منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من ضيق “الكوجيتو الخوارزمي” إلى سعة التفكر

ابراهيم أكورار

0

من ضيق “الكوجيتو الخوارزمي” إلى سعة التفكر

بقلم: ابراهيم أكورار

صديقين في مقهى، يقلب كل واحد منهما هاتفه بلا غاية. أحدهما يتابع فيديو، اقترح عليه الهاتف مقطعًا آخر، فانتقل إليه. أثار الثالث غضبه، فضغط عليه. أعجبه الرابع، فاحتفظ به. وبعد ساعة أغلق الهاتف وقال في نفسه: لقد اخترت ما أريد!
ابتسم صديقه وقال له:
«هل اخترت أنت، أم اختير لك ما ستختار؟»

تلك اللحظة الصغيرة تختصر سؤالا كبيرا عن الإنسان في عصر الخوارزميات: إذا كان ديكارت قد أقام يقين الذات على “أنا أفكر”، فماذا يحدث للإنسان حين تبدأ الخوارزمية في التأثير في ما يفكر فيه، وما ينتبه إليه، وما يرغب فيه؟

هنا لا يعود السؤال: هل نفكر؟
بل يصبح: هل ما نفكر فيه نابع منا، أم أن غيرنا صار يشارك في صناعة تفكيرنا؟
ومن هذا السؤال يفتح لنا الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله عبر مكتوباته بابا أعمق : باب التفكر، ذلك الذي لا يكتفي بتشغيل العقل في الأشياء، بل يرد الأشياء إلى خالقها، ويرد الإنسان إلى حقيقة وجوده ومصيره ووظيفته في الحياة.

قال ديكارت: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. كانت هذه العبارة إعلانًا عن مركزية الذات المفكرة في الفلسفة الحديثة، فوجود الإنسان يستوثق منه عبر فعل التفكير، ويصبح العقل نقطة الانطلاق في بناء المعرفة واليقين.

لكن الإنسان المعاصر يواجه اليوم سؤالًا آخر أشد ارتباطا بحياته اليومية:
من الذي يفكر حين أظن أنني أفكر؟ ومن الذي يختار حين أظن أنني أختار؟ ومن الذي يشكل ذوقي، ويستولي على انتباهي، ويرتب يومي وليلتي، ويقترح عليي ما أقرأ وأشاهد وأشتري وأتابع؟

هنا يظهر ما يمكن تسميته “الكوجيتو الخوارزمي” منظومة رقمية لا تكتفي باستقبال أفكار الإنسان، بل تتعلم من سلوكه، وتستبق رغباته، وتعيد تشكيل انتباهه، حتى يصبح الإنسان معرضًا لأن يعيش داخل دائرة من الاقتراحات والتنبيهات والتوصيات المصممة لكي تبقيه متصلًا بها. والخطر الأعمق ليس أن تسرق الخوارزمية وقت الإنسان فحسب، وإنما أن تتسلل إلى استقلال إرادته، فتشارك في تشكيل الصورة التي يرى بها نفسه والعالم والآخرين.

ومن هنا تكتسب دعوة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله إلى التفكر دلالة معاصرة عميقة.

فالتفكر عنده ليس مرادفًا للتفكير. يقول في الإحسان: ” إن التفكير هو نشاط العقل الاصطلاحي في تناول المعطيات الكونية بالدراسة والتحليل والتركيب، وهو الذي تنشأ منه العلوم الكونية ويتحقق به تقدم الإنسان الحضاري. أما التفكر فله عمق آخر: إنه تناول الأشياء والمعاني من زاوية مرجعيتها إلى الخالق، ومن زاوية معنى وجود الإنسان، ومصيره بعد الموت، ومخلوقيته ومسؤوليته في الآخرة. (الإحسان، ج1، ص259).
إذن هناك فرق جوهري.
التفكير يسأل: كيف يعمل الشيء؟
أما التفكر فيسأل أيضًا: لماذا وجد؟ ولمن؟ وإلى أين يقودني؟
التفكير يستطيع أن يفكك العالم ويحلله ويعيد تركيبه، لكنه لا يضمن بذاته أن يعرف الإنسان موقعه من العالم وموقع العالم من ربه. ولذلك يحذر الأستاذ ياسين من أن يتحول العقل إلى عقل منفصل عن القلب، يكتفي بالكون ولا يهتدي إلى المكوِّن، ويدرس الأحياء ولا يهتدي إلى المحيي المميت سبحانه.

إن العقل في التصور الإحساني ليس خصما للقلب، ولا القلب بديلا عن العقل. العقل آلة عظيمة، لكن كماله أن يدخل في خدمة القلب المتوجه إلى الله. ولذلك يصبح التفكر فعلا قلبيًا عقليا: يرى الإنسان الأشياء، ولكنه لا يقف عند سطحها، ينظر في نفسه، وفي الكون، وفي التاريخ، وفي الموت والحياة، ثم يعيد كل ذلك إلى سؤال العبودية والغاية والمصير.
فإذا جعل “الكوجيتو الديكارتي” “أنا أفكر” أساسا لإثبات وجود الذات، فإن “الكوجيتو الخوارزمي” قد يدفع الإنسان المعاصر إلى : ” أنا أُستثار، إذن أنا متصل، أُقترح علي، إذن أنا أختار، أنا أستهلك المحتوى، إذن أنا حاضر”.
إنه انتقال من إنسان يفكر إلى إنسان يستجيب، ومن ذات تصنع مسارها إلى ذات تتلقى مسارا مصمما مسبقا لها.
فلا تكون المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، ولا في الخوارزمية باعتبارها أداة تقنية، وإنما في تحول الأداة إلى بيئة تستولي على الانتباه والإرادة والهوية. عندئذ يصبح اليوم والليل موزعين بين الإشعار والشاشة والمقطع والتوصية، ويصبح الإنسان حاضرًا في العالم الرقمي أكثر مما هو حاضر مع نفسه، وأقل حضورا مع ربه بل نسيانا و غفلة و بعدا عن ربه.

التفكر يمثل مقاومة أعمق من مجرد إغلاق الهاتف أو تقليل وقت الشاشة. قد يضع الإنسان هاتفه جانبا، لكن الخوارزمية تظل حاضرة في داخله إذا كانت قد نجحت في تشكيل معاييره ورغباته وطريقة نظره إلى الحياة.

التفكر هو أن تستعيد المسافة بينك وبين الأشياء.

أن ترى الخبر ولا تصبح أسيرًا له.

أن ترى الصورة ولا تجعلها تحدد قيمتك.

أن تستعمل التقنية ولا تسمح لها باستعمالك.

أن تعرف ما تعرضه الخوارزمية عليك، ثم تسأل: ماذا يريد الله مني أنا؟

وهذا هو الفارق بين التفكير الذي يتعامل مع العالم والتفكر الذي يعيد الإنسان إلى الله من خلال العالم.

فالتفكير قد يمنح الإنسان قدرة هائلة على التأثير في الكون، أما التفكر فيمنحه سؤالا أعمق: ما الذي ينبغي أن أفعل بهذه القدرة؟ ومن أجل من؟ وإلى أين المصير؟

ومن هنا يصبح التفكر شرطا لحماية الهوية الإيمانية في زمن “الكوجيتو الخوارزمي”. إنه لا يعزل المؤمن عن العالم، بل يعلمه أن يدخل العالم دون أن يفقد بوصلته، و يستعمل عقله دون أن يستعبده هواه، و يتعامل مع المعارف والتقنيات دون أن يسمح لها باختزال الإنسان في مستهلك للانتباه.

إن الزمن ليس فراغًا تملؤه المنبهات والمنصات، وإنما أمانة تُبنى فيها صلة العبد بربه. ومن هنا تبرز أهمية منهاج شعب الإيمان و عمل اليوم و الليلة.
إذا قلت لمنهاج التربية الإيمانية الإحسانية كيف تقضي يومك و ليلتك يقول لك أي نوع من الرجال أو النساء أنت!
كما نوظف السوار الإلكتروني للحفاظ على صحتنا الجسدية مراقبين نبضات قلبنا و خطواتنا.. لم لا يكون لنا “سوارا إيمانيا” ( على سبيل الاستعارة )، إنه محاولة لنقل الإيمان من مفهوم مجرد إلى ممارسة يومية تتجسد في الذكر والصدق والبذل والعلم والعمل والسمت والتؤدة والاقتصاد والجهاد، بحيث يصبح الإيمان حاضرًا في تفاصيل يومنا و ليلتنا، لا مجرد هوية موسمية أو شعائر منفصلة عن السلوك و سبات إسلام فاتر.
إن “الكوجيتو الخوارزمي” يريد أن يجعل الإنسان مركزا لشبكة من الرغبات المصممة حوله، أما التفكر فيرده إلى مركز آخر: الله سبحانه السميع العليم.

الأول يقول للإنسان: أنت ما تفضله، وما تنقر عليه، وما تتابعه، وما تستهلكه.
أما التفكر فيوقظه بالسؤال: من أنت؟ ولماذا ووجدت؟ ومن ربك؟ وإلى أين أنت ذاهب؟ وماذا أعددت للقاء الله؟
وهنا يتجاوز التفكر “الكوجيتو الديكارتي” و “الكوجيتو الخوارزمي” معًا: فهو لا يكتفي بإثبات وجود “الأنا” المفكرة، ولا يقبل أن تُعرف “الأنا” بما تقترحه الخوارزميات، بل يفتح أمام الإنسان طريقا لانعتاق ذاته من أسر عالمه الموار، ليعرف نفسه مخلوقا عبدا لله وحده له الملك و إليه المصير، مسؤولا أمامه، سائرا إليه، يرجو الله عز و جل أن يجعل عقله وقلبه وجوارحه في خدمة هذه الغاية.

لذلك فالمعركة الحقيقية في زمن الهيمنة الخوارزمية ليست فقط معركة الوقت و الانتباه و الشاشة بل معركة المعنى و الإرادة و معركة الإنسان: من يملك قلبه، ومن يوجه عقله، ومن يرسم يومه وليلته؟

وهنا يصبح التفكر فعل إحياء بالمعنى القرآني: إيقاظًا للإنسان من الغفلة، وإخراجا له من الاستجابة الآلية إلى الوعي اليقيني، ومن التشتت إلى القصد و الانجماع على الله عز و جل، ومن عبودية الأشياء والأهواء إلى عبودية الله.
للتربية الإيمانية وظيفة الارتقاء بالإنسان من التفكير إلى التفكر، و استعمال العقل دون فصله عن القلب، و استعمال التقنية دون طغيان التحكم في حرية الإنسان و كرامته.

لا “أنا أفكر إذن أنا موجود” فقط، ولا “أنا متصل إذن أنا حاضر” فقط، بل:
أنا أتفكر، فأعرف ربي، وأعرف غايتي، وأعرف إلى أين أسير و أحمل هم المصير.
صلّ يا رب وسلّم على من *** حُبُّهُ حَلَّ في حَشَايَا الضَّميرِ(1)


(1) الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، المجموعة الشعرية الكاملة، ختم القطف:561

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.