منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

النهضة العربية والخطاب التنويري؛ فرح أنطون نموذجا (قراءة نقدية) (1)

شعيب البطار

0

النهضة العربية والخطاب التنويري

فرح أنطون نموذجا (قراءة نقدية) (1)

شعيب البطار

المحور الأول:

مقدمة:

مازال موضوع النهضة مثار جدال وسؤال، فالأمة العربية والإسلامية تتطلع اليوم إلى حياة جديدة تتحرر فيها المجتمعات العربية من ربقة التخلف والانحطاط، ومن ثم فإن سؤال التنوير والعقلانية و التجديد يظل مفتوحا على مصراعيه ويتأرجح بين الرفض والقبول.

ويُجمع المفكرون والباحثون على أن القرن التاسع عشرهو الإطار الزمني للنهضة العربية الحديثة، هذه الفترة التي كانت مسرح تنازع مجموعة من التيارات الفكرية، ويعتبر المشروع التنويري من بين أبرز المشاريع التي حاولت أن تلقي بضلالها على الساحة العربية، ويمثل فرح أنطون احد أعلام التنوير، الذي بذل قصارى جهده في تقصي معاني التمدن والرقي والتقدم والعقلانية بالحدس العلمي والأدبي تارة أو بالنبش في كتب الفلاسفة الغربيين منهم والعرب تارة أخرى، ولذا فقد كان لزاما في هذا البحث استحضار المنهج التاريخي، والوصفي المقارن و النقدي، وأحيانا المنهج التحليلي.

فما هي إذا القضايا التي كان الفكر التنويري مُتهممًا بها ؟ وماهي مقومات المدنية التي كان فرح أنطون يسعى إلى تحقيقها ؟ وهل كان الفكر التنويري يراعي الخصوصية العربية لتي تختلف لاشك عن الخصوصية الغربية ؟

لقد كان النقاش في الساحة الفكرية العربية يدور أولا حول مدلول مصطلح النهضة، ولذلك فانه كان لامناص من تحديد مفهوم النهضة أو وضع تعريف لهذا المصطلح، باعتبار إن التحكم في المصطلح هو في النهاية تحكم في المعرفة المراد إيصالها والقدرة على ضبط انساق هذه المعرفة.

فهذا الهاجس إذا سيضعنا لاشك أمام تعاريف مختلفة ومتنوعة مما سيخلق تنوعا في التمثلاث الفكرية، بل سيفرز مجموعة تيارات مختلفة الرؤى، لنجد أنفسنا أمام مشاريع مختلفة كل مشروع منها يرى نفسه أنه الأصوب والأنسب وأنه القادر على إنقاذ الشعوب العربية من الانحدار الحضاري.

أ – مفهوم النهضة:

نقرأ في كتاب” الخطاب العربي المعاصر” للأستاذ الجابري ما يلي: ”نعم إن كلمة نهضة من المصطلحات الجديدة في اللغة العربية وقد صيغت من مادة (ن. هـ. ض) لتنقل الى لغة الضاد مضمون الكلمة الفرنسية Renaissance منظورا إليه كمشروع مستقبل عربي”.

لقد أصبح مصطلح النهضة متداولا في الفكر العربي، وبالرجوع إلى القواميس العربية فالمصطلح مشتق من الفعل الثلاثي [ نهض ] و النهوض , البراح من الموضع و القيام عنه، نهض ينهض نهضا و نهوضا، و انتهض أي قام والنهضة تحيل على التجدد و الانبعاث.

و عندما نستخدم مفهوم النهضة، فإنها كما قال الجابري تحيل إلى الكلمة الأوربية renaissance التي لم تظهر في اللغة الفرنسية إلا مع بداية القرن التاسع عشر، أما من حيث معناها لغويا فيقصد بها ميلاد جديد.وان كان يبقى مفهوم النهضة عموما كما يرى نعيم اليافي يوازي مفهوم التقدم في مواجهة مفهوم التخلف بغض النظر عن ارتباط أحد هذين ألمفهومين بالغرب أو الشرق أوعدم ارتباطه، وأما مفهوم النهضة عند التنويريين فكان لايخرج عن إطارين لا ثالث لهما، ويمثل الإطار الأول القسم التنويري الذي يؤمن بأن للعرب تاريخ مشرق في العقلانية، إذ غالبا ما يستشهد أصحاب هذا الطرح بتجربة المعتزلة، ويرى هذا القسم أن الغرب ليس أفضل منا، أما الإطار الثاني فيرى انه لافائدة من البحث عن نموذج نهضوي في التراث، فكان مفهوم النهضة عند هؤلاء يتمثل في النهضة الغربية، حيث كان مشروع هذا القسم يتأسس على ترجمة المصطلحات الغربية والانفتاح على المفاهيم الإصلاحية والنظريات الغربية ومحاولة استنباتها داخل الفكر العربي.

إلا إن المتتبع للفكر التنويري في عصر النهضة يلاحظ ان فرح أنطون حاول ان يجمع بين هذين الإطارين، فكما كان يدعوا إلى الانفتاح على التجربة الغربية، كما أنه كان في نفس الوقت يؤكد على الاستفادة من الفكر العربي وخاصة الفكر الفلسفي، وكان ذلك واضحا في استضافته في مجلة الجامعة لكثير من أعلام الفكر العربي محاولة منه للتعريف بالفلاسفة العرب والإسلاميين إيمانا منه أن هناك محطات مشرقة، حاول من خلالها أنطون أن يدعم بها مشروعه التنويري.

ب – ولادة الخطاب التنويري في الساحة العربية:

لقد برز عصر التنوير بمعناه الفلسفي في أوربا مع نهاية القرن السابع عشر، وظهور الفكر التنويري لاشك كان مسبوقا بعصر النهضة الذي يعتبر الأساس الذي ارتكز عليه مفهوم العقل، هذا العقل الذي سيبدأ صوته يعلوا وخاصة مع ديكارت الذي صاغ منهجا علميا يروم من خلاله الوصول الى المعرفة اليقينية، بحيث كان يتأسس هذا المنهج على أساسين وهما البداهة والاستنباط ومستندا على أربعة قواعد وهي التسليم بيقينية المبادئ التي تبدو للعقل بسيطة وواضحة، ثم التحليل، ثم التركيب والإحصاء. هذا الاحتفاء بالعقل سيمثل لاشك أهم الأسباب التي ستعلي من شأنه نافضة عنه غبار أي قيد، فصار العقل مستقلا متحررا الشيء دفع به إلى التطلع نحو التنوير.

وإذا كان إيمانويل كانط قد حدد مفهوم التنوير بأنه خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلا بتوجيه من إنسان أخر. “

إن كانط لاشك كان يستهدف في مفهومه للتنوير سلطة الكنيسة التي كانت تمارس الوصاية على الإنسان، وهذا ماحصل تماما، حيث إن فعل التنوير في أوربا سينطلق من لحظة ضعف الكنيسة، وضعف تغولها على المجتمع المدني، وتواري الخرافة التي كانت تحجب النور عن العقل، كل هذا جعل الظروف مهيأة لنشأة الفكر التنويري الذي كان استمرارا للفكر النهضوي الأوربي. فإذا كان عصر النهضة ركز على الجانب الفني للحياة الإنسانية، بالإضافة إلى جوانب أخرى كتقدم الإنسانية ومحو الأمية والتعليم التي أصبحت كأدوات قوية لاكتشاف العالم ومحاولة فهمه. فإن في مرحلة التنوير ستخضع جميع التخصصات والمواضيع مثل الفن والدين والتاريخ للتدقيق العقلاني، كما ركز التنوير على العلوم الاجتماعية، ومحاولة بسط نفوذ العقلانية على كل مناحي الحياة.

وباعتبار أن التنوير في الغرب له سياقاته وظروفه، فهل يمكن القول إن هناك مدرسة تنويرية في العالم العربي ؟ وهل ثمة تشابه بين المراجع الدينية العربية الإسلامية وسلطة الكنيسة في الغرب ؟ وهل النصوص الدينية العربية الإسلامية قادرة على الصمود امام الاكتشافات العلمية والتكنولوجيا الهائلة التي تجاوزت فيزياء نيوتن إلى ماهو ابعد بكثير، من النسبية إلى فيزياء الكم والتي تعتبر أكثر النظريات تعقيدا ؟

يؤكد مجموعة من المؤرخين والمستشرقين على إن التنوير في العالم العربي بدأ مع عصر النهضة، ويرى ألبرت حوراني ان عصر النهضة بدأ مع حملة بونابرت في مصر سنة 1798 والتي عملت على إيقاظ الشرق من سباته، بعد أن وقف مشدوها ومنبهرا لما رأى من قوة العتاد العسكري والعدة العلمية والمعرفية، ليدرك العقل العربي حينها مدى الفجوة والهوة التي تفصله عن التقدم الحضاري الأوربي في كل المجالات. هذا الانبهار لاشك انه عمل على خلق خلخلة على مستوى العقل العربي.

ويعتبر مشروع محمد علي باشا بمحاولاته لاقتباس المدنية الغربية بكل ما تضم من تقنية وأسلوب في السياسة والإدارة والعسكر، مشروعا ضم في ثناياه نظرة تحديثية، كما أن هذا المشروع جسد قرارا بالخروج من الوضعية المتخلفة التي طالت الأمة العربية الإسلامية.

هذا الوضع في مصر سيغري مجموعة من المفكرين بالهجرة إليها، خاصة وقد كان الضغط العثماني يمارس نوعا من الرقابة والسلطة الفكرية، حيث كان القلم في عهد السلطان عبد الحميد مقيدا بسلاسل من حديد، مما جعل الملاذ المناسب الذي اختاره مجموعة من المفكرين هو مصر لعدم وقوعها تحث الضغط المباشر للعثمانيين، فكانت الفرصة مناسبة لهؤلاء التنويريين لإظهار خطاباتهم التنويرية ومناقشتها واحتكاكها بتيارات أخرى مقابلة لها، مما زاد في تعميق الفكر التنويري وتقوية حججه وتوسيع رقعته كمادة للفكر والمناقشة مما خلق مجموعة سجالات ونقاشات دفاعا عن الفعل التنويري والتي توجت بعشرات المؤلفات ووكذلك بإنشاء مجموعة من المجلات والجرائد، بالإضافة إلى ترجمة مجموعة من الكتب لمفكرين وفلاسفة أوربيين كالعقد الاجتماعي وكذلك لمفكرين مسلمين كابن رشد والتي غالبا ما كانت تحتفي بالعقل والعقلانية بالعدالة الاجتماعية.

إن هذه الوضعية التاريخية التي مثلها في مصر محمد علي وابنه إبراهيم في سوريا شجعت الخط التنويري على الظهور بل على إعلاء صوته وذلك منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر.

ج – التيارات التنويرية الثلاث:

إذا كانت الحروب الصليبية اتسمت بخطابها العسكري تحت ذريعة الدفاع عن قبر المسيح فان الغزوة الأوربية الحديثة حملت معها إضافة إلى ذلك بعدا آخر أكثر أهمية يتجسد في التفوق المعرفي والثقافي والتقني والحضاري فكان من اللازم اللازب على الحضارة العربية أن تواجه مسألتي ” التحدي ” “والاستجابة” اللتين قال بهما فيلسوف التاريخ أرنولد توينبي

لقد وضع الفكر التنويري نصب عينه التفكير في الجواب على السؤال: ” كيف نتلقى منجزات المدنية الغربية دون أن يتناقض ذلك مع الموروث الثقافي العربي _ الإسلامي ؟ “

ويمكن اختصار إجابتين رئيستين حول هذا السؤال.

كانت الإجابة الأولى وهي أن فعل النهضة لايمكن أن يتحقق ويصبح ناجزا إلا بالاستناد إلى الإسلام أولا، ثم بعد ذلك الانطلاق نحو المدنية الغربية بمظاهرها المختلفة باعتبار أن الإسلام حصن منيع و التمسك به يزيل الخشية من الانسياق والانجرار وراء الخطاب التغريبي الذي يشتد ساعده يوما بعد يوم في الساحة العربية الإسلامية، وكان من أهم من تبنى هذا الاتجاه محمد عبده وصديقه رشيد رضا صاحب ” المنار “. وتذكرنا هذه الإجابة بالمنهج عند القديس أغسطين الذي يقول ” وللعقل مهمة بعد الإيمان، هي تَفهُم العقائد الدينية. وهنا الإيمان سابق على التعقل معين عليه، فإنه يطهر القلب ويجعل العقل أقدر على البحث وأسرع قبولا للحق، بحيث نقول: آمن كي تتعقل “.

أما الإجابة الأخرى فكانت على الطرف النقيض وهي إجابة أنتجها التيار العلماني الذي كان يرى أن الحل يكمن في اقتباس المدنية الغربية دون الأخذ بعين الاعتبار مسالة الهوية أو

المنطلقات متجاهلين ان لكل مجتمع تركيبته الفكرية والثقافية وتقاليده وأعرافه الخاصة وموروثة الديني.

ولقد رأى كل هؤلاء ان هناك ثلاث طرق تؤدي الى التقدم وهي تسير بشكل متوازي مع بعضها:

أ – الطريق الأول:

ويتمثل في التيار الذي نادى بالدولة العلمانية والتي رفعت شعار الدين لله والوطن للجميع مما جعل اصحاب هذا الرأى يصرون على ان الحل يكمن في فصل الدين عن الدنيا.

ب- الطريق الثاني:

يتمثل في اقتباس المدنية الغربية بكل علومها ومعارفها وكل الاكتشافات التي توصلت اليها. باعتبارها السبيل الوحيد لقيام النهضة المتوخاة.

ج- الطريق الثالث:

اما الطريق الثالث فتوسل خلق صيغة توازن بين ماهو عقلي وماهو ديني، باعتبار ان لكل مجال منطقه وادواته المعرفية التي يجب ان تحترم ومن ثم فقد صار لزاما رسم حدود كل مجال بدقة متناهية….

يتبع..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.