أسطول الصمود بين سكينة الرسالة واضطراب القوة:”قراءة سيميائية في مشهد البحر والوعي”
عزالدين صمبة
أسطول الصمود بين سكينة الرسالة واضطراب القوة:
“ قراءة سيميائية في مشهد البحر والوعي”
بقلم: عزالدين صمبة
الحمد لله مجري الفلك في لجة البحار، سبحانه، جعل في كل عصر بقية من الأحرار يحملون لواء الحق إذا خمدت الأصوات وخذلت القلوب.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الذب عن المظلومين شيمة الأحرار، ونصرة المكروبين آية القلوب الحية، يديل الحق وإن طال ليل الباطل، ويجعل للعاقبة نورا لا تطفئه عواصف الجبارين.
ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، نبي الرحمة، وإمام المستضعفين، ومصباح السائرين في دياجير الفتن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين خاضوا لجج المحن بثبات المؤمنين، فما وهنت لهم عزيمة، ولا انكسرت لهم راية، حتى أظهر الله بهم معالم الحق، وأقام بهم منار الصبر واليقين.
أما بعد، فلم يكن أسطول الصمود ـ يا صاح ـ سفائنا تشق عباب البحر فحسب، ولا ألواحا تجري على صفحة الماء محمولة بالأشرعة والأمواج، بل كان ـ في حقيقته العميقة ـ معنى إنسانيا هائلا خرج من ضيق الأرض إلى فسحة البحر، ليقول للناس إن القضايا العظمى لا تموت وإن حوصرت، وإن الكرامة قد تجد لنفسها طريقا في الماء حين تغلق في وجهها المعابر والحدود.
لقد خرج أولئك الناس من أوطان شتى، واختلفت ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم، غير أن شيئا واحدا كان يجمعهم فوق تلك السفائن الصغيرة، ألا وهو شعور إنساني عميق بأن غزة لم تعد قضية شعب محاصر وحده، بل صارت اختبارا أخلاقيا للعالم كله، حتى كأن الإنسانية ـ في لحظة نادرة ـ أرادت أن تستعيد ضميرها المفقود عبر أولئك الذين أبحروا حاملين الخبز والدواء والرسالة.
فما الذي يدفع إنسانا جاء من أقصى الأرض، لا تربطه بأهل غزة لغة ولا نسب ولا وطن، أن يركب البحر وهو يعلم ما فيه من الخطر والاعتقال وربما الموت؟
إن القراءة السطحية قد ترى في الأمر مجرد نشاط احتجاجي عابر، غير أن القراءة السيميائية والأنثروبولوجية تكشف أن الإنسان حين يتحرك دفاعا عن المظلوم فإنه لا يتحرك فقط بدافع السياسة، بل بدافع حاجة داخلية إلى حماية المعنى الإنساني في نفسه؛ لأن الإنسان إذا سكت طويلا عن الظلم خاف أن يفقد شيئا من آدميته.
ولهذا لم يكن الأسطول مجرد حدث سياسي، بل كان خطابا رمزيا عابرا للقارات، يقول إن قضية فلسطين تجاوزت حدود الجغرافيا، وصارت من القضايا القليلة التي تجتمع عليها الملل المختلفة، إذ وجد فيها المسلم والمسيحي، والشرقي والغربي، والحر والمقهور، صورة مكثفة لمعركة الإنسان القديمة بين العدل والطغيان.
ولعل هذا ما يفسر تلك الهيبة المعنوية التي أحاطت بالرحلة؛ لأن السفائن لم تكن تحمل أجسادا فقط، بل كانت تحمل ضميرا عالميا يحاول أن يقول للمحاصرين إنهم لم يسقطوا من ذاكرة العالم، وإن الإنسان ما يزال قادرا ـ رغم كل هذا الخراب ـ على أن ينحاز إلى الضعفاء دون منفعة عاجلة أو مصلحة قريبة.
ومن هنا بدأ البحر يكتسب معنى آخر غير ذلك المعنى الذي عرفه الناس في زمن الأساطيل والجيوش، إذ لم يعد فضاء للمدافع وحدها، بل صار مسرحا أخلاقيا هائلا تتواجه فيه رؤيتان للعالم: رؤية ترى الإنسان قيمة عليا ولو كان ضعيفا ومحاصرا، ورؤية لا ترى في الإنسان إلا رقما يمكن إخضاعه بالقوة.
وكان البحر يومئذ كأنه صفحة زرقاء كتب عليها صراع الإنسان منذ القدم؛ إذ كم حملت أمواجه من جيوش الطغاة، وكم عبرته سفائن المستعمرين، وكم ارتفعت فوقه رايات القهر والاستعلاء، حتى إذا جاءت تلك السفائن الصغيرة التي تقل رجالا ونساء لا يحملون من السلاح إلا ضمائرهم، انقلب البحر من رمز للهيمنة إلى ميدان أخلاقي تتجلى فيه هشاشة القوة حين تواجه الإنسان المؤمن بمعنى رسالته.
ولقد كان أعجب ما في المشهد أن الذين ساروا نحو الخطر بدوا أكثر الناس طمأنينة وسكينة، كأنما كانوا يمضون إلى موعد يعرفون غايته، بينما بدا أصحاب البطش والتفوق المادي أكثر اضطرابا واستنفارا وغضبا، حتى ليخيل للناظر أن الخائف الحقيقي لم يكن من يمخر البحر بسفينة صغيرة، بل من رأى في تلك السفينة هزيمة رمزية لمنظومته كلها.
وههنا تبدأ القراءة السيميائية؛ إذ ليست الحكاية حكاية بحر وسفن وحصار فحسب، وإنما هي حكاية رموز وإشارات تكشف ما استقر في النفوس من يقين أو خوف، ومن طمأنينة أو قلق، ومن معنى أو خواء.
السفينة بوصفها وعدا أخلاقيا
لقد كانت السفينة في الذاكرة الإنسانية القديمة رمزا للنجاة والعبور والخلاص، وما من أمة إلا وحملت في وجدانها صورة السفينة بوصفها انتقالا من الهلاك إلى الأمان، حتى غدت السفينة في المخيال البشري معنى أخلاقيا قبل أن تكون شيئا ماديا.
وما تزال صورة طوفان نوح حاضرة في الضمير الإنساني؛ إذ لم تكن سفينة نوح مجرد خشب يجري على الماء، بل كانت رمزا لبقاء الحقيقة وسط طوفان الباطل، ونجاة لفئة قليلة حملت المعنى حين غرق الآخرون في استعلائهم.
ولهذا بدا أسطول الصمود، في عمقه الرمزي، امتدادا لذلك المعنى القديم؛ إذ لم يكن يحمل الطعام والدواء وحدهما، بل كان يحمل فكرة أن الإنسان لا يجوز أن يعتاد رؤية الحصار حتى يصبح أمرا عاديا، وأن المأساة إذا طالت لا تتحول إلى قدر مشروع.
وكانت الرسالة الأعمق للأسطول أن غزة ليست جزيرة منسية في آخر العالم، بل جرحا إنسانيا مفتوحا، وأن المحاصر حين يراه الناس ولا يتحركون يفقد العالم شيئا من أخلاقه قبل أن يفقد المحاصر طعامه ودواءه.
ولهذا اضطربت القوة أمام تلك السفائن الصغيرة؛ لأن الطغيان لا يخاف الخبز بقدر ما يخاف المعنى، ولا يرعبه الدواء بقدر ما يرعبه أن يرى الإنسان البعيد نفسه شريكا للمحاصر في الألم والكرامة.
سيمياء الوجوه… حين يطمئن أصحاب الرسالة
وكان من أعجب ما يرى على ظهر تلك السفائن وجوه أولئك المناضلين والمناضلات؛ إذ لم تكن وجوها مرتجفة ولا مكسورة، بل كانت وجوها يعلوها شيء من السكينة العجيبة، كأنهم أدركوا أن الإنسان إذا سار في طريق المعنى صغرت في عينه المخاوف.
وكانت ابتساماتهم ـ على بساطتها ـ أخطر من كثير من الخطب؛ لأن المبتسم في وجه التهديد يعلن، من حيث لا يشعر، أن خصمه لم ينجح في احتلال روحه.
وهكذا كان شأن أصحاب الرسالات الكبرى عبر التاريخ؛ فإن المؤمن بقضيته لا يقيس الأشياء بميزان الربح القريب وحده، بل يرى نفسه جزءا من مسيرة طويلة تتجاوز عمره الفردي.
ولذلك ثبت أصحاب الأخدود أمام النار، ومضى المجاهدون عبر التاريخ وهو يعلمون تفاوت القوة، لأن الإنسان إذا اتصل بمعنى يتجاوز ذاته صار أهدأ من الخوف نفسه.
أما الطرف الآخر فقد بدا شديد العصبية والانفعال؛ لأن القوة إذا انفصلت عن الشرعية الأخلاقية عاشت قلقا دائما، وصارت تخاف الصورة الصغيرة كما تخاف الجيوش الجرارة، إذ تعلم في أعماقها أن المعركة الحقيقية ليست مع السفينة، بل مع الدلالة التي تحملها السفينة.
البحر بين سلطان الحديد ورسالة الإنسان
لقد كان البحر في التاريخ الحديث فضاء للأساطيل والجيوش والمدافع، ومنه جاءت سفائن الاستعمار التي نهبت البلاد وأخضعت الشعوب، حتى صار البحر في الذاكرة الحديثة قرينا للقوة المادية الجبارة.
غير أن أسطول الصمود قلب هذا المعنى رأسا على عقب؛ إذ تحول البحر من ساحة للهيمنة إلى مساحة أخلاقية يتقدم فيها الإنسان الأعزل حاملا رسالته في وجه الآلة الصماء.
وهنا تكمن الخطورة الرمزية للحدث؛ لأن السفينة الصغيرة حين تواجه القوة العظمى لا تنافسها في الحديد، وإنما تنزع عنها هيبتها الأخلاقية أمام العالم.
ولهذا بقي التاريخ يذكر مقاومة المستضعفين أكثر مما يذكر أرقام الجيوش؛ إذ لا يخلد الناس حجم القوة، بل يخلدون المعنى الذي انتصر على الخوف.
سيمياء التثبيط… حين يتكلم الخوف بلسان العقل
غير أن المشهد لم يخل من طائفة ثالثة لم تحمل السلاح ضد الأسطول، ولم تعلن العداء الصريح له، لكنها وقفت تثبط الناس عنه، وتسفه فعله، وتلبس خوفها لباس الحكمة والواقعية.
فما أكثر ما قيل يومئذ: ما جدوى هذه السفائن؟ ولماذا يذهب هؤلاء إلى الخطر؟ وهل يغير البحر شيئا من موازين القوى؟
ثم تجاوز الخطاب ذلك إلى تخويف المناضلات تخويفا مقصودا، يكثر الحديث عن التحرش والإهانة والاعتداء، حتى كأن المرأة لا يجوز لها أن تحمل هم الأمة إلا إذا بقيت أسيرة الخوف.
وههنا تظهر أخطر الدلالات الأنثروبولوجية؛ إذ يتحول الخوف من شعور فردي إلى ثقافة جماعية تعيد إنتاج الاستسلام باسم العقل.
فالمقهور طويلا قد يرى كل محاولة للخروج من القيد نوعا من الجنون، لأنه اعتاد التكيف مع الهزيمة حتى صارت جزءا من منطقه الداخلي.
ولذلك سخر قوم نوح من السفينة قبل أن يغرقوا، لأن الرؤية الجديدة تبدو دائما مستحيلة في أعين الذين ألفوا الواقع القديم.
وكذلك كان شأن كل دعوة عظيمة في التاريخ؛ فإنها تحارب أولا بالسخرية والتخويف قبل أن تحارب بالسلاح.
المرأة والمنفى الكبير للخوف
ولقد كان تخويف المناضلات من أبلغ ما كشف هشاشة الخطاب المثبط؛ إذ بدا كأن بعض الناس يريد للمرأة أن تبقى شاهدا صامتا على المأساة لا شريكا في مقاومتها.
غير أن التاريخ يأبى ذلك؛ فما كانت خديجة بنت خويلد امرأة على هامش الرسالة، بل كانت قلبا عظيما ساند الدعوة يوم ارتجف العالم من حولها، وما كانت أسماء بنت أبي بكر خائفة وهي تحمل الزاد إلى الغار في زمن المطاردة.
وكذلك نساء المغرب وحرائر فلسطين وسائر البلاد التي قاومت الاحتلال؛ إذ لم يكن حضورهم زينة للمشهد، بل جزءا من روحه العميقة.
إن تخويف المرأة من المشاركة لا يحميها دائما، بل قد يكون ـ في بعض صوره ـ محاولة لإعادة الأمة كلها إلى منطقة الصمت والعجز.
خاتمة
وهكذا لم يكن أسطول الصمود حادثة عادية في بحر أزرق ، بل كان لحظة انكشف فيها الإنسان على حقيقته، فانكشف المؤمن بالرسالة في سكينته، وانكشف الخائف في صخبه، وانكشف المثبط في محاولته تحويل اليأس إلى حكمة.
وكانت السفائن الصغيرة تمخر الماء لا لتكسر حصار غزة وحدها، بل لتكسر الحصار المضروب على الوعي الإنساني، ولتقول إن العالم ما يزال قادرا على إنتاج أناس يؤمنون بأن الإنسان لا يقاس بحجم قوته، وإنما بمقدار وفائه للحق حين يصبح الحق مكلفا.
ولعل أعظم ما في الرحلة أنها أعادت إلى البحر معناه الإنساني القديم؛ إذ صار الماء الذي حمل جيوش القهر يحمل ـ ولو لبرهة ـ قلوبا جاءت لتقول للمحاصرين: لستم وحدكم، وإن في الأرض بقية من ضمير.
ويظل في الأفق معنى لا يبهت: أن لفلسطين عزا لا يكسر، وكرامة لا تسام، وأن ما تعيشه من صبر وصمود إنما هو وسام شرف على جبين التاريخ، بينما يبقى الخزي والعار على جبين المتخاذلين، أولئك الذين رأوا الحق يذبح بصمت ثم آثروا الصمت، وكأنهم غابوا عن امتحان الإنسانية حين اشتد.