المقاصد العقدية للأضحية في الإسلام
الدكتور عبد القادر بنقدور
المقاصد العقدية للأضحية في الإسلام
بقلم:الدكتور عبد القادر بنقدور
تخصص:العقيدة والفكر الإسلامي
تقديم:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وكفى،والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد؛
تعد الأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء،وهي رمز للتضحية والإيثار بالمال والنفس في سبيل الله تعالى،ومنهاج عملي للمسلمين لتحقيق العدالة الاجتماعية،والتوسعة على الأهل والأولاد،وصلة الرحم، وإطعام الفقراء والمساكين والمحتاجين.
كما تتجلى أهمية الأضحية في الإسلام في كونها تشريع رباني، المقصد منها طاعة الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه،فهي شعيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام،حينما فداه الله بذبح عظيم.
وتأسيسا على ما سبق؛فقد شرع الإسلام الأضحية لتحقيق مجموعة من المقاصد العظمى،نذكر منها ما يلي:
مقصد التقرب إلى الله تعالى:
شرعت الأضحية لطاعة الله تعالى والتقرب إليه عز وجل،والاستجابة لأوامره واجتناب نواهيه،وتعظيم حدوده وشعائره.
قال الله تعالى:” وَالْبُدْنَ جَعَلْنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ اِ۬للَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٞۖ ” (سورة الحج: 34)، ولذلك يشترط أن تكون الأضحية سالمة من العيوب.
المقصد الخيري:
شرعت الأضحية لتحقيق الخير للإنسان،ودفع الحرج والمشقة والمفسدة عنه،فالأضحية تغرس في نفس المسلم قيم التضحية والفداء والبذل والعطاء،وقيم التشاور وتحمل المسؤولية،ونشر المحبة والفرحة بين الناس، وتفريج الكرب عنهم.
قال الله تعالى:” قُلْ بِفَضْلِ اِ۬للَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٞ مِّمَّا يَجْمَعُونَۖ”.( سورة يونس: 58)
مقصد الذكر والتزكية والتقوى:
كما شرعت الأضحية لتربية المؤمن على الإكثار من ذكر الله تعالى،والأنس والصلة الدائمة بالله عز وجل،ولذلك شرع الإسلام الأضحية لتعويد المسلم على ذكر الله وتوحيده وعدم الشرك به.
ومن أهم هذه الأذكار: التلبية، لا إله إلا الله، التسبيح، الاستغفار، الله أكبر، الحمد لله،الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم،الدعاء،قراءة القرآن الكريم…
قال الله سبحانه:” وَأَذِّن فِے اِ۬لنَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاٗ وَعَلَيٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ، لِّيَشْهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اُ۪سْمَ اَ۬للَّهِ فِےٓ أَيَّامٖ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَيٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ اِ۬لَانْعَٰمِۖ “(سورة الحج: 25 – 26)
وقال الله تعالى:” وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلْنَا مَنسَكاٗ لِّيَذْكُرُواْ اُ۪سْمَ اَ۬للَّهِ عَلَيٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ اِ۬لَانْعَٰمِۖ فَإِلَٰهُكُمُۥٓ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسْلِمُواْۖ وَبَشِّرِ اِ۬لْمُخْبِتِينَ ، اَ۬لذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَ۬للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّٰبِرِينَ عَلَيٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِے اِ۬لصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَۖ” (سورة الحج: 32 – 33)، وقال الله عز وجل:” فَاذْكُرُواْ اُ۪سْمَ اَ۬للَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّۖ ” (سورة الحج: 34).
كما أن الأضحية تطهر نفس المسلم وقلبه من رذيلة التكبر والحسد، والطمع والبخل والأنانية.
قال الله سبحانه:” اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اِ۬للَّهِۖ أَلَا بِذِكْرِ اِ۬للَّهِ تَطْمَئِنُّ اُ۬لْقُلُوبُۖ ” (سورة الرعد: 29)، وقال الله عز وجل: ” قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَاۖ ” ( سورة الشمس: 9 – 10)
وبناء على ذلك؛ فإن الغاية من تشريع الأضحية هي تحصيل تقوى الله وخشيته والخوف منه، والإحساس بمراقبة الله في السر والعلن. قال الله تعالى:” لَنْ يَّنَالَ اَ۬للَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِنْ يَّنَالُهُ اُ۬لتَّقْو۪يٰ مِنكُمْۖ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اُ۬للَّهَ عَلَيٰ مَا هَد۪يٰكُمْۖ وَبَشِّرِ اِ۬لْمُحْسِنِينَۖ ” (سورة الحج:35)
المقصد التكافلي:
لقد شرع الإسلام الأضحية لتحقيق التكافل الاجتماعي،ومحاربة الفقر والتسول،وتحقيق التعاون والتآزر والوحدة والأخوة، والمساواة بين الفقراء والأغنياء.
قال الله تعالى:” فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ اُ۬لْبَآئِسَ اَ۬لْفَقِيرَۖ ” (سورة الحج: 26)، وقال الله سبحانه:” فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ اُ۬لْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّۖ ” (سورة الحج: 34).
ختاما:
فإن عيد الأضحى ليس مناسبة موسمية فقط،بل هو رسالة ربانية خالدة على امتداد الزمان والمكان،والمقصد الأعظم منه توحيد الله وعبادته،وتعميق الإيمان في النفس والقلب،والتضحية في سبيل المبادئ التي يؤمن بها المسلم، والطاعة المطلقة لله،والإحسان للخلق،ونشر قيم المحبة والأخوة والمساواة والتسامح والتكافل بين الناس.
إن عيد الأضحى ليس للتفاخر والتكبر على الناس، وليس عادة أو تغليبا للتقاليد والأعراف،بل هو تطهير وتزكية للنفس من البخل والطمع والأنانية المستعلية،وتغليب مصلحة الجماعة على النزعة الفردية.
واستخلاصا لما سبق؛ فإن من أعلى مراتب الإيمان:التضحية من أجل الغير،وإيوائه ونصرته بالمال والنفس،وهو ما تجسد في سلوك الأنصار رضي الله عنهم تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين رضي الله عنهم.
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،والحمد لله رب العالمين.