منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

همّة الأكابر

عبد الصمد الخزروني

0

همّة الأكابر

بقلم: عبد الصمد الخزروني

وأنا أتأمل في تاريخ هؤلاء الرجال الذين تركوا بصمات على صفحات التاريخ، فطرأ على بالي سؤال شغلني كثيرا، هو: لماذا صار أولئك الرجال من الأكابر عبر التاريخ؟ كيف وُلدوا وعاشوا وماتوا وهم يتمتعون بهذه العظمة؟ هل كانوا من معدن غير معدننا، هل تلقوا تربية وتعليما في مدارس هي أفضل من مدارسنا؟  هل وُجدوا في ظروف هي أفضل من ظروفنا؟

وبإمعاني للنظر وتدقيقه في سيرة هؤلاء الأكابر وهم كُثر في تاريخ الأمة، وجدت أننا كنّا من نفس المعدن، وتعلمنا في نفس المدارس، وعشنا بنفس الظروف، لكن الفارق بينا وبينهم أنهم كانوا يتمتعون بإرادة قوية في حياتهم، أرادوا أن يكونوا رجالا عظاما، فكانوا كما أرادوا، وتقاعسنا عن هذه الإرادة فصرنا أصاغر. ولما صاروا كبارا أصبحوا المثل الأعلى والنموذج الأسمى في التاريخ، ليس هذا فقط، بل أكثر من هذا أصبحوا حجة على غيرهم من الصغار، ذلك أنهم بقوتهم أبطلوا كل دعوى تبرر تقاعسها عن طلب المعالي بالضعف والفقر والمرض. فمن الأكابر من كان ضعيفا أيضا، ومنهم من كان فقيرا، ومنهم من كان مريضا، لكن هذه الأعراض كلها لم تقف يوما لهم في طريقهم نحو العلياء عائقا ولا عقبة.

أقوياء في حياتهم نعم هذا هو الفارق، وهذا ما جعلهم يتصفون بمزايا كانت لهم ولم تكن عند غيرهم، وهي كثيرة، ومما وقفت عليه وأنا أستعرض سيرة بعضهم المزايا التالية:

1-قوة الاتصال بالله: كان لهؤلاء الكبار اتصالا قويا بمصدر طاقتهم الإيمانية والفكرية والحركية وهو الله تعالى رب العالمين، إيمانا وحُبّا وتعلُّقا وطاعة وتعبدا، ولقد قرأنا في أحد كتب الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله عن شهادته في المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله كيف كان شعاره في حياته:” الإيمان والإيمان وحده”. فلم يكن لهم مجال للمنافسة والتسابق فيما بينهم أهم من هذا، أما إن وجد أحدهم يوما سنة قولية كانت أو فعلية من سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام كما يُحكى عن الإمام ياسين رحمه الله صار عنده ذلك اليوم عيدا يحتفل فيه فرحا بها. ومن شدة قوة اتصالهم بالله كانوا يعيشون حالة الطوارئ عندما يسمعون نداء الأذان، أو يستمعون إلى كلام رب السماء.

2-قوة التحول الذاتي: ذلك أننا عندما نستعرض سيرة الكبار لطالما تستوقفنا محطة في حياتهم هي في بالغ الأهمية، يسمونها “الأزمة الروحية”. وهي محطة تعبر عن مرحلة صعبة يعيشون فيها الحيرة وكثرة التساؤلات عن الوجود والمصير عند مفترق الطرق، والبحث عن خلاص من ماض فقدوا فيه ذواتهم إلى حاضر ومستقبل يتّسم بقوة الذات وكمالها. فتجد منهم من شدة الأزمة من أثقل جسمه المرض، ومنهم من شده الهمّ إلى قراءة الكتب من مختلف التوجهات والتصورات، ومنهم من أنهكه السفر شرقا وغربا يبحث عن مخلص ومنقذ، ومنهم من مارس معتقدات مختلفة، ومنهم من يبيت ليلا يقلب كفيه تارة ويبسطها تارة يدعو ربه أن يدلّه على من يدلّه عليه، كل هذا من أجل إيجاد الأجوبة الشافية والكافية، ومن أجل البحث عن الطريقة المناسبة والصحيحة للتحول الحقيقي نحو تحقيق حياة المعنى.

لقد شاهدت الرجل الحرّ سعيد النورسي رحمه الله في فلم مصور كيف كان يقف على جبل وينتقل عليه جيئة وذهابا كأنه امرأة تتوجع من شدة المخاض، وهو يقول: “ربي قرآنك أريد أن أنير به العالم فساعدني”. ولقد قرأت عن الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه “المنقذ من الضلال” كيف أقعده المرض إلى الأرض من شدة التفكير في التحول لأنه لم يعد راضيا عن ذاته، حتى ألجأه الأمر وهو العالم والفقيه إلى الجلوس بين يدي رجل مقدم بسيط يساعده على هذا التحول الذاتي.

3-قوة الانتماء: هؤلاء الأكابر ما كان انتماؤهم يوما ينحصر في الأسرة والقبيلة ولا حتى في الوطن، بل كان انتماؤهم انتماء صادقا أكثر من مجرد شعار، انتماء كما يتسع للأمة خاصة على مستوى العقيدة باعتبارهم مسلمين، يدافعون عن حقوقها المشروعة من عدل وكرامة وحرية، يتسع للبشرية عامة على مستوى الإنسانية باعتبارهم إنسانا، يدافعون عن مطالبها العادلة من كرامة وعدل وحرية وحق الإنسان في معرفة ربه.

4-قوة الفكر: تتجلى هذه القوة في الأفكار المتجددة ذات الجهاز المفاهيمي المتميز، أفكار قوية وأصيلة تشكل عبر التاريخ نظرية ومدرسة، لها القدرة على التغيير والتأثير على عدة مستويات، ولها القدرة على البناء وإعادة البناء، وعلى الصياغة وإعادة الصياغة لشخصية الإنسان والمجتمع والعالم، على أساس تربوي متين وعميق من حيث تجذر الإيمان في القلوب، وعميق في المستقبل من حيث تعاقب الأجيال. فإذن قوة فكر هؤلاء الكبار تتجلى في كونه أنه يبقى حيّا بعد موتهم يبعث الحياة في الأجيال التي تأتي من بعدهم.

5-قوة اليقين: هؤلاء الكبار لا يعرفون في حياتهم معنى الشك، فهم على يقين مما يقتنعون به أنه الحق، وأن هذا الحق رغم ما تعترضه من عقبات آيل إلى التحقيق يوما مهما طال الزمن، وفي تدافعهم من أجل تحقيق هذا الحق لا يعترفون بالهزيمة في كل المعارك التي يخوضونها، إنما يؤمنون بالانتصار دائما، وما سوى الانتصار الشهادة. كقول عمر المختار رحمه الله:” نحن نموت أو ننتصر”.

6-قوة الثبات على المبدأ: فالكبار عندما يؤمنون بمبادئ في حياتهم ويعلنون عنها منذ الوهلة الأولى تتحول إلى شعار وممارسة في آن واحد، لا يتزعزعون عنها مهما كان الخطب والبلاء، فهم مستعدون لأن يموتوا وتبقى مبادئهم حية ثابتة. لأن المبادئ عندهم من الثوابت التي لا تقبل التغيير والتنازل والمساومة والتفاوض. في هذه الميزة يحضرني كيف استشهد السيد القطب رحمه الله وهو يتحدى الموت لأن ثباته على المبدأ أغلى عنده من نفسه.

7-قوة التفكر والتأمل: يملك الكبار في حياتهم أوقاتا للتفكر والتأمل في الأنفس والآفاق توصلهم إلى حالة من الصفاء والنقاء الداخلي، وإلى حالة من الانسجام بينهم وبين محيطهم، فتجدهم يصبرون ويتسامحون ويرحمون، لهم مواقف ايجابية من كل شيء في هذا العالم. لا تهمهم أنفسهم إلا بالقدر الذي يُقوي إرادتهم وعزيمتهم، أما العالم فهو محطّ نظرهم واهتمامهم، وهذا ما يدفعهم إلى قوة التفكر والـتأمل من دافع الواجب والمسؤولية وليس من دافع المصلحة والمقابل.

ويمكن أن نقول بأنه من شدة إعجابنا بحياة هؤلاء الكبار ومحبتنا لهم نسأل الله تعالى أن يحملنا على جناح التوفيق للحاق بركبهم واقتفاء أثرهم، حتى نكون أكابر كما كانوا، يقول الله تعالى معلنا عن تعميم عطائه لجميع خلقه: [وما كان عطاء ربك محظورا]. فقد آن الأوان ليصبح الأصاغر أكابر، ففي أيديهم مما خلف لهم الأكابر من ميراث التربية والعلم والفقه والجهاد والتجديد ما يكفيهم ليصبحوا كذلك، فلو كانت همة ابن آدم السماء لبلغها، ورجل ذو همة يلد أمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.