منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السياق السيري والعقدي لحدث الإسراء والمعراج؛ الدلالات والرهانات ج(2)

فاطمة صربون

0

السياق السيري والعقدي لحدث الإسراء والمعراج

الدلالات والرهانات ج(2)
بقلم: فاطمة صربون

 

السياق السيري والعقدي لحدث الإسراء والمعراج؛ الدلالات والرهانات ج(1)

 

مكانة المسجد الأقصى في البناء الرسالي للأمة

كان أول بروز لقُدسيَّة المسجد الأقصى في العقيدة الإسلامية عندما كان القبلة الأولى للمسلمينَ، فهو أولى القبلتينِ إذ صلَّى المسلمون إليه في بادئ الأمر نحو سبعة عشر شهرًا قبل أن يتحولوا إلى الكعبة ويتخذوها قبلتهم عند نزول قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ…} [البقرة: 144]

وتوثقت بعد ذلك مكانة المسجد الأقصى في نفوس المسلمين بحادثة الإسراء والمعراج، إذ صاغها المولى عز من قائل بكلمات مدوية في آذان وقلوب المؤمنين إلى يوم الساعة: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1]

وذلك كي لا يترك المولى سبحانه ثغرة للمشككين والمرجفين ليتخذوا الحدث خنجرا في ظهر الدعوة المباركة، وإن اختيار القدس محطةً للإسراء يحمل معان كثيرة وعميقة منها:

1- الربط المكاني

إن بيت المقدس قد شرفه الله وكرمه وطهره وخصه بأن جعله موطنا الأنبياء والمرسلين منذ عهد إبراهيم الخليل عليه السلام إلى عيسى بن مريم إلى سيدنا رسول الله ﷺ.

ففي معجم البلدان روى الحموي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “البيت المقدّس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء ‌ما ‌فيه ‌موضع ‌شبر ‌إلا ‌وقد ‌صلى ‌فيه ‌نبيّ أو أقام فيه ملك، وعن أبي ذر قال: قلت لرسول الله، ﷺ: أيّ مسجد وضع على وجه الأرض أوّلا؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أيّ؟ قال: البيت المقدس وبينهما أربعون سنة” معجم البلدان (5/ 167)

وحصول معجزة الإسراء والمعراج في بيت المقدس بالتحديد يحمل دلالة قوية على وحدة الرسالات السماوية، فالمسجد الأقصى هو ميراث الأنبياء جميعاً، وبوصلة التوحيد منذ بدأ نزول الوحي وبعث الأنبياء.

2- إمامة الأنبياء

لما كانت الإمامة في الدين لها الشرف المكين، والعز المنيف المتين، فإن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أولى الناس بالإمامة فلا يجوز أن يتقدمهم أحد لكمال رتبتهم، وعظيم شأنهم، ولقد شرُف الأنبياء والرسل بئتمامهم بأشرف الأنبياء وخاتم المرسلين سيدنا محمّد ﷺ سيّد الأوّلين والآخرين ليلة الإسراء والمعراج.‌

وثبت في السنَّة الصحيحة أنّ النّبيّ ﷺ أَمّ إخوانه الأنبياء في رحلته إلى بيت المقدس، ففي حديث الإسراء عن أبي هريرة قوله عليه الصلاة والسلام: (وَقَدْ ‌رَأَيْتُنِي ‌فِي ‌جَمَاعَةٍ ‌مِنَ ‌الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي……..

فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ) صحيح مسلم (1/ 108)

وتلك إمامة لها مدلولات عظيمة يُستشف منها عظمة النبي الخاتم، وإتمام الرّسالات وكمالها، وفضل الأمة المحمدية على سائر الأمم؛ قال ابن كثير في تفسير أوائل سورة الإسراء: “اجتمع هو وإخوانه من النبيين [صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين] ‌ثم ‌أظهر ‌شرفه ‌وفضله ‌عليهم ‌بتقديمه في الإمامة.” تفسير ابن كثير – ت السلامة (5/ 43)

وهو ليس بالأمر المستغرب، فعن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي) رواه الترمذي

ولهذا فإن صلاة النبي ﷺ بالأنبياء في الأقصى هي إعلان رسمي عن انتقال قيادة البشرية والعهدة الربانية إلى أمة الإسلام؛ فهي الأمة الوارثة لرسالات السماء، والمسؤولة عن تبليغ دعوة الحق، والشاهدة على باقي الأمم بالقسط.

3- الأقصى عقيدة

المسجد الأقصى في البناء الرسالي لأمة الإسلام؛ ليس مجرد “جغرافيا” أو قطعة أرض متنازع عليها، بل هو “بوابة الأرض إلى السماء”، وجزء أصيل من عقيدة المسلم لا يكتمل إيمانه بحدث الإسراء إلا بتعظيمه وحفظ مكانته.

فقد ربطتِ الرسالة المُحَمَّدية بين مكانة كلٍّ منَ المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى بالقُدس الشريف برباط عقدي متين لا يمكن قطعه، فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله ﷺ: ((لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)) متفق عليه

 دلالات الانتقال من الابتلاء إلى التمكين

1- فلسفة الابتلاء

تعلمنا الرحلة المعجزة أن نزول البلاء بالمؤمنين ليس علامة ضعف وهوان، بل هو مقدمة ضرورية للفتح، فالابتلاء إنما هو لحكمة اختبار صبرهم وعزيمتهم، وبه تُرفع درجاتهم، وتمحص نياتهم، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142]

والأنبياء أشدّ الناس بلاءً، وكان ذلك في أغلب أحوالهم وذلك ليتأسَّى الناس بصبرهم وحُسن بلائهم؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34]

فالضيق والبلاء الذي سبق الإسراء والمعراج إنما كان تهيئةً للفتح الرباني الذي سيعقبه، إذ بعظم البلاء والصبر عليه يعظم الفتح والنصر، ولا أعظم فتح من هذه الرحلة المباركة التي جازى بها الله نبيه على صبره وثباته.

2- التمكين الروحي

قبل أن يتحقق التمكين السياسي والمكاني في المدينة، كان لا بد من تمكين إيماني ويقيني، فقد احتاج الصحابة أن يدركوا مدى القدرة الإلهية لكي يواجهوا جبروت الشرك والكفر بقلوب ثابتة؛ فالتمكين في الأرض يبدأ من اليقين التام المطلق بقدرة الله المطلقة.

وإن المتأمل في فلسفة التمكين في الإسلام يدرك يقيناً أنه ليس وليد الصدفة، ولا هو نتاج موازين القوى المادية وحدها؛ بل هو ثمرة “تمكينٍ باطني” يسبق التمكين الخارجي وهذا ما جسدته معجزة الإسراء والمعراج في أدق تفاصيلها.

الرهانات المعاصرة لحدث الإسراء والمعراج

إن استحضار معجزة الإسراء والمعراج اليوم بجميع تجلياتها ودلالاتها وحكمها العميقة تفرض علينا إعادة النظر في مسارنا الإيماني والجهادي الذي خلفه لنا رسولنا ﷺ وصحابته الكرام، ويضعنا أمام رهانات كبرى تتفق وما تعيشه الأمة من استضعاف وتنكيل من طرف قوى الشر العالمية.

1- رهان الوعي

يشكل الوعي بداية الطريق، فبدون وعي سليم بما يجري من حولنا وسبل معالجته لن نستطيع أن نتقدم ونتطور ونحقق الخلافة المنشودة في الأرض

ومن واجبات هذا الوعي أن نعيد الاعتبار لقضية القدس والأقصى في وجداننا ووجدان أجيالنا كقضية عقدية وجودية، وليست مجرد صراع سياسي عابر.

2- رهان الثبات

من المفترض علينا كمسلمين أن نستلهم من سيرة النبي ﷺ في “عام الحزن” كيف نتجاوز لحظات الضعف والانكسار التي تعيشها الأمة ونكتسب صلابة اليقين والثقة في وعد الله، رغم ما نراه من بلاء وظلم يصعب على العقل المجرد من الوحي تصديقه.

3- رهان العمل 

 من رهانات مرحلتنا اليوم وتحدياتها أن نجعل المعراج الحقيقي لنا اليوم صلاتنا، وصلتنا بخالقنا، واستقامتنا على فطرتنا، فهي الوقود الذي سيحول واقع الابتلاء الحالي إلى تمكين حضاري منشود، ثم الثبات على العمل والجهاد المستمر ضد كل من يريد طمس هويتنا وإضعاف قوتنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.