو مُحَمَّد) وَهَذَا كُلُّه كُفْر مُجَرّد، وشِرْك مَحْض، ورِدَّة عَن الْإِسْلَام قَاطِعَة للولاية، مُبيحةٌ دمِ من دَان بهَا وَمَالِه، مُوجبَة للبراءة مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الْإِشْهَاد. وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَن الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يجوز عَلَيْهِم كَبِيرَة من الْكَبَائِر أصلا وجوزوا عَلَيْهِم الصَّغَائِر بالعمد وَهُوَ قَول ابْن فورك الْأَشْعَرِيّ؛ وَذَهَب جَمِيع أهل الْإِسْلَام من أهل السّنة والمعتزلة والنجارية والخوارج والشيعة إِلَى أَنه لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يَقع من نَبِي أصلا مَعْصِيّة بِعَمْدٍ، لَا صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة… وَهَذَا القَوْل الَّذِي نَدِينُ الله تَعَالَى بِهِ، وَلَا يحل لأحدٍ أَن يَدِينَ بسواه، ونقول أَنه يَقع من الْأَنْبِيَاء السَّهْو عَن غير قصد، وَيَقَع مِنْهُم أَيْضا قصْدُ الشَّيْء يُرِيدُونَ بِهِ وَجه الله تَعَالَى والتقرب مِنْهُ، فيوافق خلاف مُرَاد الله تَعَالَى، إِلَّا أَنه تَعَالَى لَا يُقِرهم على شَيْء من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أصْلا، بل ينبههم على ذَلِك وَلَا بُدَّ، إثرَ وُقُوعه مِنْهُم”. [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، مكتبة الخانجي – القاهرة، ج4، ص2].

وقفة: لقد استغرب الدكتور محمد سليمان الأشقر موقفَ ابنِ حزمٍ مِن عصمة الأنبياء، وقال: “وأما الظاهريّةُ، فإنَّ ابنَ حزم ترك ظاهريّته هُنا، وقال بعصمة الأنبياء بعد النُّبُوَّة عن كل ذنب صغير أو كبير عمداً”. [أَفْعَالُ الرَّسُول ﷺ وَدَلَالَتَهَا عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة السادسة، 1424 هـ – 2003 م، ج1 ص146].

ويُرَدُّ عليه بما يأتي:

أوَّلًا: إنَّ ابنَ حزم لم يكن ظاهرياً في جميع المسائل، قال ابن كثير (ت 774 هـ) عن ابْنِ حَزْمٍ – عنْد كلامِه عن ما وقع من الأحْداثِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ هِجْرِيَّة –: “وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرِيًّا فِي الْفُرُوعِ، لَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ، لَا الْجَلِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا الَّذِي وَضَعَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ خَطَأً كَبِيرًا فِي نَظَرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَكَانَ مَعَ هَذَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَأْوِيلًا فِي بَابِ الْأُصُولِ”. [البداية والنهاية، ابن كثير، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، لطبعة الأولى، 1418 هـ – 1997 م، سنة النشر: 1424 هـ / 2003 م، ج15 ص796].

ثانياً: قد يُفهَمُ من كلام الدكتور الأشقر أنّ ابنَ حزم لم يأت بأي دليل من الكتاب أو السنة على عصمة الأنبياء، وهذا غير صحيح، فإن ابن حزم استدل ببعض النصوص، ورأى أن ظاهرَها يُفيد عصمة الأنبياء، فقال مثلاً: “وَمِنَ الْبُرْهَان على أَنه لم يكن الْبَتَّةَ أَن يَعْصِيَ نَبِيٌّ، قَوْلُه ﷺ: «مَا كَانَ لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين»، لَمّا قَالَ لَهُ الْأنْصَارِيُّ: «هلَّا أَوْمَأت إِليَّ» فِي قصَّةِ عبدِ الله بنِ سعد بن أبي سرح؛ فنَفى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام أَنْ تكونَ لَهُم خَائِنَةُ الْأَعْين، وَهُوَ أخفُّ مَا يكون من الذُّنُوب، وَمن خِلاف الْبَاطِن للظَّاهِر؛ فَدخل فِي هَذَا جَمِيعُ الْمعاصِي صغيرِها أَو كبيرِها، سرِّها وجَهْرِها”. [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، مكتبة الخانجي – القاهرة، ج4 ص22].

وقَالَ ابن حزم أيضاً: “فبِيَقِين نَدْرِي أَنَّ الله تَعَالَى صان أنبياءه عَن أَن يَكُونُوا لِبَغِيّة أَو مِن أَوْلَادِ بَغِيٍّ أَو مِن بَغَايَا، بل بَعثهم الله تَعَالَى فِي حَسَب قَومهمْ، فَإِذْ لَا شكّ فِي هَذَا فبيقين نَدْرِي أَن اللهَ تَعَالَى عصمهم قبل النُّبُوَّة من كل مَا يُؤْذَوْنَ بِهِ بعد النُّبُوَّة: فَدخل فِي ذَلِك السّرقَةُ والعدوان وَالْقَسْوَةُ وَالزِّنَا واللياطةُ وَالْبَغيُ، وأذى النَّاس فِي حريمِهم وَأَمْوَالهمْ وأنفسهم، وكلُّ مَا يُعابُ بِهِ الْمَرْء ويتشكى مِنْهُ، ويُؤْذَى بِذكْرِهِ؛ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ فِي هَذَا مَا حدّثَنَاهُ أَحْمدُ بن مُحَمَّد الطلمنكي أَنا ابْن فرج أَنا إِبْرَاهِيم بن أَحْمد فراس أَنبأَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم النَّيْسَابُورِي أَنا إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه انا وهب بن جرير بن حَازِم انا أبي أَنبأَنَا محمد بن إِسْحَاق حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن قيس بن مخرمَة عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: مَا هَمَمْت بقبيح مِمَّا كَانَ أهلُ الْجَاهِلِيَّة يهمون بِهِ إِلَّا مرَّتَيْنِ من الدَّهْر، كلتاهما يعصمني الله مِنْهَا، قلت لفتى – كَانَ معي من قُرَيْش بِأَعْلَى مَكَّة فِي أَغْنَام لَهَا ترعى –: أبْصر لي غنمي حَتَّى أسمر هَذِه اللَّيْلَة بِمَكَّة كَمَا يسمر الفتيان. قَالَ نعم؛ فَلَمَّا خرجت فَجئْت أدني دَار من دور مَكَّة سَمِعت غناء وَصَوت دفوف وزمير؛ فَقلت: مَا هَذَا؟ قَالُوا: فلَان تزوج فُلَانَة لرجل من قُرَيْش، فلهوت بذلك الْغناء وَبِذَلِك الصَّوْت حَتَّى غلبتني عَيْني، فَمَا أيقظني إلاَّ مسُّ الشَّمْس. فَرَجَعت إِلَى صاحبي، فَقَالَ لي: مَا فعلت؟ فَأَخْبَرته ثمَّ قلت لَهُ لَيْلَة أُخْرَى مثل ذَلِك، فَفعل فَخرجت فَسمِعت مثل ذَلِك، فَقيل لي مثل مَا قيل لي  فلهوت بِمَا سَمِعت حَتَّى غلبتني عَيْني فَمَا أيقظني إِلَّا مس الشَّمْس، فَرَجَعت إِلَى صَاحِبي فَقَالَ لي: مَا فعلت؟ قلت: مَا فعلت شَيْئا. فوَاللَّه مَا هَمَمْت بعْدهَا بِسوء مِمَّا يعْمل أهل الْجَاهِلِيَّة حَتَّى أكرمني الله بنبوته”. [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، مكتبة الخانجي – القاهرة، ج4 ص25].

ثمَّ قَالَ: “فصَحَّ أَنّه عَلَيْهِ السَّلَام لمْ يعْصِ قطُّ بكبيرة وَلَا بصغيرة، لَا قبْل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا، وَلَا هَمَّ قطّ بِمَعْصِيَة صغرت أَو كَبرت لَا قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا، إِلَّا مرَّتَيْنِ بالسمَر حَيْثُ رُبمَا كَانَ بعض مَا لم يكن نُهِيَ عَنهُ بعْدُ؛ والهَمُّ حِينَئِذٍ بالسّمَر لَيْسَ هَمًّا بِزِنا، وَلكنه بِمَا يَحْذُو إِلَيْهِ طبْعُ الْبَريَّة من اسْتِحْسَان منظرٍ حَسنٍ فَقَط، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق”. [المصدر السابق، ج4 ص25].

* وقال القاضي عياض (544هـ) في كتابه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى)/ القسم الثالث، الباب الأول: “أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ. وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كِتْمَانِ الرِّسَالَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي التَّبْلِيغِ. وَأَمَّا الصَّغَائِرُ… فَجَوَّزَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ بِالْمَصِيرِ إِلَى امْتِثَالِ أَفْعَالِهِمْ، وَاتِّبَاعِ آثَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ مُطْلَقًا، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ قَرِينَةٍ.. بَلْ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ.. وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حكم ذلك…

وَأَيْضًا فَقَدْ عُلِمَ مِنْ دِينِ الصَّحَابَةِ قَطْعًا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ كَيْفَ تَوَجَّهَتْ، وَمِنْ كُلِّ فَنٍّ كَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ، فَقَدْ نَبَذُوا خَوَاتِيمَهُمْ حِينَ نَبَذَ خَاتَمَهُ، وَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ حِينَ خَلَعَ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِرُؤْيَةِ ابْنِ عُمَرَ إِيَّاهُ جَالِسًا لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ‏.‏

وَاحْتَجَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ شَيْءٍ مِمَّا بَابُهُ الْعِبَادَةُ أَوِ الْعَادَةُ بِقَوْلِهِ‏:‏ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ…

وَالْآثَارُ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ نُحِيطَ عَلَيْهَا، لَكِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا عَلَى الْقَطْعِ اتِّبَاعُهُمْ أَفْعَالَهُ، وَاقْتِدَاؤُهُمْ بِهَا‏.‏ وَلَوْ جَوَّزُوا عَلَيْهِ الْمُخَالَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَمَا اتَّسَقَ هَذَا وَلَنُقِلَ عَنْهُمْ، وَظَهَرَ بَحْثُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمَا أَنْكَرَ ﷺ عَلَى الْآخَرِ قَوْلَهُ، وَاعْتِذَارُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ‏.‏..

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَمَنَعَهَا قَوْمٌ وَجَوَّزَهَا آخَرُونَ.

وَالصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَنْزِيهُهُمْ مَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَعِصْمَتُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُوجِبُ الرَّيْبَ.. فَكَيْفَ وَالْمَسْأَلَةُ تَصَوُّرُهَا كَالْمُمْتَنِعِ.. فَإِنَّ الْمَعَاصِي وَالنَّوَاهِي إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَقَرُّرِ الشَّرْعِ”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ، ج2 ص335].

* وقال ابن عطية (546 هـ) في تفسيره (المحرر الوجيز) – عند تفسيره لقوله تعالى: {رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128] –: “وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ في مَعْنى التَبْلِيغِ، ومِنَ الكَبائِرِ، ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ. واخْتُلِفَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَغائِرِ، والَّذِي أقُولُ بِهِ: أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الجَمِيعِ”.

* وقال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 هـ) – عند تفسيره لقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ} [البقرة: 36] –: “وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمُ الذَّنْبُ حَالَ النُّبُوَّةِ أَلْبَتَّةَ لَا الْكَبِيرَةُ وَلَا الصَّغِيرَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: لَوْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُمْ لَكَانُوا أَقَلَّ دَرَجَةً مِنْ عُصَاةِ الْأُمَّةِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْجَلَالِ وَالشَّرَفِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ صُدُورُ الذَّنْبِ عَنْهُ أَفْحَشَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ} [الْأَحْزَابِ: 30]، وَالْمُحْصَنُ يُرْجَمُ وَغَيْرُهُ يُحَدُّ، وَحَدُّ الْعَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ أَقَلَّ حَالًا مِنَ الْأُمَّةِ فَذَاكَ بِالْإِجْمَاعِ…

وَثالثها: أَنَّا نَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَقْبَح مِنْ نَبِيٍّ رَفَعَ اللَّهَ دَرَجَتَهُ وَائْتَمَنَهُ عَلَى وَحْيِهِ وَجَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ يَسْمَعُ رَبَّهُ يُنَادِيهِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا فَيُقْدِمُ عَلَيْهِ تَرْجِيحًا لِلَذَّتِهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى نَهْيِ رَبِّهِ وَلَا مُنْزَجِرٍ بِوَعِيدِهِ. هَذَا مَعْلُومُ الْقُبْحِ بِالضَّرُورَةِ…

وَرابعها: أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَلَوْ لَمْ يُطِيعُوهُ لَدَخَلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الْبَقَرَةِ: 44].

وَقَالَ: {وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى مَا أَنْهاكُمْ عَنْهُ} [هُودٍ: 88]، فَمَا لا يلق بِوَاحِدٍ مِنْ وُعَّاظِ الْأُمَّةِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.

وَخامسها: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الْأَنْبِيَاءِ: 90]، وَلَفْظُ الْخَيْرَاتِ لِلْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَيَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ مَا يَنْبَغِي وَتَرْكُ مَا لَا يَنْبَغِي، فَثَبَتَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا فَاعِلِينَ لِكُلِّ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ وَتَارِكِينَ كُلَّ مَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ، وَذَلِكَ يُنَافِي صُدُورَ الذَّنْبِ عَنْهُمْ”.

فائدة: قال الإمامُ الشوكانيُّ (ت 1250 هـ) – عند تفسيره للآيات من 35 إلى 39 من سورة البقرة –: “وَكَلَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَاخْتِلَافُ مَذَاهِبِهِمْ فِي ذَلِكَ مُدَوَّنٌ فِي مَوَاطِنِهِ، وَقَدْ أَطَالَ الْبَحْثَ فِي ذَلِكَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ فإنه مفيد”.

* وقال شمس الدين القرطبي (ت 671هـ) – صاحب (التفسير الجامع لأحكام القرآن)، وهو من تلامذة الإمام أبي العباس أحمد القرطبي –: “فصل: واختلف العلماء هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين بعد النبوة صغائرُ من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها ويشفقون على أنفسهم منها أم لا، بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي تزري بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مروءته إجماعاً؟ عند القاضي أبي بكر وعن الأستاذ أبي بكر أن ذلك مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم، فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم خلافاً للرافضة حيث قالوا إنهم معصومون من جميع ذلك كله، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث وهذا ظاهر لا خفاء به.

وقال جمهورٌ من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر؛ لأنا أُمِرْنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسِيَرِهم مطلقاً من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء لهم إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة والحظر أو المعية ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين.

قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني واختلفوا في الصغائر والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم ومال بعضهم إلى تجويزها ولا أصل لهذه المقالة”. [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، أبو عبد الله شمس الدين القرطبي، تحقيق ودراسة: الدكتور: الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1425 هـ، ص609-610].

* وقَالَ الإمامُ النووي (ت 676 هـ): “اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهِمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْمَعَاصِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ لَخَصَّ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَقَاصِدَ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: «لَا خِلَافَ أَنَّ الْكُفْرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِجَائِزٍ، بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ كَبِيرَةٍ… وكذلك اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغَ فِي الْقَوْلِ فَهُمْ مَعْصُومُونَ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغَ فِي الْفِعْلِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْعِصْمَةِ فِيهِ رَأْسًا وَأَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ فيه، وتأوّلُوا أَحَادِيثَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوَاضِعِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْمُظَفَّرِ الْإِسْفَرَايِنِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَشَايِخِ الْمُتَصَوِّفَةِ، وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْمُحَقِّقِينَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَوُقُوعِهِ مِنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ؛ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهِهِمْ عَلَيْهِ وَذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ إِمَّا فِي الْحِينِ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَإِمَّا قَبْلَ وَفَاتِهِمْ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِيَسُنُّوا حُكْمَ ذَلِكَ وَيُبَيِّنُوهُ قَبْلَ انْخِرَامِ مُدَّتِهِمْ، وَلِيَصِحَّ تَبْلِيغُهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الصَّغَائِرِ الَّتِي تزرى بفاعلها وتحط منزلته وتسقط مروءته.

وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ، فَذَهَبَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالنَّظَرِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتنَا إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ منصب النُّبُوَّةِ يَجِلُّ عن مواقعها وَعَنْ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَمْدًا، وَتَكَلَّمُوا عَلَى الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوهَا، وَأَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ عَلَى تَأْوِيلٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ مِنْ إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَشْيَاءَ أَشْفَقُوا مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا وَأَشْيَاءَ مِنْهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْحَقُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَمْ يَلْزَمْنَا الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ وَكَثِيرٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ أَوِ التَّفْرِيقِ فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْقُرَبِ أَوْ غَيْرِها. قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِنَا (الشِّفَاءْ) وَبَلَغْنَا فِيهِ الْمَبْلَغَ الَّذِي لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى الظَّوَاهِرِ فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ؛ وَلَا يَهُولُكَ أَنْ نَسَبَ قَوْمٌ هَذَا الْمَذْهَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَوَائِفَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ؛ إِذْ مَنْزِعُهُمْ فِيهِ مَنْزِعٌ آخَرُ مِنَ التَّكْفِيرِ بِالصَّغَائِرِ، وَنَحْنُ نَتَبَرَّأُ إِلى اللهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ”. [شرح صحيح مسلم، الإمامُ النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ، ج3 ص53 – 55].

* وقال مظهر الدين الزَّيْداني الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ المشهورُ بالمُظْهِري، من العلماء بالحديث (ت 727 هـ) – عند تفسيره للحديث «كلُّ بنيْ آدمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الخَطَّائينَ التوَّابُونَ»: “هذا لفظ يعُمُّ جميعَ بني آدم حتى الأنبياء، ولكن الأنبياء خارجون من هذا الحديث؛ لأن الأنبياء معصومون.

واختلف النّاسُ في أنهم معصومون عن الكبائر والصغائر جميعًا، أم هم معصومون من الكبائر دون الصغائر؟

فمَنْ قال: هم غير معصومين عن الصغائر، دليلهم: عصيانُ آدمَ ربَّه في أكل الشجرة، وكَذباتُ إبراهيمَ – كما يأتي في موضعه – وغيرُهما مما نُقل من زَلَاّت الأنبياء.

ومَنْ قال: بعضُهم معصومون عن الصغائر كما هم معصومون عن الكبائر، حملوا هذه الزلات المنقولةَ عن الأنبياء – عليهم السلام – على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى الزلَّة، وهذا هو الأولى؛ لأنّ في هذا تعظيمًا للأنبياء عليهم السلام، وقد أُمِرْنا بتعظيمهم وحُسْنِ الاعتقاد فيهم”. [المفاتيح في شرح المصابيح، مظهر الدين الزَّيْدَانيُّ، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، نشر: دار النوادر، وهو من إصدارات إدارة الثقافة الإسلامية – وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الأولى، 1433 هـ – 2012 م، ج3 ص185-186].

تعقيب على قول مظهر الدين الزَّيْداني: “وقد أُمِرْنا بتعظيمهم وحُسْنِ الاعتقاد فيهم”.

روى البيهقي عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: “إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ شَيْءٌ تَجِدُ عَلَيْهِ فِيهِ فَاطْلُبْ لَهُ الْعُذْرَ بِجَهْدِكَ، فَإِنْ أَعْيَاكَ فَقُلْ: لَعَلَّ عِنْدَهُ أَمْراً لَمْ يَبْلُغْهُ عِلْمِي”.

ورَوى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: “إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ شَيْءٌ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْرَاً، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ عُذْرَاً، فَقُلْ: لَهُ عُذْرٌ”.

ورَوى عَنْ جَعْفَر بْنِ مُحَمَّدٍ قال: “إذا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ الشَّيْءُ تُنْكِرُهُ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْرَاً وَاحِدَاً إِلَى سَبْعِينَ عُذْرَاً، فَإِنْ أَصَبْتَهُ وَإِلَّا قُلْ: لَعَلَّ لَهُ عُذْرَاً لَا أَعْرِفُهُ”.

فإذا كان المسلمُ مُطالَباً بالْتِماس الأعذار لأخيه المسلم المشهور بالصلاح، فإن التماسَ الأعذارِ للأنبياءِ وقَبولِها أوْلَى، تأدُّباً معهم، واحتراماً لمكانتهم؛ ولذلك فإن مجموعة من أهل العلم يرون – كما ذُكِرَ في المبحثِ السابق – أنَّ ما نُقِلَ عن الأنبياء مِمّا يُشعِر بِمعصِيّةٍ، ما دام له مَحْمَلٌ آخَرُ حُمِل عليه، وصُرِف عن ظاهِرِه؛ لأنّ ذلك أحْوطُ مِن نسبةِ المعاصي إليهم، وأمّا إذا لمْ يوجدْ له محمَل فيُفسَّرُ على أنَّهُ كان قبل البعثة، أو مِن قَبِيل ترك الأولى، أو أنَّهُ من قَبِيل صغائرَ صدرت عنهم سهواً. وهذا مَسلكُ مجموعة من العلماء، منهم: القاضي عياض، والإمامُ النّووِيُّ، وابن حزم الظاهري.

* وقال الشيخُ تاجُ الدين السبكي (ت 771 هـ): “والذي نختاره نحن، وندين الله تعالى به: أنه لا يصدر عنهم ذنبٌ لا صغيرٌ ولا كبيرٌ، لا عمدًا ولا سهوًا، وأن الله تعالى نزَّه ذواتهم الشريفة عن صدور النقائص – وهذا هو اعتقاد والدي أحسن الله إليه –، وعليه جماعةً: منهم القاضي عياض بن محمد اليَحْصُبي، ونَصَّ على القول به الأستاذ أبو إسحاق في كتابه في أصول الفقه”. [الإبهاج في شرح المنهاج، شيخ الإسلام علي السبكي وولده تاج الدين السبكي، دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد جمال الزمزمي – الدكتور نور الدين عبد الجبار صغيري، رسالة دكتوراه – جامعة أم القرى بمكة المكرمة، نشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1424 هـ – 2004 م، ج5 ص1752-1753].

* وقال الإمامُ الشاطبي (ت 790 هـ) – في ردّه على مَن نسب إلى موسى عليه السلام الوقوع في المعصية بقتله القبطي –: “أَنَّ الْمَسْأَلَةَ سَهْلَةٌ فِي النَّظَرِ إِذَا رُوجِعَ بِهَا الْأَصْلُ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ – عَلَيْهِمُ السَّلَامُ – فَيُقَالُ لَهُ: الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَعَنِ الصَّغَائِرِ بِاخْتِلَافٍ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ؛ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْ مُوسَى كَبِيرَةً، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ أَيْضًا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْهُ ذَنْبًا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَنْبٍ…”. [الموافقات، أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي، حققه: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، تقديم: بكر بن عبد الله أبو زيد، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417 هـ – 1997 م، ج4 ص13].

تعقيب: قولُ الشاطبي: “وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ أَيْضًا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ…”، يدل على أنَّهُ يرى أن عصمة الأنبياء من الصغائر هو الصواب والصحيح.

* وقال شهاب الدين الكوراني (ت 893 هـ) – عند شرحه لقول السبكي: “الأنبياء معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو صغيرة سهوًا” –: “وتحقيق هذه المسألة: هو أن حالهم ينقسم إلى ما قبل النبوة، وبعده.

أما قبل النبوة، فالأشاعرة على جوازه عقلًا، خلافًا للمعتزلة، والروافض بناء على ذلك الأصل الفاسد من القبح العقلي.

وأما بعد الرسالة، فما طريقه التبليغ لا يكون كذبًا، لا عمدًا، ولا سهوًا، لأنه {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].

وأما غيره، فالجمهور: على أن الكبائر، والصغيرة التي لا تشعر بخسة لا تصدر عنهم، وغيرهما، فالأكثر على جوازه، ونقل المصنف عن جماعة المنع مطلقًا، وأقرَّه ونِعْمَ ما فعل، هو الذي عليه نحيا، وعليه نموت إن شاء الله تعالى”. [الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع، شهاب الدين الكوراني، تحقيق: سعيد بن غالب كامل المجيدي: رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، نشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة – المملكة العربية السعودية، سنة: 1429 هـ – 2008 م، ج3 ص8-10].

* وقال الإمامُ الشوكانيُّ (ت 1250 هـ): “ذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ. وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأُصُولِيِّينَ، وَكَذَا حَكَوا الْإِجْمَاعَ عَلَى عِصْمَتِهِمْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مِمَّا يُزْرِي بِمَنَاصِبِهِمْ، كَرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ وَالدَّنَاءَاتِ وَسَائِرِ مَا يُنَفِّرُ عَنْهُمْ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا صَغَائِرُ الْخِسَّةِ، كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ، وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ”. [إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، محمد الشوكاني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق – كفر بطنا، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى 1419هـ – 1999م، ج1 ص98].

وقال – أيضاً –: “وأمّا الصَّغَائِرُ الَّتِي لَا تُزْرِي بِالْمَنْصِبِ، وَلَا كَانَتْ مِنَ الدَّنَاءَاتِ، فَاخْتَلَفُوا هَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا جَازَتْ هَلْ وَقَعَتْ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ فَنَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا عَنِ الْأَكْثَرِينَ الْجَوَازَ عَقْلًا، وَكَذَا نَقْلَ ذَلِكَ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ -أَيْضًا- عَدَمَ الْوُقُوعِ”. [المصدر السابق: ج1 ص99].

* وقال الإمام محمد الطاهر ابن عاشور (ت 1393هـ): “والمذهب عند جمهور الأشاعرة منعُ صدور الكبائر منهم بعد البعثة وقبلها، وأما الصغائر فلا تصدر منهم بعد البعثة عمدًا، ويجوز صدورُها منهم سهوًا لكن لا يُصِرون عليها ولا يقرون.

وذهب إمامُ الحرمين من الأشاعرة وأبو هاشم الجبائي من المعتزلة إلى تجويز صدور الصغائر منهم عمدًا. ويظهر أنهم أرادوا بالتجويز عدمَ الاستحالة، ولم يدَّعوا وقوعَ ذلك. وقد تقدم أن عياضًا أبطل الأدلةَ التي استدل بها مدَّعُو وقوع ذلك منهم، وكفى بذلك”. [جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، جمعها وقرأها ووثقها: محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى، 1436 هـ – 2015 م، ج1 ص83-84].

وقال أيضاً – عند تفسيره لقوله تعالى: {وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُوا۟ ٱلۡمِحۡرَابَ. إِذۡ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضࣲ فَٱحۡكُم بَیۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَاۤ إِلَىٰ سَوَاۤءِ ٱلصِّرَ ٰ⁠طِ. إِنَّ هَـٰذَاۤ أَخِی لَهُۥ تِسۡعࣱ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةࣰ وَلِیَ نَعۡجَةࣱ وَ ٰ⁠حِدَةࣱ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِیهَا وَعَزَّنِی فِی ٱلۡخِطَابِ} [ص: 21-23] –: “وَقَدْ حُكِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي سِفْرِ «صَمْوِيلِ الثَّانِي» فِي الْإِصْحَاحِ الْحَادِيَ عَشَرَ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْقُرْآنِ وَعَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الْعِصْمَةُ لِنُبُوءَةِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاحْذَرُوهُ.

وَالَّذِي فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْحَقُّ، وَالْمُنْتَظِمُ مَعَ الْمُعْتَادِ وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ، وَلَوْ حُكِيَ ذَلِكَ بِخَبَرِ آحَادٍ فِي الْمُسْلِمِينَ لَوَجَبَ رَدُّهُ وَالْجَزْمُ بِوَضْعِهِ لِمُعَارَضَتِهِ الْمَقْطُوعَ بِهِ مِنْ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِنَ الصَّغَائِرِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ وَهُوَ الْمُخْتَار”. [التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر – تونس، 1984 هـ، ج23 ص239].

* وقال الشيخُ سيد سابق (ت 1420 هـ): “الرسلُ اصطفاهم الله واختارهم: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33].

ونزّههم عن السيئات، وعصمهم من المعاصي، صغيرها وكبيرها.

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161].

وحلّاهم بالأخلاق العظيمة من الصدق، والأمانة، والتفاني في الحق، وأداء الواجب،… وهُم وإنْ تفاوتوا في الفضل، إلا أنهم بلغوا الغاية من السمو الروحي والصلة بالله…

وهكذا نجد النصوص الكثيرة الواردة في القرآن بشأن الأنبياء والرسل، تُضْفي عليهم من الطُّهر والنزاهة والقداسة، ما يجعل منهم النموذج الحي، والصورة المُثْلى للكمال الإنساني.

ومِثل هؤلاء، لا يمكن إلا أن يكونوا معصومين من التورط في الإثم، ومُنزهين عن الوقوع في المعاصي، فلا يتركون واجبًا، ولا يفعلون محرّمًا، ولا يتصفون إلا بالأخلاق العظيمة التي تجعل منهم القدوة الحسنة، والمَثل الأعلى الذي يتجه إليه الناس، وهم يحاولون الوصول إلى كمالهم المُقدَّر لهم.

والله عز وجل هو الذي تولى تأديبهم وتهذيبهم وتربيتهم وتعليمهم، حتى كانوا قممًا شامخة، وأهلاً للاصطفاء والاجتباء…

فهذه الآيات أدلةٌ بيّنة على مدى الكمال الإنساني الذى أفاضه الله على أنبيائه ورسله، ولو لم يكونوا كذلك لسقطت هيبتُهم في القلوب، ولَصَغُر شأنُهم في أعين الناس، وبذلك تضيع الثقة فيهم، فلا يَنْقاد لهم أحد، وتذهب الحكمة من إرسالهم ليكونوا قادةَ الخلْق إلى الحق؛ بل لو فعلوا شيئًا مما يتنافى مع الكمال الإنساني بأن يتركوا واجبًا، أو يفعلوا محرّمًا، أو يرتكبوا ما يتنافى مع الخلق الكريم، لكانوا قدوة سيئة، ولم يكونوا مُثلاً عُليا، ومناراتِ هدى.

إن رسل الله يدركون بِحِسهم الذى تميزوا به على غيرهم من البشر، أنهم دائمًا في حضرة القدس، وأنهم يبصرون الله في كل شيء، فيرون مظاهر جماله وجلاله، ودلائل قدرته وعظمته، وآثار حكمته ورحمته، يرون ذلك في أنفسهم وفيمن حولهم: في الأرض والسماء، وفى الليل والنهار، وفي الحياة والموت، فتمتلئ قلوبهم إجلالاً لِلَّه ووقارًا له، فلا يبقى فيها مكان لشيطان، ولا موضع لهوى، ولا جنوح لشهوة، ولا إرادة لشيء سوى إرادة الحق والتفاني فيه والاستشهاد من أجله.

وما ورد في القرآن الكريم مما يوهم ظاهرُه بأنهم ارتكبوا ما يتنافى مع عصمتهم، فهو ليس على ظاهره”. [العقائد الإسلامية، سيد سابق، دار الكتاب العربي – بيروت، ص181-183].

ولقد أشار القاضي عياض إلى هذا السُّمُوّ الروحي الذي ارتفعت إليه قلوب الأنبياءِ، فقال في كتابه (الشفا): “قَالَ اللَّهُ تعالى: «وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً.. لَجَعَلْناهُ رَجُلًا »، أي: ما كان إلا في صورة البشر الذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك، ومخاطبتهم، وَرُؤْيَتَهُ، إِذَا كَانَ عَلَى صُورَتِهِ..

وَقَالَ تَعَالَى: «قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا»، أَيْ: لَا يُمْكِنُ فِي سُنَّةِ اللَّهِ إِرْسَالُ الْمَلَكِ إِلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاصْطَفَاهُ وَقَوَّاهُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.

فَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَسَائِطُ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ خَلْقِهِ، يُبَلِّغُونَهُمْ أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، ويعرفوهم بِمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ مِنْ أَمْرِهِ وَخَلْقِهِ، وَجَلَالِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَمَلَكُوتِهِ..

فَظَوَاهِرُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ وَبِنْيَتُهُمْ مُتَّصِفَةٌ بأوصاف البشر، طارئ عَلَيْهَا مَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، وَالْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَنُعُوتِ الْإِنْسَانِيَّةِ..

وَأَرْوَاحُهُمْ وَبَوَاطِنُهُمْ مُتَّصِفَةٌ بِأَعْلَى مِنْ أَوْصَافِ الْبَشَرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى، مُتَشَبِّهَةٌ بِصِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ سَلِيمَةٌ مِنَ التَّغَيُّرِ والآفات..

لَا يَلْحَقُهَا غَالِبًا عَجْزُ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَا ضَعْفُ الْإِنْسَانِيَّةِ.. إِذْ لَوْ كَانَتْ بَوَاطِنُهُمْ خَالِصَةً لِلْبَشَرِيَّةِ كَظَوَاهِرِهِمْ لَمَا أَطَاقُوا الْأَخْذَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، وَرُؤْيَتَهُمْ، وَمُخَاطَبَتَهُمْ، وَمُخَالَّتَهُمْ. كَمَا لَا يُطِيقُهُ غَيْرُهُمْ مِنَ البشر.

ولو كانت أجسادهم وَظَوَاهِرُهُمْ مُتَّسِمَةً بِنُعُوتِ الْمَلَائِكَةِ وَبِخِلَافِ صِفَاتِ الْبَشَرِ لَمَا أَطَاقَ الْبَشَرُ وَمَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ مُخَالَطَتَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى.

«فَجُعِلُوا مِنْ جِهَةِ الْأَجْسَامِ وَالظَّوَاهِرِ مَعَ الْبَشَرِ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْبَوَاطِنِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ.

كَمَا قَالَ ﷺ: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ.. لَكِنْ صاحبكم خليل الرحمن.. وَكَمَا قَالَ: «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي».

وقال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ.. إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويسقيني»؛ فبواطنهم منزهة عن الآفات، مطهرة عن النقائص والاعتلالات”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ، ج2 ص224-227].

* وقال الدكتور عويد المطرَفي: “ومِمّا لا ريب فيه أنّ كلَّ ذنب – مهما صغُرَ – لا بد من إشعاره بنقص، ويَلحَقُ صاحبَهُ المَعرَّةُ عند أهل التقوى؛ لوجوب التوبة منه، وهي ندمٌ يُشْعِر بالنقص والمعرة، فلا يصح القول بنسبة الصغائر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام”. [آيات عتاب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – في ضوء العصمة والاجتهاد، د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي، الناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز – مكة المكرمة، الطبعة الثالثة، 1426 هـ – 2005 م، ص66-67-68].

ولقد قال أبو حامد الغزالي (ت 505هـ): “والذين أثبتوا الصغيرة اضطربوا، ومثارُ الاضطراب في أنه هل يُوَرِّثُ التنفير؟”. [المنخول من تعليقات الأصول، أبو حامد الغزالي، حققه وخرج نصه وعلق عليه: الدكتور محمد حسن هيتو، دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان، دار الفكر دمشق – سورية، الطبعة الثالثة، 1419 هـ – 1998 م، ص311].

وقال الدكتور عويد المطرَفي – أيضاً – في مبحث )توافر وسائل الرواية على عصمة النبي ﷺ من جميع الذنوب): “وحيث لم يُعلَمْ عنه ﷺ الإلمامُ بصغيرة ولا الدُّنوُّ من شيء منها، مع أن سُبُل النقل عنه ﷺ أحْصَت كل حركة من حركاته، وكل قول من أقواله، فما ترك الصحابة رضي الله عنهم فعلاً من أفعاله ﷺ ولا قولاً من أقواله دق أو جل إلا نقلوه إلينا عنه، حتى إنهم وصفوا يقظته ونومه، كما وصفوا حديثه وصمته، وقيامه وجلوسه، وسيره وركوبه وترجله، وجميع شمائله إلى غير ذلك مما هو مدون في كتب الحديث والشمائل والمغازي والسير لأنهم كانوا يرون ذلك تبليغاً عنه، وقد أمرهم ﷺ بالتبليغ عنه بقوله ﷺ «ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه»، وبقوله ﷺ لعبد الله ابن عمرو: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق”.

فلو رأى الصحابة – رضي الله عنهم – أو سمعوا منه شيئاً مما أجازه عليه بعض أهل العلم – عليه الصلاة والسلام – من قُرْبِه الصغائر – وحاشاه من ذلك – لما فاتهم نقل ذلك عنه ضمن ما نقلوا من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.

ولكنهم – رضي الله عنهم – لم ينقلوا عنه شيئاً من ذلك – فيما علمنا – ولو رأوا منه شيئاً من ذلك أو علِموه عنه لنقلوه إلينا، وعُلِمَ عنهم لتوافر دواعي النقل عليه.

فالقول بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، سرها وجهرها، عمدها وسهوها، هو ما ندين الله تعالى به، ونرجو مثوبته من الله – عز وجل –.

وما ثبت في حق نبينا محمد ﷺ من العصمة عن صغائر الذنوب عمداً وسهواً يثبت لغيره من الأنبياء والمرسلين إذ لا قائل بالفرق”. [آيات عتاب المصطفى ﷺ في ضوء العصمة والاجتهاد، د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز – مكة المكرمة، الطبعة الثالثة، 1426 هـ – 2005 م، ص75-77].

وقفات مع الشيخ ابن تيمية حول عصمة الأنبياء من الصغائر:

أوَّلًا- من هم القائلون بعصمة الأنبياء من الصغائر؟

يتبين لنا من البحث السابق أنّ هناك اختلافاً بين العلماءِ حول مسألة عصمة الأنبياء من الصغائر غَيْرِ المُخِلّةِ، وأن القولَ بعصمتهم عنها قال به كثيرٌ من الأئمةَ الكبار وعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الموثوقين، منهم: الإمامُ أبو حَنِيفة، والإمامُ ابنُ حَزْم الظاهري، والقاضي عياض، وابن عطية، والإمامُ فخر الدين الرازي، والإمامُ النووي، ونسب شمسُ الدين هذا القولَ إلى جمهورٍ من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ ونقل عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني قوله: “واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، ومال بعضهم إلى تجويزها ولا أصل لهذه المقالة”.

ويرى الإمامُ الشاطبي أن الصحيح هو إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ أَيْضًا مِنَ الصَّغَائِرِ، وَنَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ – أَيْضًا – عَدَمَ الْوُقُوعِ – كما ذكر ذلك الإمامُ الشوكانيُّ –، ويرى الإمام محمد الطاهر ابن عاشور أن الْأَنْبِيَاء معصومون مِنَ الصَّغَائِرِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِن أهل السُّنَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَار عنده. وفي هذا ردٌّ على من زعم أن مذهب الجمهور هو جواز وقوع الصغائر  من الأنبياء.

ثانياً- هل الأئمة والعلماء القائلون بالعصمة من الصغائر كلِّها انحرفوا في فهم النصوص؟ وهل يجوز أن نُبدِّعهم؟

لقد اتّهم الشيخُ ابن تيمية جميع العلماء والأئمة، الذين أوجبوا عِصْمَةَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الصَّغَائِرِ بتحريف كلام الله، جاء ذلك في آخر هذا النصِّ المنسوب إليه، الذي قال فيه: “الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ كَانَ مِنْ أَبِي الْجِنِّ وَأَبِي الْإِنْسِ أَبَوَيْ الثَّقَلَيْنِ الْمَأْمُورَيْنِ، وَكَانَ ذَنْبُ أَبِي الْجِنِّ أَكْبَرَ وَأَسْبَقَ وَهُوَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ السُّجُودُ إبَاءً وَاسْتِكْبَارًا؛ وَذَنْبُ أَبِي الْإِنْسِ كَانَ ذَنْبًا صَغِيرًا {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}، وَهُوَ إنَّمَا فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَهُوَ الْأَكْلُ مِنْ الشَّجَرَةِ؛ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِذَنْبِ؛ وَأَنَّ آدَمَ تَأَوَّلَ حَيْثُ نُهِيَ عَنْ الْجِنْسِ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} فَظَنَّ أَنَّهُ الشَّخْصُ فَأَخْطَأَ؛ أَوْ نَسِيَ وَالْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَيْسَا مُذْنِبَيْنِ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ وَالشِّيعَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُوجِبُ عِصْمَةَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الصَّغَائِرِ، وَهَؤُلَاءِ فَرُّوا مِنْ شَيْءٍ وَوَقَعُوا فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ”. [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م، ج20 ص88-89].

تعقيب:

أ) قال الشيخُ ابنُ تيمية في (التسعينية): “فأهل الحق، هم أهل الكتاب والسنة، وأهل الكتاب والسنة – على الإطلاق – هم المؤمنون، فليس الحق لازمًا لشخص بعينه، دائرًا معه حيثما دار لا يفارقه قط، إلّا الرسول ﷺ إذْ لا معصوم من الإقرار على الباطل غيره، وهو حجة الله التي أقامها على عباده، وأوجب اتباعه وطاعته في كل شيء على كل أحد.

وليس الحق – أيضًا – لازمًا لطائفة دون غيرها إلّا للمؤمنين، فإن الحق يلزمهم، إذ لا يجتمعون على ضلالة، وما سوى ذلك فقد يكون الحق فيه مع الشخص أو الطائفة في أمر دون أمر، وقد يكون المختلفان كلاهما على باطل، وقد يكون الحق مع كل منهما من وجه دون وجه، فليس لأحد أن يسمي طائفة منسوبة إلى أتباع شخص  – كائنًا من كان – غير رسول الله ﷺ بأنهم أهل الحق، إذ ذلك يقتضي أن كل ما هم عليه فهو حق، وكل من خالفهم في شيء من سائر المؤمنين فهو مبطل، وذلك لا يكون إلّا إذا كان متبوعُهم كذلك، وهذا معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام، ولو جاز ذلك لكان إجماع هؤلاء حجة، إذا ثبت أنهم هم أهل الحق”. [التسعينية، تقي الدين ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، دراسة وتحقيق: الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1420 هـ – 1999 م، ج3 ص904].

نستفيد من كلام ابن تيمية أن الحق ليس لازمًا لشخص بعينه، دائرًا معه حيثما دار لا يفارقه قط؛ وهذا الكلام يفتح لنا الباب لكي نضعَ أقوالَ ابنِ تيميةَ نفسِه تحت المِجهر.

فإذا كان من حقه – وهو يُعتبَرُ مِن أهل الاجتهاد والنظر – أن يرفضَ تأويلَ بعض النصوص التي ظاهرُها وقوعُ الصغائر من الأنبياء، فمِن حق كلِّ مَن كان من أهل الاجتهاد والنظر – أيضاً – أنْ يُؤوِّلَ هذه النصوص التي رأى أنها قابلةٌ لِحمْلِها على غير ظاهرِها، ورأى أنّ هذا أولى؛ لأن فيه تبرِئةً للأنبياء من الوقوع في الصغائر ولو كانت غيرَ مُخِلّة؛ ولأن في ذلكَ – أيضاً – تعظيمًا لهم عليهم الصلاة والسلام. ومِن تعظيمهم حُسْنُ الاعتقاد فيهم والابتعادُ عن سوء الظن بهم؛ قال القاضي عياض في كتابه «الشفا»: “اعْلَمْ أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ لِلصَّغَائِرِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَمَنْ شَايَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِظَوَاهِرَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ.. إِنِ الْتَزَمُوا ظَوَاهِرَهَا أَفْضَتْ بِهِمْ إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع، وما لَا يَقُولُ بِهِ مُسْلِمٌ، فَكَيْفَ وَكُلُّ مَا احتجوا بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ وَتَقَابَلَتِ الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويل فيها للسلف بخلاف ما التزموا مِنْ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَذْهَبُهُمْ إِجْمَاعًا وَكَانَ الْخِلَافُ فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ قَدِيمًا، وَقَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى خَطَأِ قَوْلِهِمْ، وَصِحَّةِ غَيْرِهِ، وَجَبَ تَرْكُهُ وَالْمَصِيرُ إِلَى مَا صَحَّ”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، الفصل الثالث عشر، الباب الأول: فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرُ، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ].

بل إنّ القاضي عياض يرى أن القول بالعصمة من الكبائر، يستلزم القول بالعصمة من الصغائر، قال – رحمه الله –: “فَيُقَالُ لَهُمْ: فَإِنَّكُمْ وَمَنْ وَافَقَكُمْ تَقُولُونَ بِغُفْرَانِ الصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَلَا خِلَافَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ..

فَمَا جَوَّزْتُمْ مِنْ وُقُوعِ الصَّغَائِرِ عَلَيْهِمْ هِيَ مَغْفُورَةٌ عَلَى هَذَا، فَمَا مَعْنَى الْمُؤَاخَذَةِ بها إذن عِنْدَكُمْ، وَخَوْفِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَوْبَتِهِمْ مِنْهَا وَهِيَ مَغْفُورَةٌ لَوْ كَانَتْ؟”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ، ج2 ص391].

ب) هذا، ولقد سُئِلَ الشَّيْخُ ابنُ تيمية: عَنْ رَجُلٍ قَالَ: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ، فَكَفَّرَهُ رَجُلٌ بِهَذِهِ. فَهَلْ قَائِلُ ذَلِكَ مُخْطِئٌ أَوْ مُصِيبٌ؟ وَهَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مُطْلَقًا؟ وَمَا الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ؟

فَأَجَابَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَيْسَ هُوَ كَافِرًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الدِّينِ، وَلَا هَذَا مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ الْمُتَنَازَعِ فِي اسْتِتَابَةِ قَائِلِهِ بِلَا نِزَاعٍ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَمْثَالُهُ، مَعَ مُبَالَغَتِهِمْ فِي الْقَوْلِ بِالْعِصْمَةِ وَفِي عُقُوبَةِ السَّابِّ؛ وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ مِنْ مَسَائِلِ السَّبِّ وَالْعُقُوبَةِ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا”. [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م، ج4 ص319].

إنّ الشيخَ ابنَ تيميةَ كان يستنكر تكفيرَ من ينكر عصمة الأنبياء من الصغائر، ويرى أن هذا متفق عليه بين أهل الدين، ولكن هل اتفق أهلُ الدين على الحكم على من يقول بعصمة الأنبياء من الصغائر بتحريف كلام الله؟

إننا إذا رجعنا – مثلاً – إلى الأقوال السابقة للعلماء والأئمة الذين قالوا بعصمة الأنبياء من الصغائر، فإننا لا نجد أحداً منهم اتهم مَن خالفهم بمثل ما اتهمهم به ابن تيمية!

ومعلومٌ أنّ تأويل النصوص التي يمكن حمْلُها على غير ظاهرها لا يُعتبرُ تَحْرِيفاً لِكَلَامِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ!

نعم، لقد قالت بعضُ الطَوَائِف من الشِّيعَةِ وغيرهم من أَهْلِ الْبِدَعِ بعِصْمَة الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الصَّغَائِرِ – كما قال ابن تيمية –، ولكنْ هذا ليس دليلاً على أنّ هذا القولَ باطلٌ والقائلين به قد انحرفوا عن الحقِّ؛ هناك فرق بين الرافضة الذين يقولون بعصمة الأنبياء من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها بِغرَض نقْلِ هذه العصمة إلى أئمتهم، وبين من يقول بالعصمة للأنبياء فقط، تنزيهاً لهم ورَفْعاً لمكانتهم؛ ولقد نبّه القاضي عياض إلى هذا الفرق بقوله: “وَلَا يَهُولُكَ أَنْ نَسَبَ قَوْمٌ هَذَا الْمَذْهَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَوَائِفَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ؛ إِذْ مَنْزِعُهُمْ فِيهِ مَنْزِعٌ آخَرُ مِنَ التَّكْفِيرِ بِالصَّغَائِرِ، وَنَحْنُ نَتَبَرَّأُ إِلى اللهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ”. [شرح صحيح مسلم، الإمامُ النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ، ج3 ص53 – 55].

الفصل الخامس: الحكمة من تسجيل أخطاء بعض الرسل في الكتاب والسُّنَّة:

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّير”. [رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وقال محققو المسند – شعيب الأرناؤوط وآخرون –: إسناده حسن/ طبعة الرسالة، ج29 ص484].

إذا علِمْنا أنَّ اللهَ تعالى سِتِّير يُحِبّ السِّتْرَ، فلا شكَّ أنَّ الهدفَ الأسمى من تسجيل أخطاء بعض الرسل في قرآن يُتْلى ليْلَ نهارَ، ليس هو التشهير بهم وفضحهم، كما قال الْحَسَنُ: “إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَذْكُرْ مَعَاصِيَ الْأَنْبِيَاءِ لِيُعَيِّرَهُمْ بِهَا”. [القرطبي، تفسير الآية 24 من سورة يوسف]، بل هناك مقاصدُ وحِكَمٌ وراء ذلكَ؛ ولذلك فلقد بحث بعضُ العلماء وأهلِ التفسير عن الحكمة من ذكر هذه الأخطاء، قال الإمامُ فخر الدين الرازي: “اِعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ – عَلَيْهِمُ السَّلامُ – حُصُولُ العِبْرَةِ لِمَن يَسْمَعُها”.

وقال القاضي عياض في كتابه (الشفا): “وَأَيْضًا فَلْيُنَبَّهْ غَيْرُهُمْ مِنَ البشر منهم، أو مِمّن ليس من دَرَجَتِهِمْ بِمُؤَاخَذَتِهِمْ بِذَلِكَ فَيَسْتَشْعِرُوا الْحَذَرَ وَيَعْتَقِدُوا الْمُحَاسَبَةَ لِيَلْتَزِمُوا الشُّكْرَ عَلَى النِّعَمِ، وَيُعِدُّوا الصَّبْرَ عَلَى الْمِحَنِ بِمُلَاحَظَةِ مَا وَقَعَ بِأَهْلِ هَذَا النِّصَابِ الرَّفِيعِ الْمَعْصُومِ. فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُمْ”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ، ج2 ص390].

ونقل الإمامُ القرطبي عن الْغَزْنَوِيِّ قولَه: “مَعَ أَنَّ لِزَلَّةِ الْأَنْبِيَاءِ حِكَمًا: زِيَادَةُ الْوَجَلِ، وَشِدَّةُ الْحَيَاءِ بِالْخَجَلِ، وَالتَّخَلِّي عَنْ عُجْبِ الْعَمَلِ، وَالتَّلَذُّذُ بِنِعْمَةِ الْعَفْوِ بَعْدَ الْأَمَلِ، وَكَوْنُهُمْ أَئِمَّةَ رَجَاءِ أَهْلِ الزَّلَلِ”. [القرطبي، تفسير الآية 24 من سورة يوسف].

فإذا كان الأنبياء يخافون من التقصير، ويُحاسِبون أنفسَهم على ما يقع منهم منَ الأخطاء والهفوات وإن لم تكن ذنوباً، فكيف بِمَنْ سِوَاهُمْ الذين يقعوا في الذنوب والمعاصي ليْلَ نهارَ؟

تنبيه: يرى ابن تيمية أنّ الحكمةَ من ابتلاء الْأَنْبِيَاء بالوقوع في الذُّنُوبِ الصغائر هي رفع درجاتهم وتقرّبهم إلى الله أكثر، وذلك بعد توبتهم؛ قال في (مجموع الفتاوى): “وَإِنَّمَا ابْتَلَى اللهُ الْأَنْبِيَاءَ بِالذُّنُوبِ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمْ بِالتَّوْبَةِ وَتَبْلِيغًا لَهُمْ إلَى مَحَبَّتِهِ وَفَرَحِهِ بِهِمْ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ التَّائِبِ أَشَدَّ فَرَحٍ، فَالْمَقْصُودُ كَمَالُ الْغَايَةِ لَا نَقْصُ الْبِدَايَةِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ لَا يَنَالُهَا إلَّا بِمَا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ الْبَلَاءِ”. [مجموع الفتاوى، ابن تيمية الحراني، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، نشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م، ج20 ص89].

إنّ التوبةَ قد تكون من معصية، وقد تكون من شعور من تقصير؛ ولا دليلَ على أنّ اللهَ لا يفرح إلاَّ بتوبةِ مَن تاب من معصية!

هذا، وأجاز بعضُهم وقوع صغائر الذنوب غير الخسيسة من الأنبياء، لئلا يحرمهم اللهُ لذة الإنابة إليه سبحانه. وهذا القولُ مردودٌ؛ لأنه يعني أنّ النّبيّ من الأنبياءِ لن يَنْعمَ بكمال القرب من الله تعالى، ومن لذة الإنابة إليه سبحانه إلاَّ إذا وقع في هذه الصغائر. وهذا ليس بلازم؛ لأن مقامَ النُّبُوَّةِ تجعلُ النَّبِيَّ بِمُجرّدِ أنْ يقعَ في هفوةٍ أو تقصيرٍ يستشعر الخوف والندم، ويهرع إلى باب التوبة؛ وبهذا يَنْعَمُ بِكَمال القرب من الله تعالى، ومن لذة الإنابة إليه سبحانه وتعالى.

الفصل السادس: القول في عصمة النبي محمّد من الصغائر:

المبحث الأول: هل القولُ بعصمةِ النَّبِيِّ ﷺ من الصغائر فيه غلوّ؟

لقد زعم بعضُ النّاسِ أن القولَ بعصمةِ النَّبِيِّ من الصغائر فيه غلوّ، وبالغَ آخرون وزعموا أنّ هذا القولَ يفضي بالناس إلى رفعه إلى مرتبة الألوهية.

والغريب في الأمر أنّ الشيخَ الألباني كان يميل إلى هذا القول، فلقد ثبت عنه أنه قال: “نحن نعتقد أن العصمة المقطوع بها للأنبياء أو الرسل إنما هي:

أولاً: العصمة في تبليغ الدعوة.

وثانياً: العصمة عن الوقوع في الذنوب الكبائر وهم يَعْلَمونها.

أما أن يقعوا في صغيرة من الصغائر التي لا يترتب من ورائها إلا انتفاء الكمال المطلق؛ فهذا لا بأس أن يقع شيء من ذلك من الأنبياء والرسل، وذلك ليبقى مستقراً في قلوب المؤمنين أن الكمال المطلق لله رب العالمين وحده لا شريك له”. [دروس للشيخ الألباني، ج7 ص8].

وهذا غريب؛ لأن الألباني أتى بدليل عقلي، ليس عليه دليل من الكتاب أو السُّنَّةِ، وهو مخالف لمنهجه في الاستدلال الذي لا يعتمد فيه إلاَّ على القرآن وما صحَّ عنده من الأحاديث!

ويُجابُ عن هذا الكلام بما يأتي:

1- أين الدليلُ من القرآن أو السُّنَّةِ على أن القول بعصمة النَّبِيِّ من الذنوب الصغائر فيه غلُوٌّ، أو أنَّهُ يرفعه إلى مرتبة الألوهية؟

2- قال اللهُ عن ملائكتِه: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: جزء من الآية 6].

وقال تعالى: {وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وَلَدࣰاۗ سُبۡحَـٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادࣱ مُّكۡرَمُونَ. لَا یَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ یَعۡمَلُونَ} [الأنبياء: 26-27].

قال ابن كثير (774 هـ) في تفسيره: “﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: لَا يَتَقَدَّمُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرٍ، وَلَا يُخَالِفُونَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ بَلْ يُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِهِ، وَهُوَ تَعَالَى عِلْمه مُحِيطٌ بِهِمْ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾”.

إنّ الملائكةَ (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ)، ولم يقل أحد إن الاعتقاد بعصمة الملائكة يفضي بالناس إلى تعظيمهم وعبادتهم مع الله تعالى.

3- إن القرآن قد بيّن لنا أنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشرٌ مثلنا، فقالَ تَعالى: {قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادࣰا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّی لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّی وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدࣰا. قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ أَنَّمَاۤ إِلَـٰهُكُمۡ إِلَـٰهࣱ وَ ٰ⁠حِدࣱۖ فَمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ لِقَاۤءَ رَبِّهِۦ فَلۡیَعۡمَلۡ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا وَلَا یُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦۤ أَحَدَۢا} [الكهف: 109-110].

قال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 هـ) في تفسيره: “واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَمالَ كَلامِ اللَّهِ أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَسْلُكَ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ لا امْتِيازَ بَيْنِي وبَيْنَكم في شَيْءٍ مِنَ الصِّفاتِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيَّ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الواحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ”.

وقال تعالى: {قُل لَّاۤ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِی نَفۡعࣰا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاۤءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَیۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَیۡرِ وَمَا مَسَّنِیَ ٱلسُّوۤءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِیرࣱ وَبَشِیرࣱ لِّقَوۡمࣲ یُؤۡمِنُونَ} [الأعراف: 188].

قال الإمامُ النسفي (710 هـ) في تفسيره (مدارك التنزيل): “﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللهُ﴾ هو إظْهارٌ لِلْعُبُودِيَّةِ، وبَراءَةٌ عَمّا يَخْتَصُّ بِالرُبُوبِيَّةِ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، أيْ: أنا عَبْدٌ ضَعِيفٌ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي اجْتِلابَ نَفْعٍ، ولا دَفْعَ ضَرَرٍ كالمَمالِيكِ إلّا ما شاءَ مالِكِي مِنَ النَفْعِ لِي، والدَفْعِ عَنِّي”.

إنّ الأنبياء بَشَرٌ بِنصِّ القرآن الكريم، فلا خوفَ إذن على المؤمن أن يعتقد بعصمةِ الأنبياء من جميع الصغائر، وليس من اللازم أنْ نقولَ بوقوعِهم في الصغائر غير المُخِلة، حتى لا نقعَ في الغُلُوِّ فيهم.

4- إن القرآن الكريم لَمّا أراد أن يُثبت بشرية عيسى عليه السلام، لم يذكر أنه كان يقع في صغائر الذنوب، بل ذكر أنه كان يأكل الطعام هو وأمُّه، كما قال تعالى: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75].

قال ابن جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره «التسهيل لعلوم التنزيل»: “﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ﴾ استدلال على أنهما ليسا بإلهين؛ لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلا مُحْدَث مفتقر، ومن كان كذلك فليس بإله؛ لأن الإله منزه عن صفة الحدوث، وعن كل ما يلحق بالبشر”.

وقال محمد الأمين الشنقيطي (1394 هـ) في تفسيره (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن): “قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عِيسى وأُمَّهُ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ، وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ كانُوا كَذَلِكَ:

  • كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: 20]،
  • وقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: 8]،
  • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: 7]”.

5- لقد وردت بعضُ النصُوص من الكتاب والسُّنَّة التي تدلُّ على إمكانية عصمة الأنبياء من جميع الذنوب والخطايا، جاء في موقع (الإسلام سؤال وجواب)/ الإجابة عن السؤال رقم 146658 ما يأتي: «أما عصمة يحيى عليه السلام من الذنوب وكونه لم يرتكب معصية، فقد ورد في السنة ما يدل على ذلك، وفي القرآن ما يشهد له.

قال الله تعالى عن عبده ونبيه زكريا عليه السلام: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران/ 39].

فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى (حَصُورًا) هو الذي لا يأتي النساء، وذهب آخرون إلى أنه المعصوم من الذنوب.

قال السعدي رحمه الله: “هذا المبشر به وهو يحيى، سيد من فضلاء الرسل وكرامهم: و (الحصور)، قيل: هو الذي لا يولد له، ولا شهوة له في النساء، وقيل: هو الذي عُصِم وحُفِظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين”. انتهى .

وقال القاضي عياض رحمه الله: “معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حُصر عنها، وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء”. انتهى من «الشفا» (1/88).

وقد أثنى الله تعالى على يحيى عليه السلام ثناءً حسنا فقال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم / 12 – 15].

فقوله: ( وزكاةً ) قال ابن جرير رحمه الله: “هو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة الله …. ثم نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) قال: “طهر فلم يعمل بذنب”. انتهى من «تفسير الطبري» (18/159).

وروى الإمام أحمد (2294) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: “ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ، أو همّ بخطيئة؛ ليس يحيى بن زكريا”. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند، والألباني في «الصحيحة» (2984)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: “رواه البزار ورجاله ثقات”، وانظر: «التلخيص الحبير» (4/481).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: “لا نعلم أحداً أعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا”. انتهى من «مختصر تاريخ دمشق» (8 / 195). وينظر: «سبل السلام» (4 / 180) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ما من بني آدم إلا من أخطأ، أو هم بخطيئة، إلا يحيى بن زكريا”. انتهى من «مجموع الفتاوى» (14/461).

وأما عيسى عليه السلام، ففي حديث الشفاعة الطويل، حينما يعتذر كل نبي عن الشفاعة عند ربه، إجلالا له في هذا المقام، وهيبة من نفسه أن يكون أهلا لذلك المقام: (فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ …) [رواه البخاري(4712) ومسلم (194)].

فهذا يحتمل أنه لم يذكر ذنبا، لأنه لا ذنب له، كما هو الظاهر.

ويحتمل أنه لم يذكره في هذا المقام، لأن الله تعالى أخبره بمغفرته لذنبه في الدنيا». انتهى ما جاء في موقع (الإسلام سؤال وجواب)، وانظر: https://islamqa.info/ar/answers/146658

تعقيب وتنبيه: قولهم عن عيسى – عليه السلام – يوم الموقف: “ويحتمل أنه لم يذكره (أي: لم يذكر ذنباً ارتكبه في الدنيا) في هذا المقام، لأن الله تعالى أخبره بمغفرته لذنبه في الدنيا”؛ فيه نظر؛ لأن الله تعالى قد أخبر آدم وموسى بمغفرته لذنبهما في الدنيا، ومع ذلك فإنهما ذكرا ذنبَهما في ذلك المقام!

والسؤال الذي يجبُ أنْ يُطرَحَ هو: لماذا لمْ يذكر النَّبِيُّ ﷺ أيَّ ذنبٍ في ذلك المقام؟

فإذا قبلنا أنّ عيسى لم يذكر أي ذنب في ذلك المقام لاحتمال أنَّهُ لا ذنب له، كما هو الظاهر؛ فعلينا أنْ نقبلَ أيضاً أنّ النَّبِيَّ ﷺ لم يذكر أي ذنب في ذلك المقام لاحتمال أنَّهُ كان معصوماً من جميع الذنوبِ كبيرِها وصغيرِها.

المبحث الثاني: دلائلُ العصمة من الكتاب والسُّنة.

لقد وردَتْ نصوصٌ من القرآن الكريم والسُّنّةِ النّبَوِيَّةِ، يُستفاد منها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان مِن أبعدِ الناس عن الوقوع في المعاصي والآثام، ومعصوماً من جميع الذنوب، نذكر منها:

  • أوَّلًا: دلائلُ العصمة من الكتاب.

النّصّ الأَوَّل: قوله تعالى: {قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَرَءَیۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَرَزَقَنِی مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنࣰاۚ وَمَاۤ أُرِیدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَاۤ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِیدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَـٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِیقِیۤ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ} [هود: 88].

قال ابن كثير (774 هـ) في تفسيره: “وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أَيْ: لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيْءٍ وَأُخَالِفُ أَنَا فِي السِّرِّ فَأَفْعَلُهُ خُفْيَةً عَنْكُمْ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يَقُولُ: لَمْ أَكُنْ لِأَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ وأرْتَكِبَه”.

وقال العلاّمةُ الطاهر بن عاشور (1393 هـ) في تفسيره: “ومَعْنى ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ مِنَ التّابِعِينَ مِن بَعْدِهِمْ: ما أُرِيدُ مِمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ أنْ أمْنَعَكم أفْعالًا وأنا أفْعَلُها، أيْ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ شَيْءٍ وأنا أفْعَلُهُ…

فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ أنْ أفْعَلَ خِلافَ الأفْعالِ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها بِأنْ أصْرِفَكم عَنْها وأنا أصِيرُ إلَيْها. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ أمْرًا يَعُمُّ الأُمَّةَ وإيّاهُ. وذَلِكَ شَأْنُ الشَّرائِعِ، كَما قالَ عُلَماؤُنا: إنَّ خِطابَ الأُمَّةِ يَشْمَلُ الرَّسُولَ – عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَفي هَذا إظْهارُ أنَّ ما نَهاهم عَنْهُ يَنْهى أيْضًا نَفْسَهُ عَنْهُ. وفي هَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى ما في النَّهْيِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وعَلى أنَّ شَأْنَهُ لَيْسَ شَأْنَ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ أعْمالٍ وهم يَأْتُونَها؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُنْبِئُ بِعَدَمِ النُّصْحِ فِيما يَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ، إذْ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ النُّصْحَ والخَيْرَ في ذَلِكَ لاخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ، وإلى هَذا المَعْنى يَرْمِي التَّوْبِيخُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، أيْ: وأنْتُمْ تَتْلُونَ كِتابَ الشَّرِيعَةِ العامَّةِ لَكم، أفَلا تَعْقِلُونَ فَتَعْلَمُوا أنَّكم أوْلى بِجَلْبِ الخَيْرِ لِأنْفُسِكم”.

تعقيب: فلا يمكن أن نتصوّرَ أنّ مَن كان في مرتبة النُّبُوَّةِ، وسيدَ الأنبياء والمرسلين، أنْ ينهى عن معصية – ولو كانت صغيرة – ويرتكبها!

النّصّ الثاني: قوله تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} [آل عمران: 102].

قال أبو حيان (745 هـ) في تفسيره (البحر المحيط): “قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَّبِيعُ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: حَقَّ تُقاتِهِ هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويَشْكُرَ فَلا يُكْفَرَ. ورُوِيَ مَرْفُوعًا. وقِيلَ: حَقَّ تُقاتِهِ اتِّقاءَ جَمِيعَ مَعاصِيهِ”.

تعقيب: لا شكّ أنْ النَّبِيَّ ﷺ كان إمامَ المُتّقين، ومن كان في هذه المنزلة فلا يمكن أن نتصوّرَ أنّ مثلَه لا يتّقي اللهَ حقَّ تُقاتِهِ، ويقع في معصية ولو كانت صغيرة.

النّصّ الثالث: وَقولُه تَعَالَى: {قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ. ٱلَّذِینَ هُمۡ فِی صَلَاتِهِمۡ خَـٰشِعُونَ. وَٱلَّذِینَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ} [المؤمنون 1-3].

قال ابن كثير (774 هـ) في تفسيره: “﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: عَنِ الْبَاطِلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ: الشِّرْكَ – كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ –، وَالْمَعَاصِي – كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ –، وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الْفَرْقَانِ: 72] “.

تعقيب: ولا شَكَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان أوّلَ المُعْرِضين عنِ اللَّغْوِ الذي يَشْمَلُ الشِّرْكَ وجميع المَعاصِي كبيرِها وصغيرِها، وكل ما لا فائِدَةَ فِيهِ مِنَ الأقْوالِ والأفعالِ.

  • ثانياً- دلائلُ العصمة من السُّنَّةِ:

المجموعة الأولى:

* عن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – قالت: “ما خُيِّرَ النبيُّ ﷺ بيْنَ أمْرَيْنِ إلَّا اخْتارَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَأْثَمْ، فإذا كانَ الإثْمُ كانَ أبْعَدَهُما منه”. [أخرجه البخاري ومسلم].

* وعَنْها – رضي الله عنها – أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ طَالِبًا”. [رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده قوي، وأخرجه أيضا ابن ماجه وابن حبان وغيرهما/ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ – 2001 م].

قال السندي: “قوله: (فإنَّ لهما من الله طالباً)، أي: فإن لها ملَكاً يسألك، يجيئ من الله تعالى، كالمنكر والنكير في القبر مثلاً”.

* وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ”. [رواه الإمامُ أحمد، وقال مُحقِّقو المسند: حديث حسن لغيره].

و(مُحقَّرات الذنوب)  – بفتح القاف المشددة – تعني: صغائر الذنوب (قاله السندي كما قال مُحقِّقو المسند).

* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنِ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}”. [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].

قَالَ الطِّيبِيُّ: “وَالْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ، إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ بِارْتِكَابِ الذَّنْبِ يُشْبِهُهُمْ فِي اسْوِدَادِ الْقَلْبِ، وَيَزْدَادُ ذَلِكَ بِازْدِيَادِ الذَّنْبِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْآيَةُ مَذْكُورَةٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ، لَكِنْ ذَكَرَهَا ﷺ تَخْوِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْ يَحْتَرِزُوا عَنْ كَثْرَةِ الذَّنْبِ كَيْلَا تَسْوَدَّ قُلُوبُهُمْ كَمَا اسْوَدَّتْ قُلُوبُ الْكُفَّارِ، وَلِذَا قِيلَ: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ”. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي الملا الهروي القاري، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1422 هـ – 2002م، شرح الحديث 2342، ج4 ص1622-1623].

* وعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِذَلِكَ، فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا، وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، اللهُ يُحِلُّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَجَعَت امْرَأَتُهُ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَوَجَدَتْ عِنْدَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ قَدْ أَخْبَرْتُهَا فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، اللهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ ﷺ مَا شَاءَ؛ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: «واللهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ». [رواه الإمامُ مالك في مُوطّئِه، في (بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ)، ورواه أحمد مختصراً، وقال محققو المسند: إسناده صحيح].

قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (544 هـ): “غَضَبُهُ لِذَلِكَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ جَوَّزَ وُقُوعَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْهُ، لَكِنْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ إِذْ غُفِرَ لَهُ؛ فَأَنْكَرَ ﷺ ذَلِكَ، وَقَالَ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ»، فَكَيْفَ تُجَوِّزُونَ وُقُوعَ مَا نَهَى عَنْهُ مِنِّي؟” [شرح الزرقاني على الموطأ، محمد بن عبد الباقي الزرقاني، ج2 ص241].

وقَالَ ابْنُ حَزْم (ت 456 هـ): “فَأنْكر عَلَيْهِ السَّلَام؛ إِذْ جعل لَهُ ذَنبا بِعَمْد وَإِنْ صَغُر”. [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، مكتبة الخانجي – القاهرة، ج4 ص23].

تعقيب: لقد كان النَّبِيُّ ﷺ مِن أبعدِ النّاسِ عن الإثم، بشهادةِ زوجته عائشة رضي الله عنها، بل إنّه غَضَبَ ﷺ عندما عَلِمَ أنّ أحدَ الصحابة جَوَّز أن يصدر منه ﷺ ذَنبٌ صغير بِعَمْد؛ إذْ لا ينبغى لمِثْلِه ﷺ أنْ يتعمّد ارتكاب الذنوب ولو كانت من الصغائر. وكان ﷺ يُحذِّر من مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ لأنّ الذنْبَ – ولو كان صغيراً – يُسوِّدُ القلبَ ويُلوِّثُه؛ فلا يمكن أنْ نتصوّرَ أنّ النَّبِيَّ ﷺ قد وقع في ذنب من الذنوب، واسْوَدّ قلبُه الطاهر، الذي غسله جبريلُ عليهِ السلامُ بماء زمزم!

ثُمَّ إنّ المعصيةَ – كبيرةً كانت أو صغيرةً – لا بُدَّ أنْ تنقصَ مِن إيمان صاحبها، قال ابن قيم الجوزية (ت 751هـ): “وَأَمَّا صِيَانَةُ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَإِضْعَافُ الْمَعَاصِي لِلْإِيمَانِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالذَّوْقِ وَالْوُجُودِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ – كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ – «إِذَا أَذْنَبَ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ فَأَذْنَبَ نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى، حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ؛ وَذَلِكَ الرَّانُّ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]». فَالْقَبَائِحُ تُسَوِّدُ الْقَلْبَ، وَتُطْفِئُ نُورَهُ، وَالْإِيمَانُ هُوَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ. وَالْقَبَائِحُ تَذْهَبُ بِهِ أَوْ تُقَلِّلُهُ قَطْعًا؛ فَالْحَسَنَاتُ تَزِيدُ نُورَ الْقَلْبِ، وَالسَّيِّئَاتُ تُطْفِئُ نُورَ الْقَلْبِ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ كَسْبَ الْقُلُوبِ سَبَبٌ لِلرَّانِّ الَّذِي يَعْلُوهَا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَرْكَسَ الْمُنَافِقِينَ بِمَا كَسَبُوا، فَقَالَ: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88]. وَأَخْبَرَ أَنَّ نَقْضَ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى عِبَادِهِ سَبَبٌ لِتَقْسِيَةِ الْقَلْبِ. فَقَالَ: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13]. فَجَعَلَ ذَنْبَ النَّقْضِ مُوجِبًا لِهَذِهِ الْآثَارِ مِنْ تَقْسِيَةِ الْقَلْبِ، وَاللَّعْنَةِ، وَتَحْرِيفِ الْكَلِمِ، وَنِسْيَانِ الْعِلْمِ.

فَالْمَعَاصِي لِلْإِيمَانِ كَالْمَرَضِ وَالْحُمَّى لِلْقُوَّةِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ السَّلَفُ: الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ، كَمَا أَنَّ الْحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ”. [مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الثالثة 1416 هـ – 1996م، ج2 ص27].

وقال الشيخُ ابن تيمية (ت 728هـ): “الإنسانُ لا يفعل الحرام إلا لِضَعْفِ إيمانِه ومحبته”. [قاعدة في المحبة، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة – مصر، ص 104].

فلا يمكن أن نتصوّرَ أن النَّبِيَّ ﷺ تنقُص محبّته لربِّه ويضعُف إيمانه؛ فيقع في معصية ولو كانت صغيرة!

المجموعة الثانية:

* عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: قال رسول الله ﷺ: “ما مِنكُم مِن أحَدٍ، إلَّا وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالوا: وإيَّاكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: وإيَّايَ، إلَّا أنَّ اللَّهَ أعانَنِي عليه فأسْلَمَ، فلا يَأْمُرُنِي إلَّا بخَيْرٍ”. [رواه مسلم].

قال الإمامُ النووي في شرحه لصحيح مسلم: “فأسْلَمَ: صار مسلما مؤمنا، وهذا هو الظاهر، قال القاضي: “واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه”.

* وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضِيَ اللهُ عنْه أنَّهُ قال: “بَعَثَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ مِنَ اليَمَنِ، بذَهَبَةٍ في أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِن تُرَابِهَا، قالَ: فَقَسَمَهَا بيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بيْنَ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ، وَالأقْرَعِ بنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إمَّا عَلْقَمَةُ بنُ عُلَاثَةَ، وإمَّا عَامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بهذا مِن هَؤُلَاءِ، قالَ: فَبَلَغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ، فَقالَ: أَلَا تَأْمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَن في السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً قالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإزَارِ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ، فَقالَ: وَيْلَكَ، أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ”. [رواه البخاري ومسلم واللفظ له].

أَوَلَيْسَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَقَّ أَهْلِ الأرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ، ويبتعِدَ عنْ جميعِ الذُّنُوبِ والمعاصي كبيرِها وصغيرِها؟

* وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ”. [رواه مسلم].

* وعنها رضي الله عنها، قالت: قال النبيّ ﷺ: يا عائِشةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا ينام قلبي”. [متفق عليه].

* وقال ابن عمر رضي الله عنهما: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ يَقُولُ مِائَةَ مَرَّةٍ: “رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”. [رواه أحمد].

* وعَنْ ‌أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا»، قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا”. [رواه الترمذي، وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ].

تعقيب:

قَالَ الإمامُ ابْنُ قيِّم الجوزية (ت 751هـ): “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلَ الْخَلْقِ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ كَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَتَشْرِيعُهُ لِلْأُمَّةِ ذِكْرًا مِنْهُ لِلَّهِ، وَإِخْبَارُهُ عَنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ، وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِآلَائِهِ، وَتَمْجِيدُهُ وَحَمْدُهُ، وَتَسْبِيحُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَسُؤَالُهُ وَدُعَاؤُهُ إِيَّاهُ، وَرَغْبَتُهُ وَرَهْبَتُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَسُكُوتُهُ وَصَمْتُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ بِقَلْبِهِ، فَكَانَ ذَاكِرًا لِلَّهِ فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَعَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَكَانَ ذِكْرُهُ لِلَّهِ يَجْرِي مَعَ أَنْفَاسِهِ، قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى جَنْبِهِ، وَفِي مَشْيِهِ وَرُكُوبِهِ، وَمَسِيرِهِ وَنُزُولِهِ، وَظَعْنِهِ وَإِقَامَتِهِ”. [زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، بيروت – مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة: السابعة والعشرون , 1415هـ /1994م، ج2 ص332، فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأذكار والأدعية].

فلا يمكنُ لنا أن نتصوّرَ أنّ مَنِ اسْتُخْرِجَ من قلبِه حَظُّ الشَّيْطَانِ منه، ومن كان قَرينُه من الجنّ لا يأمره إلا بالخير، وقلبُه لا ينام، وكانَ ذِكْرُهُ لِلَّهِ يَجْرِي مَعَ أنفاسِه؛ لا يمكنُ أن نتصوّرَ أنّه يتعمّد الوقوع في المعاصي والآثام؛ قال الشيخُ سيد سابق (ت 1420هـ): “إن رسل الله يُدرِكون بِحِسِّهِم الذي تميزوا به على غيرهم من البشر، أنهم دائمًا في حضرة القدس، وأنهم يُبصِرون اللهَ في كل شيء، فيرون مظاهرَ جمالِه وجلالِه، ودلائلَ قدرتِه وعظمتِه، وآثارَ حكمتِه ورحمتِه، يرون ذلك في أنفسهم وفيمن حولهم: في الأرض والسماء، وفى الليل والنهار، وفى الحياة والموت، فتمتلئ قلوبهم إجلالاً لله ووقارًا له، فلا يبقى فيها مكانٌ لشيطانٍ، ولا موضع لهوى، ولا جنوحٌ لشهوة، ولا إرادةٌ لشيء سوى إرادة الحق والتفاني فيه والاستشهاد من أجله”. [العقائد الإسلامية، سيد سابق، دار الكتاب العربي – بيروت، مبحث (عصمة الأنبياء)، ص183].

المجموعة الثالثة:

* عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، أَنَّها قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ نُبَايِعُهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: (فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ). قَالَتْ: فَقُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٌ)”. [رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده صحيح، ورواه أيضاً الإمامُ مالك في المُوطّأ].

* وعن عائشةَ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها: “أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَمْتَحِنُ مَن هَاجَرَ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ بهذِه الآيَةِ؛ بقَوْلِ اللهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} إلى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12]. قالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عَائِشَةُ: فمَن أقَرَّ بهذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ، قالَ لَهَا رَسولُ اللهِ ﷺ: (قدْ بَايَعْتُكِ، كَلَامًا)؛ ولَا واللهِ ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ في المُبَايَعَةِ، ما يُبَايِعُهُنَّ إلَّا بقَوْلِهِ: قدْ بَايَعْتُكِ علَى ذَلِكِ”. [متفق عليه، واللفظُ للبخاري].

* وفي رواية أخرى للبخاري عن عروة، عن عائشة رضي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: {لا يشركن بالله شيئاً}. قَالَتْ: وَمَا مسَّت يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ إلاَّ امْرَأَةً يملكها”.

قال الإمامُ زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت 806 هـ) في الفائدة الرابعة لحديث عائشة رضي الله عنها السابق: “وَفِيهِ أَنَّهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – لَمْ تَمَسَّ يَدُهُ قَطُّ يَدَ امْرَأَةٍ غَيْرِ زَوْجَاتِهِ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، لَا فِي مُبَايَعَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا؛ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هُوَ ذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ وَانْتِفَاءِ الرِّيبَةِ فِي حَقِّهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَدَّ جَوَازُهُ مِنْ خَصَائِصِهِ”. [طرح التثريب في شرح التقريب، زين الدين عبد الرحيم العراقي، الطبعة المصرية القديمة – وصوَّرَتْها: دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، ودار الفكر العربي، ج7 ص44-45].

تعقيب: إنّ امتناعَ النَّبِيِّ ﷺ من مصافحة النساء، لَدليلٌ على أنَّهُ كان مِن أبْعدِ الناس عن الوقوع في الذنوب، ولو كانت من الصغائر.

  • وقفة: لا دليلَ على أن النَّبِيَّ كان يمس أيدي النساء:

1- قال أبو الحسنات اللكنوي (ت 1304هـ): “وجاءت أخبار ضعيفة بمصافحته النساء عند البيعة أحياناً، فعند الطبراني من حديث معقل بن يسار: أن النبي ﷺ كان يصافح النساء في بيعة الرضوان من تحت الثوب، وأخرج ابن عبد البر، عن عطاء وقيس بن أبي حازم: أن النبي ﷺ كان إذا بايع لم يصافح النساء إلاَّ على يده ثوب (وضع الثوب على يده كان في أول الأمر، كذا في الأوجز 15/262)، كذا ذكره ابن حجر والزرقاني، ولعله محمول على مصافحة العجائز، وقوله ﷺ في حديث الباب (لا أصافح النساء) الثابت بالطرق الصحيحة صريح في عدم مصافحته”. [التعليق الممجد على موطأ محمد، أبو الحسنات اللكنوي، تعليق وتحقيق: تقي الدين الندوي، أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات، العربية المتحدة، دار القلم، دمشق، الطبعة الرابعة، 1426 هـ – 2005 م، ج3 ص472].

2- زعمَ بعضُهم أنَّهُ صحّ عن رسول الله ﷺ أنَّهُ كان يَمْسِك بأيدي النساء، واستدلوا بحديث أَنَس بْن مَالِكٍ الذي جاء فيه: “كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فتنطلق به حيث شاءت”. [رواه البخاري].

  • ويُردّ عليه بما يأتي:

أولاً- لو ثبت عن النَّبِيِّ  ﷺ أنَّهُ كان يَمسِك بأيدي النساء، لكان ذلكَ منتشراً بين الصحابة، ولمَا غاب هذا الأمرُ عن عائشةَ رضي الله عنها التي رَوَتْ هذا الحديث بعد وفاتِه ﷺ، ولمَا قالت: “وَمَا مسَّت يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ إلاَّ امْرَأَةً يملكها”، ولما كان لِقولِها: “وَلَا واللهِ، ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ في المُبَايَعَةِ” مِن فائدة؛ إذْ ما الفرقُ بين مسّ أيدي النساء في المبايعة أو بدونها؟

ثانياً- لو كان يجُوز لِلنَّبِيِّ  ﷺ مس أيدي النساء بدون مبايعة، فلماذا كان يمتنع عن مسِّ أيديهِنّ عند المبايعة التي كانت تَتِمُّ عادةً بالمصافحة؟

3- زعم بعضُ الباحثين المعاصرين أنّ الحديثَ السابق خاصٌّ بالإماء فقط، وهو على ظَاهره، أي: أنّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَمْسِكُهنّ بأيديهنّ.

  • ويُرَدُّ عليه بما يأتي:

أولاً– الخصوصية تحتاج إلى دليل، ودعوى الخصوصية بدون دليل هي مجرد احتمال، و “الخصوصية لا تَثْبُتُ بمجرد الاحتمال” – كما هو مُقرّرٌ عند أهل التحقيق –. [انظر: الفوائد الحديثية – ضمن (آثار المعلمي)، عبد الرحمن المعلمي اليماني، ص115].

ثانياً- قالت عائشة رضي الله عنها: “وَمَا مسَّت يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ إلاَّ امْرَأَةً يملكها”؛ ومعلومٌ أنه لمْ يقلْ أحدٌ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى ﷺ كان يملك جميع إماء المدينة!

ثالثاً- التعبير (تأخذ بيده) فُسِّرَ بمعنى: تطلب مساعدته، فيُلَبِّي طلبَها وَينْقاد لها: قال شمس الدين الكرْماني (ت 786هـ): “والمقصود من الأخذ بيده: لازمه، وهو الرفق والانقياد، يعني: كان خُلُق رسول الله ﷺ بهذه المرتبة: وهو أنه لو كان لِأَمَة حاجةٌ إلى بعض مواضع المدينة وتلتمس منه مساعدتَها في تلك الحاجة، واحتاج بأن يمشيَ معها لقضائِها لَمَا تخلَّف عن ذلك حتى يقضيَ حاجتها”. [الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، شمس الدين الكرماني، دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان، طبعة أولى: 1356هـ – 1937م، طبعة ثانية: 1401هـ – 1982م، ج21 ص206].

وقال ابن حَجَر العَسْقلاني (ت 852 هـ): “وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ: الرِّفْقُ وَالِانْقِيَادُ”. [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة – بيروت، 1379، ج10 ص490].

وقال بدر الدين العيني (ت 855هـ): “وَالْمُرَادُ من الْأَخْذ بِيَدِهِ لَازمُه وَهُوَ الرِّفْق والانقياد، يَعْنِي: كَانَ خلق رَسُول الله ﷺ، على هَذِه الْمرتبَة، هُوَ أَنه لَو كَانَ لِأَمَة حَاجَةٌ إِلَى بعض مَوَاضِع الْمَدِينَة، وتلتمس مِنْهُ مساعدتَها فِي تِلْكَ الْحَاجة، واحتاجت بِأَن يَمْشيَ مَعهَا لِقضائِها لَمَا تخلَّف عَن ذَلِك حَتَّى يقْضِيَ حَاجَتَهَا”. [عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج22 ص141].

وقال شهاب الدين القسطلاني (ت 923هـ): “والمراد بالأخذ باليد لازمه، وهو الانقياد؛ وفيه غايةُ تواضعه وبراءَتُه من جميع أنواع الكِبْر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كثيرًا”. [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، شهاب الدين القسطلاني، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة السابعة، 1323 هـ، ج9 ص51].

وقال علي الملا القاري (ت 1014هـ): “قِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْقُ”. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي الملا القاري، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ – 2002 م، ج9 ص3713].

وقال الشيخُ الدكتور مصطفى ديب البغا في تعليقه على صحيح البخاري: “(الأَمَة) المرأة المملوكة. (لَتَأخُذ بيده) أي تطلب مساعدته فيُلَبِّي طلبَها وينقاد لها، وليس المرادُ مَسْكَ يدِه. (فتنطلق به) تذهب ويذهب معها إذا احتاجت مساعدتها للذهاب. (حيث شاءت) أي موضع من مواضع المدينة يكون قضاء حاجتها فيه”. [صحيح البخاري، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دار اليمامة – دمشق، الطبعة الخامسة، 1414 هـ – 1993 م، حديث رقم 5724، ج 5  ص 2255].

إضاءة 1: لقد ورَدَ التعبيرُ (الأخذ باليد) بمعنى (الإعانة) في بعضِ الأحاديث الضعيفة، وهي إن كانت ضعيفةً فإنَّه يُستفادُ منها أنَّ تفسيرَ التعبيرِ (الأخذ باليد) على غير ظاهِرِه كان شائعاً في الصَّدْرِ الأَوَّلِ، ونذكرُ من هذه الأحاديث:

* ما رُوِيَ ابن عبَّاس أنَّهُ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: “تَجَافُوا عن ذَنْبِ السَّخِيِّ، فإنَّ اللَّهَ آخذٌ بِيَدِهِ كُلَّمَا عَثَرَ عَثْرَةً”. [رواه أبو بكر الخطيب البغدادي (ت 463هـ) في (تاريخ بغداد) – في ترجمته لِخَلَف بن محمد بن عليّ بن حَمْدُون الوَاسِطي أبو محمد –/ انظر: تاريخ بغداد، أبو بكر الخطيب البغدادي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ – 2002 م، رقم 4383، ج9 ص288].

وقال خلدون الأحدب – أستاذ الحديث وعلومه – في (زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة): إسناده ضعيف، أخرجه أبو نُعَيْم في (الحِلْيَة)، والقُضَاعي في (مسند الشِّهَاب)، والطبراني في (المعجم الأوسط)، والبيهقي  في (شُعَب الإِيمان)، وقال الحافظ العِرَاقي في (جزئه الذي ردَّ فيه على الصَّغَاني): “يشبه أن يكون إسناده حسنًا، ورواه ابن الجَوْزي في (الموضوعات)، وتَعَقَّبَه السُّيُوطيُّ في (اللآلئ) في إيراده له في الموضوعات، ولَخَّصَ تعقيبه ابن عَرَّاق في (تنزيه الشريعة)”./ انظر: زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة، خلدون الأحدب، دار القلم – دمشق، الطبعة الأولى، 1996 م، حديث رقم 1257، ج6 ص392 وما بعدها].

والذين أخرجوا هذا الحديث لمْ يكونوا بعيدين من الفترة النبوية، فلقد كانت وفاتهم في القرنين الرابع الهجري والخامس الهجري: فالطبراني توفي سنة 360 هـ، وأبو نعيم الأصبهاني توفي سنة 430 هـ، والقضاعي توفي سنة 454 هـ، والبيهقي توفي سنة 458 هـ، والخطيب البغدادي توفي سنة 463 هـ.

* ورُوِيَ عن ابن عبَّاس – أيضاً – أنّه قال: قال رسول الله ﷺ: “تَجَاوَزُوا عن ذَنْبِ السَّخِيِّ، وزَلَّةِ العَالِمِ، وسَطْوَةِ السُّلْطَانِ العَادِلِ، فإنَّ اللهَ تعالى آخذٌ بأَيْدِيْهِمْ كُلَّما عَثَرَ عَاثِرٌ مِنْهُمْ”. [رواه أبو بكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) – في ترجمته لِ (هنَّاد بن إبراهيم بن محمد النَّسَفِيّ أبو المُظَفَّر) –/ انظر: تاريخ بغداد، أبو بكر الخطيب البغدادي، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ – 2002 م، رقم7392 ، ج16 ص149].

وقال خلدون الأحدب: “إسناده ضعيف”. [انظر: زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة، خلدون الأحدب، دار القلم  – دمشق، الطبعة الأولى، 1996م، حديث رقم2114 ، ج9 ص382].

إضاءة 2: تفسير (الأخذ باليد) على غير ظاهره كان معروفاً ومنتشِراً استعمالُه عند العلماء والأدباء والشعراء، بل وعامّة النّاسِ، قال ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ): “ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44-46] .

قال ابن عباس: اليمين هاهنا: القوّة. وإنما أقام اليمين مقام القوّة، لأن قوة كل شيء في ميامنه.

ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر قد جرى الناس على اعتياده: أن كان الله عز وجل أراده في هذا الموضع، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذ بيده وافعل به كذا وكذا. وأكثر ما يقول السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده واسفع بيده”. [تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة الدينوري، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ص99-100].

وقال صلاح الدين خليل الصفدي (ت 764هـ) – في ترجمته للقَاضِي كَمَال الدّين الشهرزوري –: “قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين أَبُو الْفضل ابْن أبي مُحَمَّد الشهرزوري ثمَّ الْموصِلِي الْفَقِيه الشَّافِعِي… وَكَانَ أديباً شَاعِرًا طريفاً فكه الْمجْلس أقره صَلَاح الدّين على مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَتُوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس ماية، ولما كبر وَضعف كَانَ ينشد فِي كل وَقت قَول ابْن أبي الصَّقْر الوَاسِطِيّ:

يَا رَبِّ لاَ تُحْيِني إلى زَمَنٍ … أَكُوْنُ فِيْهِ كَلًّا عَلَى أَحَدٍ

خُذْ بِيَدِي قَبْل أن أقُوْلَ لِمَنْ … ألْقَاهُ عِنْدَ الْقِيَامِ خُذْ بِيَدِي”. [الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل الصفدي، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث – بيروت، 1420هـ- 2000م، ج3 ص266-267].

وابْنُ أبي الصَّقْر الوَاسِطِيُّ فقيهٌ شافعيّ وكاتب وشاعر، عاش في القرن الخامس وتوفي سنة 498هـ.

وقال عماد الدين الكاتب الأصبهاني (ت 597 هـ):

ما كنت في مدحه إذ هزه كلمي … إلا كما شعف المهوة الطالي

أقالني من عثاري آخذاً بيدي … ندب به أورقت أغصان آمالي.

[خريدة القصر وجريدة العصر – قسم شعراء المغرب والأندلس جـ 2، عماد الدين الكاتب الأصبهاني، تحقيق: آذرتاش آذرنوش، نقحه وزاد عليه: محمد المرزوقي، محمد العروسي المطوي، الجيلاني بن الحاج يحيى، الدار التونسية للنشر (هذا هو الجزء الثاني من قسم شعراء المغرب والأندلس)، عام النشر: 1971 م، ص241]

ومن الأمثال السّائِرة التي كانت منتشرة في عامّة الناس قديماً، المثلُ الذي يقول: “خُذْ بِيَدِي اليَوْمَ، آخُذُ بِرِجْلِكَ غَداً”، أي: انفعني بقليلٍ، أنفعك عند حاجتك بكثير.

ذكره أَبُو بَكْر الخُوَارِزْمي (ت 383هـ) في كتابه (الأمثال المولدة). [انظر: الأمثال المولدة، الخوارزمي، أبو بكر، نشر: المجمع الثقافي، أبو ظبي، عام النشر: 1424 هـ، ص313].

وأَبُو بَكْر الخُوَارِزْمي: من أئمة الكُتّاب، وأحدُ الشعراء العلماء. كان ثقة في اللغة ومعرفة الأنساب.

تنبيه 1: حديث أَنَس بْن مَالِكٍ رواه عنه ابن ماجه بسندٍ آخر فيه عَلِي بْن زَيْدٍ، وجاء فيه: عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: “إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ فِي حَاجَتِهَا”. [رواه ابن ماجه، وقال مُحَقِّقو سُنَن ابن ماجه: إسناده ضعيف، لِضُعف علي بن زيد – وهو ابن جدعان –/ انظر: سنن ابن ماجه، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد – محمَّد كامل قره بللي – عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430 هـ – 2009 م، حديث رقم 4176، ج5 ص274؛ وقال البوصيري: هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف لضعف عَليّ بن زيد بن جدعَان/ انظر: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، البوصيري، ج4 ص230، حديث رقم 87/ وصححه مع ذلك الألباني! انظر: سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية – فيصل عيسى البابي الحلبي، حديث رقم 4177، ج2 ص1398].

وروى حديث أنس السابق الإمامُ أحمد – أيضاً – بلفظ: “إِنْ كَانَتِ الْوَلِيدَةُ مِنْ وَلَائِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَتَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ”. [قال محققو المسند: “إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد – وهو ابن جدعان –، وقد صحَّ الحديث بغير هذا اللفظ”/ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ج20 ص178، حديث رقم 12780].

فائدةٌ هامّةٌ: قال ابن الأثير الجزري (ت 606هـ): “وَقَدْ تُطْلَق الْوَلِيدَةُ عَلَى الْجَارِيَةِ والأَمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً”. [النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير الجزري، المكتبة العلمية – بيروت، 1399هـ – 1979م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى – محمود محمد الطناحي].

وفي هذا ردٌّ على مَن ظنّ أنّ كلمة (الوليدة) التي وردت في الحديث السابق تُطلق على الصَّبِية.

وقفةٌ مع الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: جوّزَ الشيخُ الدكتور القرضاوي مصافحة النساء مِن غير المحارم، وَقوّى حُجّتَه بحديث أنسٍ السابق الذي رواه البخاري وقال: “وقد قال الحافظ في شرح حديث البخاري: «وَالمَقْصُودُ مِنَ الأَخْذِ بِاليَدِ لاَزِمُهُ، وَهُوَ الرِّفْقُ وَالاِنْقِيَاد…».

وما ذكره الحافظ – رَحِمَهُ اللهُ – مُسَلَّمٌ في جملته، ولكنْ صرْفُه معنى الأخْذِ باليد عن ظاهره إلى لازمه – وهو الرفق والانقياد – غيرُ مُسَلَّم؛ لأن الظاهر واللازم مُرَادَانِ مَعًا. والأصل في الكلام أن يُحْمل على ظاهره، إلَّا أنْ يوجد دليل أو قرينة معينة تصرفه عن هذا الظاهر. ولا أرى هنا ما يمنع ذلك، بل إن رواية الإمام أحمد – وفيها «فَلاَ يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ» – لَتَدُلُّ بوضوح على أن الظاهرَ هو المرادُ، وأنَّ مِن التَّكلفِ والاعتِسافِ الخروجَ عنه”. [كيف نتعامل مع السنة النبوية، د. يوسف القرضاوي، ط. الشروق، صفحة 184].

ويُرَدُّ عليه بما يأتي:

أوَّلًا- الحديثُ الذي رواه البخاري عن أنس خاصٌّ بالإماء فقط، ولقد قالت عائشة رضي الله عنها: “وَمَا مسَّت يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ إلاَّ امْرَأَةً يملكها”؛ فإنْ حُمِلَ الحديثُ على ظَاهره، فهذا يعني أنّ النَّبِيَّ ﷺ كان يملِك هؤلاء الإماء اللاتي كُنّ يأخذنَ بِيَدِهِ، ومعلومٌ أنه لمْ يقلْ أحدٌ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يملك جميع إماء المدينة!

ثانياً- حَمْلُ هذا الحديث على ظَاهره يتعارضُ مع قول النبيِّ ﷺ: “إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٌ”، الذي رواه أحمد، وإسناده صحيح؛ والمشهورُ عند علماء الأصول قولُهم: “يُرجح القولُ على الفعل؛ لأن القول أبلغ في البيان من الفعل”. [الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي، دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا، الطبعة الثانية، 1427 هـ – 2006 م، ج2 ص439].

وحَمْلُ الحديث على ظَاهره يتعارضُ – أيضاً – مع قولِ عائشة رضي الله عنها: “وَمَا مسَّت يَدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ إلاَّ امْرَأَةً يملكها”، الذي رواه البخاري.

وعند الأصوليين: يُرجَّح الخبر الموافق لخبر آخر؛ لأن الخبر الذي وافقه قد أفاد زيادةَ قوةٍ في الظّن في الخبر الموافق له. [انظر: الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح، عبد الكريم النملة (الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)، مكتبة الرشد – الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1420 هـ – 2000 م، ص426].

وخبرُ عائشة يُوافق خبرَ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، الذي جاء فيه قول النبيِّ ﷺ: “إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ”، وبهذا فخبرُ عائشة يُفيد زيادة قوة في خبر أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ.

وهذا التّعارُضُ قرينةٌ كافيةٌ لِصَرْفِ حديث أنسٍ عن ظاهره، والقولِ بأنّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ، وَهُوَ: الرِّفْقُ وَالِانْقِيَادُ. وهذا لمْ يَغِبْ عن الكرماني وابن حجر العسقلاني والقسطلاني وغيرِهم من الأئِمّة الذين شرحوا حديثَ أنسٍ الذي رواه البخاري، وصرفوا معناه عن ظاهِرِه!

ثالثاً- التعبيرُ (الأخذ باليد) قابلٌ لُغَةً لصَرْفِه عن ظاهِرِه – كما رأينا سابقاً –؛ لذا وجب صرفُه عن ظاهره حتى لا يتعارضَ مع الأحاديث الصحيحة الأخرى التي لا تقبل أن يُصرَف معناها عن ظاهرها، والتي وردَ فيها أنّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يصافح النساء.

رابعاً: أمَّا رواية الإمام أحمد، التي جاء فيها «فَلاَ يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ» فلقد ضعّفها الشيخُ المحدِّث شعيب الأرنؤوط والمحققون معه لِمُسند الإمام أحمد، وقالوا: إِسْنَاده ضَعِيف لضعف عَليّ بن زيد بن جدعَان، وضعّفه البوصيري في (زوائد ابن ماجه) وشعيبُ الأرنؤوط والذين حقّقوا معه سُنن ابن ماجه – كما رأينا سابقاً –.

وعند الأصوليين: “لا تعارض بين حديث صحيح مع حديث ضعيف أو مردود؛ لأن الحديث الضعيف أو المردود ليس حجةً أصلًا ولا دليلًا”. [الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي، دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا، الطبعة الثانية، 1427 هـ – 2006 م، ج2 ص409].

فمِثلُ هذا الحديث لا يمكن الاحتجاج به، ورَدُّ الأحاديث الصحيحة الأخرى التي وَرَدَ فيها أنّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يصافح النساء!

خامساً: يلاحَظ أن هناك اتِّفاقاً بين أكثر شُرّاح الأحاديث الذين شرحوا حديث أَنَس بْن مَالِكٍ الذي قَالَ فيه: “كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فتنطلق به حيث شاءت” على أنّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ: الرِّفْقُ وَالِانْقِيَادُ. ولا نجد لهم مخالفاً؛ وهذا قد يُعدّ إجماعاً.

المبحث الثالث: الجواب عن بعض الصغائر – التي قيل إنها غير مُخِلَّة – التي جوّزَها بعضُهم على الأنبياء، وَالنَّبِيُّ أبْعدُ النَّاسِ عنها.

إنّ الذين يُجوِّزون على الأنبياءِ الصغائرَ غيرَ المُخِلَّةِ لم يُعطوا تفسيراً دقيقاً لهذه الصغائر. ولا شَكَّ في أنّه قد يختلف النّاس في تحديد الصغائر التي تُعَدُّ مُخِلّة أمْ لا، قَالَ ابْنُ حَزْم (ت 456 هـ): “وَلَقَد قلتُ يَوْمًا لبَعْضهِم مِمَّن كَانَ يُجِيز عَلَيْهِم الصَّغَائِر بالعَمْد: أَلَيْسَ من الصَّغَائِر تَقْبِيلُ الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وقرصها؟ فَقَالَ: نعم. قلتُ: تُجَوِّزُ أَنَّهُ يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُقَبِّل امْرَأَةَ غَيرِه مُتَعَمِّدا؟ فَقَالَ: معَاذ الله من هَذَا. وَرجع إِلَى الْحق من حِينه، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين”. [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت 456 هـ)، مكتبة الخانجي – القاهرة، ج4 ص23].

وقال الدكتور عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي : “لا جرم أن الصغائر غير الخسية تختلف في أعيانها، وأشخاصها، وتتفاوت مراتبها بحسب ما يستَتْبِعُها من مَلامة ونقص، فليس النقص الذي يلحق بالقُبلة – مثلاً – كالنقص الذي يلحق بالنظرة – وحاشا الأنبياء من ذلك كله – ولا واحدة منهما كخطرة تمر بالقلب، لا يصدقها القول أو الفعل، بل تجفل النفس عنها قبل أن تُظِلَّها، وينفر القلب منها قبل أن تنزل بساحته، فيبقى القلب الشريف الطاهر بعيداً عنها منزهاً منها، طاهراً نقياً”.[آيات عتاب المصطفى ﷺ في ضوء العصمة والاجتهاد، د. عويد بن عيَّاد بن عايد المطرَفي، الناشر: كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز – مكة المكرمة، الطبعة الثالثة، 1426 هـ – 2005 م، ص75].

هذا، ومن الصغائر التي قيل إنها غيرُ مُخِلَّة وجوّزَها بعضُهم على الأنبياء النَظْرَةُ (أي: النظرُ إلى النساء بشهوة) أَوْ كَلِمَةُ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، قال الآمدي (ت: 631 هـ) فِي (الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ):  “وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى فَاعِلِهِ بِالْخِسَّةِ وَدَنَاءَةِ الْهِمَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ، كَسَرِقَةِ حَبَّةٍ أَوْ كِسْرَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْكَبِيرَةِ.

وَأَمَّا مَا لَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، كَنَظْرَةٍ أَوْ كَلِمَةِ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، فَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى جَوَازِهِ عَمْدًا وَسَهْوًا”. [الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، تعليق: عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي دمشق – بيروت، الطبعة الثانية، 1402 هـ، ج1 ص171].

  • الجواب عن ما قاله الآمدي:

أ- أمّا النظرةُ الآثمة فلا دليلَ على وقوعها من طرف النبي ﷺ، بل هناك نصوصٌ تَجعلنا نستبعد أن يكون النَّبِيُّ ﷺ قد تعمّد هذه النظرة، منها:

* قولُه تعالى: {وَلَا تَقۡرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰۤ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةࣰ وَسَاۤءَ سَبِیلࣰا} [الإسراء: 32].

قال القرطبي (671 هـ) في تفسيره: “قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُهُ تَعَالَى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) أَبْلَغُ مِنْ أَنْ يَقُولَ: وَلَا تَزْنُوا، فَإِنَّ معناه لا تدنوا من الزنى”.

وقال البيضاوي (685 هـ) في تفسيره: “﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ بِالعَزْمِ والإتْيانِ بِالمُقَدِّماتِ فَضْلًا عَنْ أنْ تُباشِرُوه”.

ومنَ المُقَدِّماتِ، النظرةُ المُحرّمةُ.

وقال النسفي (710 هـ) في تفسيره (مدارك التنزيل): “وهو نَهْيٌ عَنْ دَواعِي الزِنا كالمَسِّ والقُبْلَةِ ونَحْوِهِما، ولَوْ أُرِيدَ النَهْيُ عَنْ نَفْسِ الزِنا لَقالَ ولا تَزْنُوا”.

وقال العلاّمةُ ابنُ عاشور (1393 هـ) في تفسيره (التحرير والتنوير): “والقُرْبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو أقَلُّ المُلابَسَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ النَّهْيِ عَنْ مُلابَسَةِ الزِّنا”.

* قولُه ﷺ لِعَلِيٍّ: “يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ “. [رواه أبو داود، والترمذي وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ورواه أحمد، وقال محققو المسند: حسن لغيره].

قال المباركفوري (ت 1353هـ): “قَوْلُهُ (لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ) مِنَ الْإِتِّبَاعِ أَيْ: لَا تُعْقِبْهَا إِيَّاهَا وَلَا تَجْعَلْ أُخْرَى بَعْدَ الْأُولَى (فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى) أَيِ النَّظْرَةَ الْأُولَى إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ) أَيِ: النَّظْرَةُ الْآخِرَةُ لِأَنَّهَا بِاخْتِيَارِكَ فَتَكُونُ عَلَيْك”. [تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المباركفورى، دار الكتب العلمية – بيروت، ج8 ص50].

* وعن جَرير بن عبدالله – رضي الله عنه – قال: “سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عنْ نَظَرِ الفُجَاءَةِ، فأمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي”. [رواه مسلم].

تعقيب: فلا يُمكِن أن نتصوّرَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قد خالف فعلُه قولَه، واقْترب من الزِّنا – ولو مرّةً واحدةً – بنظرة محرّمة، تكون عليه.

شهادةُ عمرَ بنِ الخطاب – رضي الله عنه –:

قال النَّبِيُّ ﷺ: “دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فيها دارًا أوْ قَصْرًا، فَقُلتُ: لِمَن هذا؟ فقالوا: لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ”؛ فَبَكَى عُمَرُ، وقالَ: “أيْ رَسولَ اللهِ، أوَ عَلَيْكَ يُغارُ؟”. [متفق عليه].

فلو كان عمرُ بن الخطاب يعلم أن النَّبِيَّ ﷺ يمكن أن تَصْدُرَ منه النَّظْرَةُ بشهوةٍ إلى النساء، لَسكَتَ ولما قاله: “أيْ رَسولَ اللهِ، أوَ عَلَيْكَ يُغارُ؟”.

وسكوتُ النبي ﷺ على ما قاله عمر، دليلٌ على إقرارِه على أنه ﷺ لا يُغارُ على مِثْلِهِ، لِطهارَة قلبِه وصفائِه.

فهذه شهادةٌ كبيرة من عمرَ بنِ الخطاب – رضي الله عنه – على طهارة قلبِ النَّبِيِّ ﷺ، وبُعدِه عن النظرة المُحرّمة.

ب) وأمّا كَلِمَةُ سَفَهٍ نَادِرَةٍ فِي حَالَةِ غَضَبٍ، فتُوضّحها السُّنَّةُ النّبَوِيَّةُ:

* فعن أبي هريرة – رضي الله عنه –، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: “اللهمّ إنّما أنا بشر، فأيّما رجل من المسلمين سببتُه، أو لعنتُه، أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة”. [متفق عليه].

* وَعَنْهُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إِلَيْكَ يَوْمَ القيامة”. [متفق عليه].

* وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنّ رسول اللَّه ﷺ قال لِأُمِّ سُلَيْمٍ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ، أَمَا تَعْلَمِينَ أنَّ شَرْطِي علَى رَبِّي، أَنِّي اشْتَرَطْتُ علَى رَبِّي فَقُلتُ: إنَّما أَنَا بَشَرٌ، أَرْضَى كما يَرْضَى البَشَرُ، وَأَغْضَبُ كما يَغْضَبُ البَشَرُ، فأيُّما أَحَدٍ دَعَوْتُ عليه مِن أُمَّتِي بدَعْوَةٍ ليسَ لَهَا بأَهْلٍ؛ أَنْ يَجْعَلَهَا له طَهُورًا وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بهَا منه يَومَ القِيَامَةِ. [رواه مسلم].

قال الإمامُ النووي في (شرحه على مسلم): “هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُبَيِّنَةٌ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي كُلِّ مَا يَنْفَعُهُمْ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ آخِرًا تُبَيِّنُ المراد بباقي الروايات المطلقة، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وزكاة ونحو ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ والسّبِّ واللّعْنِ ونحوِها، وكان مسلما؛ وإلا فقد دَعَا ﷺ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَةً”.

المبحث الرابع: كيف كان الصحابة ينظرون إلى النّبِيِّ ؟

* عَنْ ‌عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ”. [رواه مسلم].

فالصحابةُ كانوا يعتقدون أنّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن معه قرينٌ من الجِنِّ؛ لأنهم كانوا ينظرون إليه ﷺ نظرةَ مَن لا يقع في الذنوب.

* وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا بِشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا”. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

قال علي  الملا القاري (ت 1014هـ): “وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَوْهِينَ أَمْرِ الْعَمَلِ وَنَفْيَهُ، بَلْ تَوْقِيفَ الْعِبَادِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ كَيْلَا يَتَكَلَّمُوا عَلَى أَعْمَالِهِمُ اغْتِرَارًا بِهَا، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: يَعْنِي أَنَّ النَّجَاةَ وَالْفَوْزَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالْعَمَلُ فِيهَا غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِمَا إِيجَابًا، وَالْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ وَالْمُرَادُ مَعْشَرُ بَنِي آدَمَ، أَوِ الْمُكَلَّفِينَ تَغْلِيبًا (قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ وَلَا إِيَّاكَ، أَيْ لِلْعَطْفِ عَلَى (أَحَدًا) فَعَدَلَ إِلَى الْجُمْلَةِ الْاسْمِيَّةِ أَيْ مِنَ الْفِعْلِيَّةِ الْمُقَدَّرَةِ مُبَالَغَةً، أَيْ: وَلَا أَنْتَ مِمَّنْ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ: اسْتِبْعَادٌ عَنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ”. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي  الملا القاري، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1422 هـ – 2002 م، حديث رقم 2371، ج4ص1643].

فالصحابةُ استبعدوا أنّ يكون النَّبِيُّ ﷺ معَ الذين لَنْ يُنَجِّيَهم عَمَلُهُم يومَ الحساب.

المبحث الخامس: كيف كان الصحابة ينظرون إلى الذنوب الصغيرة؟

عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ عُبَادَةُ بْنُ قُرْطٍ: “إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ أُمُورًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ من الْمُوبِقَاتِ” قَالَ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَقَالَ: “صَدَقَ وَأَرَى جَرَّ الْإِزَارِ مِنْهَا”. [رواه أحمد، رقم الحديث 15859، وقال محققو المسند: هذا الأثر صحيح].

وعَنْ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: “إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ”. [رواه البخاري، وأحمد].

المُوبقات: المهلكات، أي: الذنوب الكبيرة.

أدق في أعينكم: كناية عن احتقارهم لها واستهانتهم بها.

قال ابن الملقن (804 هـ): “إنما كانوا يعدون الصغائر من الموبقات؛ لشدة خشيتهم لله، وإنه لم يكن لهم كبائر”. [التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الملقن، تحقيق: دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث بإشراف خالد الرباط، جمعة فتحي، تقديم: أحمد معبد عبد الكريم، دار النوادر، دمشق – سوريا، الطبعة الأولى، 1429 هـ – 2008 م، شرح حديث رقم: 6492، ج29 ص547].

وقال ابن علان (ت 1057هـ) في كتابه (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين): “وفي الحديث كمالُ مراقبةِ القوم تعالى، وكمالُ استِحْيائِهم منه، حتى إنهم يرون تلك الأمور التي استهْون غيرُهمُ الوقوع فيها مُهلِكات لهم؛ لعظم شهودهم جلال الله تعالى وعظمته”. [دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، ابن علان الشافعي، اعتنى بها: خليل مأمون شيحا، دار المعرفة، بيروت – لبنان، الطبعة: الرابعة، 1425 هـ – 2004 م، حديث رقم 634/ ج1 ص239].

تعقيب: لقد قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبعض المتشددين الذين ظنوا أنهم أكثر قُرباً لِلّهِ منه ﷺ: “أَمَا واللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وأَتْقَاكُمْ له”. [متفق عليه].

وإذا كان الصحابةُ – رضوان الله عليهم – يخشون على أنفسهم من الوقوع في الصغائر، فإنّ النَّبِيَّ ﷺ كان أكثرَ خَشْيةً منهم على نفسه من الاقتراب من الذنوب ولو كانت من الصغائر.

الفصل السابع: إضاءات حول بعض النصوص التي ظاهرُها وقوع النبي صلى الله عليه وسلم في الصغائر:

 

1) كلمة (على) في: النّصّ الثاني: قال تعالى: {وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ. ٱلَّذِیۤ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ} [الشرح: 2-3]. قال ابن عطية (546 هـ) في تفسيره (المحرر الوجيز): “و {الوِزْرُ} الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو – عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ – الثِقلُ الَّذِي كانَ [على] رسولِ اللهِ ﷺ، وحَيْرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ..

2) ما يوجد داخل القوسين (أن يتزوجن بعد المولى، وقد قبلت السيدة زينب اقترانها بزيد، وما على سادات العرب) في: النصّ السادس: يقول تعالى: {وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِیۤ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَیۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِی فِی نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِیهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَیۡدࣱ مِّنۡهَا وَطَرࣰا زَوَّجۡنَـٰكَهَا لِكَیۡ لَا یَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ حَرَجࣱ فِیۤ أَزۡوَ ٰ⁠جِ أَدۡعِیَاۤىِٕهِمۡ إِذَا قَضَوۡا۟ مِنۡهُنَّ وَطَرࣰاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولࣰا} [الأحزاب: 37].

قال الشيخُ العلاّمةُ الدكتور محمد أبو شُهبة (ت 1403هـ): “إبطال ما ورد في قصة السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها:..

التفسير الصحيح للآية:.. وقد شاء الله أن يكون أول عتيق يتزوج بعربية في الصميم من قريش هو زيد، وأن يكون أول سيد يبطل هذه العادة – حرمة زوجة الابن المتبنى – هو رسول الله، وما على بنات الأشراف [أن يتزوجن بعد المولى، وقد قبلت السيدة زينب اقترانها بزيد، وما على سادات العرب] أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم، وقد قضَوا منهن وطرا، وإمام المسلمين، ومن يصدع بأمر اللهِ، قد فتح هذا الباب، وتزوج حليلةَ متبناه بعد فراقها، وقد كان كل ما أرد الله…

قال القاضي عياض (ت 544 هـ) عن الذين أجازوا الصغائر على الأنبياء: “اِعْلَمْ أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ لِلصَّغَائِرِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَمَنْ شَايَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِظَوَاهِرَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ.. إِنِ الْتَزَمُوا ظَوَاهِرَهَا أَفْضَتْ بِهِمْ إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع، وما لَا يَقُولُ بِهِ مُسْلِمٌ.

فَكَيْفَ وَكُلُّ مَا احتجو بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ وَتَقَابَلَتِ الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويلُ فيها للسلف بخلاف ما التزموا مِنْ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَذْهَبُهُمْ إِجْمَاعًا وَكَانَ الْخِلَافُ فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ قَدِيمًا، وَقَامَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى خَطَأِ قَوْلِهِمْ، وَصِحَّةِ غَيْرِهِ، وَجَبَ تَرْكُهُ وَالْمَصِيرُ إِلَى مَا صَحَّ”.

[الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ، الفصل الثالث عشر الردّ على من أجاز عليهم من الصّغائر، ج2 ص353-354].

وهذه بعضُ النصوص التي استدلوا بها، مع ذكر أقوال بعض المحققين الذين بيّنوا أنَّ ظاهرَها غيرُ مراد:

النّصُّ الأوّل: قال تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ [الضحى: 7].

  • أوَّلًا- معنى الضلال عند أهل اللغة:

قال الراغب الأصفهاني (502 هـ) في معجمه (مفردات ألفاظ القرآن) في مادّة (ضل): “الضَّلَالُ: العدولُ عن الطّريق المستقيم، ويضادّه الهداية، قال تعالى: {فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها}، ويقال الضَّلَالُ لكلّ عدولٍ عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيراً كان أو كثيراً،… وإذا كان الضَّلَالُ تركَ الطّريق المستقيم عمْداً كان أو سهواً، قليلا كان أو كثيرا، صحّ أن يستعمل لفظ الضَّلَالِ ممّن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضَّلَالُ إلى الأنبياء، وإلى الكفّار، وإن كان بين الضَّلَالَيْنِ بَوْنٌ بعيد، ألا ترى أنه قال في النّبي ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى﴾، أي: غير مهتد لِمَا سِيق إليك من النّبوّة. وقال في يعقوب: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾، وقال أولادُه: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه، وكذلك: ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، وقال عن موسى عليه السلام: ﴿فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾، تنبيهٌ أنّ ذلك منه سهوٌ، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما﴾، أي: تنسى، وذلك من النّسيان الموضوع عن الإنسان”.

وقال الدكتور محمد حسن جبل (1436 هـ) – وهو لغوي وأكاديمي مصري – في كتابه «المعجم الاشتقاقي»: “وليس في دلالة التركيب الأصلية أنّ الضلالَ هو مقارفةُ الذنوبِ والرذائلِ ضرورةً”. [المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، د. محمد حسن حسن جبل، مكتبة الآداب – القاهرة، الطبعة الأولى، 2010 م، ج3 ص1297-1298].

  • ثانياً- معنى لفظ (ضالاًّ) عند أهل التفسير:

قال ابن جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره «»: “﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ﴾ فيه ستة أقوال:

أحدها: وجدك ضالاً عن معرفة الشريعة فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقيف في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52] وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره، ومعناه أنه لم يكن يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه الله، ولكنه ما كفر بالله ولا أشرك به لأنه كان معصوماً من ذلك قبل النبوة وبعدها.

والثاني: وجدك في قوم ضلاّل، فكأنك واحد منهم، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون، وهذا قريب من الأول.

والثالث: وجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف، لأن السورة نزلت قبل الهجرة.

الرابع: وجدك حامل الذكر لا تعرف فهدى الناس إليك وهداهم بك، وهذا بعيد عن المعنى المقصود.

الخامس: أنه من الضلال عن الطريق، وذلك أنه ﷺ ضلّ في بعض شعب مكة، وهو صغير فردّه الله إلى جده، وقيل: بل ضلّ من مرضعته حليمة فرده الله إليها، وقيل: بل ضل في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب.

السادس: أنه بمعنى الضلال من المحبة أي وجدك محباً لله فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم، ﴿تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95] محبتك ليوسف”.

وقال الشيخُ المفتي عطية صقر: “يقول الله سبحانه {ووجدك ضالا فهدى} [الضحى: 7]، الضلال أنواع، منه ضلال الشرك، وضلال الهوى، وضلال الطريق. الأول في العقيدة والثاني في السلوك القولي والعملي، والثالث في أمور الدنيا، وإن كان في بعضها تداخل، والدليل العقلي مع إجماع أهل الملل على أن الشرك مستحيل على الأنبياء قبل البعثة وبعدها، فلا يصح أن يكون مقصودا من الآية، والدليل العقلي قام أيضا على استحالة صدور الكبائر من الأنبياء، فلا تصح إرادة ذلك من الآية، بقى النوع الثالث من الضلال وهو ضلال الطريق، سواء منه المادي والمعنوي، وهو الذى يجب حَمْلُ الآية عليه، فقد كان ﷺ في نشأته بين قومه مطبوعا على التمسك بالكمالات، والبعد عن كل ما يشعر بالخسة والنقص في الفهم والسلوك، وكانت نفسه تتوق إلى السعي دائما لرفع شأن قومه بما يخلصهم مما ارتكسوا فيه من شرك وسلوك غير مستقيم، ومازال يفكر في وسيلة تحقق له أمنيته، فلم يجد في الأديان السائدة، ما يشفى غلته حتى طلعت عليه شمس النبوة، ونزل عليه جبريل يبين له الطريق الذى يسلكه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبهذا هداه الله من حيرته، ويحمل عليه قوله تعالى {ووجدك ضالا فهدى}”. [فتاوى دار الإفتاء المصرية، ج8 ص197].

النّصُّ الثاني: قال تعالى: {وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ. ٱلَّذِیۤ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ} [الشرح: 2-3].

قال ابن عطية (546 هـ) في تفسيره (المحرر الوجيز): “و {الوِزْرُ} الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو – عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ – الثِقلُ الَّذِي كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحَيْرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ مِنَ اللهِ أمْرٌ واضِحٌ، فَوَضَعَ اللهُ تَعالى عنهُ ذَلِكَ الثِقلَ بِنُبُوَّتِهِ وإرْسالِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: المَعْنى: خَفَّفْنا عَلَيْكَ أثْقالَ النُبُوَّةِ، وأعَنّاكَ عَلى الناسِ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وجُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الوِزْرُ هُنا: الذُنُوبُ، الثِقلُ، فَشُبِّهَتِ الذُنُوبُ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: 2]، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُبُوَّةِ وِزْرُهُ صُحْبَةُ قَوْمِهِ، وأكْلُهُ مِن ذَبائِحِهِمْ، ونَحْوُ هَذا، وقالَ الضَحّاكُ، وفي كِتابِ النَقّاشِ: حُضُورُهُ مَعَ قَوْمِهِ المَشاهِدَ الَّتِي لا يُحِبُّها اللهُ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها جَرَّها المَنشَأُ، كَشُهُودِهِ حَرْبَ الفُجّارِ، يَنْبُلُ عَلى أعْمامِهِ وقَلْبُهِ في ذَلِكَ مُنِيبٌ إلى الصَوابِ، وأمّا عِبادَةُ الأصْنامِ فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِها قَطُّ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: {وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ}، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: {وَحَلَلْنا عنكَ وِزْرَكَ}، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ {وَحَطَطْنا عنكَ وِزْرَكَ}، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ النَبِيَّ ﷺ صَوَّبَ جَمِيعَها. وقالَ المُحاسِبِيُّ: إنَّما وُصِفَتْ ذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِالثِقلِ – وهي صَغائِرُ مَغْفُورَةٌ – لِهَمِّهِمْ بِها وتَحَسُّرِهِمْ عَلَيْها”.

وقال الشيخُ العلاّمةُ ابن عاشور (1393 هـ) في تفسيره (التحرير والتنوير): “والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أزالَ عَنْهُ كُلَّ ما كانَ يَتَحَرَّجُ مِنهُ مِن عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي لا تُلائِمُ ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنَ الزَّكاءِ والسُّمُوِّ، ولا يَجِدُ بُدًّا مِن مُسايَرَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَوَضَعَ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ أوْحى إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ، وكَذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ في أوَّلِ بِعْثَتِهِ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ فَيَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: 6]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: 8])”.

النّصُّ الثالث: قوله تعالى: {فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ} [محمد: 19].

قال الثعلبي (427 هـ) في تفسيره: “وقيل: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ من التقصير الواقع لك في معرفة الله”.

وقال أبو السعود (982 هـ) في تفسيره: “﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وهو الَّذِي رُبَّما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَرْكِ الأوْلى، عُبِّرَ عَنْهُ بِالذَّنْبِ نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ؛ كَيْفَ لا؟ وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وإرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ واسْتِقْصارِ العَمَلِ”.

وقال ابن عاشور (1393 هـ) في تفسيره «التحرير والتنوير»: “وما يَسْتَغْفِرُ مِنهُ النَّبِيءُ ﷺ لَيْسَ مِنَ السَّيِّئاتِ لِعِصْمَتِهِ مِنها، وإنَّما هو اسْتِغْفارٌ مِنَ الغَفَلاتِ ونَحْوِها، وتَسْمِيَتُهُ بِالذَّنْبِ في الآيَةِ إمّا مُحاكاةٌ لِما كانَ يُكْثِرُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وإنَّما كانَ يَقُولُهُ في مَقامِ التَّواضُعِ، وإمّا إطْلاقٌ لِاسْمِ الذَّنْبِ عَلى ما يَفُوتُ مِنَ الِازْدِيادِ في العِبادَةِ مِثْلُ أوْقاتِ النَّوْمِ والأكْلِ”.

النّصُّ الرابع: قوله تعالى: {إِنَّاۤ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَیۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَاۤ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَاۤىِٕنِینَ خَصِیمࣰا. وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا} [النساء:105-106].

قال ابن جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره «التسهيل لعلوم التنزيل»: “﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في قصة طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقَ إذ سرق طعاماً وسلاحاً لبعض الأنصار، وجاء قومه إلى النبي ﷺ وقالوا: إنه بريء، ونسبوا السرقة إلى غيره، وظن رسول الله ﷺ أنهم صادقون، فجادل عنهم ليدفع ما نسب إليهم حتى نزل القرآن فافتضحوا، فالخائنون في الآية: هم السُّرَّاقُ بنو الأُبيْرِق، وقال السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسيد، ومعناها: لا تكن لأجل الخائنين مخاصماً لغيرهم ﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ﴾ أي: مِن خصامك عن الخائنين؛ على أنه ﷺ إنما تكلم على الظاهر وهو يعتقد براءتهم”.

وقال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 هـ) في تفسيره: “المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لَوْلا أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرادَ أنْ يُخاصِمَ لِأجْلِ الخائِنِ ويَذُبَّ عَنْهُ، وإلّا لَما ورَدَ النَّهْيُ عَنْهُ.

والجَوابُ: أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ فاعِلًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، بَلْ ثَبَتَ في الرِّوايَةِ أنَّ قَوْمَ طُعْمَةَ لَمّا التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ يَذُبَّ عَنْ طُعْمَةَ، وأنْ يُلْحِقَ السَّرِقَةَ بِاليَهُودِيِّ تَوَقَّفَ وانْتَظَرَ الوَحْيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكانَ الغَرَضُ مِن هَذا النَّهْيِ تَنْبِيهَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنَّ طُعْمَةَ كَذّابٌ، وأنَّ اليَهُودِيَّ بَرِيءٌ عَنْ ذَلِكَ الجُرْمِ.

فَإنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجُرْمَ قَدْ وقَعَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفارِ دَلَّ عَلى سَبْقِ الذَّنْبِ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: لَعَلَّهُ مالَ طَبْعُهُ إلى نُصْرَةِ طُعْمَةَ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ فَأمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ لِهَذا القَدْرِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.

والثّانِي: لَعَلَّ القَوْمَ لَمّا شَهِدُوا عَلى سَرِقَةِ اليَهُودِيِّ، وعَلى بَراءَةِ طُعْمَةَ مِن تِلْكَ السَّرِقَةِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يُوجِبُ القَدْحَ في شَهادَتِهِمْ هَمَّ بِأنْ يَقْضِيَ بِالسَّرِقَةِ عَلى اليَهُودِيِّ، ثُمَّ لَمّا أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى كَذِبِ أُولَئِكَ الشُّهُودِ عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ القَضاءَ لَوْ وقَعَ لَكانَ خَطَأً، فَكانَ اسْتِغْفارُهُ بِسَبَبِ أنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي لَوْ وقَعَ لَكانَ خَطَأً في نَفْسِهِ، وإنْ كانَ مَعْذُورًا عِنْدَ اللَّهِ فِيهِ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: (واسْتَغْفِرِ اللَّهَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَذُبُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، ويُرِيدُونَ أنْ يُظْهِرُوا بَراءَتَهُ عَنِ السَّرِقَةِ”.

النصّ الخامس: يقول سبحانه وتعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2].

قال الإمامُ ابن كثير (774 هـ) في تفسيره: “وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾: هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ – صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ – الَّتِي لا يشاركه فيها غيره. وليس صحيح فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ لِغَيْرِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. وَهَذَا فِيهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ – صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ – فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْبِرِّ وَالِاسْتِقَامَةِ الَّتِي لَمْ يَنَلْهَا بَشَرٌ سِوَاهُ، لَا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَلَا مِنَ الْآخِرِينَ، وَهُوَ أَكْمَلُ الْبَشَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَسَيِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”.

وقال الإمامُ أبو السعود (982 هـ) في تفسيره: “﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما فَرَطَ مِنكَ مِن تَرْكِ الأوْلى؛ وتَسْمِيَتُهُ ذَنْبًا بِالنَّظَرِ إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ”.

وقال العلاّمةُ الطاهر ابن عاشور (1393 هـ) في تفسيره (التحرير والتنوير): “والمُرادُ بِـ {ما تَقَدَّمَ}: تَعْمِيمُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ كَقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: 255]، فَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ أوْ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ ذَنْبٌ”.

النصّ السادس: يقول تعالى: {وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِیۤ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَیۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِی فِی نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِیهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَیۡدࣱ مِّنۡهَا وَطَرࣰا زَوَّجۡنَـٰكَهَا لِكَیۡ لَا یَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ حَرَجࣱ فِیۤ أَزۡوَ ٰ⁠جِ أَدۡعِیَاۤىِٕهِمۡ إِذَا قَضَوۡا۟ مِنۡهُنَّ وَطَرࣰاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولࣰا} [الأحزاب: 37].

قال الشيخُ العلاّمةُ الدكتور محمد أبو شُهبة (ت 1403هـ): “إبطال ما ورد في قصة السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها:

ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}.

فقد رُوِي عن قتادة وابن زيد أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بيت زيد في غيبته، فرأى زينب في زِينتها، وفي رواية: أن الريح كشفت عن ستر بيتها، فرآها في حُسنها، فوقع حبُّها في قلبه فرجع وهو يقول: سبحان الله العظيم، سبحان مقلب القلوب. فلما حضر زيد أخبرَتْه بكلام رسول الله، فذهب زيد، وقال: بلغني أنك أتيت منزلي، فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك، فأفارقها، فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك، واتق الله، فنزلت الآية. وقد ذُكِر هذا السبب في تفسير الجلالين، وفَسَّر المفسرُ الجلالُ الآيةَ على هذه الرواية، فيقول: وتخفي في نفسك ما الله مبديه: تظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجتها. وذكر مثله الزمخشري، والنسفي، وابن جرير، والثعلبي، وغيرهم؛ إلا أن ابن جرير ذكر بجانب هذا الباطل المدسوس روايةً تتفق مع الواقع والحق. وذِكْرُ مِثلِ هذه الروايات الباطل – التي ليس لها من شاهد من نقل ولا عقل – غفلة شديدة، وإن كان مَن أبْرَزَ سنَدَه تَبِعَتُهُ أخَفُّ.

وهذه الرواية إنما هي من وَضْع أعداء الدين. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم متهم بالكذب، والتحديث بالغرائب، ورواية الموضوعات. ولم يذكر هذا إلا المفسرون والإخباريون المولعون بنقل كل ما وقع تحت أيديهم من غث أو سمين، ولم يوجد شيء من ذلك في كتب الحديث المعتمدة التي عليها المعول عند الاختلاف؛ والذي جاء في الصحيح يخالف ذلك، وليس فيه هذه الرواية المنكرة، روى البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ}: نزلت في شأن زينب ابنة جحش، وزيد بن حارثة واقتصر على هذا القدر، وليس فيه شيء من هذا الخلط، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر رواية قتادة: “ووردت آثار أخرى، أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، وما أوردته هو المعتمد”. وهذه شهادة لها قيمتها، والذي أورده هو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن طريق السدي، في هذه القصة، فساقها سياقا واضحا حسنا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب: عمة رسول الله، وكان رسول الله أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم رضيت بما صنع رسول الله، فزوجها إياه؛ ثم أعلم الله عز وجل نبيه بعْدُ، أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى أن يعيب عليه الناس، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا. وهو السبب الصحيح.

وروى ابن أبي حاتم أيضا، والطبري – كلٌّ بسنده – عن علي بن الحسين بن علي، قال: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها، وقال له: “اتق الله، وأمسك عليك زوجك”، قال الله: قد أخبرتك أني مزوِّجُكَها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه. وقال ابن كثير في تفسيره عند قول الله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}: “ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا أثاراً عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنهم صفحًا؛ لعدم صحتها فلا نوردها”.

  • التفسير الصحيح للآية:

وهاك تفسير الآية الذي يساير روحها ونصها، وتشهد له الروايات الصحيحة، وتتجلى فيه حكمة الله العالية؛ ذلك: أن العرب كان من عادتها التبني، وكانت تُلْحِق الابنَ المتبنَّى بالعصبي، وتجري عليه حقوقه في الميراث، وحرمةُ زوجته على من تبناه، وكانت تلك العادة متأصلة في نفوسهم، كما كان كبيرا أن تتزوج بنات الأشراف من موالٍ، وإن أعتقوا، وصاروا أحرارا طلقاء، فلما جاء الإسلام، كان من مقاصده: أن يزيل الفوارق بين الناس التي تقوم على العصبية، وحمية الجاهلية، فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وأن يقضي على حرمة زوجة الابن المتبنى، وقد شاء الله أن يكون أول عتيق يتزوج بعربية في الصميم من قريش هو زيد، وأن يكون أول سيد يبطل هذه العادة – حرمة زوجة الابن المبنى – هو رسول الله، وما على بنات الأشراف أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم، وقد قضوا منهن وطرا، وإمام المسلمين، ومن يصدع بأمر الله، قد فتح هذا الباب، وتزوج حليلةَ متبناه بعد فراقها، وقد كان كل ما أرد الله، فرسول الله يخطب زينب لزيد، فتأبى، ويأبى بعض أهلها، ويكرر رسول الله الطلب، وينزل الوحي بذلك: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} فلم يبقَ إلا الإذعان من زينب وأهلها، ولكن زيدا وجد منها تعاظما، فيرغب في فراقها، ويستشير الرسول، فينصحه بإمساكها، وكان جبريل قد أخبر رسول الله بأن زينب ستكون زوجة له، وسيبطل الله بزواجه منها هذه العادة، ولكن النبي وجد غضاضة على نفسه أن يأمر زيدا بطلاقها، ويتزوجها من بعد، فتشيع المقالة بين الناس، أن محمدا تزوج حليلة ابنه، وبذلك: يصير عرضة للقيل والقال من أعدائه، وهو في دعوته إلى دين الله أحوج إلى تأييد المؤيدين، فهذا المقدار من خشية الناس حتى أخفى ما أخبره الله به  –وهو نكاحها – هو ما عاتبه الله عليه، وقد صرح الله في كلامه بالسبب الباعث على هذا الزواج فقال: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}، هذا هو التفسير الذي يتفق مع الحق والواقع….

وثَمّةَ حجة دامغة تذهب بالقصة من أساسها، فالسيدة زينب هي: بنت أميمة بنت عبد المطلب، بنت عمة رسول الله، وقد ربيت على عينه، وشهدها وهي تحبو، ثم وهي شابة، وله بحكم صلة القرابة معرفة بها، وبمفاتنها، ولا سيما: والنساء كن يبدين من محاسنهن ما حرم الإسلام منه بعد، وهو الذي خطبها على زيد مولاه، وكرر الطلب، حتى استجيب له، روى ابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لزينب: إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة، فإني قد رضيته لك، قالت: لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي، وبنت عمتك، فنزلت الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ} قالت: قد أطعتك، فاصنع ما شئت. فغير معقول، والحال كما ذكرت، ألا يكون شاهدها، فلو كان يهواها، أو وقعت من قلبه، فأي شيء كان يمنعه من زواجها، وإشارة منه كافية؛ لأن يقدموها له وما ملكت؟ فمثله وهو في الذروة من قريش نسبا وخلقا ودينا، ما كان يُقدَع أنفه”. [الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، محمد بن محمد أبو شُهبة، دار الجيل-بيروت، الطبعة الأولى 1413هـ-1992م، ص323-327].

النصّ السادس: قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِیٍّ أَن یَكُونَ لَهُۥۤ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ یُثۡخِنَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِیدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡیَا وَٱللَّهُ یُرِیدُ ٱلۡـَٔاخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ. لَّوۡلَا كِتَـٰبࣱ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِیمَاۤ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ} [الأنفال 67-68].

قال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 هـ) في تفسيره: “المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ صَرِيحٌ في أنَّ هَذا المَعْنى مَنهِيٌّ عَنْهُ، ومَمْنُوعٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّ هَذا المَعْنى قَدْ حَصَلَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ قُل لِّمَن فِیۤ أَیۡدِیكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰۤ﴾ [الأنْفالِ: 70] .

الثّانِي: أنَّ الرِّوايَةَ الَّتِي ذَكَرْناها قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قَتَلَ أُولَئِكَ الكُفّارَ، بَلْ أسَرَهم، فَكانَ الذَّنْبُ لازِمًا مِن هَذا الوَجْهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَمِيعَ قَوْمِهِ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ الكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنْفالِ: 12] وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَلَمّا لَمْ يَقْتُلُوا بَلْ أسَرُوا كانَ الأسْرُ مَعْصِيَةً.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وكانَ أخْذُ الفِداءِ مَعْصِيَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن عَرَضِ الدُّنْيا هَهُنا هو أخْذُ الفِداءِ.”.

والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أخَذْتُمْ﴾ ذَلِكَ الفِداءُ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأبا بَكْرٍ بَكَيا، وصَرَّحَ الرَّسُولُ ﷺ أنَّهُ إنَّما بَكى لِأجْلِ أنَّهُ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَنْبٌ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:“ «إنَّ العَذابَ قَرُبَ نُزُولُهُ ولَوْ نَزَلَ لَما نَجا مِنهُ إلّا عُمَرُ»  ”وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الذَّنْبِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ وُجُوهِ تَمَسُّكِ القَوْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ أوَّلًا: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ الأسْرُ مَشْرُوعًا، ولَكِنْ بِشَرْطِ سَبْقِ الإثْخانِ في الأرْضِ، والمُرادُ بِالإثْخانِ هو القَتْلُ والتَّخْوِيفُ الشَّدِيدُ، ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ قَتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ خَلْقًا عَظِيمًا، ولَيْسَ مِن شَرْطِ الإثْخانِ في الأرْضِ قَتْلُ جَمِيعِ النّاسِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ القَتْلِ الكَثِيرِ أسَرُوا جَماعَةً، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْدَ الإثْخانِ يَجُوزُ الأسْرُ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ جائِزًا بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً ؟ ويَتَأكَّدُ هَذا الكَلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [مُحَمَّدٍ: 4] .

فَإنْ قالُوا: فَعَلى ما شَرَحْتُمُوهُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأسْرَ كانَ جائِزًا، والإتْيانُ بِالجائِزِ المَشْرُوعِ لا يَلِيقُ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلَيْهِ، فَلِمَ ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى العِقابِ ؟ فَنَقُولُ: الوَجْهُ فِيهِ أنَّ الإثْخانَ في الأرْضِ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِضابِطٍ مَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ إكْثارُ القَتْلِ بِحَيْثُ يُوجِبُ وُقُوعَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنْ لا يَجْتَرِئُوا عَلى مُحارَبَةِ المُؤْمِنِينَ، وبُلُوغُ القَتْلِ إلى هَذا الحَدِّ المُعَيَّنِ لا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ مُفَوَّضًا إلى الِاجْتِهادِ، فَلَعَلَّهُ غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ مِنَ القَتْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ كَفى في حُصُولِ هَذا المَقْصُودِ، مَعَ أنَّهُ ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكانَ هَذا خَطَأً واقِعًا في الِاجْتِهادِ في صُورَةٍ لَيْسَ فِيها نَصٌّ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَحَسُنَ تَرْتِيبُ العِقابِ عَلى ذِكْرِ هَذا الكَلامِ لِهَذا السَّبَبِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ البَتَّةَ ذَنْبًا ولا مَعْصِيَةً.

والجَوابُ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ثانِيًا أنْ نَقُولَ: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أنَّ هَذا الخِطابَ إنَّما كانَ مَعَ الصَّحابَةِ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ مَأْمُورًا أنْ يُباشِرَ قَتْلَ الكُفّارِ بِنَفْسِهِ، وإذا كانَ هَذا الخِطابُ مُخْتَصًّا بِالصَّحابَةِ، فَهم لَمّا تَرَكُوا القَتْلَ وأقْدَمُوا عَلى الأسْرِ، كانَ الذَّنْبُ صادِرًا مِنهم لا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ . ونُقِلَ أنَّ الصَّحابَةَ لَمّا هَزَمُوا الكُفّارَ وقَتَلُوا مِنهم جَمْعًا عَظِيمًا، والكُفّارُ فَرُّوا ذَهَبَ الصَّحابَةُ خَلْفَهم وتَباعَدُوا عَنِ الرَّسُولِ وأسَرُوا أُولَئِكَ الأقْوامَ، ولَمْ يَعْلَمِ الرَّسُولُ بِإقْدامِهِمْ عَلى الأسْرِ إلّا بَعْدَ رُجُوعِ الصَّحابَةِ إلى حَضْرَتِهِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ما أسَرَ وما أمَرَ بِالأسْرِ، فَزالَ هَذا السُّؤالُ.

فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهم لَمّا حَمَلُوا الأُسارى إلى حَضْرَتِهِ فَلِمَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِمُ امْتِثالًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ .

قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاضْرِبُوا﴾ تَكْلِيفٌ مُخْتَصُّ بِحالَةِ الحَرْبِ عِنْدَ اشْتِغالِ الكُفّارِ بِالحَرْبِ، فَأمّا بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ فَهَذا التَّكْلِيفُ ما كانَ مُتَناوِلًا لَهُ، والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَشارَ الصَّحابَةَ في أنَّهُ بِماذا يُعامِلُهم، ولَوْ كانَ ذَلِكَ النَّصُّ مُتَناوِلًا لِتِلْكَ الحالَةِ، لَكانَ مَعَ قِيامِ النَّصِّ القاطِعِ تارِكًا لِحُكْمِهِ وطالِبًا ذَلِكَ الحُكْمَ مِن مُشاوَرَةِ الصَّحابَةِ، وذَلِكَ مُحالٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أمْرٌ، والأمْرُ لا يُفِيدُ إلّا المَرَّةَ الواحِدَةَ، وثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّ هَذا المَعْنى كانَ واجِبًا حالَ المُحارَبَةِ فَوَجَبَ أنْ يَبْقى عَدِيمَ الدَّلالَةِ عَلى ما وراءَ وقْتِ المُحارَبَةِ، وهَذا الجَوابُ شافٍ.

والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ ثالِثًا، وهو قَوْلُهم: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكَمَ بِأخْذِ الفِداءِ، وأخْذُ الفِداءِ مُحَرَّمٌ، فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ أخْذَ الفِداءِ مُحَرَّمٌ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَنَقُولُ: هَذا لا يَدُلُّ عَلى قَوْلِكم، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حُصُولُ العِتابِ عَلى الأسْرِ لِغَرَضِ أخْذِ الفِداءِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ أخْذَ الفِداءِ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا.

الثّانِي: أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: الأوْلى أنْ نَأْخُذَ الفِداءَ لِتَقْوى العَسْكَرُ بِهِ عَلى الجِهادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ الفِداءَ لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلى الدِّينِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَمِّ مَن طَلَبَ الفِداءَ لِمَحْضِ عَرَضِ الدُّنْيا ولا تَعَلُّقَ لِأحَدِ البابَيْنِ بِالثّانِي، وهَذانِ الجَوابانِ بِعَيْنِهِما هُما الجَوابانِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ رابِعًا: أنَّ بُكاءَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ لَمّا خالَفَ أمْرَ اللَّهِ في القَتْلِ، واشْتَغَلَ بِالأسْرِ اسْتَوْجَبَ العَذابَ، فَبَكى الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَهَدَ في أنَّ القَتْلَ الَّذِي حَصَلَ هَلْ بَلَغَ مَبْلَغَ الإثْخانِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ ووَقَعَ الخَطَأُ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَأقْدَمَ عَلى البُكاءِ لِأجْلِ هَذا المَعْنى.

والجَوابُ عَمّا ذَكَرُوهُ خامِسًا: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ بِالقَتْلِ، وأقْدَمُوا عَلى الأسْرِ حالَ ما وجَبَ عَلَيْهِمُ الِاشْتِغالُ بِالقَتْلِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ”.

النصّ السابع: قال تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ} [التوبة: 43].

قال القاضي عياض (ت 544 هـ): “وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ}، فَأَمْرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَهْيٌ فَيُعَدُّ معصية..

ولا عَدّهُ الله تعالى مَعْصِيَةً.. بَلْ لَمْ يَعُدَّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مُعَاتَبَةً وَغَلَّطُوا مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ.

قَالَ نِفْطَوَيْهِ: وَقَدْ حَاشَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.. بَلْ كَانَ مُخَيَّرًا فِي أَمْرَيْنِ.

قَالُوا: وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ وَحْيٌ.. فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ الله تعالى: {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ} فَلَمَّا أَذِنَ لَهُمْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْ سِرِّهِمْ.. أَنَّهُ لَوْ لَمْ يأذن لَقَعَدُوا وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ.

وليس {عفا} هنا بمعنى غفر.. بل قال النبي ﷺ: «عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ قَطُّ، أَيْ: لَمْ يُلْزِمْكُمْ ذَلِكَ. وَنَحْوُهُ لِلْقُشَيْرِيِّ قَالَ: «وَإِنَّمَا يَقُولُ (الْعَفْوِ) لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ذَنْبٍ مَنْ لَمْ يعرف كلام العرب قال: وَمَعْنَى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} ،أَيْ: لَمْ يُلْزِمْكَ ذنبا».

قال الداودي: «روي أنها كانت تكرمه».

قال مَكِّيٌّ: «هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ مِثْلَ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، وَأَعَزَّكَ» وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ: «أَنَّ مَعْنَاهُ: عَافَاكَ اللَّهُ..»”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ، ج2 ص360-361].

وقال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 هـ) في تفسيره: “قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا الله عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾.

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾ أنَّهُ تَخَلَّفَ قَوْمٌ مِن ذَلِكَ الغَزْوِ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ التَّخَلُّفَ، كانَ بِإذْنِ الرَّسُولِ أمْ لا. فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن تَخَلَّفَ بِإذْنِهِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الرَّسُولِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ والعَفْوُ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ كانَ مَعْصِيَةً وذَنْبًا.

قالَ قَتادَةُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اثْنانِ فَعَلَهُما الرَّسُولُ، لَمْ يُؤْمَرْ بِشَيْءٍ فِيهِما، إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِداءَ مِنَ الأسارى، فَعاتَبَهُ اللَّهُ كَما تَسْمَعُونَ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يُوجِبُ الذَّنْبَ؛ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مُبالَغَةِ اللَّهِ في تَعْظِيمِهِ وتَوْقِيرِهِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ إذا كانَ مُعَظَّمًا عِنْدَهُ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ ما صَنَعْتَ في أمْرِي؟ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي؟ وعافاكَ اللَّهُ ما عَرَفْتَ حَقِّي! فَلا يَكُونُ غَرَضُهُ مِن هَذا الكَلامِ، إلّا مَزِيدَ التَّبْجِيلِ والتَّعْظِيمِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ فِيما يُخاطِبُ بِهِ المُتَوَكِّلَ، وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ:

عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَعُودُ بِعَفْوِكَ أنْ أُبْعَدا

ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورَشِيدًا هَدى

أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى

والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنْ نَقُولَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ الإنْكارُ؛ لِأنّا نَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ عَنِ الرَّسُولِ ذَنْبٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ أوْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، امْتَنَعَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنْكارًا عَلَيْهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ، وبَعْدَ حُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَتَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ مُذْنِبًا، وهَذا جَوابٌ شافٍ قاطِعٌ، وعِنْدَ هَذا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ عَلى تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ، لا سِيَّما وهَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ مِن جِنْسِ ما يَتَعَلَّقُ بِالحُرُوبِ ومَصالِحِ الدُّنْيا”.

النّصُّ الثامن: قال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰۤ. أَن جَاۤءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ. وَمَا یُدۡرِیكَ لَعَلَّهُۥ یَزَّكَّىٰۤ. أَوۡ یَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰۤ. أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ. فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ. وَمَا عَلَیۡكَ أَلَّا یَزَّكَّىٰ. وَأَمَّا مَن جَاۤءَكَ یَسۡعَىٰ. وَهُوَ یَخۡشَىٰ. فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ} [عبس: 1-10].

قال القاضي عياض (544 هـ): “وَأَمَّا قَوْله {عَبَسَ وَتَوَلَّى} الآيات، فَلَيْس فِيه إثْبَاتُ ذَنْب لَه ﷺ؛ بَل إعْلَامُ اللهِ أَنّ ذَلِك المُتَصَدِّي لَه مِمَّن لَا يَتَزَكَّى، وأن الصَّوَاب وَالأوْلَى كَانَ – لَو كُشِف لَك حَالُ الرَّجُلَيْن – الإقْبَال عَلَى الأعْمَى. وَفِعْل النَّبِيّ ﷺ لِمَا فَعَل، وَتَصَدّيه لِذاك الكافر، كان طَاعَةً لله وتَبْلِيغًا عَنْه وَاسْتِئْلَافًا لَه، كَمَا شَرَعَه اللهُ لَه، لَا مَعْصِيَةً، وَلا مُخَالَفَةً لَه. وَمَا قَصَّهُ اللهُ عَلَيْه من ذَلِك إعْلَامٌ بِحال الرَّجُلَيْن وتَوْهِينُ أمْر الكافر عِنْدَه، وَالإشَارَةُ إِلَى الإعْرَاض عَنْه، بِقَوْلِه: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى}”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى (مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء)، أبو الفضل القاضي عياض، دار الفكر، 1409 هـ – 1988 م، ج2 ص161].

وقال الإمامُ القرطبي (671 هـ) في تفسيره: “قَالَ عُلَمَاؤُنَا: مَا فَعَلَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَشْغُولٌ بِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يَرْجُو إِسْلَامَهُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَاتَبَهُ حَتَّى لَا تَنْكَسِرَ قُلُوبُ أَهْلِ الصُّفَّةِ، أَوْ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ خَيْرٌ مِنَ الْغَنِيِّ”.

النّصُّ التاسع: قال تعالى: {وَإِمَّا یَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ نَزۡغࣱ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِیعٌ عَلِیمٌ} [الأعراف: 200].

قال ابن جرير الطبري (310 هـ) في تفسيره: “يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾، وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدُّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم. ﴿فاستعذ بالله﴾ ، يقول: فاستجر بالله من نزغه”.

وقال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 هـ) في تفسيره: “المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: لَوْلا أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ الإقْدامُ عَلى المَعْصِيَةِ أوِ الذَّنْبِ، وإلّا لَمْ يَقُلْ لَهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ .

  • والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنْ حَصَلَ في قَلْبِكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ، كَما أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: 65] ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أشْرَكَ.

وقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: 22] ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ حَصَلَ فِيهِما آلِهَةٌ.

الثّانِي: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في عِصْمَتِهِ، إنَّما القادِحُ في عِصْمَتِهِ لَوْ قَبِلَ الرَّسُولُ وسْوَسَتَهُ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن إنْسانٍ إلّا ومَعَهُ شَيْطانٌ“ قالُوا: وأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وأنا ولَكِنَّهُ أسْلَمَ بِعَوْنِ اللَّهِ، فَلَقَدْ أتانِي فَأخَذْتُ بِحَلْقِهِ، ولَوْلا دَعْوَةُ سُلَيْمانَ لَأصْبَحَ في المَسْجِدِ طَرِيحًا». وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: 52] .

الثّالِثُ: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْبَلُ أثَرَ وسْوَسَتِهِ، إلّا أنّا نَخُصُّ هَذِهِ الحالَةَ بِتَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً».

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ أنْ يَتَذَكَّرَ المَرْءُ عَظِيمَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وشَدِيدَ عِقابِهِ فَيَدْعُوهُ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إلى الإعْراضِ عَنْ مُقْتَضى الطَّبْعِ والإقْبالِ عَلى أمْرِ الشَّرْعِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذا الخِطابُ وإنْ خَصَّ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ إلّا أنَّهُ تَأْدِيبٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ عَلى السَّبِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لُطْفٌ مانِعٌ مِن تَأْثِيرِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] وإذا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أنَّ لِهَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ أثَرًا في دَفْعِ نَزْغِ الشَّيْطانِ وجَبَتِ المُواظَبَةُ عَلَيْهِ في أكْثَرِ الأحْوالِ”.

وقال العلاّمةُ الطاهر ابن عاشور (1393 هـ) في تفسيره (التحرير والتنوير): “والمَعْنى إنْ ألْقى إلَيْكَ الشَّيْطانُ ما يُخالِفُ هَذا الأمْرَ بِأنْ سَوَّلَ لَكَ الأخْذَ بِالمُعاقَبَةِ أوْ سَوَّلَ لَكَ تَرْكَ أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ أوْ يَأْسًا مِن هُداهم، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ لِيَدْفَعَ عَنْكَ حَرَجَهُ ويَشْرَحَ صَدْرَكَ لِمَحَبَّةِ العَمَلِ بِما أُمِرْتَ بِهِ…

فَأمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِالعَوْذِ بِاللَّهِ، والعَوْذُ بِاللَّهِ هو الِالتِجاءُ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ بِالعِصْمَةِ، أوِ اسْتِحْضارُ ما حَدَّدَهُ اللهُ لَهُ مِن حُدُودِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللهِ فِيما عَسُرَ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ عَلى نِعْمَةِ الرِّسالَةِ والعِصْمَةِ، فَإنَّ العِصْمَةَ مِنَ الذُّنُوبِ حاصِلَةٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يَشْكُرُ اللهَ بِإظْهارِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإدامَتِها عَلَيْهِ، وهَذا مِثْلُ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ – عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – في قَوْلِهِ في حَدِيثِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً». فالشَّيْطانُ لا يَيْأسُ مِن إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّها تَنْبَعِثُ عَنْهُ بِطَبْعِهِ، وإنَّما يَتَرَصَّدُ لَهم مَواقِعَ خَفاءِ مَقْصِدِهِ طَمَعًا في زَلَّةٍ تَصْدُرُ عَنْ أحَدِهِمْ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إغْواءَهم، ولَكِنَّهُ لا يُفارِقُ رَجاءَ حَمْلِهِمْ عَلى التَّقْصِيرِ في مَراتِبِهِمْ، ولَكِنَّهُ إذا ما هَمَّ بِالوَسْوَسَةِ شَعَرُوا بِها فَدَفَعُوها، ولِذَلِكَ عَلَّمَ اللهُ رَسُولَهُ – عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – الِاسْتِعانَةَ عَلى دَفْعِها بِاللَّهِ تَعالى”.

النّصُّ العاشر: قال تعالى: {وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولࣲ وَلَا نَبِیٍّ إِلَّاۤ إِذَا تَمَنَّىٰۤ أَلۡقَى ٱلشَّیۡطَـٰنُ فِیۤ أُمۡنِیَّتِهِۦ فَیَنسَخُ ٱللَّهُ مَا یُلۡقِی ٱلشَّیۡطَـٰنُ ثُمَّ یُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَایَـٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ} [الحج: 52].

قال أبو حيان (745 هـ) في تفسيره «البحر المحيط»: “وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَ فِيها إسْنادُ شَيْءٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّما تَضَمَّنَتْ حالَةَ مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ إذا تَمَنَّوْا.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في كُتُبِهِمُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ فَمَن قَبْلَهُما ومَن بَعْدَهُما ما لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِن آحادِ المُؤْمِنِينَ مَنسُوبًا إلى المَعْصُومِ صَلَواتِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وأطالُوا في ذَلِكَ وفي تَقْرِيرِهِ سُؤالًا وجَوابًا، وهي قِصَّةٌ سُئِلَ عَنْها الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ جامِعُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَقالَ: هَذا مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ، وصَنَّفَ في ذَلِكَ كِتابًا. وقالَ الإمامُ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيُّ: هَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، وقالَ ما مَعْناهُ: إنَّ رُواتَها مَطْعُونٌ عَلَيْهِمْ ولَيْسَ في الصِّحاحِ ولا في التَّصانِيفِ الحَدِيثِيَّةِ شَيْءٌ مِمّا ذَكَرُوهُ فَوَجَبَ اطِّراحُهُ ولِذَلِكَ نَزَّهْتُ كِتابِي عَنْ ذِكْرِهِ فِيهِ. والعَجَبُ مِن نَقْلِ هَذا وهم يَتْلُونَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ. وَمَا یَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰۤ. إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡیࣱ یُوحَىٰ﴾، وقالَ اللَّهُ تَعالى آمِرًا لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، فالتَّثْبِيتُ واقِعٌ والمُقارَبَةُ مَنفِيَّةٌ. وقالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾، وقالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وهَذِهِ نُصُوصٌ تَشْهَدُ بِعِصْمَتِهِ، وأمّا مِن جِهَةِ المَعْقُولِ فَلا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأنَّ تَجْوِيزَهُ يَطْرُقُ إلى تَجْوِيزِهِ في جَمِيعِ الأحْكامِ والشَّرِيعَةِ فَلا يُؤْمَنُ فِيها التَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ، واسْتِحالَةُ ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ”.

وقال الشيخُ العلاّمةُ محمد الأمين الشنقيطي (1394 هـ) في تفسيره «أضواء البيان»: “وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ الغَرانِيقِ قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ بِمَكَّةَ، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: 19 – 20] ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَلَمّا بَلَغَ آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ المُشْرِكُونَ والمُسْلِمُونَ. وقالَ المُشْرِكُونَ: ما ذَكَرَ آلِهَتَنا بِخَيْرٍ قَبْلَ اليَوْمِ، وشاعَ في النّاسِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أسْلَمُوا بِسَبَبِ سُجُودِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، حَتّى رَجَعَ المُهاجِرُونَ مِنَ الحَبَشَةِ ظَنًّا مِنهم أنَّ قَوْمَهم أسْلَمُوا، فَوَجَدُوهم عَلى كُفْرِهِمْ.

وَقَدْ قَدَّمْنا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ القَوْلِ، ومَثَّلْنا لِذَلِكَ: بِأمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي زَعَمَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وهو أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ، هَذا الشِّرْكَ الأكْبَرَ والكُفْرَ البَواحَ الَّذِي هو قَوْلُهم: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، يَعْنُونَ: اللّاتَ والعُزّى، ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى، الَّذِي لا شَكَّ في بُطْلانِهِ في نَفْسِ سِياقِ آياتِ ”النَّجْمِ“ الَّتِي تَخَلَّلَها إلْقاءُ الشَّيْطانِ المَزْعُومِ قَرِينَةً قُرْآنِيَّةً واضِحَةً عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ بَعْدَ مَوْضِعِ الإلْقاءِ المَزْعُومِ بِقَلِيلٍ قَوْلَهُ تَعالى، في اللّاتِ والعُزّى، ومَناةَ الثّالِثَةِ الأُخْرى: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: 23] ولَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَسُبُّ آلِهَتَهم هَذا السَّبَّ العَظِيمَ في سُورَةِ النَّجْمِ مُتَأخِّرًا عَنْ ذِكْرِهِ لَها بِخَيْرٍ المَزْعُومِ، إلّا وغَضِبُوا، ولَمْ يَسْجُدُوا؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالكَلامِ الأخِيرِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ قُرْآنِيَّةٌ عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ، وهي الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّيْطانِ سُلْطانًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وإخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ، وأتْباعِهِمُ المُخْلِصِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99 – 100] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: 42] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [سبإ: 21] وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: 22]، وعَلى القَوْلِ المَزْعُومِ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى عَلى لِسانِهِ ﷺ ذَلِكَ الكُفْرَ البَواحَ، فَأيُّ سُلْطانٍ لَهُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ.

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ القَوْلِ المَزْعُومِ قَوْلُهُ تَعالى في النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: 3 -4] وقَوْلُهُ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221 – 222]، وقَوْلُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر:9] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41 – 42] فَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ المَزْعُومِ.

مَسْألَةٌ:

اعْلَمْ: أنَّ مَسْألَةَ الغَرانِيقِ مَعَ اسْتِحالَتِها شَرْعًا، ودَلالَةِ القُرْآنِ عَلى بُطْلانِها لَمْ تَثْبُتْ مِن طَرِيقٍ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ، وصَرَّحَ بِعَدَمِ ثُبُوتِها خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الحَدِيثِ كَما هو الصَّوابُ، والمُفَسِّرُونَ يَرْوُونَ هَذِهِ القِصَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكَلْبِيَّ مَتْرُوكٌ، وقَدْ بَيَّنَ البَزّارُ – رَحِمَهُ اللَّهُ –: أنَّها لا تُعْرَفُ مِن طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا طَرِيقَ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وقَعَ في وصْلِهِ، وقَدِ اعْتَرَفَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ انْتِصارِهِ، لِثُبُوتِ هَذِهِ القِصَّةِ بِأنَّ طُرُقَها كُلَّها إمّا مُنْقَطِعَةٌ أوْ ضَعِيفَةٌ إلّا طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ طَرِيقَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لَمْ يَرْوِها بِها أحَدٌ مُتَّصِلَةً إلّا أُمَيَّةَ بْنَ خالِدٍ، وهو وإنْ كانَ ثِقَةً فَقَدْ شَكَّ في وصْلِها.

فَقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خالِدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فِيما أحْسَبُ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ، وقالَ البَزّارُ: لا يُرى مُتَّصِلًا إلّا بِهَذا الإسْنادِ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خالِدٍ، وهو ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وقالَ البَزّارُ: وإنَّما يُرْوى مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ.

فَتَحَصَّلَ أنَّ قِصَّةَ الغَرانِيقِ، لَمْ تَرِدْ مُتَّصِلَةً إلّا مِن هَذا الوَجْهِ الَّذِي شَكَّ راوِيهِ في الوَصْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يُحْتَجُّ بِهِ لِظُهُورِ ضَعْفِهِ، ولِذا قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمْ يَرَها مُسْنَدَةً مِن وجْهٍ صَحِيحٍ.

وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في هَذِهِ القِصَّةِ: ولَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِن هَذا، ولا يَثْبُتُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ، بَلْ بُطْلانِهِ فَقَدْ دَفَعَهُ المُحَقِّقُونَ بِكِتابِ اللَّهِ؛

  • كَقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ الآيَةَ [الحاقة: 44]
  • وقَوْلِهِ ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ الآيَةَ [النجم: 3]،
  • وقَوْلِهِ ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]

فَنَفى المُقارَبَةَ لِلرُّكُونِ فَضْلًا عَنِ الرُّكُونِ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّوْكانِيُّ عَنِ البَزّارِ أنَّها لا تُرْوى بِإسْنادٍ مُتَّصِلٍ، وعَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهُ قالَ: هي غَيْرُ ثابِتَةٍ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، وذَكَرَ عَنْ إمامِ الأئِمَّةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن وضْعِ الزَّنادِقَةِ وأبْطَلَها ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ، والفَخْرُ الرّازِيُّ وجَماعاتٌ كَثِيرَةٌ، وقِراءَتُهُ ﷺ سُورَةَ النَّجْمِ وسُجُودُ المُشْرِكِينَ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، ولَمْ يُذْكَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِن قِصَّةِ الغَرانِيقِ، وعَلى هَذا القَوْلِ الصَّحِيحِ وهو أنَّها باطِلَةٌ فَلا إشْكالَ”.

هذا، ولقد أبطل (قصة الغرانيق) العلاّمةُ الدكتور محمد أبو شَهْبَة في كتابه (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير)، ورَدّ على ابن حجر العسقلاني الذي صحّحَها.

النّصُّ الحادي عشر: قال تعالى: {وَإِن كَادُوا۟ لَیَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ لِتَفۡتَرِیَ عَلَیۡنَا غَیۡرَهُۥۖ وَإِذࣰا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِیلࣰا. وَلَوۡلَاۤ أَن ثَبَّتۡنَـٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَیۡهِمۡ شَیۡـࣰٔا قَلِيلًا. إِذࣰا لَّأَذَقۡنَـٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَیَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَیۡنَا نَصِیرࣰا} [الإسراء: 73-75].

قال الإمامُ فخر الدين الرازي (606 هـ) في تفسيره: “المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ – عَلَيْهِمُ السَّلامُ – بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْهم مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرُبَ مِن أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ، والفِرْيَةُ عَلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ.

والثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى ثَبَّتَهُ وعَصَمَهُ لَقَرُبَ مِن أنْ يَرْكَنَ إلى دِينِهِمْ ويَمِيلَ إلى مَذْهَبِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْلا سَبْقُ جُرْمٍ وجِنايَةٍ وإلّا فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قَرُبَ وُقُوعُهُ في الفِتْنَةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ في تِلْكَ الفِتْنَةِ، فَإنّا إذا قُلْنا كادَ الأمِيرُ أنْ يَضْرِبَ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضَرَبَهُ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، تَقُولُ لَوْلا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ، مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ عَلِيٍّ مَنَعَ مِن حُصُولِ الهَلاكِ لِعُمْرَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ حَصَلَ تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ مانِعًا مِن حُصُولِ ذَلِكَ الرُّكُونِ.

والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها والدَّلِيلُ عَلَيْهِ آياتٌ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَیۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِیلِ. لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡیَمِینِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾”.

وقال الرازي في المَسْألَة الخامِسَة: “قالَ القَفّالُ – رَحِمَهُ اللَّهُ –: قَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ، ويُمْكِنُ أيْضًا تَأْوِيلُها مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ يُضافُ نُزُولُها فِيهِ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْعَوْنَ في إبْطالِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأقْصى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَتارَةً كانُوا يَقُولُونَ: إنْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا عَبَدْنا إلَهَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡكَـٰفِرُونَ. لَاۤ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ وعَرَضُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والنِّسْوانَ الجَمِيلَةَ لِيَتْرُكَ ادِّعاءَ النُّبُوَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ودَعَوْهُ إلى طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ فَيَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في هَذا البابِ، وذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ وأنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَنهَجِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُثَبِّتُهُ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَلا حاجَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ إلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الرِّواياتِ”.

وقال ابن جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره «التسهيل لعلوم التنزيل»: “﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ الآية: سببها أن قريشاً قالوا للنبي ﷺ: اِقْبَلْ بعض أمرنا ونقبل بعض أمرك، وقيل: إن ثقيفاً طلبوا من النبي ﷺ أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات والعزى، والآية على هذا القول مدنية ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الافتراء هنا يراد به المخالفة لما أوحى إليه من القرآن وغيره ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ما أرادوا منك لاتخذوك خليلاً ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ لولا تدل على امتناع شيء لوجود غيره، فدلت هنا على امتناع مقاربة النبي ﷺ الركون إليهم لأجل تثبيت الله له وعصمته، و{كدت} تقتضي نفي الركون، لأن معنى كاد فلان يفعل كذا أي: إنه لم يفعله فانتفى الركون إليهم ومقاربته، فليس في ذلك نقص من جانب النبي ﷺ، لأن التثبيت منعه من مقاربة الركون، ولو لم يثبته الله لكانت مقاربته للركون إليهم شيئاً قليلاً، وأما منع التثبيت فلم يركن قليلاً ولا كثيراً، ولا قارب ذلك ﴿إِذاً لأذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَٰوةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾ أي عذابهما لو فعل ذلك”.

فائدة: قال الطبري (ت 310 هـ) عند تفسيره للآية 71 من سورة البقرة: “وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ كَادَ أَوْ كَادُوا أَوْ لَوْ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {أَكَادُ أُخْفِيهَا}”.

النّصُّ الثاني عشر: دخولُ النَّبِيِّ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ، ودخولِه بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ ونَوْمِه عَلَى فِرَاشِهَا:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ قَالَ فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا هَذَا النَّبِيُّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِكِ عَلَى فِرَاشِكِ قَالَ فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا قَالَ أَصَبْتِ. [رواه مسلم].

وعنه – أيضاً –، أنه قال: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ إِلَّا أُمِّ سُلَيْمٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي”. [متفق عليه].

وقال في حديث آخر: “كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ – شَكَّ إِسْحَاقُ – قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتِ مِنْ الأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ”. [رواه البخاري ومسلم].

زعمَ بعضُ النّاسِ أنّ في هذه الأحاديثِ دليلاً على أنّ النَّبِيَّ ﷺ لمْ يكن معصوماً من الذنوب والخطايا؛ لأنَّه كان لا يتحرّج من الخَلوة بالنساء غير المحارِم والسماحِ لهنَّ بمَسّه!

ويُرَدُّ عليهم بما يأتي:

أوَّلًا- قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابࣰا مُّهِینࣰا} [الأحزاب: 57].

قال ابْنُ جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره: “وأما إذاية رسول الله ﷺ فهي التعرض له بما يكره من الأقوال أو الأفعال، وقال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا عليه حين أخذ صفية بنت حييّ”.

ولا شَكَّ أنّ الذي يُثيرُ الشُّبُهاتِ حوْل دخولِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ وأُمِّ سُلَيْمٍ، يستحقُّ اللّعن والطّردَ من رحمة الله، وهو أشدُّ إساءةً مِن الذين طعنوا عليه حين تزوّج صفية بنت حييّ، وهو أمرٌ مباحٌ له.

ثانياً- عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه”. [متفق عليه].

وقَالَ ﷺ: “إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ”. [رواه البخاري].

ولا شَكَّ أنّ الذي يعمل المعصيةَ أمامَ النّاسِ، وهم ينظُرون إليه يكون مُجاهراً بها، وفي ذلك استخفاف بأوامرِ الله تعالى، ويدلُّ على أن صاحبها لا يسْتَحْيِي من الناس.  ولا يمكن لرسول الله ﷺ الذي شهِد اللهُ له في كتابه العظيم بحُسْن الْخُلُق، أنْ يكون من أهل المجاهرة بالمعاصي؛ فلقد قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ} [القلم: 4].

ولا يمكن لرسولِ اللهِ ﷺ الذي شَهِدَ له بالحياء وحُسنِ الخُلُق أقرَبُ النّاسِ إليه، أنْ يكون من أهل المجاهرة بالمعاصي؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ – رضي الله عنه – قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ”. [متفق عليه].

وعَن سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: “كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ”. [رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين].

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا”. [متفقٌ عَلَيْهِ].

ثالثاً- قال الإمامُ النووي (ت 676 هـ): “قَوْلُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَتَفْلِي رَأْسَهَ وَيَنَامُ عِنْدَهَا) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ ﷺ، واختلفوا في كيفية ذلك فقال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ كَانَتْ إِحْدَى خَالَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ كَانَتْ خَالَةً لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ”. [المنهاج شرح صحيح مسلم، الإمامُ النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ، ج13 ص57-58].

وقال النووي – أيضاً –: “وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْبَابِ وَمَعَانِيهِ فَفِيهِ أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِهَا فَقِيلَ اسْمُهَا سَهْلَةُ وَقِيلَ مُلَيْكَةُ وقيل رميثة وقيل أنيفة ويقال الرميضا وَالْغُمَيْصَا، وَكَانَتْ مِنْ فَاضِلَاتِ الصَّحَابِيَّاتِ وَمَشْهُورَاتِهِنَّ وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ”. [شرح صحيح مسلم، ج3 ص220-221].

وقال في (باب فَضَائِلِ أُمِّ سُلَيْمٍ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَبِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا): “قَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عِنْدَ ذِكْرِ أُمِّ حَرَامٍ أُخْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهُمَا كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَحْرَمَيْنِ إِمَّا مِنَ الرَّضَاعِ وَإِمَّا مِنَ النَّسَبِ؛ فَتَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهِمَا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا خَاصَّةً لَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَزْوَاجِهِ”. [شرح صحيح مسلم، ج16 ص10].

وقال القاضي عياض (ت 544 هـ): “وقوله في حديث أم سليم: أنه كان يدخل عندها فنام على فراشها؛ ذلك لأنها فيما ذكر على ما تقدم كانت ذات محرم منه من الرضاعة، فيه جواز الخلوة مع المحارم، والنوم عندهن”. [إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض، ج7 ص297].

وقال الإمامُ أبو عمر بن عبد البر النمري القرطبي (ت 463 هـ): “وأمُّ حرام هذه هي خالةُ أنسِ بنِ مالك، أختُ أمِّ سُليم بنتِ مِلحانَ أمِّ أنسِ بنِ مالك، وقد ذكَرناهما ونَسَبْناهما وذكَرْنا شيئًا من أخبارِهما في كتابِنا كتاب (الصحابة)، فأغنَى عن ذكرِه هاهُنا، وأظنُّها أرْضَعَتْ رسولَ اللَّه ﷺ، أو أمُّ سُليم أرضعَتْ رسولَ اللَّه ﷺ، فحصَلتْ أمُّ حرام خالةً له من الرَّضاعة، فلذلك كانت تَفْلي رأسَه، وينامُ عندَها، وكذلك كان ينامُ عندَ أمِّ سُليم، وتنالُ منه ما يجوزُ لذي المَحْرَم أن يَنالَه من محارمِه، ولا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أُمَّ حرام كانت من رسولِ اللَّه بمَحْرم، فلذلك كان منها ما ذُكِرَ في هذا الحديث، واللَّهُ أعلم.

وقد أخبَرَنا غيرُ واحدٍ من شُيوخِنا، عن أبي محمدٍ الباجيِّ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليّ، أنَّ محمدَ بنَ فُطيس أخبرَه، عن يحيى بن إبراهيمَ بن مُزين، قال: إنَّما استجازَ رسولُ اللَّه ﷺ أن تَفْليَ أُمُّ حرام رأسَه لأنّها كانت منه ذاتَ مَحْرَم من قبلِ خالاتِه؛ لأنَّ أمَّ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشم كانت من بني النَّجّار.

وقال يونسُ بنُ عبدِ الأعلى: قال لنا ابنُ وَهْب: أُمُّ حرام إحدَى خالاتِ النبيِّ ﷺ من الرَّضاعة، فلهذا كان يَقيلُ عندَها، وَينامُ في حِجْرِها، وتَفْلي رأسَه”. [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر، حققه وعلق عليه: بشار عواد معروف، وآخرون، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي – لندن، الطبعة الأولى، 1439 هـ – 2017 م، ج1 ص438-439].

رابعاً- ما يجب الإيمان به: قال الإمامُ ابن عبد البر (ت 463 هـ): “أيُّ ذلك كان، فأُمُّ حرام مَحْرَمٌ من رسولِ اللَّه ﷺ، والدليلُ على ذلك ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حُجر، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: «ألَا لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ إلّا أن يكونَ ناكحًا أو ذا محرم». [رواه مسلم].

وروَى عمرُ بنُ الخطاب، عن النبيِّ ﷺ، قال: “لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة؛ فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهما”. [رواه أحمد].

وروَى ابنُ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: «لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا أنْ تكونَ منه ذاتَ مَحْرَم». [متفق عليه].

وروَى عبدُ اللَّه بنُ عمرِو بنِ العاص، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ، قال: «لا يَدْخل رجلٌ على مُغِيبةٍ إلّا ومعه رجلٌ أو رجلان». [رواه مسلم].

وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقبةَ بنِ عامر، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: “إيّاكم والدُّخولَ على النساء”. فقال رجلٌ من الأنصار: أرأيْتَ الحَمْوَ؟ قال: “الحَمْوُ الموتُ”. [متفقٌ عَلَيْهِ].

وهذه آثارٌ ثابتةٌ بالنَّهْي عن ذلك، ومحالٌ أن يأتيَ رسولُ اللَّه ﷺ ما يَنهَى عنه”. [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر، حققه وعلق عليه: بشار عواد معروف، وآخرون، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي – لندن، الطبعة الأولى، 1439 هـ – 2017 م، ج1 ص439-441].

تعقيب: النَّبِيُّ ﷺ لمْ يكن مُسْتَثْنىً مِنَ التحريم بالخلوة بالأجنبية – كما زعم البعضُ –، ومن الأدلة على ذلك ما وَرَدَ عَنْ صَفِيَّةَ – زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ – أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: “عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ”، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا”. [متفق عليه].

فلو كان يُباح للنَّبِيُّ ﷺ الخَلْوةُ بالنساء الأجنبيات، لما احْتاجَ أنْ يقول للصّحابِيَيْن بأنّ المرأةَ التي رَأَيَاهُ معها هي زوجتُه صَفيّة.

النّصُّ الثالث عشر: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ امْرَأَةً لَقِيَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: “يَا أُمَّ فُلَانٍ، اجْلِسِي فِي أَيِّ نَوَاحِي السِّكَكِ شِئْتِ، أَجْلِسْ إِلَيْكِ”. قَالَ: فَقَعَدَتْ، فَقَعَدَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى قَضَتْ حَاجَتَهَا. [رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أبو داود].

وفِي رِوايةٍ أُخْرى عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقَالَ “يَا أُمَّ فُلَانٍ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ” فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ؛ حتى فرغت من حاجتها. [رواه مسلم وأبو داود وأحمد].

زعم بعضُهم أنّ هذا النص دليل على أنّ النَّبِيَّ ﷺ كان يختلي بالنساء!

وهذا غيرُ صحيح، قال الإمامُ النووي في (شرح صحيح مسلم): “(خَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ) أَيْ: وَقَفَ مَعَهَا فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهَا وَيُفْتِيَهَا فِي الْخَلْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، فَإِنَّ هَذَا كَانَ فِي مَمَرِّ النَّاسِ وَمُشَاهَدَتِهِمْ إِيَّاهُ وَإِيَّاهَا، لَكِنْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهَا؛ لِأَنَّ مَسْأَلَتَهَا مِمَّا لَا يُظْهِرُهُ”.

النّصُّ الرابع عشر: عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وأحمد والحاكم وَالدَّارِمِيُّ].

استدلّ بعضُهم بهذا الحديث على جواز وقوع النَّبِيَّ ﷺ في المعصية؛

لأن الحديث لم يستثنِ النَّبِيَّ ﷺ؛ وهذا غير صحيح، قال علي الملا القاري (ت 1014هـ): “قِيلَ: أَرَادَ الْكُلَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلٌّ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ – صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ – فَإِمَّا مَخْصُوصُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ صَغَائِرَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَإِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى، أَوْ مِنْ قَبِيلِ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، أَوْ يُقَالُ: الزَّلَّاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ بَعْضِهِمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَصْدٌ إِلَى الْعِصْيَانِ”. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي الملا القاري، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ – 2002م، ج4 ص1622].

وجاء في حديث آخر عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ – رضي الله عنه – عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: “يَا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا؛ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ”. [أخرجهُ مُسْلِم، والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه، والامامُ أحْمَد، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ].

قَالَ علي المُلا القاري (ت 1014هـ): “الْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْإِمْكَانِ الْعَقْلِيِّ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْخِطَابِ التَّغْلِيبِيِّ…

(يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ): وَالْمَعْنَى تُذْنِبُونَ بِالْفِعْلِ، بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهِمْ، وَبِالْقُوَّةِ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: «غَيْرُ الْمَعْصُومِينَ إِذْ لَيْسُوا مُرَادِينَ بِهَذَا» فَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِعُمُومِ عِبَادِي الشَّامِلِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فِي السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ. نَعَمْ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ غَيْرُ اسْتِغْفَارِ الْمُذْنِبِينَ”. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي الملا القاري، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1422 هـ – 2002 م، ج4 ص1611 و 1612].

فالخطأ في هذا الحديث قد يكون ذنبا، وقد يكون من حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ التي تُعدُّ سَيِّئَاتٍ بالنسبة للْمُقَرَّبِينَ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ عندئذ غَيْرُ اسْتِغْفَارِ الْمُذْنِبِينَ.

هذا، ولقد جاء حديثٌ آخرُ يُلْقِي الضوءَ على الحديثَيْنِ السّابقَيْنِ، ويُقوِّي ما ذهب إليه العلاّمةُ علي الملا القاري مِنْ أنَّ الْأَنْبِيَاءَ – صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ – مَخْصُوصُونَ عَنْ ذَلِكَ، وأنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى، أَوْ مِنْ قَبِيلِ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، أَوْ يُقَالُ: الزَّلَّاتُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ بَعْضِهِمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَصْدٌ إِلَى الْعِصْيَانِ؛ ومِنَ القواعدِ المشهورةِ عند العلماءِ أنّ الأحاديث يشرحُ بعضُها بعضاً، قَالَ الإمامُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: “الْحَدِيثُ إِذَا لَمْ تَجْمَعْ طُرُقَهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا”. [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف – الرياض، ج2 ص212].

وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (ت 544 هـ): “فَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويَرفَعُ مُفسّرُه الإِشْكالَ عن مُجْمَلِه ومُتشَابَهِه”. [إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، القَاضِي عِيَاضٌ، تحقيق الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، دار الوفاء – 7مصر، الطبعة الأولى، 1419 هـ – 1998 م، ج8 ص380].

فلقد ورد عَنْ أَبِي ذَرٍّ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ”. [جزء من حديث أخرجه ابن ماجه، والإمامُ أحمد، وقال محققو المسند: حديث صحيح/ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ – 2001 م، ج35 ص294-295].

وفي رواية أخرى عَنْ ‌أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ» [رواه الترمذي، وقال حديث حسن/ انظر: الجامع الكبير (سنن الترمذي)، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة الأولى، 1996 م، ج4 ص270].

قال المباركفوري (ت 1353هـ): “(وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ) قِيلَ أَيْ كُلُّكُمْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الذَّنْبُ (إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ) أَيْ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، أَيْ: عَصَمْتُ وَحَفِظْتُ. وَإِنَّمَا قَالَ عَافَيْتُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ مَرَضٌ ذَاتِيٌّ وَصِحَّتُهُ عِصْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظُهُ مِنْهُ أَوْ كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ بِالْفِعْلِ، وَذَنْبُ كُلٍّ بِحَسَبِ مَقَامِهِ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةَ”. [تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المباركفورى، دار الكتب العلمية – بيروت، ج7 ص166-167].

فائِدَةَ حديثية: الحديث: (إِنَّ اللهَ يَقُولُ: يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مِنْ عَافَيْتُ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، إِنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ وَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ضعّفه الشيخُ الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (الحديث رقم 5375/ ج11 ص 627-628) وقال: “وهذا إسناد ضعيف؛ لسوء حفظ شهر – وهو ابن حوشب –، وقال في «التقريب»: صدوق، كثير الإرسال والأوهام”.

تعقيباتٌ على تضعيف الألباني:

أ) قالَ ابن حجر العسقلاني شَهْر بن حَوْشَب، في كتابه «تقريب التهذيب/ رقم: 2830»: “شَهْرُ بن حَوْشَب الأَشْعَري، الشامي، مولى أسماءَ بنت يزيد بن السَّكَن: صدوقٌ كثيرُ الإِرسال والأوهام”.

وقال مُؤلِّفَا «تحرير تقريب التهذيب» في تعليقهما على قول ابن حجر العسقلاني: “لو قال: ضعيفٌ يُعتبر به، لكان أحسنَ، إذ لا يُحتج بشَهْر إذا انفرد، ولكن يُعتبر به في المتابعات والشواهد، وهو كما قال المصنف كثيرُ الإرسالِ والأوهامِ، وقد ضعفه يحيى بن سعيد، وشعبة، والجوزجاني، وموسى بن هارون، وأبو حاتم الرازي، وابنُ حبان، وابنُ عدي – بعد أن سبر حديثه –، والدارقطني، والساجي، وأبو أحمد الحاكم، وغيرهم؛ ولكن حَسّن الرّأي فيه البخاري، وأحمد بن حنبل، وأبو زرعة الرازي، ووثقه يحيى بن معين، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والعجلي. ولا بد من دراسة كل حديث من أحاديثه على حدة ليتبين أمره في كل حديث، وروى له مسلم مقرونًا”.

[تحرير تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني، تأليف: الدكتور بشار عواد معروف، الشيخ شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1417 هـ – 1997 م، ج2 ص122].

والشيخ بشار عواد حسّن حديث أبي ذر الذي رواه الترمذي من رواية شهر بن حوشب، والشيخ شعيب الأرنؤوط حسّن حديث أبي ذر الذي رواه أحمد من رواية شهر بن حوشب كذلك، كما رأينا سابقا.

ب) وقال الشيخُ بشير علي عمر في كتابه «منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث»: “المطلب الثاني: الحالات التي لا يُعلّ فيها حديث الراوي المتصف بسوء الحفظ.

سبق أن الأصل عند الإمام أحمد عدم الاحتجاج بحديث الراوي المتصف بسوء الحفظ إذا انفرد به، وهناك حالات لا يعلّ فيها حديثه بل يقبل ولا يردّ، وقد جاء عن الإمام أحمد إشارة إلى بعض تلك الحالات…

الحالة الثانية: أن تأتي الرواية عن طريق من عُرف بصحة روايته عنه. إذا كان الراوي موصوفاً بسوء الحفظ، فليس معنى ذلك أنه لا يصيب أبداً في الرواية، فقد يصيب ويخطئ، وإن كان الخطأ منه كثيراً فقد تكون له ولا بد حالات يصيب الوجه الصحيح في روايته، فمن سمع منه في تلك الحالة يكون عنده شيء من صحيح حديثه، وقد استطاع الأئمة أن يتعرفوا على بعض التلاميذ عن شيوخ ضعفاء حديثهم عنهم صحيح، فإذا جاء الحديث من رواية أمثالهم قُبل ولم يعلّ بسوء حفظ الشيخ….

ومن ذلك أيضاً: شهر بن حوشب ورواية عبد الحميد بن بهرام عنه

وشهر بن حوشب ممن تُكلّم فيه، وإن كان كثير من الأئمة قد وثقوه. فقال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: “عبد الحميد بن بَهرام حديثه عن شهر مقارِب، كان يحفظها كأنه سورة من القرآن، وهى سبعون حديثاً طوال”. وشاهِدُ ذلك أن الإمام أحمد، والطبراني رويا من حديث قتادة، عن شهر ابن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري أنه صلى بهم صلاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر فقرأ بفاتحة الكتاب يُسمِع من يليه ـ وذكر الحديث.

ورواه عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب وذكر في حديثه: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، وذكر حديثاً طويلاً. أخرجه الإمام أحمد من طريقه.

قال ابن رجب: وهو أصح، وعبد الحميد أحفظ لحديث شهر بن حوشب بخصوصه من غيره”. [منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث، بشير علي عمر، نشر: وقف السلام، الطبعة الأولى 1425 هـ – 2005 مـ، ج1 ص301-304].

ج) وقال الشيخُ الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع في كتابه (تحرير علوم الحديث) في مبحث (تنبيهات حول تعارض الجَرح والتعديل): “التنبيه الرابع: جرى عند علماء هذا الفنّ أن الراويَ إذا اتَّفَق على توثيقه إمَامَا الصّناعة أحمدُ بنُ حنبل ويَحيَى بنُ مَعِين، فإنه جاز بذلك القنطرة.

والمقصودُ أنه لو جُرِح فغايةُ أمرِه أن يكون لِخطأ أخطأه لا يسقُطُ به، ولا يُزيلُه عن درجة المقبولين، وإنما قد يَنزِل به عن درجة المُتْقِنين إلى مَن يُحَسَّنُ حديثُه.

والاستثناءُ لِمَن هذه صِفتُهُ وقع من جهة انتفاء وجودِ حالةٍ خرجت عما ذكرتُ من القَبول.

مثل: (حَشْرَج بن نُبَاتَة الأشْجَعِيِّ)، أَنْكر عليه البخاري حديثَ الخلفاء، وذكره ابنُ عديِّ واعتذَر عنه، وأجاب عمَّا أُنكِر عليه، ثم قال: «وأحاديثُه حسان وإفراداتٌ وغرائبُ، وقد قمتُ بعُذرهِ فيما أنكروه عليه، وهو عندي لا بأس به وبروايته، على أنّ أحمدَ ويَحيَى قد وثَّقاه».

واتّفقا على توثيق شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، وضَعَّفه بعضُ الحُفَّاظ، لكنك لا تجد في المُفَسَّرِ القادِحِ من الجَرْح ما يَنْزِلُ به عن رُتبَة الصَّدُوق الذي يُحَسَّنُ حديثه”.

وقال في حاشية الصفحة 557: “هوَ حديث رواه عن سعيد بن جُهْمان، عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فيه ذكر الخُلفاء مِن بعْده: أبي بكر وعمَر وعثْمان. وحوْله تفصيلٌ له مَقام آخر، وإنما الشاهد مِمَّا ذكرت اتفاقُ أحمدَ ويحيى على توثيق حشرج”. [تحرير علوم الحديث، عبد الله الجديع، مؤسسة الريان-بيروت، الطبعة الأولى 1424 هـ- 2003 م، ج1 ص556-557].

د) لقد حسّن ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) – نفسُه – هذا الحديث في كتابه (موافقة الـخُبْرِ الـخَبَـر في تخريج أحاديث المختصر) في «المجلس الخامس والأربعون بعد المئة» حيث قال: “هذا حديث حسن من هذا الوجه، أخرجه الترمذي عن هناد بن السري عن أبي الأحوص عن ليث. وأخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن سعيد عن عبدة بن سليمان عن موسى بن المسيب.

وليث هو ابن أبي سليم وفيه ضعف، لكنه توبع فاعتضد، وشهر فيه مقال، لكن حديثه في درجة الحسن، وقد أخرجه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات من طريق الأعمش عن موسى بن المسيب. والأعمش أكبر من موسى. ووقع فيه بين البيهقي وبين الأعمش ستة أنفسٍ فكأني سمعته من صاحب صاحبه، وله منذ مات أكثر من مئتي سنة بنحو العشرين”. [موافقة الـخُبْر الـخَبَـر في تخريج أحاديث المختصر، ابن حجر العسقلاني، حققه وعلق عليه: حمدي عبد المجيد السلفي، صبحي السيد جاسم السامرائي، مكتبة الرشد، الرياض – السعودية، الطبعة الثانية، 1414 هـ – 1993 م، ج1 ص77-78].

فائدة: الـخُبْر – بضم الخاء وسكون الباء –: العِلمُ بالشيء؛ والمعنى: موافقة حقيقة الشيء لما يُسمع عنه.

فائدة حديثية: تضعيفُ الألباني للحديث السابق لا يمنع من الاستعانة به لشرح الحديثين: “كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ… الحديث” و “يَا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ… الحديث”؛ لأنّ ضُعفَه ليس بالشّديد، والحديث الذي لم يشتد ضعفه يجوز الاستعانة به في شرح الحديث، قال الشيخُ الدكتور  محمد بن عمر بن سالم بازمول: “الذي يُفْهَمُ من تصرّفات الأئمة وكلامهم أنَّ هناك مجالاً للعمل بالحديث الضعيف الذي لم يشتدّ ضُعْفُه في شرح الحديث؛ وذلك في الترجيح بين المعاني التي يتحملها الحديث الصحيح”. [روافد حديثية (في علوم الحديث وعلم الرجال وعلم تخريج الحديث وعلم شرح الحديث)، محمد بن عمر بن سالم بازمول، دار الاستقامة، الطبعة الأولى 1427 هـ – 2008 م، ص157-158]

النّصُّ الخامس عشر: قولُه ﷺ: “إنَّه لَيُغَانُ علَى قَلْبِي، وإنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، في اليَومِ مِئَةَ مَرَّةٍ”. [رواه مسلم].

قال القاضي عياض (ت 544 هـ): “فإن قِيل فَمَا مَعْنَي قَوْله ﷺ (إنَّه لَيُغَانُ علَى قَلْبِي، فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) وَفِي طَرِيقٍ (فِي الْيَوْمِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةٍ)، فَاحْذَرْ أَنْ يَقَعَ بِبَالِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَيْنُ وَسْوَسَةً أو رَيْبًا وَقَع فِي قَلْبِه عَلَيْه السَّلَام؛ بَل أصْل الغَيْن فِي هَذَا مَا يَتَغَشَّى القَلْب وَيُغَطّيه، – قَالَه أَبُو عُبَيْدٍ –، وَأَصْلُه من غَيْن السَّمَاء وَهُو إِطْبَاق الْغَيْم عَلَيْهَا. وَقَال غيره والغين شيء يُغَشّي القَلْب وَلَا يُغَطّيه كُلّ التّغْطِيَة، كالغَيْم الرَّقِيق الَّذِي يُعْرِض فِي الْهَوَاء فَلَا يَمْنَع ضَوْء الشَّمْس.

وَكَذَلِك لَا يُفْهَم مِن الْحَدِيث أنَّه يُغَان عَلَى قَلْبِه مِائَة مَرَّة أو أَكْثَر من سَبْعِين فِي الْيَوْمِ؛ إِذ لَيْس يَقْتَضِيه لَفْظُه الَّذِي ذَكَرْنَاه وَهُو أَكْثَر الرَّوَايَات، وَإِنَّمَا هذا عَدَدٌ للاسْتِغْفَار لَا لِلْغَيْن؛ فَيَكُون المُرَاد بَهَذَا الْغَيْن إشَارَة إِلَى غَفَلات قَلْبِه، وَفَتَرات نَفْسِه وَسَهْوِهَا عَن مُدَاوَمَة الذَّكْر وَمُشَاهَدَة الحَقّ، بِمَا كَان ﷺ دُفِع إليه من مُقَاسَاة البَشَر، وَسِيَاسَة الْأُمَّة، ومعاناة الأهْل، وَمُقَاوَمَة الوَلِيّ وَالعَدُوّ، وَمَصْلَحَة النَّفْس، وَكَلَّفَه مِن أعْبَاء أداء الرِّسَالَة وَحَمْل الأمَانَة؛ وَهُو فِي كُلّ هَذَا فِي طَاعَة رَبَّه وَعِبَادَة خَالقِه. وَلَكِن لَمّا كَان ﷺ أَرْفَعَ الخَلْق عِنْد اللَّه مَكَانَةً، وَأعْلَاهُم دَرَجَة وَأتَمَّهُم بِه مَعْرِفَة، وَكَانَت حَالُه عِنْد خُلُوص قَلْبِه وَخُلُو هَمّه وَتَفَرّدِه بِرَبَّه وَإقْبَالِه بِكُلَّيَّتِه عَلَيْه، ومقامه هنالك أرْفَع حَالَيْه؛ رَأى ﷺ حَال فَتْرَتِه عَنْهَا وَشُغْلِه بِسِواها غَضًّا من عَلِيّ حَالِه، وَخَفْضًا من رَفِيع مَقَامِهِ، فَاستَغْفَر اللَّه من ذَلِك.

هَذَا أوْلَى وُجُوه الْحَدِيث وَأشْهَرُهَا، وَإلى مَعْنَي مَا أشَرْنا بِه مَال كَثِير مِن النَّاس وَحَام حَوْلَه فَقَارَب وَلَم يَرِد، وَقَد قَرَّبْنَا غَامِض مَعْنَاه وَكَشَفْنَا لِلْمُسْتَفِيد مُحَيَّاه، وَهُو مَبْنِيّ عَلَى جَوَاز الفَتَرَات وَالغَفَلات وَالسَّهْو فِي غَيْر طَرِيق البَلاغ”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى – مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء- القاضي عياض، دار الفكر، 1409 هـ – 1988 م، ج2 ص106].

وقال ابن المَلَك (ت 854 هـ): “قيل: لما كان – عليه الصلاة والسلام – أتمَّ القلوبِ صفاءً وأكثرَها ضياءً، وكان لم يكن له بدٌ من النزول إلى الرُّخص، والالتفات إلى حظوظ النفس من معاشرة الأزواج والأولاد والأكل والشرب والنوم، فكان إذا تعاطى شيئًا من ذلك أسرع كُدُورَتُه إلى القلب، لكمال رِقَّتِه وفَرْطِ نورانيته. فكان إذا أحسَّ بشيء من ذلك يلوم نفسه بترك كمال الحضور، ويعده تقصيرًا ويستغفر منه؛ ولذا قال: «وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة». [شرح مصابيح السنة للإمام البغوي، ابن المَلَك، تحقيق ودراسة: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، إدارة الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1433 هـ – 2012 م، ج3 ص132].

النّصُّ السادس عشر: قوله ﷺ: “أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ”. [رواه مسلم].

وفي روايةٍ أخرى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً”. [رواه البخاري].

قال الإمامُ أبو العباس القرطبي (656 هـ) في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم): “وإنَّما أخبر النبي ﷺ بأنه يكرر توبته كل يوم مع كونه مغفوراً له، ليُلْحِق به غيرُه نفسَه بطريق الأولى؛ لأنَّ غيرَه يقول: إذا كانت حال من تحقق مغفرة ذنوبه هكذا، كانت حال مَنْ هو مِنْ ذلك في شك أحرى وأولى، وكذلك القول في الاستغفار والتوبة يقتضي شيئا يتاب منه؛ إلا أن ذلك منقسم بحسب حال من صدر منه ذلك الشيء، فتوبة العوام من السيئات، وتوبة الخواص من الغفلات، وتوبة خواص الخواص من الالتفات إلى الحسنات، هكذا قاله بعض أرباب القلوب، وهو كلام حسن في نفسه، بالِغٌ في فنِّه”. [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أبو العباس القرطبي، حققه وعلق عليه وقدم له: محيي الدين ديب ميستو – أحمد محمد السيد – يوسف علي بديوي – محمود إبراهيم بزال، دار ابن كثير، دمشق – بيروت/ دار الكلم الطيب، دمشق – بيروت)، الطبعة: الأولى، 1417 هـ – 1996 م، ج7 ص28].

وقال أبو حيان (745 هـ) – عند تفسيره لقولِه تَعَالَى: {رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَیۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّیَّتِنَاۤ أُمَّةࣰ مُّسۡلِمَةࣰ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَیۡنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ} [البقرة: 128] – في كتابه «البحر المحيط»: “قالُوا التَّوْبَةُ مِن حَيْثُ الشَّرِيعَةِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ التّائِبِينَ، فَتَوْبَةُ سائِرِ المُسْلِمِينَ النَّدَمُ بِالقَلْبِ والرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، ورَدُّ المَظالِمِ إذا أمْكَنَ، ونِيَّةُ الرَّدِّ إذا لَمْ يُمْكِنُ. وتَوْبَةُ الخَواصِّ الرُّجُوعُ عَنِ المَكْرُوهاتِ مِن خَواطِرِ السُّوءِ، والفُتُورِ في الأعْمالِ، والإتْيانُ بِالعِبادَةِ عَلى غَيْرِ وجْهِ الكمالِ. وتَوْبَةُ خَواصِّ الخَواصِّ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، والتَّرَقِّي في المَقاماتِ”.

النّصُّ السابع عشر: لقد صحّ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَدْعُو بهذا الدُّعَاءِ: “رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي وجَهْلِي، وإسْرَافِي في أمْرِي كُلِّهِ، وما أنْتَ أعْلَمُ به مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطَايَايَ، وعَمْدِي وجَهْلِي وهَزْلِي، وكُلُّ ذلكَ عِندِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ المُقَدِّمُ وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، وأَنْتَ علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ”. [رواه البخاري].

قال أبو العباس شهاب الدين القسطلاني (ت 923): “أي أنا مُتَّصِفٌ بهذه الأشياء، فاغفرها لي؛ قاله ﷺ متواضعًا وهضْمًا لنفسه، أو عَدَّ فواتَ الكمالِ وتركَ الأوْلى ذُنوبًا، أو أرادَ ما كان عن سهْو أو ما كان قبل النُّبُوَّةِ”. [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، أبو العباس شهاب الدين القسطلاني، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة السابعة، 1323 هـ، رقم الحديث 6397، ج 9  ص 224].

وقال ابنُ حَجَر العَسْقلاني ( 852 هـ): “قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ أَشَدُّ لِلَّهِ خَوْفًا مِمَّنْ دُونَهُمْ، وَخَوْفُهُمْ خَوْفُ إِجْلَالٍ وَإِعْظَامٍ وَاسْتِغْفَارُهُمْ مِنَ التَّقْصِيرِ لَا مِنَ الذَّنْبِ الْمُحَقَّقِ”. [فتح الباري، ج11 ص198].

تعقيب: إنّ كثرة الاستغفارَ سنَّةٌ نَبَوِيّةٌ ممْدوحةً ومطلوبة، وليست مُتوفِّقةً على أن تكون بعد الوقوع في الذنوب والمعاصي، والدليلُ على ذلك قولُ النَّبِيِّ ﷺ: “طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا”. [رواه ابن ماجه، حديث رقم 3818، وقال المحققون: إسناده صحيح/ انظر: سنن ابن ماجه، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430 هـ – 2009 م].

وعَنِ الزُّبَيرِ بْنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: “مَن أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُه؛ فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الاِسْتِغْفَار”. أورده المنذري (656 هـ) في «الترغيب والترهيب»، وقال: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب».

قال حسن بن علي الفيومي (870 هـ): “قوله ﷺ: (من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار) الاستغفارُ في حق الأنبياء يكون على سبيل الشكر، وفي حق الأُمَّةِ قد يكون عن تقصير، ووجهُ التقصير عدمُ القيام بشكر النعمة. وقد يكون الاستغفار عن ذنب فيكون واجباً”. [فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب للإمام المنذري، حسن بن علي الفيومي، تقديم: الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان، دراسة وتحقيق وتخريج: أ. د. محمد إسحاق محمد آل إبراهيم، مكتبة دار السلام، الرياض – السعودية الطبعة الأولى، 1439 هـ – 2018 م، ج7 ص560].

هذا، وإنّ النَّبِيّ ﷺ قد أُوتِيَ من العلم بالله وما عنده، ما لم يُؤْتَ لأحدٍ من الناس؛ ولذلك قال ﷺ: “والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا”. [رواه البخاري].

قال ابن حجر العسقلاني: “(لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِمَعَارِفَ بَصَرِيَّةٍ وَقَلْبِيَّةٍ، وَقَدْ يُطْلِعُ اللَّهُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ مِنَ الْمُخْلَصِينَ مِنْ أُمَّتِهِ لَكِنْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ، وَأَمَّا تَفَاصِيلُهَا فَاخْتُصَّ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ؛ فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ مَعَ الْخَشْيَةِ الْقَلْبِيَّةِ وَاسْتِحْضَارِ الْعَظَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ لَأَنَا)”. [فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة – بيروت، ط 1379، ج11 ص527].

ولأنه ﷺ كان أعلمَ النّاسِ بعظمة الله وجلاله؛ فإنّه كان أشدَّ النّاسِ خوفاً من ربِّه، فعن أنس رضي الله عنه، قال: “كانت الريح الشديدة إذا هبت، عُرِفَ ذلك في وجه النبي ﷺ”. [رواه البخاري].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: خسفت الشمس، فقام النبي ﷺ فزِعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلى بأطْول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله، وقال: “هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد، ولا لحياته، ولكن يُخوِّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره”. [متفق عليه].

وكلَما ازدادتِ المعرفةُ باللَّهِ زادتِ الخشيةُ والمحبة والشعور بالتقصير؛ قال ابن جُزَيّ (741 هـ) – عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} –: “يعني العلماء بالله وصفاته وشرائعه، عِلْماً يوجب لهم الخشية من عذابه؛ وفي الحديث: (أعلمكم بالله أشدكم له خشية)؛ لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه، وإذا لم يعرفه لم يخف منه؛ فلذلك خص العلماء بالخشية”.

وقال ابن الجوزي (ت 597 هـ): “من علم عظمة الإله زاد وجلُه، ومن خاف نِقَم ربه حسُن عملُه، فالخوف يَستخرج داء البطالة ويشفيه، وهو نِعْمَ المؤدب للمؤمن، ويكْفيه.

قال الحسن: صحِبت أقواماً كانوا لحسناتهم أن تُرَدَّ عليهم أخوفَ منكم من سيئاتكم أن تُعذَّبوا بها”. [الياقوتة – مواعظ ابن الجوزي، الفصل الثاني عشر: عليك بالخوف من الله، ص91].

الفصل الثامن: الرَّدُّ على من طعن في زواج النَّبِيِّ  ﷺ من عائشةَ ابْنَةِ الصِّدِّيق:

لقد طعن بعضُ الناس في زواج النَّبِيِّ ﷺ من عائشةَ ابْنَةِ الصِّدِّيق، ويُرَدُّ عليهم بما يأتي:

أوَّلًا- إنّ زواجَ النَّبِيِّ ﷺ من عائِشَةَ رضي الله عنها، تمَّ بِعِنايةِ اللَّهِ وحفظه منذ الخطوات المباركة الأولى، فلقد بدأ الأمْرُ برُؤيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عائِشَةَ في المنام، فعنْ عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لها: “أُرِيتُكِ قَبْلَ أنْ أتَزَوَّجَكِ مَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُ المَلَكَ يَحْمِلُكِ في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، فَقُلتُ له: اكْشِفْ، فَكَشَفَ فإذا هي أنْتِ، فَقُلتُ: إنْ يَكُنْ هذا مِن عِندِ اللَّهِ يُمْضِهِ، ثُمَّ أُرِيتُكِ يَحْمِلُكِ في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ، فَقُلتُ: اكْشِفْ، فَكَشَفَ، فإذا هي أنْتِ، فَقُلتُ: إنْ يَكُ هذا مِن عِندِ اللَّهِ يُمْضِهِ”. [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن الأثير (ت 606هـ): “فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «قَالَ لَهَا: رأيتُكِ يحْمِلُك المَلَك فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرير» أَيْ فِي قِطْعة مِنْ جَيِّد الْحَرِيرِ، وَجَمْعُهَا سَرَقٌ”. [النهاية في غريب الحديث والأثر/ مادة (سَرَقَ)، ابن الأثير، المكتبة العلمية – بيروت، 1399هـ – 1979م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى – محمود محمد الطناحي، ج2 ص 362].

إنّ هذا الزواجَ المباركَ كان في علمِ الله تعالى، واللهُ تعالى كان يراقبُ نبِيَّه في جميع أمورِه مراقبةً تامّة، وأيُّ هفوَةِ يقعُ فيها يُنَبَّهُ عليها، ويُعاتَبُ بسبَبِها، فلقد عاتبه – مثلاً – على إعراضِه عن الأعمى الذي جاءه يطلبُ العلم، وعاتبه على تحريمِه ما أُحِلَّ له – كما رأينا سابقاً –، ولكنه تعالى لمْ يعاتبه على زواجه من عائشةَ لِصِغَر سنّها؛ فلو كان في زواجه مِنها عيْبٌ أو مَذَمَّة، لما سمح له به.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز بعد ذلك لأحدٍ أنْ يعترض على زواجٍ سكتَ عنه القرآن الكريم؛ إذْ لا صوتَ يعلُو على حُكْم الله العلي الكبير.

ولا داعيَ أيضاً لمُحاولَةِ تبْرِئةِ النَّبِيِّ ﷺ من هذا الزواج، وإنكار ما صحَّ من الروايات التي وردَ فيه زواجه من عائشةَ وهي صغيرة، وإنكار أمر لم يقع خلافٌ فيه بين المسلمين؛ إرضاءً لأعداء نَبِيِّ الْأُمَّةِ الإسلامية أو لِمُنكِري السُّنَّةِ النّبَوِيَّةِ. قال ابن كثير (774هـ): “قَوْلُه – أي: عُرْوَةَ –: «تَزَوَّجَهَا وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ»، مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ ٠وَغَيْرِهَا”. [البداية والنهاية، ابن كثير، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشر: دار هجر، الطبعة الأولى، 1417 هـ – 1997 م، ج4 ص327].

ثانياً- في بداية الوحي كانت خديجةُ – رضي الله عنها – هي الزوجةَ المناسبةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ وتوضيحُ ذلك أنّ جبريل عليه السلام لمّا جاء بالوحي (فزع منه رسول الله ﷺ، فإنّه لم يعهده ولم يسمع به، وقد طالت الفترة، وعهدُ العرب بالنبوّة والأنبياء بعيد، وخاف على نفسه، ورجع إلى بيته ترتعد فرائصه، وقال: زمّلوني، زمّلوني، لقد خشيت على نفسي.

وسألت خديجة – رضي الله عنها – عن السّبب، فقصّ عليها القصّة، وكانت عاقلة فاضلة، سمعَتْ بالنبوّة والأنبياء والملائكة، وكانت تزور ابن عمّها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصّر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل (التوراة) و (الإنجيل)، وكانت تنكر من أهل مكّة ما ينكره أهل الفطرة السليمة والأذهان المستقيمة.

وكانت مِن أعرَف الناس بأخلاق رسول الله ﷺ لمكانها منه، وعِشْرتها له، واطّلاعها على السرّ والعلانية، وقد رأت من أخلاق رسول الله ﷺ وشمائله ما يؤكّد أنّه الرّجلُ الموفَّقُ والمؤيَّد من الله، المصطفى من خَلْقِه، المَرضِيُّ في سيرته وسلوكه، وأنّ من كانت هذه أخلاقه وسيرته، لا يُخاف عليه لَمّةٌ من الشيطان، أو أن يكون به مسٌّ من الجنّ، وأنّ ذلك يتنافى مع ما عرفته من حكمة الله ورأفته في خلقه، فقالت في ثقة وإيمان وفي قوّة وتأكيد: “كلّا! والله ما يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.

وقد قالت ذلك خديجة، اعتماداً على العقل السليم، والفطرة الصحيحة، وعلى تجاربها في الحياة، ومعرفتها للنّاس.

ولكنّ الأمر كان أعظم من هذا، وكان يحتاج إلى رجل له خبرة بالدّيانات وتاريخها، والنبوّات وسننها، ومعرفة بأهل الكتاب الذين عندهم أخبار الأنبياء وعلمهم.

فرأت أن تستعين في ذلك بابن عمّها العالم «ورقة بن نوفل» فانطلقت برسول الله ﷺ إليه…). [السيرة النبوية، علي أبو الحسن الندوي، دار ابن كثير – دمشق، الطبعة الثانية عشرة، 1425 هـ، ص181-183].

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا، فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، قَالَ: “مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ”. [رواه أحمد، حديث رقم 24864، وقال محققو المسند: حديث صحيح/ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ – 2001 م، ج41 ص356].

وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: “وَآمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَصَدَّقَتْ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ، وَوَازَرَتْهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنْ باللَّه وَبِرَسُولِهِ، وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ مِنْهُ؛ فَخَفَّفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، لَا يَسْمَعُ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُهُ مِنْ رَدٍّ عَلَيْهِ وَتَكْذِيبٍ لَهُ، فَيُحْزِنُهُ ذَلِكَ، إلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا، تُثَبِّتُهُ وَتُخَفِّفُ عَلَيْهِ، وَتُصَدِّقُهُ وَتُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَمْرَ النَّاسِ، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالى”. [السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، ج1 ص224].

وبعدَ وفاةِ خديجة – رضي الله عنها –، التي قامت بدورها الكامل في تثْبِيتِ النَّبِيِّ ﷺ في تلك المرحلة الهامّة التي بدأ فيها الوحيُ، جاءت عائشة رضي الله عنها؛ لتقومَ بدورٍ آخر بعد وفاة رسول الله ﷺ، ألا وهو نشر مجموعة كبيرة من السُّنَّةِ النبوية التي أضاءتْ بها الساحة العلمية، فلقد بلغتْ – رضي الله عنها – مرتبة عالية في العلم بالسنة النبوية والفقه، جعلت أكابرَ الصحابةِ يرجعون إليها إذا الْتَبَسَتْ عليهم بعضُ المسائل، فعَنْ ‌أَبِي مُوسَى قَالَ: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ، فَسَأَلْنَا ‌عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا». [رواه الترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ].

وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الْفَرَائِضَ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ مَشْيَخَةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضُ. [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ/ انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين الهيثمي، تحقيق: حسام الدين القدسي، مكتبة القدسي، القاهرة، 1414 هـ، 1994م، ج9 ص242].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ مَوْلَى آلِ عُثْمَانَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: “كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَحْفَظْنَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ كَثِيرًا وَلَا مِثْلًا لِعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي فِي عَهْدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَتْ، يَرْحَمُهَا اللَّهُ، وَكَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ يُرْسِلَانِ إِلَيْهَا فَيَسْأَلَانِهَا عَنِ السُّنَنِ”. [الطبقات الكبرى، ابن سعد (ت 230هـ)، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر – بيروت، الطبعة الأولى، 1968 م، ج2 ص375].

إنّ اللهَ تعالى كان يعلمُ أنّ عائشةَ الصَّبيةَ لها مواهبُ وقُدراتٌ عاليةٌ في الحفظ والفهم، وعلم أنها تصلحُ أن تكون من أفضل الورثة لِلنَّبِيِّ ﷺ، التي ترثُ العلم، فقدَّر لها أن تكون زوجةً لرسوله ﷺ رغم صِغَر سنّها.

إنّ مكانةَ الإنسان عند الله لا تُقاسُ بالسِّنِّ، وإنَّما تُقاسُ بما يعلمه الله في قلوب عباده قبل أن يخلقَهم؛ إنّ يَحْيَى عليه السلام أعطاه الله العلم والفهم والحكم وهو صبِيٌّ، قالَ تعالى: {یَـٰیَحۡیَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَـٰبَ بِقُوَّةࣲۖ وَءَاتَیۡنَـٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِیࣰّا. وَحَنَانࣰا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةࣰۖ وَكَانَ تَقِیࣰّا} [مريم: 12-13].

الخاتمة:

يتبين لنا من هذا البحث أنه لا يوجد أيُّ دليل قطعيّ من الكتاب أو السُّنَّةِ على وقوع النَّبِيِّ في مَعْصِيّة بِعَمْدٍ، لَا كَبِيرَة ولَا صَغِيرَةٍ، والصحيح هو قول ابن حزم الذي جاء فيه: “أَنه لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يَقع من نَبِي أصلا مَعْصِيّة بِعَمْدٍ، لَا صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة… وَهَذَا القَوْل الَّذِي نَدِينُ الله تَعَالَى بِهِ، وَلَا يحل لأحدٍ أَن يَدِينَ بسواه”

وهذه نَصِيحةً غالية تنفع عامّة النّاس قدّمها القاضي عياض – في الفصل الخامس عشر –، ختم بها مسألة العصمة، قال فيها: “قد استبان لك أيها الناظر بما قَرَّرْنَاهُ مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِصْمَتِهِ ﷺ عَنِ الْجَهْلِ بِاللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، أَوْ كَوْنِهِ عَلَى حَالَةِ تُنَافِي الْعِلْمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ جُمْلَةً بَعْدِ النُّبُوَّةِ عَقْلًا وإجماعا، وقبلها سماعا ونقلا، ولا بشيء مما قرره مِنْ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَأَدَّاهُ عَنْ رَبِّهِ مِنَ الْوَحْيِ قَطْعًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا، وَعِصْمَتِهِ عَنِ الْكَذِبِ، وَخُلْفِ الْقَوْلِ، مُنْذُ نَبَّأَهُ اللَّهُ، وَأَرْسَلَهُ قَصْدًا أَوْ غَيْرَ قَصْدٍ، وَاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ شَرْعًا وإِجْمَاعًا وَنَظَرًا وَبُرْهَانًا، وَتَنْزِيهِهِ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ قَطْعًا، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الْكَبَائِرِ إِجْمَاعًا وَعَنِ الصَّغَائِرِ تَحْقِيقًا، وَعَنِ اسْتِدَامَةِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، وَاسْتِمْرَارِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ عَلَيْهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِلْأُمَّةِ، وَعِصْمَتِهِ فِي كل حالاته من رضا، وغضب، وجد، ومزح، فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَلَقَّاهُ بِالْيَمِينِ، وَتَشُدَّ عَلَيْهِ يَدَ الضَّنِينِ، وَتُقَدِّرَ هَذِهِ الْفُصُولَ حَقَّ قَدْرِهَا، وَتَعْلَمَ عَظِيمَ فَائِدَتِهَا وَخَطَرِهَا، فَإِنَّ مَنْ يَجْهَلُ مَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أو يجوز، أَوْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْرِفُ صُوَرَ أَحْكَامِهِ، لَا يَأْمَنُ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي بَعْضِهَا خِلَافَ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَزِّهُهُ عَمًّا لَا يَجِبُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ، فَيَهْلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَيَسْقُطَ فِي هُوَّةِ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.. إِذْ ظَنَّ الْبَاطِلَ بِهِ. وَاعْتِقَادُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ يُحِلُّ بِصَاحِبِهِ دَارَ البوار؛ ولهذا احْتَاطَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَأَيَاهُ لَيْلًا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ صَفِيَّةَ .. فقال لهما: «إنها صفية» .. ثم قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدم وإني خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا فَتَهْلِكَا» (متفق عليه)”. [انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، دار الفيحاء – عمان، الطبعة الثانية – 1407 هـ].

وقال القاضي – أيضاً –: “اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ عَابَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ نَسَبِه أَوْ دِينِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ، أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ أَوِ الْإِزْرَاءِ عَلَيْهِ، أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ، أَوِ الْغَضِّ مِنْهُ وَالْعَيْبِ لَهُ فَهُوَ سَابٌّ لَهُ”. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِيمَنْ سَبَّ ﷺ أَوْ تَنَقَّصَهُ].

تمّ البحث بِنِعمة الله وتوفيقه، والحمد لله ربِّ العالمين.

تمّ الفراغ من كتابته يوم الخميس 9 ربيع الأول 1444هـ/ الموافق: 6 أكتوبر 2022م، بمدينة مكناس.

 

 الفهرس

مقدمة.

الفصل الأول: تعريف عِصْمَةِ الأنْبِياءِ:

أ‌) التعريف اللغوي

ب) التعريف الاصطلاحي

الفصل الثاني: كيف اختار اللهُ تعالى رُسلَه؟

الفصل الثالث: الحكمة من إرسال الرسل

الفصل الرابع: نظرة العلماء إلى أخطاء بعضِ الرسل

1) تنبيه.

2) أقوال بعض الأئمة وأهل العلم والتفسير.

تساؤلات وإيضاحات:

أوَّلًا- من هم القائلون بالعصمة من الصغائر؟

ثانياً: هل الأئمة والعلماء القائلون بالعصمة من الصغائر كلِّها انحرفوا في فهم النصوص؟ وهل يجوز أن نُبدِّعهم؟

الفصل الخامس: الحكمة من تسجيل أخطاء بعض الرسل في الكتاب والسُّنَّة.

الفصل السادس: القول في عصمة النبي محمّد صلى الله عليه وسلّم من الصغائر.

المبحث الأول: هل القولُ بعصمةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من الصغائر فيه غلوّ؟

المبحث الثاني: دلائلُ العصمة من الكتاب والسُّنة.

أوَّلًا: دلائلُ العصمة من الكتاب.

ثانياً: دلائلُ العصمة من السُّنَّةِ.

المبحث الثالث: الجواب عن بعض الصغائر – التي قيل إنها غير مُخِلَّة – التي جوّزَها بعضُهم على الأنبياء، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبْعدُ النَّاسِ عنها.

المبحث الرابع: كيف كان الصحابة ينظرون إلى النّبِيِّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

المبحث الخامس: كيف كان الصحابة ينظرون إلى الذنوب الصغيرة؟

الفصل السابع: إضاءات حول نصوص ظاهرها وقوع النبي صلى الله عليه وسلم في الصغائر.

الفصل الثامن: الرَّدُّ على من طعن في زواج النَّبِيِّ  ﷺ من عائشةَ ابْنَةِ الصِّدِّيق.

الخاتمة.

الفهرس

تعليق 1
  1. عبد المجيد فاضل يقول

    تصحيح: المرجو الانتباه إلى أن ما بين المعكوفتين أُسقِط سهوًا من البحث في الفصل السابع: إضاءات حول بعض النصوص التي ظاهرُها وقوع النبي صلى الله عليه وسلم في الصغائر:

    1) كلمة (على) في: النّصّ الثاني: قال تعالى: {وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ. ٱلَّذِیۤ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ} [الشرح: 2-3].

    قال ابن عطية (546 هـ) في تفسيره (المحرر الوجيز): “و {الوِزْرُ} الَّذِي وضَعَهُ اللهُ عنهُ هو – عِنْدَ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ – الثِقلُ الَّذِي كانَ [على] رسولِ اللهِ ﷺ، وحَيْرَتُهُ قَبْلَ المَبْعَثِ؛ إذْ كانَ يَرى سُوءَ ما قُرَيْشٌ فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ..

    2) ما يوجد داخل القوسين (أن يتزوجن بعد المولى، وقد قبلت السيدة زينب اقترانها بزيد، وما على سادات العرب) في: النصّ السادس: يقول تعالى: {وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِیۤ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَیۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِی فِی نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِیهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَیۡدࣱ مِّنۡهَا وَطَرࣰا زَوَّجۡنَـٰكَهَا لِكَیۡ لَا یَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ حَرَجࣱ فِیۤ أَزۡوَ ٰ⁠جِ أَدۡعِیَاۤىِٕهِمۡ إِذَا قَضَوۡا۟ مِنۡهُنَّ وَطَرࣰاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولࣰا} [الأحزاب: 37].

    قال الشيخُ العلاّمةُ الدكتور محمد أبو شُهبة (ت 1403هـ): “إبطال ما ورد في قصة السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها:..

    التفسير الصحيح للآية:..

    وقد شاء الله أن يكون أول عتيق يتزوج بعربية في الصميم من قريش هو زيد، وأن يكون أول سيد يبطل هذه العادة – حرمة زوجة الابن المتبنى – هو رسول الله، وما على بنات الأشراف [أن يتزوجن بعد المولى، وقد قبلت السيدة زينب اقترانها بزيد، وما على سادات العرب] أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم، وقد قضَوا منهن وطرا، وإمام المسلمين، ومن يصدع بأمر اللهِ، قد فتح هذا الباب، وتزوج حليلةَ متبناه بعد فراقها، وقد كان كل ما أرد الله…

    تنبيه: هناك بعض الأخطاء الأخرى التي من السهل أن يتنبه لها القارئ الكريم.
    وشكراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.