الحلقة الثالثة والعشرون: “غزوة تبوك… القيادة في ساعة العسرة”
د. ابراهيم بومسهول
مشهد من المدينة
في السنة التاسعة للهجرة، بلغ النبي ﷺ أن الروم يعدّون جيشًا ضخمًا لغزو المسلمين. كانت الظروف شديدة: حرٌّ قائظ، والمسافة طويلة، والناس في ضيق من الزاد والمال. حتى سُمّيت هذه الحملة غزوة العسرة.
نادى النبي ﷺ المسلمين للتجهز، فبادر أهل الإيمان كلٌّ بما يستطيع:
- جهز عثمان بن عفان رضي الله عنه ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وألف دينار؛
- جاء آخرون ببعض التمر أو حفنة من الحبوب؛
- ولمز المنافقون المؤمنين، وقالوا: ما نفع درهم أو قبضة شعير؟ لكن الله قبلها خالصة.
الطريق إلى تبوك
خرج النبي ﷺ ومعه ثلاثون ألف مقاتل. كانت الحرارة تذيب الصخر، والماء شحيح. حتى أن الرجلين كانوا يقتسمان التمرة بينهما، أو يمصها الواحد ويشرب عليها الماء؛
رغم ذلك، ثبتوا وصبروا حتى بلغوا تبوك، فلم يجدوا جيش الروم قد حضر، إذ دبّ الرعب في قلوبهم فتراجعوا. وكان هذا نصرًا بلا قتال، إذ تحققت هيبة المسلمين في قلوب أعدائهم.
دروس من العسرة
عاد المسلمون من تبوك أقوى مما خرجوا، وقد علّمهم النبي ﷺ أن النصر لا يكون دائمًا بالسيوف، بل بالصبر والثبات والتضحية.
القيمة القيادية
- القيادة وقت الأزمات: القائد يُختبر حقًا حين يواجه الشدائد لا حين تتوفر الموارد؛
- التحفيز على التضحية: جمع النبي ﷺ بين دعم الكبار (عثمان وأمثاله) وتقدير البسطاء الذين قدموا القليل؛
- النصر بالثبات لا بالكثرة: لم يكن القتال حتميًا، لكن مجرد ثبات الجيش ردع الأعداء.
إسقاط معاصر
- في حياتنا المعاصرة، تمر المؤسسات والشعوب بـ “ساعات عسرة” من ضيق موارد أو تحديات كبرى. القيادة الحقيقية هي من تثبت وتُثبت الآخرين؛
- التغيير والنهوض لا يقوم على وفرة الإمكانات، بل على الإرادة والتضحية؛
- كل مساهمة – صغيرة أو كبيرة – لها أثر إذا اجتمعت مع غيرها في مشروع واحد.
خاتمة
غزوة تبوك كانت امتحانًا في الصبر والتضحية، ودرسًا خالدًا أن القيادة العظمى تُثبت الناس في أحلك الظروف.
إذن، رسالتنا من هذه الحلقة:
القيادة الحقّة هي القدرة على العبور بالناس في ساعة العسرة،
وتحويل الضعف إلى قوة، واليأس إلى أمل.