منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أهمية الصحبة في السلوك| سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

سلسلة خطبة الجمعة

أهمية الصحبة في السلوك

بن سالم باهشام خطيب مسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا.

 

عباد الله،  إذا كانت الكتب هي من الوسائل التي يحفظ الله بها لنا العلم والدین، وبها نطلع على كنوز ما عند العلماء الأحياء والأموات، فإن الذي يؤسف له، أن نسبة الكتب المروجة في المكتبات وبین أيادي المثقفين؛ نادرة في مجال الحدیث عن النفس التي عليها مدار کل شيء، والسبب في ذلك؛ قلة الخبراء بخبايا النفس ومداخلها، وبالتالي نتيه في المواضيع العديدة دون أن نهتدي لوضع الأصبع على مكمن الداء. وصدق الله العظيم إذ قال في سورة الكهف: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف: 17].

عباد الله، هذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، أول خليفة للمسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يعرف خطورة النفس على الفرد وعلى المجتمع، وأهمية الحديث فيها، وهو في أنفاسه الأخيرة، يوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ قال له: ( یا عمر؛ إنَّ أوَّل ما أحذِّرُكَ نفسك التي بين جنبيك).[جامع العلوم والحكم 2/23.]، فإذا كان الفاروق عمر رضي الله عنه، في حاجة إلى هذا التوجيه القويم من خبیر بخبایا النفوس، وهو أبو بکر الصدیق رضي الله عنهما، وقد تربیا جميعا على يد أفضل خلق الله، فيا خسارتنا إن لم يرزقنا ربنا صحبة خبیر بخبايا النفوس، قد سلك الطريق إلى الله، وله خبرة بمداخل النفوس وخبایاها، لیزکي نفوسنا وليطهرها، وينقلنا من الحضيض الدوابي إلى الکمال البشري، لنستحق بذلك أن نناجي خالقنا .

عباد الله، يقول الفقيه المالكي الخبير بخبايا النفوس، عبد الواحد بن عاشر رحمه الله في منظومة العقائد وعبادات فقه مالك المسماة ” المرشد المُعين”، مبينا ضرورة صحبة الشيخ المرشد المزكي للنفوس، وما تُنتج هذه الصحبة من آثار طيبة:

يصحبُ شيخا عارفَ المسالك *****  يَقيهِ في طريقِهِ المَهَالِك

يُذَكِّـــرُهُ الله إذا رآهُ ***** ويوصلُ العـــــــبدَ إلى مولاهُ

يُحاسبُ النفسَ على الأنفـــــــاسِ ***** ويَزِنُ الخاطرَ بالقِسْطَاسِ

ويحفظُ المفروضَ رأسَ المـــــالِ ***** والنَّفلَ ربْحَهُ بهِ يوالــي

و يُكثرُ الذكرَ بصــفوِ لُبِّهِ ***** والعونُ في جميعِ ذا بِرَبِّه

يجاهدُ النفسَ لربِّ العالــمينْ ***** و يَتَحلَّى بمقاماتِ اليقينْ

يَصيرُ عند ذاكَ عارفاً بـهِ ***** حُرَّاً، وغيرُهُ خَلا مِنْ قلبِه

فحَبَّه الإلـهُ واصطفاهُ ***** لحضرةِ القدُّوسِ واجتَباهُ

عباد الله، قال شارح منظومة عبد الواحد بن عاشر، الشيخ محمد بن يوسف، المعروف بالكافي، في كتابه “النور المبين على المرشد المعين”: ( إن من نتائج صحبة الشيخ السالك، ما يحصل لمريده من أنه يُذكِّرهُ اللَّه، أي يكون سبباً قوياً في ذكر المريد ربه إذا رأى الشيخ؛ لِمَا عليه من المهابة التي ألبسه الله إياها، ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم عن أنس رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “أفضلكم الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ اللَّهُ تعالى لرؤيتهم” ). [ذكره الحكيم (2/41) (ح189)].

عباد الله، اسمعوا إلى أرباب القلوب ليحدثوكم عن ضرورة الدال على الله، والذي سماه الله عز وجل لنا بصريح العبارة” مرشدا“، وهو يقول لكل واحد منا دون استثناء: أنت يا عبد الله، وأنت يا أمة الله، يا هذا، ما معرفة الله عبارات تلوكها الألسنة، وتُسطَّر جملا مرصوفة على القرطاس، ماهي بضاعة يمر بها التاجر في الشارع؛ سهلة المتناول، رخيصة الثمن… الطريق مترعة إلى الله عز وجل، إلى يوم القيامة، في وجه من طلب وجدّ، ووجد الدليل والرفیق، ووجد من يغسله وينقيه ويغذوه و يكسوه ويُجمّله حتى يصلح لتلك الحضرة الربانية، هذا الدليل الذي هو المرشد، والذي هو بمثابة الماشطة، والتي هي العجوز الخبيرة التي يوكل إليها تزيين العروس ليوم جلوتها، قال عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه: (یا غلام، العمل بالقرآن يوقفك على مُنزله، والعمل بالسنة يوقفك على الرسول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لا تبرح بقلبك وهمتك من حول قلوب القوم: الشيخ – ويقصد به المرشد – هو المستفتح باب القرب لها، هو الماشطة، هو السفير بين القلوب والأسرار، وبين ربها عز وجل… لو ملكت الدنيا كلها ولم يكن قلبك كقلوبهم، كنت لا تملك ذرة… ويحك، اعرف قدرك، إيش أنت بالإضافة إليهم؟ أنت كل همك الأكل والشرب واللبس والنكاح وجمع الدنيا، والحرص عليها، عَمّال في أمور الدنيا، بطّال في أمور الآخرة، تعبئ لحمك، وتهدفه للدود و حشرات الأرض) [الفتح الرباني، لعبد القادر الجيلاني، ص 76]، وقال رحمه الله في موضع آخر في كتابه القيم “الفتح الرباني”: ( إنك عبدُ مَن زمامُك بيده، إن كان زمامك  بيد الدنيا فأنت عبد لها،  وإن زمامك بيد الأخرى فأنت عبد لها،  وإن كان زمامك بيد الحق عز وجل، فأنت  عبد له،  وإن كان زمامك  بيد نفسك فأنت عبد لها… منكم من يريد الدنيا، والقليل منكم من يريد وجه الله رب الدنيا والآخرة) [الفتح الرباني، لعبد القادر الجيلاني، ص 108].

عباد الله، لقد قال عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه هذا الكلام في زمان؛ يوم كان الاعتناء بالتربية وبتزكية النفوس، فما عسانا أن نقول في زماننا هذا الذي طغیٰ فيه الإسلام الفكري، والجدل وقلة العمل، وإهمال النفس، وإسلاس القياد لها إلى درجة أنك تجد الشخص المسلم المثقف والمفكر، والعالم المعاصر، – فضلا عن العامي – ينكر هذه الحقيقة، فيصبح نائبا عن النفس الأمارة بالسوء، يتحدث عنها ويقول: ما بالنا وبال المرشد، المرشد، المرشد ! أليس القصد معروفا، وطريق الآخرة واضحة، والكتاب والسنة بين أيدنیا. يقول هذا الكلام، وهو مكذب بصريح الآية من سورة الكهف: (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) [الكهف: 17]. يقول هذا وهو في دار الغفلة راقد، طاب له المأكل، وهنأ بالمشرب. – مجنون بالدنیا وبنفسه، مغرور بهما – معرض عن كلام أولیاء الله الصالحين أرباب القلوب وأطباء النفوس، من مثل عبد القادر الجيلاني رحمه الله، الذي أسلم على يده عدد كبیر.

عباد الله، نقل الداعية الكبير أبو الحسن الندوي رحمه الله في كتابه ” رجال الفكر والدعوة في الإسلام”، وهو يقرب لنا شخصية العالم الرباني عبد القادر الجيلاني رحمه الله، كي نُقدّر كلامه، لنسترشد بتوجيهاته النيرة، وننير بها طريقنا: ( إن من أجلّ كراماته، إحياء موات النفوس والقلوب، وزرع الإيمان وخشية الله وحبه فيها، وإشعال مجامر القلوب التي انطفأت من جديد، فقد أعاد الله به قلوبا لا يحصيها إلا الله حياة وإيمانا، وهبّت بمواعظه وتربيته رياح من الإيمان، عاشت بها قلوب ميتة، ونشطت بها نفوس خامدة، وانطلقت في العالم الإسلامي موجة من الإيمان الجديد والروحانية القوية والأخلاق الفاضلة والتقوى…) [أبو الحسن الندوي، ” رجال الفكر والدعوة في الإسلام”، ص 256].

وقال الشيخ عمر الكساني كما جاء في كتاب قلائد الجواهر: (لم تكن مجالس سیدنا الشیخ عبد القادر رضي الله عنه تخلو ممن یسلم من الیهود والنصاری، ولا ممن  يتوب من قطاع الطريق وقاتلي الأنفس، وغير ذلك من الفساق، ولا ممن يرجع عن معتقد سيء) [عمر الكساني، قلائد الجواهر، ص22].

عبا الله، لقد كان عبد القادر الجيلاني يشعر بنعمة معالجة النفوس، وتطهير القلوب، ويحمد الله عليها، وبفضله على ما کان – يهواه من الخلوة بالله والانقطاع عن الخلق والاشتغال بالعبادات -، قال عبد الله بن أبي الحسن الجبائي: قال لي سيدنا الشيخ، أي عبد القادر الجيلاني : (أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت في الأول، لا أرى الخلق ولا يرونني، ثم قال: أراد الله عز وجل مني منفعة الخلق، فإنه قد أسلم على یدي أکثر من خمسة آلاف من اليهود والنصاری، وتاب على يدي من العيارين والمسالحة – أي الجماعة أو القوم ذوو السلاح – أكثر من مائة ألف، وهذا خیر کثیر)، [الذهبي – شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، سير أعلام النبلاء، الطبقة التاسعة والعشرون، الشيخ عبد القادر، ص  448].

عباد الله، إن الشخص الذي وهبه الله هذا الفتح الكبير، هو الذي قال في كتابه ” الفتح الرباني”: ( تعلق برجال الحق، أنتم مجانین غرقى في بحر الدنيا، رجال الحق يداوون المرضى، وينجون الغرقى، ويرجمون أهل العذاب، کن عنده إذا عرفته، فإن لم تعرفه فابك على نفسك).

فیا عبد الله، ویا أمة الله، ابك على نفسك إن كنت خالیا من الإرادة العلية، بارد الهمة، نزّاعا إلى الأرض، مخلدا إليها، راضيا بالحياة الدنیا، وإلا فابك على الله عز وجل أن يتداركك بمن يحملك ويحمل عنك، من فاته الله، فاته كل شيء، وعافاك الله من البرود والشرود.

عباد الله، هذه هي أهمية المرشد لدينك ولدنياك ولنفسك، إنها التزكية، قال تعالى في سورة البقرة وآل عمران والجمعة، وهو يبين للخلق أجمعين، القصد من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم: (وَيُزَكِّيهِمْ) [البقرة: 129] [آل عمران: 164] [الجمعة: 2]، ولقد علم الصحابة رضوان الله عليهم أهمية التزكية، ومَن بعدهم من العصور المشهود لهم بالصلاح، ولما ابتعد الناس عن الدین، وفصلت التربية عن العلم، لم يبق لهذا الأمر أهمية، فأصبح الناس لا يطلبون مرشدا ولا مربیا، بل اكتفوا بالكتب. واستغنوا حتى عن العلماء، في حين أن عبد القادر الجیلاني رحمه الله يقول في كتابه الفتح الرباني: (إذا أشكل عليك الأمر، ولم تفرق بين الصالح والمنافق، فقم في الليل وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلني على الصالحين من خلقك، دلني على من يدلني عليك، ويطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويكحل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما رأى عيانا لا تقلیدا). [عبد القادر الجیلاني، الفتح الرباني، ص119].

وقال رحمه الله: (إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل، فأسبغ الوضوء عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك، تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك، ثم اساله بعد فراغك: من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرد؟ من الخليفة؟ من النائب ؟ هو كريم لا يخيب ظنك، لاشك يلهم قلبك، يوحي إلى سرك، يفتح الأبواب، يضيء لك الطريق، من طلب وجدّ وجد) [عبد القادر الجیلاني، الفتح الرباني، ص 330].

عباد الله، إن من علامات صدق طلبك، أن تدیم الوقوف بباب الملك الوهاب، وأن تديم التوسل إليه، والضراعة والاستغفار والاستخارة، ثم توكل عليه، بعد أن يطمئن قلبك، ولا تلتفت إلى وراء، فإن حسبك الله.

فيا عبد الله،  هل فعلت هذا ؟ و يا أمة الله، هل فعلتِ هذا ؟ أم أن الغفلة غلبت علينا، أو الأنانية أو الحركية أو العقلانية، وإن كان ذلك كذلك، فستحرم خيري الدنيا والأخرى،

وبعد وجود الصاحب الدليل المرشد المربي، فستكون عندها لمحاسبة النفس ثمارا يانعة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.