منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نحو مركزية المسجد في ضوء وقائع السيرة النبوية

نحو مركزية المسجد في ضوء وقائع السيرة النبوية/ الدكتور الطيب الرحماني

0

نحو مركزية المسجد في ضوء وقائع السيرة النبوية

بقلم: الدكتور الطيب الرحماني

المسجد في الإسلام ذو مكانة سامقة، فهو مبتدأ الأمر ومنتهاه، منه ينطلق الإشعاع الإيماني وإليه يأوي من يروم تربية الرجال، فيه تؤدى الصلاة التي هي عماد الدين، ومنه تصدر أفواج المصلين، ولذا فأهمية هذه البقاع الطاهرة ضاربة جذورها في التاريخ الإنساني الذي نواته دعوة الأنبياء عليهم السلام، فهذا خليل الرحمان إبراهيم عليه السلام يرفع القواعد من البيت مؤذنا بالحج، وهذا سليمان عليه السلام يؤسس بيت المقدس، وهذا زكرياء عليه السلام قائم يصلي في المحراب…وهكذا كانت بوصلة الدعوة الخالدة ولا تزال هي المسجد إلى عهد نبينا عليه صلى الله عليه وسلم، وفي السيرة النبوية المشرفة وقائع وأحداث شاهدة على ذلك نذكر منها:

 صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالحرم بعد البعثة وما وجده من الأذى:

لما نزل جبريل عليه السلام بالوحي وظهر أمر الله في مكة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد البيت الحرام ـ وقد كان محل تعظيم من العرب قاطبة وقريش خاصة ـ فيصلي ما شاء الله أن يصلي فيه، وكان ذلك يغيض المشركين لما يرونه من خروج عن دين آبائهم وأجداده فيبادرون إلى أذى النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذ قال بعضهم لبعض أيّكم يجيء بسلا جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ[1]

هذا الموقف دل على أن المسجد كان منطلق الدعوة، منه ابتدأت مجابهة التوحيد للشرك، مهما اشتد الأذى سيأتي النصر، وكانت الصلاة إيذانا بطرح عادات الجاهلية، وتخلية هذه البقعة الطاهرة منها، لتكون لاحقا مركز إشعاع الأمة المسلمة لله.

اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم مسجدا:

 لما اشتد أذى المشركين بالمسلمين وحالوا دونهم ودون المسجد الحرام لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم متخذا منها مكانا لتبليغ رسالة ربه وتعليم أصحابه ما نزل من القرآن وتلقينهم أصول الإسلام، فكانت هذه الدار تقوم بكل الأدوار التي نهض بها المسجد لاحقا من صلاة وذكر لله وتشاور…إلى أن اشتد عود الدعوة وقويت بإسلام حمز بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب فخرج المسلمون لمقارعة الشرك.

لابد للدعوة الناشئة إذن من بيت يؤويها، ولا يكون ذلك البيت إلا لله، لا يهم الشكل والعرض مادام الجوهر إيمان صادق بالله وعمل صالح واستفراغ للجهد بالليل والنهار، لا يضر حجم البيت ولا شكله إن وجد فيه رجال مؤمنون صادقون لا يخافون في الله لومة لائم، هذا ريثما يفتح الله لهم أبوابا ويمكنهم من سعة المكان.

إنه مشهد دار الأرقم بن أبي الأرقم ينهض دليلا بين يدي الدعاة والمصلحين أن الدعوة لابد لها من بيوت تؤويها، وهو آكد في هذا الزمان الذي حوصرت فيه بيوت الله وأممت وحيل بينها وبين رجال يحبهم الله تعالى ويحبونهم، وأوصدت أبوابها وما عادت تفتح إلا لدقائق معدودات أوقات الصلوات، وخلت من وظائفها فلا يُكاد يسمع له صوت ولا يُرى لها أثر.

الإسراء والمعراج:

قال تعالى: “سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المَسْجِدِ الأقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ”[2] كانت رحلة من مسجد إلى مسجد، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم رحلة من مسجد إلى سدرة المنتهى، فالمسجد في قلب هذا الحدث العظيم شاهدا على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، منه المنطلق وفيه المستقر، تشريف وأي تشريف أن يقترن المسجد بهذه المعجزة الخالدة، وإشعار وأي إشعار بأن الرابطة واحدة بين بيوت الله وإن تباعدت المسافات، وحالت الموانع، وطغى الظلم، وساد الحصار، لابد يوما ترفع البيوت، وتعم حولها البركات.

والصلاة ـ أعظم ركن في الإسلام ـ فرضت في ذات الرحلة ومقرها بيوت الله بعدما أم نبينا صلى الله عليه وسلم الأنبياء بالمسجد الأقصى، فهي فريضة لا تكمل ولا تجمل إلا لما يجتمع المسلمون صفوفا مرصوصة في المساجد، فتلتئم الأجساد، وتأتلف الأرواح، وتتمتن روابط الأخوة مؤذنة بوحدة الأمة.

فتح مكة:

 دخل رسول لله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خاشعا مبتهلا لله فطاف بالبيت وطهره من الأصنام وأمر بالتماثيل فكسرت وصلى وخطب في الناس معلنا العفو العام بعد أن انتشر الإسلام في جزيرة العرب وخنس الشرك.

هذه البقعة الطاهرة التي ما زالت شاهدة على عتو قريش وظلمها هي الآن تشهد على الكرم النبوي والعطف المحمدي لما أعلنها صلى الله عليه وسلم مدوية: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، فهو يوم المرحمة في بيت الله الحرام، وليس في مكة في هذا اليوم ولا في سائر الأيام مكان أولى من بيت الله الحرام، ولا مكان في البيت للأصنام، فهو من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وهو على ذاك مركز إشعاع على العالمين، لقد أذن فيه ابراهيم عليه السلام ونادى الإنسانية بالحج لن يضره بعد الفتح شيء.

بناء المسجد النبوي:

ما إن وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء إحدى ضواحي المدينة حتى أسس مسجدا، ولما خرج إلى المدينة أرخى زمام ناقته، والناس يتلقونه بالترحيب لينزل عندهم، وهو يقول “دعوها فإنها مأمورة” إلى أن بركت على باب مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، فكان ذاك هو مقر المسجد النبوي، فشرع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه يبنون وكلهم فرح بتأييد الله وتوفيقه.

لقد كان بناء هذين المسجدين من أول ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا دليل على أن المجتمع المسلم لا يكون له كيان، ولا يكتمل استقراره إلا بالمسجد، فهو مجمع الأمة المسلمة ورمز وجودها، والأذان الذي يرفع من مآذن بيوت الله شعار مميز، ما إن يسمعه القادم من بعيد حتى يطمئن ويعلم علم اليقين أن هذا البلد مسلم، لا عدوان فيه.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بنى مسجده اتخذ منه مؤسسة مركزية متكاملة الوظائف والأدوار، فيه تؤدى الصلوات والجمع، وإليه يأوي أهل الصفة، وفيه تعقد الألوية، ومنه تنطلق الجيوش بعد تجهيزها، وفيه تلتئم حلق العلم ومجالس الإيمان، وفيه يتم التشاور في شؤون الأمة…فالمساجد ليست مقابر، إنها حيوية كلها، وفعل وحركة، ومنطلق للدعوة ولإصلاح، ومركز لسيادة الأمة…

فما أحوج الأمة اليوم لاستلهام سيرة الرسول الأكرم في تعظيم المساجد والرفع من قدرها، وعمارتها، فقد تقزم دورها، وزج بها في هامش الحياة، بعدما بلغ معمارها المدى، وشهدت صنوفا شتى من الأشكال والألوان والزخارف…نعم لقد أتقن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بناء المساجد، لكن روح المسجد خافتة، وحضوره في معترك الحياة ضعيف، فهل إلى تجديد مسجدي من سبيل؟


[1] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ح 240.

[2] الإسراء، 1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.