الرؤيا المنامية بداية البعثة النبوية (خطبة)
الرؤيا المنامية بداية البعثة النبوية (خطبة)/ الشيخ عبد الله بنطاهر التناني
الرؤيا المنامية بداية البعثة النبوية (خطبة)
بقلم: الشيخ عبد الله بنطاهر التناني
الحمد لله الذي جعل الرؤيا المنامية وحيا، وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة لا نعصي له فيها أمرا ولا نهيا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله بوحيه تطمئن القلوب وتحيا، فتتبعها الجوارح طاعة وهديا، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين نصروه حتى كانت كلمة الله هي العليا، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى نهاية الدنيا.
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون، أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.
قد قدمنا لكم سلسلة من الخطب في السيرة النبوية تعرفنا فيها عن نبذة مختصرة من ولادته وطفولته وشبابهﷺ.
فتعالوا بنا اليوم نرفع الستار عن بداية الوحي بالرؤيا المنامية عند نهاية شبابه على رأس الأربعين سنة من عمرهﷺ؛ ومن المعلوم أن أول آية تنزل من القرآن الكريم هي: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، وأنها نزلت في شهر رمضان لقوله تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ””، وبذلك اشتهر أن الوحي بدأ ينزل في رمضان، هذا فيما يخص نزول الوحي والنبيﷺ في اليقظة، فيسمع ويعي.
ولكن ينبغي أن نعلم أن الوحي يأتي النبيﷺ في أشكال مختلفة: منها الرؤيا المنامية، ومنها النفث في الرُّوع والرُّوع هو: القلب والعقل، ومنها أن يتمثل له جبريل رجلا، ومنها أن يأتي كصلصلة الجرس أي صوت له طنين قوي كصوت وقوع الحديد بعضه على بعض، وهو أشده علىهﷺ وأثقل، ومنها أن يكلمه الله تعالى مباشرة كما كلم موسى عليه السلام.
والوحي بالرؤيا المنامية هو الذي بدأ في ربيع الأول بستة أشهر قبل رمضان، قالت أمنا عائشة عن هذه الفترة كما روى البخاري: “كان النبيﷺ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ويقولﷺ فيما روى الشيخان: “ورؤيا المؤمن جـزء مـن ستة وأربعين جـزءاً من النبوة””، وذلك أن عُمْرَهﷺ بعد البعثة إلى الوفاة هو ثلاث وعشرون سنة، وكم من ستة أشهر موجودة في ثلاث وعشرين سنة؟ إنه ستة وأربعون جزءا، وواحد منها هو فترة الوحي بالرؤيا المنامية.
إذن الرؤيا المنامية نوع من الوحي؛ فإذا كانت من النبيﷺ فهي شرع وشريعة وجب الأخذ بها وامتثال أمرها، وقد بادر سيدنا إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل امتثالا لوحي الرؤيا، *فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى، قَالَ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ، كما بادر النبيﷺ بالاستجابة فورا، حينما رأى في منامه أنهﷺ قد دخل مكة مع أصحابه معتمرين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون، *لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ**، فخرجﷺ للعمرة والظروف لم تكن مواتية؛ وكفار قريش يسيطرون على مكة المكرمة، وبينهم وبينه حرب طاحنة؛ باردة وساخنة.
أما إذا كانت الرؤيا المنامية من غير النبيﷺ فلا بد من تفسيرها حسب قواعدها وضوابطها، يعلمها من له العناية والدراية بها، وهي ما تبقى لنا من الوحي والنبوة بعد موت النبيﷺ؛ يقولﷺ فيما روى مالك في الموطأ: *ذهبت النبوة وبقيت المبشرات… الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له*، والناس بالنسبة لاعتبارها ثلاثة أنواع:
● النوع الأول: منهم من ينكرها ويتنكر لها، ويعتبرها مجرد أضغاث أحلام، ومجرد انعكاس لما يتعرض له الإنسان في يقظته من مسرات ومضرات، لا علاقة لها بالمبشرات ولا بالمنذرات، فهي عندهم أمر مادي صِرف كما زعموا.
● النوع الثاني: منهم مشعوذون يلهثون وراء كل ما يزين لهم الشيطان منها، ويعملون على مقتضياتها، فيظنون أنهم بها يعرفون المغيبات، وبها يكشفون الستار عما سيقع في المستقبل، وعما وقع في الماضي، فيهربون بها من الواقع المر الذي يعيشونه، ويستغلون البسطاء من الناس، يستميلون بها عقولهم من أجل استنزاف جيوبهم؛ فتكالب كثير من الناس عليهم بسبب الفراغ الروحي الذي يتبعه الجزع، فتعلَّقوا بالمنامات، حتى أصبحت شغلَهم الشاغل عبر المجالس والمنتديات؛ بل وفي القنوات الفضائية والمواقع الاجتماعية التي جعلتها وسيلة جلبٍ لمتتبعيها، وطعم استقطاب لمشاهديها، إلى أن طغت على الفتاوى الشرعية، فأصبح الناس يسألون عن المناميات وتفسيرها، أكثر بأضعافٍ من السؤال عن أمور الدين ومستلزماتها؛ وما تهافتُ الناس على الرؤيا بهذه الصورة المفرطة إلا لونٌ من ألوان الهروب من الواقع، والخروج عن الإطار المتوازن المتكامل الذي وضعه الشارع.
● النوع الثالث: هم أصحاب الوسطية والاعتدال، الذين ساروا على نهج النبوة، الذين يرون أن الرؤيا ثلاثة أقسام؛ كما يقول النبيﷺ فيما روى ابن ماجه بسند حسن: “إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة”
• أما القسم الأول: أهاويل الشيطان؛ فقد علمنا الرسولﷺ كيف نتعامل معها وذلك بما يلي:
1) أن تتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان.
2) أن تتفل حين تستيقظ من نومك ثلاثاً عن يسارك.
3) ألَّا تذكرَها لأحد أصلاً.
4) أن تتحوّل من جنبك الذي كنت عليه.
5) أن تقرأ آية الكرسي؛ للحديث: من قرأها لا يقربهُ شيطان.
وفي هذا يقول النبيﷺ فيما روى مسلم: *الرؤيا من الله، والحُلْم من الشيطان، فإذا حَلَم أحدكم حُلْماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً وليتعوّذ بالله من شرها، فإنها لن تضرّه، ويقولﷺ فيما روى الشيخان: “إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليتحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره””.
• وأما القسم الثاني فهو: ما يحدِّث به المرء نفسَه في يقظته، كمن يكون مشغولاً بسفر أو تجارة أو يخاف من شيء، أو نحو ذلك، فينام فيرى في منامه ما كان يفكّر فيه في يقظته، وهذا من أضغاث الأحلام التي لا تعبير لها، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث بها أيضا، روى مسلم أن أعرابياً جاء إلى النبيﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي ضُرب، فتدحرج فاشتددتُ على أثره (تبعته)! فقال له رسول اللهﷺ: “لا تحدث الناس بتلعّب الشيطان بك في منامك”
• وأما القسم الثالث فهو: الرؤيا الصادقة الصالحة التي تكون من الله مبشرة ومنذرة؛ ولكن لا تحرم حلالا ولا تحل حراما، ولا تشرع حكما؛ وقد تكون واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى تأويل كرؤيا سيدنا إبراهيم عليه السلام أنه يذبح ابنَه، وقد تكون خافية برموز تحتاج فيها إلى معبر يفسرها، كرؤيا صاحبي السجن ورؤيا ملك مصر مع يوسف عليه السلام؛ فقد اجتمع فيهما التبشير والإنذار في آن واحد؛ أما رؤيا صاحبي السجن فقد قتل أحدهما وعاش الآخر، أما رؤيا ملك مصر فبشارتها هي السَّعة في الرزق سبعَ سنين، وإنذارها هي الجدب والقحط سبعا مثلها. يقول النبيﷺ: “الرؤيا معلقة برجْل طائر ما لم يُحَدِّث بها صاحِبُها، فإذا حدَّث بها، وقعت؛ فلا يحدِّث بها إلا عالما، أو ناصحا، أو حبيبا”.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين…
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أما تفسير الرؤيا المنامية على الملأ بمشاهدة الملايين في الفضائيات والمواقع، أو من خلال المجامع الممتلئة بالحشود، فهو أمر خطير؛ لأنها نوع من الرجم بالغيب الخاص بالله تعالى، والنصوص في ذلك كثيرة: “قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالارْضِ الْغَيْبَ إِلا الله}، {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُو، “فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لله”، “عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ”. وقد نقل ابن عبد البر أن الإمام مالكا سئل: أيعبُر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال: “أبالنبوة يُلعب”؟ وكان ابن سيرين وهو العالم المؤول حينما يسأل عن رؤيا كثيرا ما يقول: لا أدري، وكان يقول للسائل: “اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم، وإنما الجواب بالظن والظن يخطئ ويصيب””.
فإذا كان هذا هو قول إمام المعبرين في زمانه وما بعده من الأزمان، فما الظن بمن جاء بعده؟! إنا لنسمع بالمعبِّر في الفضائيات وفي المواقع يُسأل عن الرؤيا مئات المرات لا تسمع مرةً يقول: لا أدري، أو يقول: هذه أضغاث أحلام، أو يقول: هذه حديث نفس!
وتفسيرها أيضا له صلة وثيقة بحال صاحبها في الصلاح والطلاح، في الصدق والكذب، ومعرفه حاله في ذلك عبر الشاشات أمر متعذر؛ والرسولﷺ يقول فيما روى الشيخان: “إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا…، فقد رُوي أن ابن سيرين سأله رجلان كل منهما رأى أنه يؤذِّن، فعبرها للصالح منهما بالحـج؛ لقوله تعالى: “وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ” وعبر للطالح القبيح بأنه سيسرق؛ لقوله تعالى: “ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ””.
ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…