منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التوافق بين الإنسان والقرآن: تأملات في الخطاب القرآني للنفس البشرية

عيد محمد عبد الغني

0

التوافق بين الإنسان والقرآن:
تأملات في الخطاب القرآني للنفس البشرية

بقلم: عيد محمد عبد الغني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:

خلق الله الإنسان، وأنزل إليه القرآن دستورًا ومنهاجًا يسير به في الأرض، وجعل له الكون كتابًا منظورًا، والقرآن كتابًا مقروءًا. والناظر المتأمل يجد بين آيات الكون المنظور وآيات القرآن المقروء من التوافق والتآلف ما يبهر العقول والأبصار، ويجعل القلوب والعقول والنفوس والأجساد تنطق بتوحيد الله، وتخضع لعبادته، وتسلم لأمره، وتوقن أنه لا معبود بحق سواه.

ومن أعظم مظاهر هذا التوافق مراعاة القرآن الكريم للنفس البشرية ورغباتها ومشاعرها؛ فالذي يقرأ القرآن بقلبه قبل عينه يشعر أنه يقابل نفسه وجهًا لوجه بين صفحاته، بل يشعر أن القرآن هو الذي يقرؤه، وأنه يلامس أعماقًا في نفسه لم يصل إليها أحد بكلامه ولا برسالته سوى القرآن الكريم.

ومن هنا يستشعر الإنسان عظمة خالقه، ويزداد يقينًا بصدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما بلَّغ عن ربه، ويوقن أن القرآن والإنسان مصدرهما واحد؛ فالذي خلق الإنسان هو الذي أنزل القرآن، فله الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.

ومن مظاهر هذا التوافق والتآلف تصنيف القرآن الكريم للنفس البشرية إلى ثلاثة أصناف، ذكرها في مواضع متعددة من آياته المباركة:

الصنف الأول: النفس المطمئنة

وهي النفس التي سكنت واستقرت على الإيمان، وأيقنت بوعد الله تعالى، ورضيت بقضائه، وتخلصت من القلق والاضطراب.

ومن خصائصها ومميزاتها:

– اليقين الراسخ بأسماء الله وصفاته، والتلذذ بذكره.

– الرضا التام بقضاء الله وقدره، من غير سخط ولا جزع.

– الشعور بالغنى الداخلي، وعدم الحاجة إلى غير الله.

– السكينة والأمن، والتحرر من الخوف من المستقبل، والصبر على البلاء.

– الإقبال على الخير، والانشغال بالطاعة، والنفور من المعاصي.

الصنف الثاني: النفس اللوامة

وهي النفس التي تلوم صاحبها وتعاتبه باستمرار على التقصير في الطاعات أو الوقوع في المعاصي.

ومن خصائصها ومميزاتها:

– اليقظة، وحياة الضمير؛ فهي لا تبرر الخطأ، بل تشعر بالألم والندم بسببه.

– سرعة الرجوع إلى الحق؛ فلا تستمر في المعصية، ولا تؤخر التوبة، بل تبادر إلى الاستغفار والإنابة.

– عدم الاغترار بالطاعات، والشعور بالتقصير، والسعي الدائم إلى الازدياد من الخير.

الصنف الثالث: النفس الأمارة بالسوء

وهي النفس التي تميل بطبيعتها إلى الراحة، وتتبع الهوى والشهوات، وتدفع صاحبها إلى ارتكاب المعاصي.

وهذه النفس ليست محل مدح أو تعداد للخصائص، وإنما هي بحاجة إلى علاج ومجاهدة، ويكون ذلك بأمور، منها:

– المجاهدة المستمرة، وتدريب النفس على التخلص من سلطان الهوى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

– المراقبة الدائمة للنفس، ومعاهدتها، ومحاسبتها على الطاعة والمعصية.

– اللجوء إلى الله تعالى، والاستعانة به على تزكيتها وإصلاحها.

والناظر في هذا التصنيف العجيب للنفس البشرية يجد أنه لا رابع لهذه الأقسام، كما يجد أن هذا التصنيف لا يمكن أن يصدر إلا عن العليم بحقيقة النفس، المحيط بأسرارها، الخبير بأغوارها.

ومن مظاهر التوافق والتآلف بين الإنسان والقرآن أيضًا أن القرآن الكريم يصف أحوال النفس وتقلباتها؛ بين اليقين والشك، والظن والوهم، والصبر والجزع، والرضا والسخط، والغنى والفقر، والطاعة والمعصية، ثم لا يكتفي بوصفها، بل يبين أسبابها، ويهدي إلى علاجها، ويضع لها الحلول الناجعة. فسبحان من خلق الإنسان وأنزل القرآن.

ومن هذه المظاهر كذلك عناية القرآن بالمشاعر الإنسانية، وإحسان توجيهها لتحقيق مقاصدها، والسعادة المرجوة في الدنيا والآخرة؛ فتجده يذكر الحب والكره، والخوف والأمن، والسكينة والقلق، والثبات والضعف، وغيرها من المشاعر الإنسانية، ثم يرشد إلى تهذيبها وضبطها وفق منهج الله تعالى.

ومن مظاهر هذا التوافق أيضًا أن القرآن الكريم يصف علاقة الإنسان بالكون وما فيه من المخلوقات، ويبين طبيعة هذه العلاقة، ابتداءً من تسخير الله تعالى الكون للإنسان، وانتهاءً بقيامها على الرحمة والإحسان، وحسن الاستخلاف في الأرض.

كما يصف العلاقات الإنسانية وروابطها، بدءًا بعلاقة الأبوة والأمومة، ثم الأخوة والزوجية وسائر الروابط الاجتماعية، ويحدد لكل علاقة حقوقها وواجباتها وآدابها؛ بما يحقق التوازن والاستقرار في حياة الإنسان.

وغير ذلك من المعاني العظيمة التي تطمئن إليها النفس، وتأنس بها الفطرة السليمة، وفي قبول الإنسان لها، وانشراح صدره بها، دليل واضح على التوافق والتآلف بين الإنسان والقرآن.

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.