منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

البعد الوجودي والفلسفي للدعاء والفعل: من حضور الإله إلى فاعلية الإنسان

يحي عباسي بن أحمد – الجزائر

0

البعد الوجودي والفلسفي للدعاء والفعل:
من حضور الإله إلى فاعلية الإنسان

يحي عباسي بن أحمد – الجزائر

أولًا: من الدعاء كطقس إلى الدعاء كفعل وجودي

يُعدّ الدعاء في الخطاب القرآني أحد أكثر الأفعال الإنسانية دلالة على الوعي بالوجود، فهو ليس مجرّد نداء غيبي نحو المطلق، بل حركة داخلية من الإنسان نحو ذاته ثم نحو الله، تتجاوز اللفظ إلى الفعل، والتمنّي إلى المبادرة. ولعلّ قوله تعالى:«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ»[1]

يمثّل أحد أكثر المواضع القرآنية تكثيفًا للعلاقة بين الإنسان وربّه، تلك العلاقة التي لا تقوم على البُعد الميتافيزيقي وحده، بل على القرب الوجودي الفاعل.

إنّ اللافت في الآية أنّها جاءت في سياق تشريعي مرتبط بالصيام، وكأنّ الخطاب القرآني أراد أن يُبيّن أنّ القرب الحقيقي لا يكون في موسم الطقوس وحده، بل في لحظة الوعي بالفعل، أي حين ينتقل الإنسان من الدعاء اللساني إلى الاستجابة العملية.

وهذا المعنى هو ما يعبّر عنه محمد إقبال في قوله: “إنّ الدعاء ليس مجرّد تلاوة كلمات، بل هو انبعاث الحياة في الروح، وانفجار طاقتها الكامنة في العمل.”[2]

بهذا الفهم يصبح الدعاء فعلًا حضاريًا، لا انفصالًا عن الواقع، بل تجلٍّ للوعي الإنساني بالمسؤولية عن تحويل ما يدعو به إلى واقع.

فالآية تبدأ بـ: “وإذا سألك عبادي عني” — سؤال الإنسان عن الله — لكنها تنتهي بـ: “فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون” — أي إنّ الجواب الحقيقي عن السؤال الإلهي لا يكون في القول، بل في الفعل، في الاستجابة والإيمان والعمل.

من هنا يمكن القول إنّ الخطاب القرآني يوجّه الإنسان إلى تجاوز حالة الدعاء كـ«هروب» من الفعل، إلى جعله «بداية» للفعل، وهذا هو التحول من الدعاء اللفظي إلى الدعاء الوجودي — من الإنسان الذي ينتظر أن يُستجاب له، إلى الإنسان الذي يصبح هو نفسه أداة الاستجابة.

 ثانيًا: البنية الشرطية في الآية ونداء المبادرة الفاعلة

قوله تعالى: “وإذا سألك عبادي عني” يحمل بنية شرطية (أداة الشرط “إذا”)، وهذه البنية ليست مجرد بناء لغوي بل دلالة فلسفية عميقة. فالشرط يعني وجود علاقة بين طرفين: سؤال الإنسان وقرب الله، أي أنّ القرب الإلهي مشروط بحدث إنساني، بوعي وبفعل، لا بانتظار سلبي.

يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: “اقتُصر على ذكر السؤال دون الجواب، ليُفهم أن السؤال في ذاته هو استحضار للقرب، لأنّ الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد.[3]

غير أنّ هذا “السؤال” ليس سؤالًا معرفيًا فحسب، بل هو في جوهره سؤال وجودي، على نحو ما يتحدث عنه هايدغر حين يرى أن الإنسان “هو الكائن الذي يُسأل عن وجوده”[4].

فالسؤال عن الله هو في الحقيقة سؤال عن الذات، لأنّ الإنسان حين يسأل عن خالقه إنما يبحث عن موضعه في نظام الوجود، وعن مسؤوليته في شبكة المعنى.

لذلك جاء الجواب الإلهي بصيغة فريدة: “فإني قريب” — بضمير المتكلم المباشر دون وساطة “قل” المعتادة في أغلب الأسئلة القرآنية.

فلم يقل: “قل لهم إني قريب”، بل قال مباشرة: “فإني قريب”، وكأنّ الله يرفع كلّ حجاب لغوي أو شعوري بينه وبين عبده.

وهذه الصيغة ذات طابع وجودي عميق، تعبّر عن حضور الله في تجربة الإنسان الداخلية، وعن رفض فكرة البُعد الميتافيزيقي التي تجعل الإله خارجًا عن مجال التجربة الحية.

يعلّق عبد الله دراز على هذا الموضع في كتابه النبأ العظيم:

“لم يُؤمر النبي بالجواب لأنّ السؤال عن الله لا يحتمل واسطة، فالله هو الذي يجيب مباشرة لأنّ القرب منه ليس معرفيًا بل وجوديًا.[5]

ومن هنا يتّضح أنّ الشرط القرآني في “إذا سألَك” ليس شرطًا معرفيًا بل شرط تحقّقي، أي أنّ السؤال فعل في ذاته يفتح أفق القرب، وهو ما يذكّر بما قاله كيركغارد عن “القلق الديني[6]” بوصفه حالة تدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته نحو المطلق، لا هروبًا منه.

إنّ هذا الشرط، إذن، ليس دعوة إلى التأمل فقط، بل إلى المبادرة.

فالسؤال الحقيقي عن الله ليس أن تسأل: “أين هو الله؟” بل أن تسأل نفسك: “ما الذي فعلته لأكون قريبًا منه؟”

ومن هنا تبدأ الحركة الحضارية التي تتجاوز طور الأمنية إلى طور الفعل، لأنّ القرب الإلهي لا يتحقّق بالسكون، بل بالمبادرة، تمامًا كما أنّ الدعاء لا يُستجاب بانتظار الاستجابة، بل ببدء الفعل نفسه.

من الدعاء إلى الفعل: قراءة حضارية وجودية في قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)

دراسة بالمنهج القرآني التحليلي والفلسفي الوجودي

 ثالثًا: القُرب الإلهي بين المعنى اللغوي والدلالة الوجودية

القُرب في اللسان العربي مفهوم ذو أبعاد متعدّدة، منها المكاني، والزماني، والمعنوي.

يقول ابن فارس: “القاف والراء والباء أصلٌ يدلّ على دنوّ الشيء من الشيء في مكان أو زمان أو منزلة.[7]

لكن القرب في الخطاب القرآني يتجاوز هذه المحددات الثلاثة ليصبح قربًا وجوديًا، يعبّر عن حضور الله في كيان الإنسان لا في مكانه. فالله — في منطق القرآن — قريب لا يُحدّ، حاضر لا يُحاط به، وهو ما يعبّر عنه قوله تعالى:“ونحن أقرب إليه من حبل الوريد[8].

وهذا القرب ليس قربًا ماديًا، بل قرب شهودي شعوري، يعيشه المؤمن في لحظة تجرّده من التعلّقات، لا في انفصاله عن العالم.

يقول الإمام الرازي: “إنّ قرب الله من عبده ليس قربَ مكانٍ، ولكن قربَ عِلمٍ وإحاطةٍ وقدرةٍ ورحمةٍ.[9]

وهنا تتجلى التحوّلات المعنوية في المفهوم، إذ لم يعد القرب فعلًا من الله فحسب، بل تجربة يعيشها الإنسان حين يتجاوز وعيَه الجزئي إلى وعيٍ كليٍّ يراه حاضرًا في كلّ شيء.

من هذا المنطلق، يمكن أن نفهم الآية كبيانٍ لـ قرب الوجود من الله، لا لقرب الله من الوجود فقط.

فالإنسان إذ يسأل عن الله، إنما يعبر عن حالة اغتراب روحي يبحث فيها عن استعادة المعنى.

وهذا ما يسمّيه مارتن بوبر في فلسفة الحوار بـ “علاقة الأنا-أنت[10]” (I-Thou Relationship)، حيث يتحقّق وجود الإنسان الحقيقي حين يخاطب المطلق لا بوصفه موضوعًا، بل بوصفه “أنت” حاضرًا في التجربة.

في ضوء هذا التصوّر، يصبح قوله تعالى “فإني قريب” إعلانًا عن نفي الاغتراب الوجودي بين الإنسان وخالقه، وهو ما يردّ على النزعات المادية التي تفصل الدين عن التجربة الإنسانية.

فالقرب هنا ليس معطًى لاهوتيًا فحسب، بل رؤية أنطولوجية تؤكّد أنّ الإنسان لا يعيش في “كونٍ بلا معنى”، بل في كونٍ مشحون بالحضور الإلهي.

وهكذا يتجلّى في الخطاب القرآني ما يمكن أن نسمّيه بـ“الوجود الإلهي الداخلي”، وهو ما أشار إليه هنري برغسون في قوله: “إنّ الروح حين تفتح نافذة على الله، لا تخرج من ذاتها، بل تعود إلى أعماقها.”[11]

فالقرب الإلهي إذًا هو عودة الإنسان إلى مركزه الأصيل، واستعادة توازنه بين الروح والعقل والجسد، بين الدعاء والعمل، بين السؤال والإيمان.

 رابعًا: الاستجابة والفعل – من أُمنية اللسان إلى مسؤولية الحركة

يقول الله تعالى في تتمة الآية:“فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.”

هنا يتحوّل الخطاب من الغيب إلى الفعل، ومن الوعد إلى الواجب.

فالاستجابة الإلهية مشروطة بالاستجابة الإنسانية، أي أنّ علاقة الله بالإنسان تفاعلية لا استسلامية، قائمة على مبدأ المشاركة في صناعة المصير.

يقول سيد قطب: “الاستجابة لله ليست دعاءً فقط، بل فعلٌ يُثبتُ صدق الدعاء. فالدعاء بغير عملٍ تواكلٌ، والعملُ بغير إيمانٍ ضلال.[12]

بهذا المعنى يصبح الدعاء بداية المشروع الحضاري، إذ يربط بين النية والفعل، والحق والواجب.

وهذا ما عبّر عنه مالك بن نبي بمصطلح “إنسان النصف”[13] — الإنسان الذي يريد الحقوق دون أن يؤدي الواجبات، والذي يكتفي بالكلام عن النهوض دون أن ينهض.

والآية الكريمة تضع توازنًا دقيقًا بين طرفي المعادلة:

الدعاء ← الاستجابة ← الإيمان ← الرشد.

فالدعاء بغير استجابة يصبح رجاءً مشلولًا، والاستجابة بغير إيمان تصبح حركةً بلا روح، والإيمان بغير رشد يتحوّل إلى تديّنٍ عاطفيٍّ بلا بصيرة.

أما الرشد، فهو الغاية النهائية لهذا التوازن، إذ يعني بلوغ الإنسان مرحلة الوعي المتكامل التي تجمع بين الفكرة والفعل، بين الدين والحياة، بين الروح والعقل.

وهنا يتجلى معنى قوله تعالى: “لعَلَّهُم يَرْشُدُونَ”، أي ليبلغوا النضج الفكري والعملي الذي يجعلهم أمة فاعلة في التاريخ.

من هذا المنظور، لا يمكن قراءة هذه الآية خارج سياقها الحضاري.

فالخطاب الإلهي يدعو الأمة إلى تجاوز ثقافة “الدعاء الانتظاري” إلى “الدعاء الفعلي”، أي إلى تحويل الدعاء إلى مشروع عمل، والإيمان إلى طاقة بناء.

وهو ما أشار إليه المفكر الجزائري محمد أركون — رغم اختلاف منطلقه — حين قال: “لا يمكن للدين أن يظل خطابًا تأمليًا؛ بل لا بد أن يُترجم إلى حركة معرفية وعمل اجتماعي.[14]

إنّ تحويل الدعاء إلى فعلٍ هو استعادة للإنسان الفاعل في التاريخ، لا الإنسان المنتظر خارج التاريخ.

فالمسلم الحقّ، في ضوء هذه الآية، لا ينتظر أن يُستجاب له فحسب، بل يبدأ بالاستجابة لله كي يُستجاب له.

وهكذا يتحقّق التوازن بين العبودية والفعل، وبين التوحيد والعمل، لتتجلّى الحضارة بوصفها شكلاً من أشكال الإيمان العملي.

البعد الوجودي والفلسفي للدعاء والفعل: من حضور الإله إلى فاعلية الإنسان

إذا كانت الآية الكريمة “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان” تمثّل أحد أكثر النصوص القرآنية انفتاحًا على البعد الإنساني في التجربة الدينية، فإنها — من منظور فلسفي وجودي — تضع الإنسان أمام ذاته، وتعيد تعريف العلاقة بين الوجود الإلهي والحضور الإنساني خارج ثنائية المتعالي والمتناهي.

يُلاحظ أن الخطاب القرآني لا يقدّم الله باعتباره موضوعًا للدراسة أو الكيان المفارق الذي يستحيل إدراكه، بل باعتباره قربًا فعّالًا متحققًا في صيرورة الدعاء ذاته. وهنا يلتقي النص القرآني مع بعض الاتجاهات الوجودية، خصوصًا في فلسفة مارتن بوبر (Martin Buber) حين تحدث عن العلاقة “أنا وأنت” (Ich und Du) التي تتجاوز التشييء والوساطة نحو اللقاء المباشر بين الذات والآخر. فالله في المنظور القرآني ليس موضوعًا معرفيًا، بل حضورًا وجدانيًا فعّالًا، أي أن الفعل الإنساني (الدعاء) هو الشرط الكاشف عن القرب الإلهي.

وهذا ما يجعل الدعاء في القرآن فعلًا تأسيسيًا للوجود الإنساني؛ فالإنسان لا يكون كائنًا متكلمًا فحسب، بل كائنًا منادِيًا ومُجابًا، أي يدخل في علاقة مزدوجة تُبقيه في حالة وعي بالذات وبالآخر الإلهي. وهذا المعنى يجد صداه في فكر هايدغر (Heidegger)، حينما يرى أن الوجود الإنساني هو انكشاف مستمر في لغة الكينونة، وأن الكلمة ليست وسيلة بل مقام ظهور الوجود. إن الدعاء في هذا السياق ليس طلبًا بل كشفًا للكينونة في أفقها المتجاوز.

التحوّل من الدعاء إلى الفعل: الوعي بالمشروط الإنساني

إن التحول الذي تؤسسه الآية من سؤال الغيب إلى فعل القرب هو تحوّل من الطلب إلى الفعل، ومن الغياب إلى الحضور، ومن الميتافيزيقا إلى الوجود الفعلي. فالإجابة الإلهية في قوله: “أجيب دعوة الداع إذا دعان” ليست مجرد وعد خارجي، بل بنية وجودية تتحقق متى ما تحقق شرطها: “إذا دعان”.

الجواب مرتبط بالنداء، والفاعل الإلهي مرتبط بفعل الإنسان.

وهنا تبرز أصالة المنهج القرآني في مقابل النزعة القدرية أو الانتظارية التي جمدت مفهوم الدعاء في التاريخ الديني. فالقرب الإلهي ليس قدرًا يُنتظر، بل فعلًا يتحقق في مبادرة الإنسان.

وهذا ما يلتقي مع ما ذهب إليه محمد إقبال في فلسفته التجديدية حينما قال إن “الإنسان في القرآن ليس عبدًا سلبيًا بل شريكًا في الخلق من خلال فعله”، فالدعاء عنده تعبير عن فاعلية الذات في الوجود، لا عن استسلامها للقدر.

القرآن لا يطلب من الإنسان أن ينتظر الإجابة، بل أن يُحوِّل الدعاء إلى حركة، لأن الإجابة هي فعل مستمر بين الكلمة والعمل. ولذلك قال ابن عطية في تفسيره: ” الدعاء في جوهره التزام بالعمل، فمَن دعا ولم يسعَ فقد نكث الدعاء”.

في ضوء الفكر العربي الحديث

في الفلسفة العربية الحديثة، نجد مثلًا محمد عابد الجابري في قراءته لمفهوم العقل العملي يقترب من هذا التصور حين يرى أن “القرآن لا يتحدث عن الإيمان كحالة وجدانية فقط، بل كفعل تاريخي”[15]، وهو ما يلتقي مع منطق الآية في تحويل الدعاء إلى إرادة وفعل في العالم.

أما طه عبد الرحمن في “روح الدين[16]” فيؤكد أن القرب الإلهي لا يتحقق إلا في الفعل الأخلاقي، أي أن الله قريب من الإنسان بقدر ما يحقق إنسانيته في المجال العملي، وهو ما يجعل الفعل الأخلاقي استجابة مباشرة للدعاء.

ومن هذا المنظور، تصبح الآية الكريمة جسرًا بين الروحي والفعلي، بين الإيمان والعمل، وبين الدعاء والفعل. فكلّما دعا الإنسان بإخلاص، استيقظ داخله الفاعل الحضاري الذي يرى في الله قوة دافعة نحو الوجود، لا سلطة قاهرة من خارجه.

التحليل التطبيقي: من الدعاء إلى الفعل في الواقع الحضاري المعاصر

إن استحضار مفهوم الدعاء القرآني خارج إطاره اللفظي الشعائري، وإدخاله في الحقل الفلسفي والأنثروبولوجي، يكشف أن الآية ليست خطابًا تعبديًا فحسب، بل مشروعًا حضاريًا يهدف إلى إعادة الإنسان إلى مركز الفعل التاريخي.

فالآية: “وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون”

تقدّم بنية فكرية متكاملة تقوم على ثلاث لحظات وجودية متتابعة:

  1. الوعي بالافتقار: “إذا سألك عبادي عني” — الوعي الإنساني بمحدوديته واحتياجه.
  2. القرب الإلهي الفاعل: “فإني قريب” — حضور اللامتناهي في تجربة الإنسان.
  3. التحوّل إلى الفعل: “فليستجيبوا لي” — اشتراط الفعل مقابل الفعل؛ أي أن الدعاء لا يُتم إلا بالفعل الإنساني.

بهذا الترتيب المنطقي، تتحوّل العلاقة بين الإنسان والله من علاقة تبعية إلى علاقة تفاعلية، يكون فيها الإنسان فاعلًا ومسؤولًا عن استجابة الدعاء. وهذا ما يتوافق مع ما يسميه بول ريكور (Paul Ricoeur) بـ”أخلاق الفعل المتأمل” (éthique de la responsabilité): حيث لا يمكن للفعل أن يكون أخلاقيًا أو وجوديًا ما لم ينبع من إدراك ذاتي للعلاقة بالآخر المتجاوز.

الدعاء كمنهج للتغيير الحضاري

تاريخيًا، حُصر الدعاء في الوعي الإسلامي ضمن الوظيفة التعبدية، وغُيّب بعده الحضاري الذي يجعل منه منطلقًا للنهضة.

لكن إذا قرأنا الآية في ضوء مفهوم “القرب الفعّال”، فإنها تدعونا إلى إعادة صياغة العلاقة بين الروح والفعل.

فالإيمان هنا ليس انفعالًا، بل مشروع بناء يبدأ من الكلمة وينتهي بالفعل.

وهذا ما وعاه مفكرون معاصرون مثل مالك بن نبي، حين رأى أن “الأمة التي تدعو ولا تعمل، لا تُستجاب دعوتها”، لأن الاستجابة مشروطة بالفعل الاجتماعي. فالدعاء ليس تواكلًا بل توكّلًا فاعلًا، أي استحضار لله في مشروع التغيير نفسه.

وهذا المعنى ينسجم مع ما يراه طه عبد الرحمن في “سؤال الأخلاق” من أن القرب الإلهي لا يتحقق إلا بقدر ما يتخلّق الإنسان بالعمل الصالح، فكل استجابة لله هي ارتقاء في الفعل الحضاري.

من القرب الإلهي إلى الفعل الاجتماعي

الآية لا تخاطب الإنسان في لحظة خوفه أو عجزه فقط، بل في لحظة قدرته على تحويل الدعاء إلى استجابة.

وهذا يفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة الظواهر الاجتماعية والسياسية في ضوء هذا المنطق القرآني: فغياب الفعل الحضاري في المجتمعات الإسلامية ليس دليلاً على غياب الإيمان، بل على جمود الدعاء في مستواه اللفظي.

فالقرآن يريد للإنسان أن يستجيب كما يُستجاب له، أي أن يتحوّل القرب الإلهي إلى مشروع أخلاقي واجتماعي يُترجم في العمل والتعليم والإبداع.

وبهذا المعنى، يصبح الدعاء فعل مقاومة حضارية ضد اللامعنى والعبث، كما عبّر ألبرت كامو عن التمرد كفعل وعي بالوجود. إلا أن التمرد القرآني هنا ليس رفضًا لله، بل رفضًا للجمود باسم الله.

الإنسان الفاعل بين الغيب والشهادة

الآية تقيم توازنًا دقيقًا بين الغيب والشهادة: فالغيب ليس غيابًا، بل قربًا في فعل الإنسان.

وهذا ما يجعل المفهوم القرآني للقرب متجاوزًا للثنائيات الغربية بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والإنسانوية.

فالقرآن لا يضع الله في مقابل الإنسان، بل في جوهر فعله، أي أن كل فعل صالح هو لحظة لقاء مع الله.

ومن هنا يمكن القول إن “الإنسان القرآني” — كما صاغه محمد إقبال وطه عبد الرحمن — ليس مخلوقًا ينتظر المعجزة، بل كائنًا يصنعها بالفعل.

وهذا هو الفارق بين الدعاء كـ لغة تمني والدعاء كـ لغة وجود: الأول يحيل إلى السكون، والثاني إلى الحركة.

خلاصة واستنتاجات

من خلال هذا التحليل، يمكن تلخيص الرؤية في النقاط الآتية:

  • الدعاء في القرآن فعل وجودي لا لغوي، يربط بين الإنسان والكون عبر قانون الفعل والاستجابة.
  • القرب الإلهي ليس وعدًا ميتافيزيقيًا بل بنية حاضرة في فعل الإنسان الأخلاقي والحضاري.
  • كل دعاء غير متبوع بالفعل هو نفي لجوهر الدعاء نفسه.
  • القراءة الحضارية للآية تجعل منها بيانًا لتفعيل الوعي الديني في التاريخ، لا مجرد خطاب تعبدي.

الخاتمة التحليلية

إنّ الدعاء في المنظور القرآني ليس مجرّد نداءٍ يعلو إلى السماء، بل هو تأسيس لعلاقة جديدة بين الإنسان والوجود، تتجاوز حدود الشعور الفردي إلى أفق الفعل الحضاري.

فالآية «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب» تمثّل قلب الرؤية القرآنية للإنسان؛ إذ تعيد له دوره كفاعلٍ مسؤول في العالم، وتجعله يعيش حضوره في التاريخ بوصفه كائنًا مأهولًا بالقرب الإلهي لا بالغفلة عنه.

بهذا المعنى يصبح الدعاء فعلاً مزدوجًا:

  • روحيًّا يستبطن القرب ويستعيد حضور المعنى،
  • وعمليًّا يدفع نحو التغيير والإصلاح والبناء.

وهنا يلتقي القرآن مع الفلسفات الوجودية الحديثة، لا في مضمونها القلق أو العبثي، بل في الوعي بالوجود والمسؤولية، حيث يكون القرب الإلهي هو المعادل القرآني لفكرة “الوجود الأصيل” عند هايدغر أو “الشجاعة الوجودية” عند تيليش.

إنّ القرآن لا يكتفي بأن يدعو الإنسان إلى الإيمان، بل يطلب منه أن يفعل إيمانه، أي أن يحوّله إلى عمران، إلى علم، إلى مقاومة للفراغ والمعنى.

وفي هذا الفهم تتحرّر العلاقة بالله من الانغلاق الشعائري لتصبح أفقًا حضاريًا مفتوحًا.

فالإسلام لا يقدّم نموذج الإنسان الزاهد المنسحب، بل الإنسان العامل المستنير، الذي يجد في الدعاء لحظة ميلاد جديدة بين الخلق والحق.

إنّ تجديد فهم الدعاء اليوم ليس ترفًا تأمليًا، بل ضرورة فكرية في زمنٍ تحوّل فيه الخطاب الديني إلى تكرارٍ أجوف، وفقد الإنسان المسلم صلته بالمصدر الحيّ للمعنى.

ولذلك، فإن إعادة قراءة الآية في ضوء المنهج التحليلي القرآني والفلسفة الوجودية تتيح لنا استعادة أحد أعمق مفاهيم الإسلام: أن الله قريب بقدر ما يكون الإنسان فعّالًا.


[1] البقرة: 186

[2] محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، بيروت: دار الكتب العلمية، 1989.

[3] الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير (ج2، ص 184):

[4] Martin Heidegger, Being and Time, trans. John Macquarrie & Edward Robinson, Harper & Row, 1962

[5] محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن الكريم، القاهرة: دار القلم، 1984.

[6] Kierkegaard, The Sickness Unto Death, trans. Alastair Hannay, Penguin Classics, 1989

[7] مقاييس اللغة (ج5، ص. 87)

[8] ق: 16

[9] مفاتيح الغيب (ج5، ص. 144)

[10] Buber, I and Thou, p. 42

[11] Bergson, Les Deux Sources de la morale et de la religion, p. 211

[12] ظلال القرآن (ج1، ص. 174)

[13] مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص. 43

[14] أركون، نقد العقل الإسلامي، ص. 157.

[15] محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006.

[16] طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.