منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حج الخليفتين عثمان وعلي رضي الله عنهما || سلسلة حج الصالحين

يعقوب زروق

0

سلسلة حج الصالحين.

 حج الخليفتين عثمان وعلي رضي الله عنهما.

بقلم: يعقوب زروق

أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.. الخدمة والجود

لم يكن الحيي الكريم، ذو النورين رضي الله عنه، مجرد حاج يحج مع الحجيج، وإنما كان باذلا نفسه وماله خدمة لضيوف الرحمن، كما هو شأنه في تجهيز المجاهدين. فمن لم يكن له ظهر أعطاه ما يركب عليه، ومن لا متاع له زوده بمتاع. وكان الناس يستبشرون إذا رأوه معهم في قافلة الحج؛ لما يجدون منه رضي الله عنه من الخدمة والمواساة.

حج رضي الله عنه مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، كما حج في عهد الخليفتين قبله (أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)، إلا في الحالات التي كان يكلف فيها بمهام أخرى؛ كالسنة التي استخلفه فيها الخليفة عمر على المدينة.

وكان له موقف بارز رضي الله عنه في خدمة أمهات المؤمنين في آخر حجة لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين كلفه مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالإشراف على حجهن؛ فكان يسير أمامهن حريصا على حرمتهن، منبها إلى توقيرهن.

أما في خلافته التي قاربت اثنتي عشرة سنة، فقد كان يحرص على إقامة الحج بالناس بنفسه في كل عام. فحج بالناس كل عام من خلافته إلا في السنة الأولى منها؛ حيث أمر على الحج عبد الرحمن بن عوف، وفي السنة الأخيرة بسبب حصاره في المدينة المنورة قبل استشهاده؛ حيث أمر على الحج في ذلك العام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

اختلاف لا يفسد الود

له اجتهاد فقهي يتعلق بإتمام الصلاة في منى؛ فقد كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهو نفسه في صدر خلافته، يقصرون الصلاة الرباعية (الظهر، العصر، العشاء) في منى وعرفة. ولكنه في العام السادس أو السابع من خلافته صلاها بالناس أربع ركعات فلم يقصرها، ومستنده في ذلك أمران:

  • الأول: أنه اتخذ مكة دارا وتزوج فيها، والمسافر إذا أقام في بلد وتزوج فيه يتم الصلاة.
  • الثاني: خوفه الفتنة على الأعراب الذين أسلموا حديثا ولم تكن لهم فرصة لتعلم أمور الدين إلا في موسم الحج، فخشي أن يظنوا أن الصلاة المفروضة هي ركعتان فقط، فأتمها ليعلمهم.

وأنكر بعض الصحابة كعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ذلك.

عن عبد الله قال: صلى عثمان بمنى أربعا. قال: فقال عبد الله: صليت مع النبي ﷺ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، ولوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. قال الأعمش: فحدثني معاوية بن قرة أن عبد الله صلاها بعد أربعا، فقيل له: عبت على عثمان وتصلي أربعا؟! قال: الخلاف شر[1].

الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام الله

ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، زوج الزهراء رضي الله عنها، والد السبطين ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضائله لا تحصى؛ فلا غرو أن يكون حجه متميزا كتميزه في فضائله رضي الله عنه. ومن ذاك نيابته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ سورة براءة.

وهذه منقبة عظيمة له رضي الله عنه؛ إذ اصطفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبلغ عنه سورة براءة في موسم الحج في السنة التاسعة للهجرة، تلك السنة التي كان فيها أبو بكر رضي الله عنه أمير الناس في الحج، ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب الوفود القادمة مسلمة مبايعة.

بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدر سورة براءة يتلوها على الناس في الموسم، ويؤذن فيهم بأحكامها وهي:

  • أن لا يدخل الجنة كافر.
  • لا يحج بعد هذا العام مشرك.
  • لا يطوف بالبيت عريان.
  • من كان له عند رسول الله عهد فأجله إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.

وهكذا أدى الأمانة رضي الله عنه؛ فكان يقف في كل المواقف يؤذن بهاته الأحكام. وهكذا هيأ المكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليحج حجة وداعه، وقد أجلى الله المشركين عن البيت وطهره من رجسهم.

في حجة الوداع. موافقة عجيبة وتسليم واقتداء

في حجة الوداع، كان الإمام علي كرم الله وجهه في مهمة دعوية في اليمن كلفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما علم بأن رسول الله ﷺ قصد الحج، تحرك سريعا باتجاه مكة وساق معه الهدي كما ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكانت موافقة قدرية عجيبة. وحيث لا يعلم كيف أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يوافقه في إحرامه، قال عند إهلاله: “اللهم إني أهل بما أهل به رسولك”؛ تسليم تام واقتداء عظيم.

وصل الإمام علي إلى مكة (بمنطقة الأبطح)، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إحرامه فأخبره بقوله: “اللهم إني أهل بما أهل به رسولك”، فأمره النبي ﷺ أن يبقي على إحرامه كما بقي هو صلى الله عليه وسلم، وكان أمر المسلمين ممن لم يسق الهدي بالتحلل. وفي يوم النحر، نحر النبي ﷺ بيده ثلاثا وستين بدنة، وأتم الإمام علي كرم الله وجهه تمام المائة.

حجه في خلافته كرم الله وجهه. خطب بليغة وأدعية خاشعة

في خلافته، كانت الفتنة تعصف بالمسلمين، فلم يمكنه أن يحج كرم الله وجهه كل عام، فكان ينيب عنه غيره؛ مثل قثم بن العباس (عامله على مكة).

وفي السنوات التي حج فيها، تميز حجه بخطبه البليغة المؤثرة التي ترويها كتب الأدب؛ كالخطبة القاصعة وهي في نهج البلاغة. كما أثر عنه هذا الدعاء في عرفات: “اللهم أعتق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عني فسقة الجن والإنس”.

عن علي كرم الله وجهه أنه قال بعرفات: “لا أدع هذا الموقف ما وجدت إليه سبيلا؛ لأنه ليس في الأرض يوم فيه عتقا من النار، وليس يوم أكثر فيه عتقا للرقاب فيه من يوم عرفة، فأكثروا في ذلك اليوم أن تقولوا: اللهم أعتق رقبتي من النار، وأوسع لي في الرزق الحلال، واصرف عني فسقة الجن والإنس؛ فإنه عامة ما أدعوكم به”.[2]


[1]  – ابن عبد البر، (463،) التمهيد، 16، 306

[2]  – عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت 911هـ) .جامع الأحاديث.32839

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.