النهضة العربية والخطاب التنويري
فرح أنطون نموذجا (قراءة نقدية) (3)
بقلم: شعيب البطار
النهضة العربية والخطاب التنويري؛ فرح أنطون نموذجا (قراءة نقدية) (1)
النهضة العربية والخطاب التنويري؛ فرح أنطون نموذجا (قراءة نقدية)(2)
المحور الثالث:
خلاصة واستشكالات:
انه لحري بنا الا نبخس جهود التنويريين التي قدموها للامة العربية في سبيل الارتقاء بها الا ان هذه الجهود تبقى مبادرات فردية لم ترق الى صياغتها في اطار متكامل ولاشك ان ذلك يحتاج الى تراكم التجربة التنويرية من جهة ووجود مؤسسة تقوم على حمل هذا المشروع، ولذا فان اسباب تراجع التنوير متعددة ومختلفة، منها غياب الدولة المدنية التي يمكنها ان تتبنى المشروع التنويري اما عن الاسباب الداخلية فيمكن اجمالها في كون ان التنويريين العرب احيانا لم يراعوا الخصوصية العربية وارتموا بطريقة اندفاعية في احضان الافكار التنويرية الغربية دون الاخذ بعين الاعتبار سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، مما خلق عدم انسجام في الذهنية العربية. فهل كان يحتاج الفكر التنويري الى مساحة زمنية اطول يتدرج فيها العقل العربي ليتحرر من قيود وبردايم الفكر التقليدي حتى يتسنى له الانتقال الى الفكر التنويري.
أما بخصوص العلمانية، فيعتبر فرح انطون من الأوائل الذين حاولوا التنظير لهذا المفهوم والترويج له في العالم العربي الاسلامي، وكما سبق القول، إن انطون كان يصر على تبني هذا الفكر نظرا لما كان تعيشه الأقليات من اضطهاد وقهر وتسلط، ولهذا فيمكن أن نقول أن فكرة العلمانية طرحت فقط كرد فعل على المعاناة التي كانت تعاني منها بعض الفئات، ولهذا فيمكننا القول ان هذه الفكرة لم تكن عند الرجل مبنية على اسس واضحة، خاصة وأن فرح أنطون لم يبلور مشروعا نسقيا يربط فيه العلمانية بباقي الافكار التنويرية ومن ثم فقد ظلت العلمانية كباقي افكار انطون عبارة عن جزر متناثرة هنا وهناك، تفتقر الى خيط ناظم يربط فيما بينها ربطا محكما يجعله مشروعا متكاملا ويسهل انجازه وانزاله على ارض الواقع.
إن فصل الدين عن الدولة عند أنطون كان فصلا حاد ما و صارما، و لم يراع الخصوصية العربية، ثم إن انطون اكتفى بالقراءة الفعلية للدين بمعنى انه لم يميز بين الدين كنصوص وبين طريقة تنزيل النصوص بمعنى التمييز بين الدين والتدين. إذ إن داخل الاسلام نفسه هناك تنازع بين الفهوم، فابن رشد مثلا الذي مال أنطون الى فكره وحاول إعادة نفض الغبار عن فكره وإظهاره للمسلمين كان نفسه مضطهدا من داخل البيت الإسلامي ومرفوضا من قبل التوجه التقليدي الذي لا يؤمن إلا بظاهر النصوص ولا يؤمن بدور العقل ويعتبر استعمال الفكر اهانة للنصوص الدينية.
إن المسألة في ظني ليست مسألة فصل الدين عن الدولة ولكن الإشكال يتمثل في كيفية في فهم الدين وكيفية تمثله، لان الدين لايدعو الفقيه أن يتدخل فيما ما لايعنيه كأن يفتي في السياسة مثلا وهو خلو من الفكرالسياسي ومن ادواته ومناهجه ونظرياته ولكن في نفس الوقت هو من حقه في أن يوجه ويرشد السياسي بأن يتحلى بروح المسؤولية والأمانة.. لان هذا السياسي في اخر المطاف هو فرد من المجتمع.
ان العلمانية عند فرح انطون وإن كانت علمانية مؤمنة فهي تدعو الى الفصل الحاد بين الدين والدولة وهذا يستحيل ولايمكن للمجتمع العربي الاسلامي ان يوافق على مثل هذا الطرح، لان جميع المجالات تحتاج الى الفضيلة والى الشعور بالمسؤولية والى القيم الاخلاقيية، فلو أخذنا مجال السياسة، فلاشك أنه لاغنى للسياسي عن الاخلاق والفضائل، اليس السياسيون مسئولون عن ترشيد ثروات البلاد بكل أمانة وبكل عدل ؟ ومن ثم فإن الدين يجب أن يستشري كقيم وأخلاق ومبادئ في نفوس المشتغلين بشأن السياسة بل كل افراد المجتمع لكن دون تدخل سلطة الفقيه في الصناعة السياسية. اي أن الاخلاق تظل موجودة ومرتبطة بالإنسان ولايمكن أن ينفصل عنها فهي التي تجعله يزاول دوره ومهنته داخل المجتمع بكل أمانة ولاشك أن هذه القيم هي التي تجعله يشعر أنه مسؤول وامين عند قيامه بمهامه الموكولة إلية في المجتمع.
أما بخصوص مسالة الحكم أو الخلافة فهي أصلا مسالة تشاورية، فقط الذي حصل هوأنه ثم احتواؤها في فترة من الفترات من طرف أنظمة سياسية كانت قد ظهرت مع بداية الدولة الأموية وهذا يشبه إلى حد ما ما قامت به الكنيسة في القرون الوسطى عندما التحمت سلطة البابا بسلطة الامبراطور واصبحت الكنيسة تمارس السلطة على كل مناحي الحياة.
أما في الاسلام فليس هناك طريقة او نموذج جاهز يمكن تطبيقه بخصوص المسألة السياسية، وهذا ما استخلصه مجموعة من المفكرين، ونذكر من بينهم المفكر علي عبد الرازق الذي لاحظ بعد قراءته للتاريخ الإسلامي أن الخلافة واصول الحكم ليسا من أصول الاسلام، بل مسألة لاتعدو ان تكون امرا سياسيا وشأنا دنيويا، وأنه لادليل على فرضية الخلافة، بل ذهب في استنتاجاته أبعد من ذلك، معتبرا أن الخلافة والقضاء وغيرهما هي من وظائف الحكم ومراكز الدول فيقول “والخلافة ليست في شيء، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها… ” إنما تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم، وقواعد السياسة ولعل العبارة التالية تلخص فكر علي عبد الرازق: ” على أن ذلك إنما هو غرض من الأغراض الدنيوية، التي خلى الله سبحانه وتعالى بينها وبين عقولنا. وترك الناس احرارا في تدبيرها على ما تهديه اليهم عقولهم، وعلومهم، ومصالحهم، وأهواؤهم، ونزعاتهم. حكمة لله في ذلك بالغة ليبقى الناس مختلفين “.
فاذا كان الغرب قد اختار المنحى الكانطي باعتبار أن الدين يبرز من داخل الفرد وليس من خارجه ففي العالم العربي الاسلام ربما مازال الفرد لم يصل بعد الى مرحلة يصبح فيها العقل
العربي قادرا على تحويل القيم الإنسانية إلى ثقافة يعيش بها ويحيى بها اينما حل وارتحل. ومن ثم فان هناك انفصال بين الدين وبين تمثله كقيم، وهذا يجعل الدين مجرد شعارات تنشد في المدارس وعلى منابر المساجد، لان العقل العربي الاسلامي لازال غير قادرعلى القيم على المستوى الفعلي داخل المجتمع. والسؤال الذي يطرح نفسه الان هو: لماذا بدلا من العلمانية لانسعى الى المصالحة بين الدين كقيم و بين الشان الدنيوي كممارسة مدنية مع مراعاة طبيعة كل مجال مع الحرص على نشر القيم والاخلاق على مستوى الحياة العملية ؟
أما بخصوص الطرح الفلسفي فقد حاول انطون ان يضع اصبعه على مكامن الخلل في العقل العربي لأن هذا العقل ظل رهين فكر ديني احادي في طرحه، جعله يصنع لنفسه منظارا واحدا يرى من خلاله كل الامور.
إن الناظر بعين وصفية فاحصة في التاريخ العربي الاسلامي يرى ان التفكير كان فقط ذو طابع ديني وظل محصورا في جوانب معزولة عن باقي الجوانب الاخرى، وهذا لاشك ساهم في عدم التفكيرفي التأسي لعلوم جديدة كعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، حيث ظل العلم ذو طبيعة واحدة منذ عصر التدوين وهذا ما أشار إليه محمد عابد الجابري وهي علوم تدورحول الفقه، التفسير، الأدب، الشعر أوالسيرة النبوية فأصبح العلم هو الذي لايخرج عن هذا الاطار، فتبلور باردايم واضح الحدود ظل يحارب كل من يفكر خارجه، مما جعل الفكر الفلسفي يعتبر فكرا خارج الاطار وغير مرحب به ولا يمكن مقارنته بالتجربة العربية
ان الفكر العربي ظل يفتقر إلى الانساق الفكرية التي من شأنها أن تهتم أو تحيط بكل مناحي الفكر. هذا الفراغ في الفكر العربي سيحل محله العقل الجمعي والذي كان يتركب من الدين والعرف والانقياد السياسي، وظل هذا العقل متماسكا يصعب تغييره او تصحيحه والسبب في ذلك هو أن العقل العربي الاسلامي ظل لايعترف بقيمة الفرد وبفكره لان العقل العربي عقل جمعي وإجماعي في تصوراته ولذلك فقد ظل يستمد افكاره من التصور الذي تفرضه الاغلبية وهي أغلبية فالمنقادة من داخل التراث تارة وبفعل الضغط السياسي تارة أخرى، هذا الانقياد سيشكل سدا منيعا لايسمح باي محاولة للتجديد، مما جعل محاولات مجموعة من المفكرين والمصلحين عبر التاريخ العربي الاسلامي اما لا أثر لها أواما انها لم تحظ بأية قيمة وهذا أمر طبيعي ومتوقع مادام الجمهور العربي الاسلامي كان غير قادر على الاستماع للاخر فضلا عن مناقشة افكاره، خاصة وان هذا العقل العربي الاسلامي ظل على طول التاريخ لايؤمن بالتصورات الفردية. اما في التجربة الغرببة فرغم سيطرة الكنيسة على عقول الناس استطاع مارتن لوتر أن يؤثر في الناس، وقد كانت لترجمته للانجيل من اللاتينية إلى الألمانية أثر كبير ووقع في نفوس الغربيين وهذا يدل على مدى شجاعة واستعداد العقل الغربي لقبول الأفكار الإصلاحية التي من شأنها أن ترقى بالمجتمع الغربي وتضمن للانسان كرامته.
ان هذه الذهنية عند الإنسان الغربي والذي لاشك عانى من تسلط الكنيسة جعلته مستعدا للتضحية، مما جعله يضرب صفحا عن العقل الجمعي الذي كان يتمثل في سلطة الكنيسة والبابا.
لقد كان الفكر التنويري في فترة النهضة العربية ينادي الى نشر الفكر العقلاني، حيث عمل على محاولة إعلاء ملكة العقل وجعلها أساسا لاي نهضة باعتباره النورالذي يكشف الطريق والسبيل نحو التمدن والنهوض، ولقد كان فرح أنطون احد النماذج البارزة في تاريخنا الذي تمسك بجعل العقل الملاذ الاول والأخير لبناء نهضة عربية على أساس أن يعطى لهذا العقل مكانته دون التضييق عليه.
لقد نادى فرح أنطون بالعودة الى اعلام الفكر العربي والفلاسفة العرب وخاصة الفيلسوف ابن رشد باعتباره فيلسوف ينتصر للعقلانية.
فهل مازال فكر فرح انطون يسائلنا بعد كل هذه العقود وخاصة كتابه الماتع ابن رشد وفلسفته ولقد أجاب تيزيني عن هذا السؤال قائلا: ” لعلنا نقول ان هذه المرحلة بالذات، هي التي تجعل منه الاكثر راهنية مع التنويه بان كثيرا من المسائل التي طرحت فيه، اكتسبت ابعادا جديدة بالاعتبارين المعرفي النظري، والاديولوجي “.
ولعل مايؤكد هذه الراهنية هو التدهور الذي تعرفه الامة العربية والتشتت والانحدار وكذلك الحروب الأهلية والثورات العربية ولعل ابرزها ثوراث الربيع العربي.
ان فكر انطون يحمل في مضمونه الفكري رسالة الى كل المثقفين وهي الدعوة الجادة لنبذ الطائفية والتعصب وإعلاء شان العقلانية على أساس بناء دولة تقوم على العدل والمساواة والمواطنة وسيادة القانون.
لقد كان فرح أنطون ملهم الكثير من المفكرين المعاصرين، فلاشك انه يرجع له الفضل في تحويل اتجاه الفكر العربي من اهتمامه بالتراث إلى اهتمامة بالعقل العربي الذي انتج هذا التراث، ولعل محمد عابد الجابري من اهم المفكرين الذين عملوا على استكمال مشروع العقلانية والتنويرعند فرح انطون وقد كان ذلك واضحا في انتصار الجابري كذلك لابن رشد والذي سيسميه بالعقل البرهاني في مشروعه نقد العقل العربي.