مفهوم الابتلاء من قصة يوسف عليه السلام
محمد فاضيلي
مفهوم الابتلاء من قصة يوسف عليه السلام
بقلم: محمد فاضيلي
تجسد قصة يوسف المتضمنة في سورة يوسف مفهوم الابتلاء في ارقى صوره وابهى حلله، سواء من الناحية الفنية أو التصورية، إذ إن الابتلاء مفهوم مركزي في العقيدة الإسلامية دافعا الشخصية المبتلاة للترقي في سلم الابتلاء لتسلق اعلى مراتب الفوز الدنيوي والأخروي متدثرة بدثار الصبر والصدق والتجلد واليقين في موعود الله..قال الله تعالى:” ألم أحسب الناس ان يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين” وقال:” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا”
تدرج القدر الإلهي في ابتلاء الشخصيات المتفاعلة مع أحداث القصة ليرقى بها في درجات الإيمان والتمكين في الأرض والنجاح الأبدي..
فهذا يوسف/ الشخصية الرئيسية ينجح في كل محطات الابتلاء، إيمانا وصبرا ومراقبة لله عز وجل ويقينا في النصر والتمكين، ابتداء من كيد الإخوة وكراهيتهم له وحقدهم وتآمرهم عليه، مرورا بمحنة الجب والرق والغربة وفراق الأهل والمراودة من أجل ارتكاب الفاحشة والاتهام بالخيانة والسجن وانتهاء بالتمكين في الأرض وابتلاء السلطان، لينتصر على كل المحن والابتلاءات ومغريات النفس متضرعا إلى الله عز وجل بالدعاء الخالد:” رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تاويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين”
ويعقوب عليه السلام، الشخصية الثانية نجح في الابتلاء، بعما شكا إلى الله حزنه وألمه قائلا:” إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون” وخرج منه منصورا معافى ليجني ثمرات صبره بلقاء الحبيب بعد طول فراق والاحتفال بمقدمه ضيفا عزيزا كريما على كل اهل مصر..
والإخوة الذين عانوا من مرض الغيرة التي دفعتهم للتآمر على أخيهم ورميه في الجب يعودون في الأخير منتصرين على أمراض النفس من جهالة وكراهية تائبين إلى الله عز وجل طالبين العفو والسماح من الأب والأخ بعدما تسببوا لهما في الم الفراق لمدة تزيد عن أربعين سنة، معترفين بفضل أخيهم يوسف عليهم قائلين:” تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين”
وزوجة العزيز تنتصر على شهوة الجنس والحب الذي شغف قلبها حتى دفعها للاستسلام لمغريات النفس وسلطانها القاتل، متمثلا في الخيانة الزوجية والتآمر وقذف يوسف في السجن، لتنتصر على النفس تائبة إلى ربها قائلة:” وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم”
إن الابتلاء مصنع الرجولة وصاهر القيم وباعث النفس إلى التحرر من جاذبية الأرض ومنقذها من الرذائل ورافعها إلى الخلود وتبوء مقامات المعالي