اللغة العربية وشرف التنزيل
اللغة العربية وشرف التنزيل /سهام مهدي
اللغة العربية وشرف التنزيل
بقلم: سهام مهدي
أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وذكره في العديد من الآيات، منها قوله تعالى:”إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”(يوسف:2)، وقوله تعالى:” وَكَذَلكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا وَصَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد” (طه:113)، وقوله تعالى:” كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ”(فصلت/3)، فقد اختار الله سبحانه وتعالى اللغة العربية لغة لكتابه وكلامه من بين سائر اللغات، فما هي أقوال العلماء في اختيار هذه اللغة لغة للقرآن الكريم؟ وما هي أهميتها؟
أولا: أقوال العلماء في اختيار اللغة العربية لغة القرآن الكريم
إن اختيار الله للعربية، أو اللسان العربي، ليكون أداة التوصيل، ووسيلة الإبانة، ووعاء التفكير للرسالة الخاتمة الخالدة…قضية ذات أبعاد لغوية وثقافية وعلمية وحضارية،حيث لم يعد ينكر اليوم علاقة التعبير بالتفكير، ودور التعبير في التفكير والإبداع الأدبي و العلميى، والمحاكمات العقلية… لذلك فمجرد اختيار العربية لتكون لغة التنزيل والإبانة والتوصيل…يعني امتلاكها هذه الأبعاد جميعا[1].
ولا خفاء أنها أمتن اللغات وأوضحها بيانا، وأذلقها لسانا، وأمدّها رواقا، وأعذبها مذاقا؛ ومن ثمّ اختارها الله تعالى لأشرف رسله، وخاتم أنبيائه، وخيرته من خلقه، وصفوته من بريّته، وجعلها لغة أهل سمائه وسكان جنته، وأنزل بها كتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال… الفراء:”وجدنا للغة العرب فضلا على لغة جميع الأمم اختصاصا من الله تعالى وكرامة أكرمهم بها؛ ومن خصائصها أنه يوجد فيها من الإيجاز ما لا يوجد في غيرها من اللغات“[2].
قال ابن كثير: في سبب اختيار اللغة العربية للقرآن الكريم:” وَذَلِكَ لِأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَأَبْيَنُهَا وَأَوْسَعُهَا وَأَكْثَرُهَا تَأْدِيَةً لِلْمَعَانِي الَّتِي تَقُومُ بِالنُّفُوسِ، فَلِهَذَا أُنْزِلَ أَشْرَفُ الْكُتُبِ بِأَشْرَفِ اللُّغَاتِ”[3].
ومن الشرف العظيم أيضا لهذه اللغة أن جعلها الله تعالى سبيلا لإدراك معاني القرآن العظيم، قال الفارابي:” القرآن كلام الله وتنزيله، فَصل فيه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، مما يأتون ويَذَرُون، ولا سبيل إلى علمه وإدراك معانيه إلا بالتبحر في علم هذه اللغة[4]
ثانيا:أهمية اللغة العربية:
تعد اللغة العربية من أقدم اللغات، وهي لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهي جزء لا يتجزء من ديننا،فهي الوسيلة لكشف أسرار القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وفهم مقاصدها، وارتباط اللغة بالقرآن الكريم كان سببا في انتشارها، لذلك حث السلف على تعلمها، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم”[5]، كما أنها السبيل لضبط الدين بالكلية، قال ابن تيمية:” إن الله تعالى لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا عنه للكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به؛ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين”[6].
وقال أيضا:” اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[7].
وهكذا فإن اللغة العربية نالت الشرف العظيم بنزول الوحي، وبجعلها لغة أهل الجنة، وتعلمها من تعلم الدين، ويرى ابن تيمية رحمه الله تعالى أن اعتياد اللغة يؤثر إيجابا على العقل والخلق والدين، لذا يجب علينا الاهتمام بلغتنا العربية الأصيلة، ودراسة أساليبها وتذوق بلاغتها وفصاحتها،وأن نحرص على التحدث بها في جميع مناحي الحياة، ونحفز أبناءنا على تعلمها،والاعتزاز بها،قال العلامة السرقسطي:”إنّ أشرف ما عنى به الطالب بعد كتاب الله – عز وجل – لغات العرب وآدابها، وطرائف حكمها؛ لأن الله تبارك وتعالى: اختارها بين اللغات لخير عترة وأشرف أمة، ثم جعلها لغة أهل دار المقامة في جواره ومحل كرامته، فهي أفصح اللغات لسانا، وأوضحها بيانا، وأقومها مناهجا، وأثقفها أبنية، وأحسنها بحسن الاختصار تألّفا، وأكثرها بقياس أفعالها تصرّفا”[8].
وخير ما نختم به هذا البيت الشعري لحمد بن خليفة أبو شهاب:
لغة القرآن يا شمس الهدى
صانك الرحمن من كيد العدى
والحمد لله رب العالمين.
[1] في شرف اللغة العربية،إبراهيم السامرائي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر،ص7.
[2] صبح الأعشى في صناعة الإنشاء،المؤلف: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (ت ٨٢١هـ)،الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت،(1/184-183).
[3] تفسير القرآن العظيم،المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)،المحقق: محمد حسين شمس الدين،الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – بيروت،الطبعة: الأولى – ١٤١٩ هـ،(4/313).
[4] المزهر في علوم اللغة وأنواعها،المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)،المحقق: فؤاد علي منصور، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت،الطبعة: الأولى، ١٤١٨هـ ١٩٩٨م، (2/261).
[5] اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم،المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت ٧٢٨هـ)،المحقق: ناصر عبد الكريم العقل،الناشر: دار عالم الكتب، بيروت، لبنان،الطبعة: السابعة، ١٤١٩هـ – ١٩٩٩م،(1/528).
[6] المرجع السابق،(1/449).
[7] المرجع نفسه، (1/527).
[8] : كتاب الأفعال، المؤلف: سعيد بن محمد المعافري القرطبي ثم السرقسطي، أبو عثمان، ويعرف بابن الحداد (ت بعد ٤٠٠ هـ)،المحقق: حسين محمد محمد شرف، مراجعة: محمد مهدي علام،الناشر: مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة – جمهورية مصر العربية،الطبعة: بدون،عام النشر: ١٣٩٥ هـ – ١٩٧٥ م،(1/51).