منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخلل فيك لا في وعد الله؛ فحاسب نفسك | سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

0

الخلل فيك لا في وعد الله؛ فحاسب نفسك | سلسلة خطبة الجمعة

الأستاذ بن سالم باهشام

خطيب مسجد أم الربيع بالمغرب خنيفرة سابقا

قال تعالى في محكم كتابه في سورة غافر: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51]، أي إنَّا لننصر رسلنا في كل زمان ومكان، ومَن تبعهم من المؤمنين على مر الأزمنة والدهور، ونؤيدهم على مَن آذاهم في حياتهم الدنيا، ويوم القيامة، يوم تشهد فيه الملائكة والأنبياء والمؤمنون على الأمم التي كذَّبت رسلها، فتشهد بأن الرسل قد بلَّغوا رسالات ربهم، وأن الأمم كذَّبتهم.

ويقول سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 13، 14]، نتيجة ضيق صدور الكفار مما قاله الرسل الذين بعثوا فيهم، هددوهم بالطرد من البلاد حتى يعودوا إلى دينهم، فأوحى الله تعالى إلى رسله الكرام، أنه سيُهلك الجاحدين الذين كفروا به وبرسله. وليجعلن العاقبة الحسنة للرسل عليهم السلام وأتباعهم في كل زمان ومكان، بإسكانهم أرض الكافرين بعد إهلاكهم. وإسكانُ المؤمنين أرض الكفار أمر مؤكد، وقانون ثابت ومطرد، ومقتصر على من خاف مقامه بين يدي الله يوم القيامة، وخشي وعيد الله وعذابه.

ويقول سبحانه وتعالى في سورة القصص: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]، أي ونريد أن نتفضل على الذين استضعفهم الطغاة في الأرض في كل زمان ومكان، ونجعلهم قادةً في الخير ودعاةً إليه، ونجعلهم يرثون الأرض بعد هلاك الطغاة وأقوامهم.

ويقول عز وجل في سورة النحل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]،  أي مَن عمل عملا صالحًا، سواء كان ذكرًا أو أنثى، وهو مؤمن بالله ورسوله عليه السلام، فلنحيينه في الدنيا حياة سعيدة مطمئنة، ولو كان قليل المال والمتاع، ولنجزينَّهم في الآخرة ثوابهم بأحسن ما عملوا في الدنيا.

ويقول عز وجل في سورة محمد: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]، أي يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه في كل مجالات حياتهم، إن تنصروا دين الله بالجهاد في سبيله، والحكم بكتابه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ينصركم الله على أعدائكم، ويثبت أقدامكم عند القتال وبعد الانتصار.

عباد الله، إن القاسم المشترك بين هذه الآيات القرآنية التي ذكرناها وبينا معانيها، هو أنها تتضمن وعودا إلهية ألزم الله سبحانه وتعالى بها ذاته العلية للمسلمين ابتداء، وباستقرائنا للقرآن الكريم، نجده طافحا بمثل هذه الوعود، ولكن كيف نتعامل مع وعود الله عز وجل؟ وكيف نتأدب مع الذات العلية ؟

عباد الله، إن أول ما يجب علمه، هو أنه ينبغي على المسلمين أن يستجيبوا لله فيما أمر، ويطيعوه فيما نهى عنه وزجر، ويؤدوا ما عليهم من واجبات، ويوفوا بالأوامر والمتطلبات التي كلفهم بها عز وجل، وينجزوا ما قد أوصاهم به سبحانه وتعالى.

عباد الله، إننا إذا رجعنا إلى سيرة الرسل عليهم السلام، وأكابر الصديقين، وهم قدوتنا في هذا المجال، على مر الدهور والأزمان، نجدهم لا يقفون مع ظاهر الوعد الإلهي، لهذا لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، بل ينظرون لسعة علمه تعالى، ونفوذ قهره، ومن أمثلة ذلك، قول نبي الله سیدنا إبراهيم الخليل علیه السلام، کما جاء في محکم کتابه في سورة الأنعام: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 80]، وقول نبي الله سیدنا شعیب علیه السلام، كما جاء في سورة الأعراف: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا، وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: 89]، أي وقال شعيب لقومه مستدركًا: قد اختلقنا على الله الكذب إن عُدْنا إلى دينكم بعد أن أنقذنا الله منه، وليس لنا أن نتحول إلى غير دين ربنا إلا أن يشاء الله ربنا، وقد وسع ربنا كل شيء علمًا، فيعلم ما يصلح للعباد، وقضية نبينا صلى الله علیه وسلم یوم بدر لا تخفى على كل ذي لب، فقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: “اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ”، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَألْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبِّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ”، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ …) [الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، لأبي عبد الله محمد بن فتوح بن عبد الله الحميدي (المتوفى : 488هـ)، (1/64].

عباد الله، إن موقف أبا بکر الصدیق رضي الله عنه في بدر، كان على صواب، إلا أنه وقف مع الظاهر، بينما الرسول صلى الله عليه وسلم لم يزُل اضطراره، ولم يكن مع غير الله قراره، كان أوسع نظرا، وأكمل علما، لعدم وقوفه مع ظاهر الوعد.

وقضية صلح الحديبية، لم يتعين فيها زمن الوعد الإلهي بالفتح والنصر، لقوله سبحانه وتعالى في سورة الفتح: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الفتح: 27]، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد (أُرِىَ في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية، لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح، ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في ذلك، فقال له فيما قال: “أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال عليه الصلاة والسلام: “بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟” قال عمر: لا، قال عليه الصلاة والسلام: “فإنك آتيه ومطوف به”. وبهذا أجاب الصديق، رضي الله عنه، أيضا حَذْو القُذَّة بالقُذَّة)، [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير( 7/356)].

عباد الله، إن العبر المستخلصة مما ذكر، أن الله عز وجل، إذا وعد بشيء على لسان الوحي، أو الإلهام من نبي، أو ولي، أو تجل قوي، أو تواترت الرؤى، فلا شك في ذلك الوعد، إن كنتم صديقين، فإن لم يتعين زمنه، فالأمر واسع، وقد يطول الزمان لتحقيق وعد الله، وقد يقصر، فلا تشُكّو في وقوعه، وإن طال زمنه، وقد كان بين دعاء سيدنا موسى عليه السلام، وهو يدعو على فرعون، وسيدنا هارون عليه السلام يؤمن، أربعين سنة، [تفسير الطبري (15/187)، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكاني، (2/658)]، قال تعالى في سورة يونس: ﴿ وَقَالَ مُوسَى: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [يونس: : 88- 89]، ومعنى الآيتين: وقال نبي الله موسى عليه السلام: ربنا إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه زينة من متاع الدنيا؛ فلم يشكروا لك، وإنما استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، فلا ينتفعوا بها، واختم على قلوبهم حتى لا تنشرح للإيمان، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الشديد الموجع. فقال الله تعالى لهما: قد أجيبت دعوتكما في فرعون وملئه وأموالهم – وكان موسى يدعو، وهارون يؤمِّن على دعائه، فمن هنا نسبت الدعوة إلى الاثنين- فاستقيما على دينكما، واستمرَّا على دعوتكما فرعون وقومه إلى توحيد الله وطاعته، ولا تسلكا طريق مَن لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي.

عباد الله، قد يتعين زمن وعد الله عز وجل، إلا أنه لم يقع ذلك عند حلوله، في هذه الحالة، إياكم أن تشكوا في صدق ذلك الوعد الإلهي، فقد يكون ذلك مترتبا على أسباب وشروط غيبية أخفاها الله تعالى عن ذلك النبي أو الولي، لتظهر قهريته سبحانه وتعالى وعزته وحكمته، [إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص: 42]. وهذه قصة نبي الله سيدنا يونس عليه السلام، تأملوها، فإنكم ستجدون أنه أخبر قومه بالعذاب الذي أخبره الله به، ففر عنهم، وكان هذا العذاب متوقفا على عدم إسلامهم، فلما أسلموا، تأخر عنهم العذاب، قال تعالى في سورة يونس: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا؛ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس: 98]، أي لم ينفع الإيمان أهل أية قرية آمنوا عند معاينة العذاب؛ إلا أهل قرية يونس بن مَتَّى، فإنهم لمَّا أيقنوا أن العذاب نازل بهم، تابوا إلى الله تعالى توبة نصوحا قبل نزوله، فلمَّا تبيَّن منهم الصدق في توبتهم، كشف الله عنهم عذاب الخزي بعد أن اقترب منهم، وتركهم في الدنيا يستمتعون إلى وقت إنهاء آجالهم.

عباد الله، لهذا السر الخفي، كان الرسل عليهم السلام، وأكابر الصديقين، لا يقفون مع ظاهر الوعد الإلهي، فلا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، بل ينظرون لسعة علمه سبحانه وتعالى، ونفوذ قهره.

عباد الله، لقد أجمل العارف بالله، ابن عطاء الله السكندري رحمه الله، ما سبق ذكره في كيفية تقبل وعد الله، والتعامل معه، في حكمته السابعة البليغة فقال: ( لا يُشَكّكَنَّكَ في الوَعْدِ عَدَمُ وُقوعِ المَوْعودِ، وإنْ تَعَيَّنَ زَمَنُهُ؛ لِئَلّا يَكونَ ذلِكَ قَدْحاً في بَصيرَتِكَ وإخْماداً لِنُوْرِ سَريرَتِكَ.) [الحكم العطائية شرح وتحليل، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ج1 ص110].

عباد الله، إن هذه الحكمة، تشير إلى أن الموعود به، هو عموم الإجابة، لأنها تشمل ما إذا كان الوعد من الله بإلهام رحماني، بأن ألهمك الله أنه يحصل لك في الوقت الفلاني فتح، أو يحصل في هذا العام كذا، كما يقع لبعض الأولياء الصالحين، فيخبر بذلك، ثم لا يحصل، فإذا حصل لك – يا عبد الله – مثل ذلك، ثم تأخر الموعود به، فلا تشك فيما وعدك الله به، وإن تعين زمنه، وبالأولى إذا لم يتعين، حتى لا يكون ذلك الشك قدحاً ونقصاً في بصيرتك، وإخماداً وإطفاءً لنور سريرتك التي هي عين القلب، فهي مرادفة للبصيرة، وذلك لجواز أن يكون وقوع ذلك الموعود معلقاً على أسباب وشروط لم تحصل، فالعارف بالله، هو من تأدب مع ربه، ولم يتزلزل عند تأخر ما وعده به.
عباد الله، العارف بالله، لا ينظر إلى الوعد الإلهي من حيث حظوظه فيه، وإنّما من حيث حقوق الله فيه عليه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر:” اللهم نصرك الذي وعدتني، إنّك إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد في الأرض بعد اليوم 
عباد الله، إذا وعدكم الله بشيء، فشدوا أيديكم على ما وعدكم به، وحسنوا ظنكم به، وبأوليائه، ولا سيما من يربوكم ويرشدوكم، فإياكم أن تضمروا التكذيب أو الشك، فيكون

ذلك قدحا في بصائركم، وقد يكون سببا في طمس هذه البصائر، ويكون أيضا إخمادا وإخفاء وإطفاء لنور سرائركم، وهكذا ترجعون من حيث جئتم، وتهدمون كل ما بنيتم، فانظروا – عباد الله – أحسن التأويلات، والتمسوا أحسن المخارج. لهذا كان(سيدي علي) وهو أحد العارفين بالله يقول: “نحن إذا قلنا شيئا فتحقق، فرحنا مرة، وإذا لم يتحقق فرحنا عشر مرات”، وما ذاك إلا لوسع نظره، وتمكنه في معرفة ربه. ثم إنه سبحانه وتعالى، قد يطلع أولياءه الصالحين على نزول القضاء، ولا يطلعهم على نزول اللطف، فينزل ذلك القضاء مصحوبا باللطف، فينزل خفيفا سهلا، حتى يظن أنه لم ينزل.

عباد الله، هكذا نظر العارفون بالله للوقائع ولوعود الله، أما الغافلون فتحليلاتهم تختلف، إذ الكثير منهم يمرون على الآيات القرآنية التي فيها الوعد بالنصر والتمكين للمسلمين، كما يمرون على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها حديث الخلافة على منهاج النبوة، وعلى الرؤى المتواترة والمبشرة بالفتح المبين، والتي لا دخل للإنسان فيها، وإنما هي من الله، فيقفون على هذه الوعود التي ألزم الله عز وجل ذاته بها لعباده الذين طبقوا أوامره، وينظرون فيجدون أن هذه الوعود أو أكثرها غير متحققة اليوم، فيشكون ويستغربون، ويقولون: المسلمون ليسوا منصورين كما وعدهم الله تعالى، والظالمون يسرحون ويمرحون ويستلبون الحقوق، ولم يهلكهم الله، كما قد وعد وتوعد، والمسلمون فيهم الكثير ممن لم تتحقق لهم الحياة الطيبة كما وعدهم الله عز وجل… الخ. ويقولون: كيف لا نشك في الوعد ونحن نرى أمامنا الواقع المخالف له؟ والجواب هو أن الذي دخله الشك في صدق وعود الله عز وجل، هو ذاك الذي يلاحق دائما ماله من حقوق عند الله، ولا يلاحق نفسه بشيء من الواجبات الثابتة لله عليه، فيقول: أين هو نصر الله لنا؟ لماذا يسلط علينا الأعداء من كل جهة يستلبون حقوقنا؟ يقول هذا من خلال المناظير المكبرة التي يضعها على حقوقه وحقوق الأمة جمعاء، دون أن يتتبع الواجبات التي كلفه الله بها، فيضيعها من خلال منظار ضعيف واحد.!

عباد الله، لنقف على سلوك الناس وأخلاق الأفراد، ولندخل البيوت، لنشهد غربة الإسلام فيها، فكم ذكرنا الله عز وجل؟ وما حظنا من يوم المؤمن وليلته؟، وما علاقتنا بالقرآن الذي سيكون شاهدا لنا أو علينا؟ وما مدى إيصال كلمة الحق إلى الناس، إذ لا يكفي أن تكون صالحا، بل لابد أن تكون مصلحا، والله عز وجل يقول في سورة هود: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]؟ وما مدى انسجامنا مع إخواننا، وحضورنا معهم، ومشاركتنا لهم، وإحساسنا أننا حاملين لا محمولين؟

عباد الله، إن هذا الصنف من الناس، لا يتأمل ليرى أن هذا المزيج من الناس في المجتمع، والمعرض عن الله وأحكامه، هو النسيج الذي يشكل كسوة المجتمع في الجملة، وهو الذي يفرزه مسرح الأنشطة والأحداث التي تموج فيه، أما الشعائر التي يمتن بها على الله، وانتماؤه الذي يفتخر به ليطالب خالقه من خلال هذا بحقوقه، فهي كما يعلم قشرة رقيقة وضاءة تغطي واقعا مظلما قاتما مخيفا، وعلامة  هذا؛ أن جل الذين يقولون هذا الكلام، ويحتجون على الله بوعوده، نجدهم من الشاردين عن هديه، والمستهزئين بأحكامه، والبعيدين حتى عن معرفة الأساسيات من دينه.

عباد الله، حاسبوا أنفسكم لتدركوا أن الخلل فيكم وليس في وعد الله، فالله تعالى لا يخلف وعده، واعلموا أن نصر الله الذي هو أمنية كل مسلم، لا يتحقق عن طريق الدعاوي والأماني، ولكن عن طريق البحث والتنقيب في سنة الله في النصر، كيف ينصر تعالى أولياءه المتقين، ويخذل ويمحق أعداءه الكافرين، وذلك لتوظيف هذه السنة وهذا القانون على أكمل وجه، وذلك بتوفير الشروط اللازمة للنصر، واتقاء الموانع التي تؤخره أو تحول بين المسلمين وبينه، مع التأكيد على أن النصر هو حليف المؤمنين الصالحين المصلحين الذين يواجهون جحافل الكفار والمشركين، ويسعون لتكون كلمة الله هي العليا في الأرض. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.