منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مخاض الكتابة.. من تأملات جورج أورويل

د. مصطفى العادل

0

مخاض الكتابة.. من تأملات جورج أورويل

د. مصطفى العادل

(المملكة المغربية-بني ملال)

في كتابه الممتع “لماذا أكتب“. كتب جورج أورويل مقالة رائعة بالعنوان نفسِه “لماذا أكتب؟”، وهي مقالة نُشرت للمرّة الأولى في “جنجريل Gangrel” العدد الرابع، صيف 1949. والكتاب يضمُّ عددا من المقالات الرائعة، ترجمه إلى العربية المترجم البحريني علي مدن، وصُدرت طبعته الأولى عام 2013 بالمؤسّسة العربية للدراسات والنشر.

في بداية مقالته، يُشير أورويل إلى أنّه وُلِد وهو يُدرك منذ البداية أنّه يتعيَّن عليه أن يُصبحَ كاتبا عندما يكبر. وبالرَّغم من أنّه حاول التّخلّي عن فكرة الكتابة في مرحلة من عمره، وهي المرحلة الممتدة ما بين السابعة عشرة والرابعة والعشرين من عمره، إلا أنه كان يشعر أنّه يعارض طبيعته الحقيقية. وكان يُدرك، بالرّغم من ذلك، أنّه في نهاية الأمر سوفَ يُصبح كاتبا.

في ضوء ذلك، لا أدري إلى أيِّ مدى يُدرك الكاتب -منذ مرحلة مُبكّرة من عمره- أنَّه سوف يُصبح كاتبا عندما يكبر؟ وإذا حدث هذا مع جورج أورويل، فهل يعني ذلك أنّه ينسحبُ على جميع الكتّاب في كل زمان ومكان؟

فإذا بدأ بعض الكتّاب الكونيين كتاباتهم البسيطة منذ وقت مُبكّر من حياتهم، فإنّ بعضهم الآخر لم يبدأ الكتابةَ إلا في سنّ متقدّمة. وربّما لم يتعلّم بعضهم القراءة والكتابة منذ الطفولة أصلا، ولم يستطع أن يكتب سطره الأول قبل أن يُقفل الثلاثين من عمره. ومع ذلك، فمن حقّنا أن نتساءل كذلك: هل يشعر هؤلاء منذ طفولتهم أنّهم يوما ما عليهم أن يُصبحوا كتَّابا، وتكونَ لهم كتابات معروضة في المكتبات؟

إذا لم يتعلّم الكاتب القراءة والكتابة في مرحلة مبكِّرة، واستطاع أن يتجاوز ذلك في مرحلة متقّدمة من عمره، فقد قدّم الدليل الواضحَ على أنّه تحدّى بالفعل كلَّ العراقيل والصعوبات ليكون في نهاية الأمر كاتبا كما أراد منذ البداية.

ربّما ماتَ العديد من (الكتّاب الكبار) الذين وُلِدوا وفي أعماقهم حلم الكتابة، دون أن يُصبحوا كتَّابا فعلا في حياتهم، لا لشيء سوى أنّهم لم يتعلّموا الكتابة والقراءة في حياتهم. بعض هؤلاء عندما نتأمّل في حياتهم، وندقّقُ في أدوارهم التاريخية في تغيير حياة الناس وتصوّراتهم، ونُمعن النّظر في إنجازاتهم، نتساءل: ماذا لو تمكّنوا من الكتابة؟ ماذا لو استطاعوا نقل كل تلك التجارب إلى أعمال ومؤلفات؟ وفي المقابل نتأمّل في حياة الكتّاب الكبار الذين أسهموا في إثراء الأدب العالمي، فيخالجنا شعور غريب يدفعنا بدورها لنتساءلَ: ماذا لو لم يتعلّم هذا الكاتب أو ذاك الكتابة؟

الكاتب في النهاية هو إنسان عظيم من بين كلّ العظماء، لكن ميزة عظمته في قدرته على الكتابة. فقد يعيش في زمانه وبالقرب منه عظيم مثله، وربما أعظم منه، لكن الحروف قد خانته، والقلم لم يطاوعه فيموت، وقد كان بالإمكان أن يكون كاتبا عظيما لو تعلّم الكتابة.

 في طفولة كل كاتب أشياء، وأحداث، وظروف، هي التي تجعل منه كاتبا، سواء شعر بذلك أم لا. من بين تلك الظروف والأحداث، العزلة التي شعر بها أورويل، والوحدة التي عاناها، وذلك العالم الخاص الذي صنعه لنفسه من أجل الاحتماء من إخفاقاته في الحياة اليومية، وبهدف مواجهة الحقائق غير السارة.

قد يعيش الكاتب أنواعا أخرى من الحرمان، أو شعورا مفرطا بالنقص وسوء التقدير، فتكون الكتابة خيارا آخر للحياة بعيدا عن كل تلك المشاعر. إذ الكتابة غالبا ما تكون العالمَ المثالي الذي يهرب إليه الكاتب ليحتمي فيه من أوجاع العالم الحقيقي وآلامه.

أول محاولة لجورج أورويل كانت قصيدة في سنّ الرابعة أو الخامسة من عمره حول نَمر له سنّ مثل الكرسي، وكانت القصيدة قد صحّحتها والدته في ذلك الوقت. ذلك هو كل ما يتذكّره أورويل عن بداياته في الكتابة. ثم توالت بعد ذلك كتاباته الأولى التي لم تتجاوز، بتعبيره “دزينة” من الصفحات؛ -وهي عبارة عامة شائعة تشير إلى العدد 12- كانت مجرد ردود فعل وتفاعل مع بعض المناسبات الوطنية، وأن أولى محاولاته في كتابة القصة القصيرة كانت، في نظره، محاولات قد فشلت فشلا ذريعا.

الحق أن الكتّاب الكبار لم يكن بإمكانهم بلوغ المكانات السامقة لولا تلك البدايات التي كانوا يعتقدون فيها أنهم كتبوا أشياء تافهة، وأن محاولاتهم في الكتابة تلك، قد فشلت فشلاً ذريعا بالفعل. ولولا تلك الصفحات لجورج أورويل، لما خلّف اليوم هذا الإرث الأدبي العالمي. ولعل ذلك ما دفعه إلى الاعتراف مُبرِّرا حديثه عن تلك البدايات بقوله: “أُعطي كل المعلومات عن خلفيتي؛ لأنّني لا أعتقد أن بإمكان المرء تقدير دوافع كاتب دون معرفة شيء عن تطوّره المبكِّر”.

هناك حسب أورويل موقف عاطفي ما، هو الذي ينطلق منه الكاتب، ولا يستطيع الهروب منه، أو من تأثيراته في بدء الكتابة. ولئن كان هذا الموقف سطحيا في مرحلة ما، فإن الكاتب لا بدّ أن يتجاوزه، ويعتبره في المستقبل مرحلة لا بد منها للصعود في سلّم الكتابة.

وفي العودة إلى دوافع الكتابة، يعتقد جورج أورويل أن الكتابة وراءها دوافع كثيرة إلى جانب دافع كسب العيش. وقد حدّد هذه الدوافع الأخرى في أربعة هي:

  • حب الذات الصِّرف: يُفسّرها برغبة الكاتب في التظاهر بالذكاء، وأن يتمَّ الحديث عنه بشكل مستمر، وذكره بين الناس بعد موته. وكذا الرغبة في الانتقام من الكبار الذين كانوا يوبّخونه في طفولته. وقد أكد أورويل أن ذلك من الدوافع المهمّة للكتابة.
  • الحماس الجمالي: يدفع -في نظره- الكاتبَ إلى إدراك الجمال في العالم الخارجي، أو في الكلمات وترتيبها.
  • الحافز التاريخي: يُقوّي -في نظر أورويل- رغبة الكاتب في رؤية الأشياء كما هي، واكتشاف الحقائق الصحيحة، والحفاظ عليها، وحمايتها من أجل الأجيال الصاعدة.
  • الهدف السياسي: يقصد أورويل هنا السياسة في معناها العام، حيث يهدف الكاتب من خلال هذا الدافع إلى دفع العالم في اتجاه معيّن، وتغيير أفكار الآخرين نحو نوع العالم الذي يسعى إلى بنائه. ولكي يؤكد أورويل على أهمية هذا الدافع، ذهب إلى أنه لا يوجد كتاب يخلو من التحيُّز السياسي، وأنّ الرأي القائل إن الفن ينبغي ألّا يربطه شيء بالسيّاسة، هو بحد ذاته موقف سياسي.

هذه الدوافع في نظر جورج أورويل يحارب بعضها بعضا، وتختلف من كاتب إلى آخر، وعند الكاتب الواحد من وقت لآخر، فقد يَقوى هذا الدافع أو ذاك في هذه المرحلة أو تلك، ثم يضعف لصالح دافع آخر في مرحلة متقدّمة من عمر الكاتب.

 قد يكتب الكاتب في مرحلة ما من عمره من أجل تلبيّة الرغبة في حبّ الظهور، والانتقام من الذين كانوا ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار، ثم سرعان ما يُدرك حقيقة الكتابة والحياة، ويُقوّي نظرته السليمة للكون، ويُصوِّب منظوره، بعيدا عن الانفعالات والمشاعر السطحية. فيكون الدافع إلى الكتابة هو دافع التغيير والإصلاح، وتوجيه الآخرين، وتصحيح نظرتهم للكون في ضوء ما توصّل إليه هو.

وفي ضوء الدوافع الأربعة، يقول أورويل: “أكثر ما رغبت به طوال السنوات العشر الماضية هو أن أجعل من الكتابة السياسية فنّا. نقطة انطلاقي هي دائما شعور حزبي، وعي بالظلم. عندما أجلس لكتابة كتاب، لا أقول لنفسي: “سوف أُنتج عملا فنّيا”، لأن هناك كِذبة أريد فضحها، حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها. وهمّي الأوليّ هو الحصول على مستمعين، لكنّني لا أستطيع القيام بمهمة كتابة كتاب، أو حتى مقالة طويلة لمجلة، لو لم تكن أيضا تجربة جمالية”.

أن يمتلك الكاتب تصورا واضحا للحياة، ورؤية سليمة للكون، هو أرقى ما يمكن أن يصل إليه كل كاتب؛ ذلك أنه يكتب بدافع توجيه الآخرين إلى العالم المثالي الذي ينشده، وقد لا يتراءى ذلك العالم لغيره من المبتدئين وقاصري الرؤية، ممّن لم يتمكَّنوا من تجاوز الدوافع الذاتية، والسعي إلى الغايات السطحية والهامشية، طلبا للرؤية الصحيحة: رؤية الضمير الإنساني، الذي يدعو إلى بلوغ أسمى المقاصد الإنسانية من خلال فعل الكتابة.

لا عيب أن يكتبَ الكاتب في مرحلة من عمره بدافع حبّ الذات، ودافع الحس الجمالي، أو الحافز التاريخي، أو السياسي. إلّا أنه يحتاج في نهاية الأمر إلى أن يمتلك تصوُّرا واضحا لفعل الكتابة، باعتبارها أمانة عليه أن يؤدّيها كما هي. إن الكاتب الذي وفّقه الله ليكتبَ قد حمّله أمانة عظيمة، وتكليفا كبيرا، لا تشريفا يتفاخر به، ومرتبة يصعد إليها لينظر إلى العالمين من الأعلى نظرة استعلاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.