منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عربية القرآن الكريم

عربية القرآن الكريم/الأستاذة سعاد مزيان

0

عربية القرآن الكريم

بقلم: الأستاذة سعاد مزيان

مقدمة:

   إنّ المقصود بعربية القرآن الكريم، أنه نزل بلغة العرب، ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌ مُبِينٌ﴾ فقد نزل على سبعة أحرف؛ جامعا بين لهجات القبائل العربية، نزولا عند رغبته صلى الله عليه وسلم نظرا لاختلافها، غير أنه قيل إنَّ التنزيل قد حوى ألفاظا كأسماء الأنبياء و الرسل، كلها أعجمية، ماعدا: آدم ومحمد وصالح وشعيب. بل هناك من تعدّاها إلى وجود كلمات أعجمية في القرآن الكريم. فكيف أجاب العلماء على هذه الدعوى؟ وكيف أثبتوا عربية  القرآن الكريم؟

عربية القرآن الكريم:

   لقد أنزل الله القرآن الكريم، بلسان عربي مبين، مصداقا لقوله سبحانه تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 192 – 195]، وقال ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ [الشورى: 7]، وقال: ﴿حم *والكتاب المبين* إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [الزخرف:3 ] وقال: ﴿ قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون﴾[الزمر: 28]، وقال: ﴿ألر* تلك آيات الكتاب المبين* إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: 2]، وقال: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 27، 28].

   يقول الإمام الزركشي: (اعلم أن القرآن أنزله الله بلغة العرب، فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ [يوسف: 2]، وقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ﴾ [فصلت: 44]، وهذا يدل على أنه ليس فيه غير العربي؛ لأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه عليه الصلاة والسلام، ودلالة قاطعة لصدقه، وليتحدى العرب العرباء به، ويحاضر البلغاء الفصحاء والشعراء بآياته، فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة، هذا مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء.[1]

   وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهَّم متوهِّم: أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله، لأنه أتى بلغات لا يعرفونها.[2]

   وقال ابن جرير: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النَّبطية أو نحو ذلك، إنما فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد. [3]

  إن هذه الأقوال تقرُّ بعربية القرآن الكريم، غير أنه هناك قول آخر والذي يرى أنه يشتمل على ألفاظ أعجمية، وقد أقرّ بها عدد من العلماء العرب حتى الأقدمين منهم، والمستشرقين أكثر من قال بذلك، محاولة للتشكيك بعربية القرآن الكريم. فما مدى صحة هذه الدعوى؟ وكيف فسَّر العلماء وجود هذه الألفاظ؟.

   الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم

  إن أول ما يجب الإشارة إليه؛ ظاهرة: موافقة اللغات وتواردها؛ ومفادها؛ أن جميع الكلمات الواردة في القرآن عربية من حيث أصلها، وقد تتوافق لغتان أو أكثر في استعمال كلمة واحدة بحيث توجد مثلا في العربية والفارسية معا، فوجود كلمة من كلمات القرآن في لغة أخرى مثل الفارسية أو الحبشية أو العبرانية أو غيرها لا يعني بالضرورة أنها أصلا من تلك اللغات وأنْ لا أصل لها في العربية، بل إن لغة من اللغات قد توافق العربيةَ في استعمالها، وهذا ما حصل بالنسبة لبعض كلمات القرآن.

و أبرز من قال بهذه النظرية، الإمام الشافعي، فقال في كتابه “الرسالة”:ولا ننكر إذ كان اللفظ قيل تعلّما أو نطق به موضوعا أن يوافق لسان العجم أو بعضها، قليلا من لسان العرب، كما يتفق القليل من ألسنة العجم المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائي ديارها، واختلاف لسانها، وبُعد الأوامر بينها وبين من وافقت بعض لسانه منها”[4]، أكد على هذه النظرية معاصره أبو عبيدة معمر بن المثنى في “مجاز القرآن” حيث قال: “وقد يوافق اللفظ اللفظَ ويقاربه ومعناهما واحد، وأحدهما بالعربية والآخر بالفارسية أو غيرها”.[5]

   وقد قال ابن جرير إنّ: “ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن أنها بالفارسية أو الحبشية أو النَّبطية أو نحو ذلك، إنما فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد”[6].(وينسب إلى بعض الصحابة وبعضٍ من تلاميذهم القول بأن القرآن يضم كلمات أعجميةً. فيروى عن عبد الله بن عباس، وأبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما أنهما نسبا العديد من كلمات القرآن كالسجيل، والمشكاة، واليم، والطور، والأباريق، والاستبرق وغيرها إلى لغات أخرى)[7].

    فابن عباس رضي الله عنهما، جاء عنه في كتاب “اللغات في القرآن” قوُله في قوله عز وجل: ﴿بلسان عربي مبين﴾ بلسان قريش، ولو كان غير عربي ما فهموه. وما أنزل الله من السماء كتابا إلا بالعبرانية، وكان جبريل عليه السلام يترجم لكل نبي بلسان قومه. وذلك أن الله عز وجل قال: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين﴾. وليس من ألسنة الأمم أوسع من لسان العرب. والقرآن ليس فيه لغة إلا لغة العرب ؛ وربما وافقت اللغُة اللغات، وأما الأصل والجنس فعربي لا يخالطه شيء.[8]

   وهناك نظرية ثانية يُفَسَّر بها ورود ألفاظ ادُّعِي على أنها أعجمية؛ وهي نظرية تعريب الكلمات الأعجمية وتطبيعها؛ وفحوى هذه النظرية أن الكلمات القرآنية التي يقال إنها أعجمية كانت أعجميةً من حيث أصلها، ثم استعارها العرب وطبَّعوها وأخضعوها لمعاييرهم البيانية وقوانينهم اللغوية قبل نزول القرآن بفترة طويلة، فصارت عربية قلبا وقالبا، ولما نزل القرآن واستُعملَت فيه فإذا كانت جزءا لا يتجزأ من اللغة العربية. وعلى هذا لا يصح القول إن القرآن يضم كلمات أعجميةً، بل الصواب أن كل ما يحويه القرآن من الكلمات عربيٌة.

    قدم هذه النظريةَ إمام اللغة والنحو من القرن الثالث الهجري أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224ه) قال: و”الصواب من ذلك عندي – والله أعلم – مذهب فيه تصديق القولين جميعا، وذلك أن هذه الحروف وأصولها عجمية – كما قال الفقهاء – إلا أنها سقطت للعرب، فأعربتها بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها ؛ فصارت عربية. ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه بكلام العرب”[9].

 فلما صارت هذه الكلمات أعجمية بعد خضوعها لقوانين العربية بطلت دعوى القائلين بأن القرآن يضم كلمات أعجمية. ومع تقديم هذه النظرية حاول أبو عبيد التوفيق بين القولين ورأى أن كلا الرأيين صحيح حيث قال: (فمن قال أنها عربية فهو صادق، ومن قال عجمية فهو صادق [10] فيقصد أبو عبيد بهذا القول أن هذه الكلمات كانت أعجمية من حيث أصُلها قبلَ دخولها في العربية؛ إلى أن دخلت فيها وشاع فيها استعمالها، فكانت عربية وقت نزول القرآن.

خاتمة

  ختاما: فالقول في دعوى وجود كلمات أعجمية، في التنزيل الحكيم باطلة. ويمكن القول إن العلماء العرب الذين عزوا هذه الكلمات إلى لغات أخرى لشرح معانيها وتوضيح دلالاتها، فكل ما روِي في هذا الباب عن ابن عباس وتلاميذه ومن جاء بعدهم من العلماء والمفسرين واللغويين العرب لم يقصدوا بذلك إلا استجلاءَ مفردات القرآن وفهم آياته الكريمة دون أن يرموا بذلك إلى إثبات أي عيب أو نقص في بنية القرآن اللغوية وأصالتها العربية. أو الطعن فيه وفي الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أراد له المستشرقون.


[1] – الإمام الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق أبي الفضل الدمياطي، طبع ونشر وتوزيع دار الحديث، سنة 1427 هـ/ 2006 م، ص: 202

[2] – الإمام السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مؤسسة الرسالة ناشرون، بيروت لبنان، 1429هـ- 2008م، ط 1، ص288.

[3] – المرجع نفسه، ص 288.

[4] – 16 محمد بن إدريس الشافعي: الرسالة ص 46.

[5] 18 أبو عبيدة معمر بن المثنى: مجاز القرآن ص 17.

[6] – المرجع نفسه، ص 288.

[7] –  أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد الجواليقي: المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم ص 102.

[8] – عبد الله بن عباس برواية ابن حسنون: كتاب اللغات في القرآن ص 19 ، وانظر حول رواية عبد الملك بن جريج عن ابن عباس: مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص 351.

[9] – أبو الحسين أحمد بن فارس: الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها ص 33، والجواليقي: المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم ص 92.

[10] –  ابن فارس: الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، ص 33.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.