النهضة العربية والخطاب التنويري
فرح أنطون نموذجا (قراءة نقدية)(2)
شعيب البطار
النهضة العربية والخطاب التنويري؛ فرح أنطون نموذجا (قراءة نقدية) (1)
المحور الثاني:
1-الخطاب التنويري عند فرح انطون:
يعتبر فرح انطون (1874_1922) من اهم رواد رواد الفكر العربي، ومن المفكرين الاوائل الذين حملوا مشعل النهضة والتقدم في العالم العربي _ الاسلامي، ولقد كان ذو ثقافة شاسعة شملت الفلسفة والادب والتاريخ والعلم، كان مفكرا موسوعيا وذو قدم راسخة بثقافة الغرب ومعارفه، فكان يحتفي بكل مفكر اثار اهتمامه ويجعله ضيفا في مجلة الجامعة التي اصدرها سنة 1899، متوخيا من ذلك تعريف القراء العرب والمسلمين بالمفكرين في مختلف الاختصاصات الذين ساهموا في نهوض الغرب وتقدمه وعمرانه.
إلا ان ثقافة فرح انطون لم تقتصر على معارف الغرب فقط وانما بحث ايضا في التراث الاسلامي منقبا عما يمكنه ان يخدم مشروعه العلماني العقلاني، ومن ابرز من شده اليه الفيلسوف القرطبي ابو الوليد ابن رشد، الذي عمل على الترجمة له وشرح لفلسفته مستخرجا من فكر ابن رشد اهم الافكار العقلانية، ووضعها على شكل مقالات التي سينشرها في مجلة الجامعة، ونظر لاهمية هذه المقالات عمل أنطون على جمعها في الكتاب الذي سماه ابن رشد وفلسفته، ويعتبر هذا الكتاب من اهم كتب فرح انطون حيث اثار جدلا ونقاشا توج بالمناظرة الشهيرة التي جرت بين فرح انطون ومحمد عبده.
لقد كانت دراسة فلسفة ابن رشد عند فرح انطون بمثابة النبش في الثقافة العربية الاسلامية ايمانا منه بوجود لحظات مشرقة في التاريخ العربي الاسلامي والتي تستحق اظهارها والتنويه بها او الانطلاق منها مادامت تحمل في طياتها العقلانية والإستنارة، ولذا فيعتبر فرح انطون أول من مارس فعل التاريخ الثقافي في العالم العربي في اللحظة الفكرية المعاصرة ولقد عبر عن ذلك عبد الإله بلقزيز بقوله: البداية الفعلية لممارسة التاريخ الثقافي، في الفكر العربي المعاصر، إنما كانت مع فرح انطون في سلسلة مقالاته عن ابن رشد في مجلة الجامعة.
لقد انطلق المفكر انطون من الواقع الذي كان يعيش فيه وهو واقع يسوده التمزق والتشرذم، فكان كل مايؤرقه هو كيف يمكن لم شتات الأمة العربية وماهو السبيل للخروج من هذا المأزق لمواجهة الاخطار الحضارية الداهمة.
وباعتبار ان الموضوع يسبق المنهج، انطلق فرح انطون من أن هناك مشكلة لاينفك العالم العربي الاسلامي يرزح تحتها وطأتها والتي باتت تسمى بالمسألة الشرقية، محتواها أن هناك كتلة أغلبية تمارس نوعا من الضغط السياسي في حق اقليات اثنية أو دينية بمسوغات اديولوجية معينة، الشيء الذي سيدفع فرح انطون إلى بلورة صيغة ذات طابع سياسي يعيش الجميع في كنفها من مسيحيين ومسلمين، لان ضمان الحريات الدينية والسياسية اصبحت ضرورة، فلا مناص من اتحاد الشعوب العربية الاسلامية واجتماعها على المشترك الانساني، وعلى ان تكون فكرة الوطنية او القومية بديلا عن أي فكرة أخرى، وخاصة مع وجود طوائف متناحرة وأقليات مضطهدة في حالة الأغلبية تجاه الاقليات الضعيفة، بل ان الصراع والتنافر موجود حتى داخل الطائفة الواحدة في حالة مايسمى باختلاف المذاهب في الدين الواحد.
يعتقد فرح انطون أن مواجهة الزحف الغربي السياسي والعسكري والثقافي، لايمكن تحقيقه بل يبقى أمرا مستحيلا، في حالة ما إذا استمرت الشعوب الشرقية على بنفس حالها وبمنطق الذهنية الإقصائية.
2- مفهوم التساهل عند فرح انطون:
يعتبر فرح أنطون من الرواد الأوائل الذين عُرِفوا بالاستنارة، وقد حاول ان ينظر لهذا المفهوم في كل رواياته الادبية وكذلك في اعداد كثيرة من مجلة الجامعة.
ويعتبر مفهوم التساهل الذي كان غائبا او مجهولا في العالم العربي أحد المفاهيم الرئيسية التي يتمحور حولها مفهوم التنوير عند أنطون، ولقد حاول إشاعة ثقافة هذا المفهوم من خلال فن الادب وخاصة فن الرواية، وتعتبر رواية أورشليم الجديدة احد اهم أعماله الروائية المؤسِسة لمفهوم التسامح، بحيث أعاد فيها قراءة الاحداث التاريخية وخصوصا الأحداث الدينية، كما تعتبر رواية ” الدين والعلم والمال” التي تدور احداثها حول مدن ثلاث من ابرز اعماله الادبية التي حاول من خلالها ان يجسد لدور التسامح والتساهل في بناء الوحدة و التعايش من اجل ارساء استقرار المجتمع ولذا فان انطون كان يرى دائما ان مفهوم التساهل هو أساس المدنية الحاضرة.
إن مصطلح التساهل هو مصطلح دخيل على اللغة العصرية، وفقد اختار أنطون هذه الكلمة مقابلا للأصل الإنجليزي الذي اقتبسه من قراءته لأهم الفلاسفة الغربيين، ولهذا سيتجنب التعريف اللغوي متوسلا التعريف الذي وضعه الفلاسفة، ويعرف الرجل المصطلح الجديد بأنه السياسة التي يتجمل بها المرء في التعامل مع ما لايوافق عليه متقبلا حضوره، بوصفه أولا حقا من حقوق الإختلاف، وبوصفه ثانيا ركنا أساسيا من ممارسة الحرية، هذه الممارسة التي تنبني عليها المواطنة في الدولة المدنية.
فكان الرجل يدعو الى عدم إدانة الناس لبعضهم البعض على أساس الدين، باعتبار ان الدين هو علاقة بين الانسان وخالقه، ويؤكد ذلك قوله ” أن الإنسان لايجب أن يدين أخاه الإنسان “لأن الدين علاقة خصوصية بين الخالق والمخلوق “.
إن الإنسان في نظر أنطون هو إنسان بغض النظر عن توجهه الديني، لذا فإن له الحق في المساواة مما يضمن له الاستفادة من كل خيرات الامة ومصالحها ووظائفها الكبرى أو الصغرى دون استثناء بما فيها رآسة الأمة نفسها، وأن هذا الحق هو حق مكفول للانسان ليس بعد ان يدين بدين بل منذ أن يولد.
وخلاصة القول يعتبر انطون مفهوم التساهل أنه الغطاء الانساني التي تستظل تحته كل الناس بل هو الرابطة الأخوية التي يتأسس من خلالها مفهوم المواطنة وتستقرعليها الدولة المدنية.
ولهذا فقد كان أنطون يرى أن السلطة الدينية غير قادرة على تبني مفهوم التساهل، لانها تعتقد جازمة أنها تمتلك كل الحقيقة، وأن ما سواها هو كفر وضلال، ليستخلص أنطون ان السلطة التي ترفض التساهل ليس لها إلا سبيلان:
إما ممارسة سياسة الضغط على المخالفبن اديولوجيا، والضغط الوان إما أن يكون بالقسر أو بالإرهاب، أو سد طرق الرزق على الناس كما كان سائدا في أوربا في القرون الوسطى.
وإما سبيل اخر يجعل صاحب السلطة ينظر الى الاخر بعين الاحتقار والنقص، مما يؤدي إلى تفييء المجتمع وظهور فئات عزيزة وأخرى ذليلة، وحينها يسقط كما يرى أنطون الحق الإنساني الذي ذكرناه، وتبطل فضيلة التساهل كما يجب أن تكون وكما يراها الله.
3-التربية التنويرية عند فرح انطون:
تحدث أنطون عن التربية في العدد الأول من مجلة الجامعة، حيث عمل على اقتباس أفكار كل من جول سيمون الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي بخصوص التربية الهادفة على أساس القضاء على الجهل ونشر الاخلاق النبيلة ذات الروح المدنية كالإخاء والمساواة والنزاهة، باعتبار أن الشرق استشرى فيه الجهل من جهة والشقاق من جهة أخرى.
ويعتبر أنطون أن سبب استفحال الجهل هو المؤسسات التعليمية نفسها، ويرجع ذلك في ظنه إلى فساد المناهج المستعملة معتبرا إياها مناهج لايمكن أن يُعول عليها في بناء الانسان وتربيته تربية تستجيب لخصوصيات الدولة المدنية باعتبار أنها تعتمد على الحشو والكم بحيث لا تعمل على نشر روح الابداع وإذكائه بتعليم وتلقين آليات النقد والتفكير، فيقول أنطون منتقذا الطرائق التعليمية في الشرق”: ومعاذ الله أن نسمي تأثير المدرسة في الشرق تربية “. ويقول: ” وما هو إلا تعليم فقط.” أي تلقين التلميذ المعلومات العامة، دون النفاذ إلى أعماق نفسه وتهذيب أخلاقه. وما التربية الحقيقية إلا النزول إلى أعماق تلك النفس البشرية واستئصال الجراثيم الفاسدة منها، وغرس الفصائل فيها. هذه هي التربية الحقيقية أي التربية الأدبية.”
وأما بخصوص الشقاق فيعتقد فرح أنطون ان التعليم هو كذلك المسؤول عن تكريس هذا المفهوم، لأنه تعليم فشل في بناء الانسان وتربيته على الإخاء وقبول الأخر، ولاشك أن ذلك رهين بالتربية المدرسية و التربية الاسرية، ويبدو انهما لم تكونا قادرتين على خلق مواطنين صالحين يحبون وطنهم ويضعون مصلحة الوطن فوق كل مصلحة خاصة، ولذا فانه يصف التربية على أنها هي التي تفضي الى توطيد اسس الاخاء بين ابناء الوطن فهي عبارة عن ” غسل القلوب وجمع الكلمة والتعاون على الخير، وادراك معنى الوطنية، وتعليم النفوس فضيلة الايثار، أي إيثار المجموع على الفرد والمصلحة العمومية على المصلحة الخصوصية “.
وخلاصة القول يرى أنطون انه لا مخرج من القضاء على الجهل والشقاق إلا بنشر العلم واصلاح التعليم من جهة وبلورة المناهج التربوية التي تسهم في بث روح الوطنية الصحيحة من جهة أخرى، ولاشك ان هذا من شأن المدارس التعليمية وكذلك من شان الحكام الذين من واجبهم ان يسهروا على النهوض بالمجال التعليمي والمدرسي.
4- موقف فرح أنطون من الدين:
يرى فرح أن كل الاديان صادرة عن مشكاة واحدة، اذ تتفق كلها على أن الله واحد لاشريك له، وانطلاقا من هذا الاساس فلا معنى للدخول في مقارنات غير مجدية، مادامت هذه الشرائع تسعى الى نشر الفضيلة ونشر الأمن والسلام والمحبة، وعلى هذا الأساس فإن الدين لم يظهر إلا ليؤسس لمفهوم العدل والمساوات واعتبار أن الإنسان كائن مكرم له الحق في الحياة والعيش الكريم.
وأما إذا وجدت فروق بين الاديان او بين الدين والعقل، فيرى أنطون فان في هذه الحالة يجب على المفسرين للنصوص الدينية أن لا يقوموا بتضخيم هذه الفوارق، بل الحكمة تقتضي أن يتأولوا هذه النصوص أفضل تأويل بمعنى ان من واجب كل من يتعامل مع الاديان أن ” يجعل النتيجة الخارجة منها فضيلة لارذيلة، وبذلك تنزه الكتب الدينية عن كل كلمة تضر أو تسوء “، ويظهر هنا تأثر أنطون بفيلسوف قرطبة أبو الوليد ابن في تبنيه لفعل التأويل الذي اشتهر به هذا الأخير ورآه الحل أو الاداة الناجعة لحل إشكالية التوفيق بين العقل والنقل، اذ يقول ابن رشد في هذا الخصوص:
“وإذا كانت هذه الشريعة حقا، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”.
ومن ثم فانه بقدر ما كان أنطون يدعو الى التأويل الإيجابي الذي يسعى الى التقريب بين الشرائع والتوفيق بين الحكمة والشريعة، بقدر ما كان يحذر من التأويلات الفاسدة ذات المنطلقات الإديولوجية التي تخلق الصراع والتفرقة، بل كان يعتبر مثل هذا التأويل خطأ فادحا بل اكبر خطر قد يهدد استقرار الأمة، وإذا كان انطون يتكلم عن كل الأديان والطوائف عامة فإنه يوجه كلامه خاصة إلى المسيحية والإسلام، لانه يعتبرهما دينين شقيقين، كما يعتبر أنهما يتأسسان على دعائم مشتركة من عدة وجوه.
يضح مما سبق أن الرجل لم يكن ابدا يرغب في هدم أسس الدين، بالعكس فكان يرى ان للأديان دورها الكبير والمتميز في نشر الوئام وتهذيب النفوس وتطهيرها من الغل والحقد، باعتبار أن كل الأديان تمثلا طرقا وسبلا لنشر التآخي والتآزر والمحبة والصلاح، بشرط اذا كف كل الناس عن الطعن وتكفير بعضهم البعض.
5- الأسس الاربعة للنهضة الحضارية عند فرح أنطون:
كان فرح أنطون رائدا من رواد حركة التنوير، متأثرا في ذلك بأفكار المصلحين الأوربيين من أمثال روسو، فولتير، رينان، مما جعله يتشبث بفكرة التسامح الديني والسياسي والاجتماعي بين المسيحيين والمسلمين، فكان يكتب كإنسان مجرد من اي انحياز معين الشيء الذي اعطى لفكره تميزا، اذ اصبح مثار جدل بين كل الطوائف والاتجاهات الدينية أو السياسية، ويرجع ذلك الى انحيازه للإنسان ولكرامته أولا وأخيرا.
لقد وضع انطون اربعة أسس كمرتكزات للخروج من هذا المأزق الحضاري، الذي تتخبط فيه الشعوب الشرقية الإسلامية وهي: الدين الوطن الإتحاد الارتقاء. إلا أنه قدم بعضا منها على البعض الآخر، حيث وضع الله والوطن في أعلى هذه الأسس، معتبرا أن الله يشكل آصرة معنوية وروحية فهي تقوي الروابط بين أفراد الأمة وبين كل فئاتها المختلفة، وأن الاساس الثاني هو الوطن وهو يمثل الرابط السياسي معتبرا إياه رابطا ماديا ملموسا، وقد كتب بخصوص هذين الاساسين وكله أمل في زرع الثقة بين أفراد المجتمع اذ يقول: ” إن عدم الثقة بالله تعالى آخذ بالإمتداد في عقول بعض الطبقات في الشرق ساحبا وراءه اليأس من الحياة، معطلا سبل الحقوق والواجبات، ساخرا من الأدب والفضيلة، صارفا الميول والأفكار إلى الأمور المادية ومنشئا بذلك في العالم الأدبي والفلسفي فوضى هائلة “
وأما عن الوطن فيقول: ” ومبدأ الوطن مبدأ غامض في الشرق يعرفه الشرقيون ولايفهمونه، ولو فهموه لكفوا أنفسهم كثيرا من المصائب، فمن واجب كل نصير للإنسانية والوطنية أن ينهض للدفاع عن الأمر الاول وإيضاح الأمر الثاني، وماعدا ذلك فإن الايمان بالواحد الاحد أساس الفضائل كلها ورباط قوي يربط أجزاء الإنسانية مهما اختلفت مذاهبها وتباينت مشاربها، وكذلك حب الوطن فإنه جزء من ذلك الإيمان كما يقول العرب، ورباط آخر يربط عناصر كل أمة مهما اختلفت مطالبها “.
وأما في يتعلق بالإتحاد والإرتقاء فقد اعتبر أن الاتحاد هو السد المنيع الذي يجعل العالم العربي يقف في وجه العالم الغربي الذي ظل باستمرار يطمع في السيطرة على المسلمين والمسيحيين، وعلى هذا الاتحاد أن يكون مقرونا بتسطير الاهداف وبالإعلاء من دور العقل لتحقيق التقدم والرقي، دون التغني بأمجاد الماضي، الشيء الذي جعل فرح يعتبر أن المدنية الغربية بمفاهيمها ومصطلحاتها النموذج الذي يجب أن يحتدى به، اذا ما ارادت الامة العربية الاسلامية ان تنهض وتتجاوز ما تتخبط فيه من تخلف.
6- الفصل بين الدين والدولة:
إن مبدأ التساهل الذي نادى به فرح أنطون لايمكن تحقيقه إلا في ظل شرط سياسي يكون فيه حدود السلط واضحة. كما كان يرى: ” أنه من الصعب إيجاد دولة ثابتة ومستقرة وقائمة على عنصر الدين كما رأى استحالة قيام وحدة في الدولة الدينية المتعددة الطوائف إلا بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة “.
ويعتبر مبدا فصل الدين عن الدولة مبدأ محوريا في تفكير أنطون بل يدخل في صلب فكره السياسي، إن لم نقل أنه يمثل اهم المبادئ، التي ينبغي تحقيقها وصولا إلى ارتقاء وتطور المجتمع والدولة. كما أن هناك ثمة شيء يجب أن نشير إليه وهو أن انطون لم ينطلق في خياره هذا من القناعة في كون أن فصل الدين عن الدولة أصبح مسألة ملحة أو ضرورة من ضروريات بناء الدولة الحديثة، ولكن الدافع الى ذلك كان هو النظرة الأقلوية التي كانت تتحكم في أفكار النهضويين العرب المسيحيين، فكان الهدف من تحقيق فصل الدين عن الدولة هو ضمان التساوي بين الأقليات الدينية والإثنية مع الآخرين في الحقوق والواجبات، حتى يتسنى للاقليات أن تشارك مشاركة فعلية في صناعة الخطاب السياسي الإديولوجي وهذا لاشك سيجعل الأمر أكثر انسجاما مع المدنية الغربية وأكثر تقبلا لعلومه وتجاربه.
فانطلاقا من هذا المفهوم حدد أنطون ثلاث معطيات ، والتي من شأنها أن تفضي إلى ضرورة الفصل النهائي بين الدين والدولة.
- المعطى الأول:
إطلاق العنان للفكر الإنساني وتحريره من كل القيود من أجل الارتقاء وخدمة مستقبل الانسانية، ولا شك أن أنطون استلهم ذلك من قراءته للتاريخ الغربي عندما لاحظ أن ثمة فصل حدث عبر التاريخ بين المجال القلبي والمجال العقلي، نتج عنه فصلا صارما بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية.
إن ما يزيد الاصرارعلى هذا الفصل هو اختلاف الأغراض والأهداف التي تصبو إليها الأديان من جهة، والأهداف التي ترمي أو تسعى إليها السلطات السياسية من جهة أخرى.
ومن ثم فيرى أنطون أنه اذا كان دور الدين يتمثل في الحث على الفضيلة والتقوى، فإن السلطة الزمنية وجدت لخلق الأمن والسهر على مصالح الرعية.
و يرى أنطون في ظل هذا المعطى أن حرية الفرد تصل الى حدها الاقصى ولا تتوقف إلا اذا اصطدمت وتعارضت مع مصلحة الجماعة. ومنه فإن السلطة الزمنية لاتملك حق تقييد حرية الفرد أو أن تفرض عليه معتقدا أو طريقة عيش معينة لان الفرد حر في افعاله، وفي ممارسة حياته كما يشاء أويرغب، طالما ان هذه الحرية تحترم حرية الاخرين. ويبرر فرح أنطون هذا الفصل بكون ان للسلطة الدينية او الروحية حقيقة مطلقة لاجدال فيها، في حين أن السلطة الدنيوية قابلة للجدال وهي متغيرة بتغير الزمان والواقع، في حين أن بقاء السلطتين مندمجتين يجعل من الحقيقة الدينية والسياسية على نفس المنوال من الجدال والنقاش.
- المعطى الثاني:
إن فصل الدين عن الدولة يفضي إلى تحقيق المساواة بين أفراد الأمة الواحدة وفئاتها المختلفة الإثنية والدينية. في حين ان المطلوب هوالمساوات بين أبناء الأمة مساواة مطلقة بغض النظر عن مذاهبهم ومعتقداتهم ليكونوا جميعا أمة واحدة.
كما يعتبر أنطون أن الدولة التي تجعل الدين في صلب تكوينها لاتستطيع أن تتعامل مع كل أفراد الأمة على نفس السوية، لأن مثل هذه الدولة تكون غالبا مجبرة على أن تكون الحامية الأولى للدين مما يخلق التمييز بين الأفراد الذين ينتمون إلى دينها وبين من يعتنقون دينا آخر
ومن ثم فإن فصل الدين عن الدولة يضمن المساوات بين الناس، بحيث تكون الكفاءة هي المعيار الاساسي في التميز، وهذا يخلق نوعا من روح المنافسة، المنافسة المبنية على الكفاءة، ولاشك أن ذلك ينتج عنه استثمار الدولة للكفاءات القادرة على الإبداع، فيكون هذا الامر بمثابة اعتراف الدولة بحق هؤلاء الافراد، الشيء الذي يسعى بالدولة الى تقدمها وارتقائها، أما في حالة انتفاء هذا الحق والذي يعتبر إهانة للإنسانية التي خلق الله، فحينها فليس على الأمة إلا أن تقبل بالفوضى وبقانون الغاب.
- المعطى الثالث:
أما المعطى الثالث قيتمثل في ان هناك أمورا في الحياة مرتبطة بتدبير شؤون المجتمع، كالاجتماع والسياسة والاقتصاد والادارة، وهي امور يجب أن توضع رهن إشارة العقل لأنه الوحيد القادر على حسن إدارتها، أما الدين فيجب أن يضل في منأى عن الشؤون الدنيوية باعتبارأنها لاعلاقة لها بطبيعة وبأمور الدين، وأن أي اقتحام يقوم به احدهما، فيعتبر تطاولا وتدخلا في الشؤون الداخلية.
واما بالنسبة لتداخل الدين والدنيا في العصور السالفة فسببه أن العقل والدين لم يكونا بعد قد بلغا درجة من النضج والتفوق الذي يؤهلهما لقيادة الدولة والفرد والمؤسسات. وأما في عصر وقد بلغا من التفوق والرقي وبلغ العلم اشده والدولة الحديثة مراتبها العالية، فليس هناك ما يبرر تكرار تجارب الماضي والتي لم تنتج الا الحوادث الدموية والفتن والاضطرابات في الاسلام أوالمسيحية ومن ثم فان الوحدة المرغوبة هي الوحدة التي تتأسس على مفهوم الدين لله والوطن للجميع.
7- اشتراكية أم عدالة اجتماعية عند انطون:
لاشك أن رواد النهضة الحديثة عرضوا لمسألة التفاوت الطبقي والإجتماعي من منظور إنساني، اقتصر على التعاطف والرأفة بالفقراء، دون اللجوء الى البنى السياسية والإقتصادية للفقر والظلم الإجتماعي، لأن الشروط الموضوعية للافكار الإشتراكية لم تكن بعد قد تبلورت في العالم العربي، ولذلك ظلت الفلسفة الماركسية غريبة عن أفكار النهضة العربية حتى مطلع القرن العشرين.
أما فرح انطوز فقد عمل على تجاوز الطرح النهضوي والمقاربة الماركسية في طرحها للمسألة الإجتماعية وحقوق الفقراء ليعرب عن تصوره والذي صاغه في بعض اعماله الروائية وخاصة رواية المدن الثلاث والتي يقول فيها ” الزعيم ” وهو بطل من ابطال هذه الرواية في احدى حواراته: ” لا بل نستشهد بقيلسوف من الفلاسفة رأيه يناقض رأيكم في الملكية، فإنكم تقولون: إن أرباب العمل مطلقوا التصرف في معاملهم ومصانعهم ومتاجرهم، أما نحن فنقول لكم مع هذا الفيلسوف، إنكم في خطأ عظيم، فإن معامل الأمة ومصانعها ومتاجرها وأراضيها هي من مرافقها ومنافعها كالأنهار والأبحر والهواء، ولذلك لايجوز أن تكون ملكا لفرد أيا كان، بل هي ملك لجميع الأمة “.
وهكذا لقد أكد انطون في غير مرة على حقوق العمال في الثروة، بحيث طرح مبدأ القيمة الزائدة في كتابة الدين والعلم والمال للاشارة الى مصدر الثروة ودور العمال في تراكمها وبيان حقهم في الإنتفاع منها، إلا أنه على عكس الماركسية كان يرفض اسلوب الثورة المشوبة بالعنف وإهراق الدماء كوسيلة لتحقيق العدالة الإجتماعية.، لأنها لاتؤدي إلا إلى خراب المجتمع، لأن كل ثورة تقوم على التعصب فهي في النهاية تؤول إلى الدمار وهذا تماما الذي حصل للمدن الثلاث في رواية أنطون حيث انتهت باحتراقها.
يتبين من هذا كله أن اشتراكية أنطون كانت أقرب ألى الاشتراكية الدمقراطية، أو لنقل أقرب إلى العدالة الإجتماعية.
- فكر شمولي أم علمانية غربية:
اذا كان النسق الفلسفي هو الإطار الفكري الجامع الكامل الذي تتجسد فيه الرؤية المتكاملة التي يحاول بها الفعل الفلسفي أن يعالج جميع الاشكاليات والاسئلة التي تطرح نفسها وتلح على الفيلسوف واذا كان النسق غالبا ما يتميز بالاصالة والشمولية، فانطلاقا من ذلك نستطيع ان نقول ان الأنساق الفلسفة تجمع كل افكار الفيلسوف في وحدة متكاملة، هذا التناسق لا شك أنه ينعكس على كل المجتمع فيجعله اكثر انسجاما وأكثر تطلعا الى الارتقاء. لأن هذا النسق يخلق تفاعلا بينه وبين المجتمع و بين كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسة والأدبية والثقافية والفنية.
إن من ابرز الأنساق الفلسفية التي سيطرت على طول المسار التاريخي الفلسفي النسق الأفلاطوني والآخر الأرسطي.
وإذا كان النسق الفلسفي الافلاطوني قسم الوجود الى قسمين، عالم محسوس يطاله الزيف وعالم للمثل عالم حقيقي سرمدي خالد، فقد نتج عن هذا التقسيم جدليتين، جدلية صاعدة وجدلية نازلة، هتين الجدليتين جعلت الانسان يتطلع دائما الى مقاربة مثالية وصيرورة دائمة تقوم على الابتكار والطموح الى تحقيق فكر مثالي، ولقد مثل افلاطون لذلك في اسطورة الكهف، واما في الطرف الاخر فنجد النسق الفلسفي الارسطي الذي ظل يعتبر ان الحقيقة هي فقط هنا وليس في الماوراء، وان الحقيقة ليست شيء متافزيقيا، بل كل شيء يمكن الوصول اليه اذا توسل الانسان طريق المنطق و التجربة والعلم الطبيعي، ونهج سبيل البحث العلمي وعمل تطوير القدرات والمهارات، ولذلك فيمكن القول بان الحضارة اليونانية افرزت خطين متوازيين كانا قادرين وكفيلين على التحفيز والهام الانسان الغربي على تطوير ذاته وبناء حضارة تقوم على ازدواجية بين السماء والارض أوبين المثالية والمادية.
هذين النسقين الكبيرين سيخلقان حافزا خفيا يقبع في لاوعي الفرد الاوربي على طول المسار التاريخي، يحفزالانسان ويضع دائما نصب عينه بلوغ القيمة المثالية، وكون هذه الرؤية او هذا القصد شمولي في مساره فنحن امام سير نحو حركة دؤوبة نحو الكشف عن اسرار الكون، هذا المسار سيجعل العقل دائما يسائل نفسه نحو تطوير قدراته، ويتطلع باستمرار الى تطوير المناهج النقدية.
الا ان مع بداية المسيحية سيحدث تغير او انكسار في هذين الخطين، ويتمثل ذلك في كون ان الكنيسة ستقدم نفسها على أنها سلطة تتحكم في مصير الانسان وتتحكم في تفكيره، كما انه بالاضافة الى ذلك ستحاول الكنيسة ان تتبنى بعض النظريات الكوسمولوجية الارسطية العلمية وستعض عليها بالنواجد محاولة ان تتبناها وتعطيها صبغة دينية، باعثة فيها لمسة الدين والقداسة، وحينها سيتحول الخطاب من خطاب الحقائق الفلسفية الى خطاب الاديولوجيا الدغمائي و سنصبح وكاننا امام مزج او تداخل بين النسق الأفلاطوني والأرسطي، لأنه يمكن اعتبار ان المسيحية تمثل الجانب الروحي المثالي الذي يمكن وضعه ضمن المجال الافلاطوني الذي يضم الاخلاق والفضيلة والفن والجمال.
ومادامت الكنيسة كانت تعتقد ان الحقيقة هي حقيقة ثابثة بحيث لايمكن تغييرها، ستصبح بذلك مجموعة من النظريات الارسطية هي الاخرى وكأنها حقائق دينية وليست فقط مجرد نظريات علمية بل هي حقائق لاهوتية، والذي وقع ان الكنيسة ستغفل أو ستتغافل ان الفكر الارسطي هو فقط عبارة عن تصورات ونظريات علمية، بمعنى انها قابلة للتزييف والتجاوز مما سينتج عنه صراع العقل والنقل الذي سيتوج في اوربا بالعلمانية وذلك بعد تراجع رجال الدين والكهنوت.
نستخلص من هذا ان العلمانية كانت موجودة قبل المسيحية كفعل وليس كمصطلح، أو كفكر وليس ككلمة باعتبار انها كانت متمثلة في الفصل بين النسقين الكبيرين الأفلاطوني والأرسطي.
ان المتتبع للتاريخ الاوربي يخلص الى ان ظهورالعلمانية في القرن السابع عشر في الغرب هو فقط هو اعادة ارجاع الحال الى ما كان عليه كحق ثم انتزاعه من سلطة الكنيسة بالثورة على الاكليروس الذين كانوا يمارسون القهر والاستبداد على كل من خالف توجه الكنيسة و إعادة النسقين او الاتجاهين الى مسارهما الطبيعي، وهذه الاعادة هي التي اصطلح عليها بالعلمانية.
اذن فيمكن أن نقول بان الفكر الغربي هو في اصله كان مهيأ لفصل الدين عن الدولة لان هذه الثنائية قديمة ويمكن إرجاعها الى اصولها الاغريقية.
اما بالنسبة للتجربة العربية الاسلامية فنحن أمام سياق تاريخي اخر يختلف تماما عن السياق الغربي بحيث أنه أولا لايمكن لنا ان نتحدث عن فلسفة نسقية ولكن قد نتكلم عن فلسفة اسلامية ـ هذا إذا اعتبرنا أن هناك اصلا فلسفة عربية او اسلامية ـ ثانيا، إن هذه الفلسفة الاسلامية والتي استفادت لاشك من فلاسفة الاغريق كانت دائما ترسم لنفسها اطارا او حدودا
لايمكن تجاوزها، لان العقل الاسلامي ظل دائما مرتبطا بالنصوص الدينية ومنطلقا منها كمسلمات لايمكن تجاوزها، مما سيجعل العقل الاسلامي العربي وخاصة بعد اطلاعه على فلسفة اليونان يعيش محنة كبيرة، فكان لامفر من السعي نحو محاولة التوفيق بين العقل والنقل وهذا ما شغل الفلسفة العربية الاسلامية، بدل نهج فعل الفصل بين سلطة الدين والعقل على اعتبار ان العقل قد يكون هو كذلك مصدرا من مصادر التشريع كما كان الحال عند المعتزلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الان هوهل هناك حاجة الى الفصل بين النقل والعقل او بين الدين والدولة في المجال العربي الاسلامي ؟
ان غياب الانساق الفلسفية من الفكر العربية قد أفضى إلى غياب رؤية شمولية لجميع مناحي الحياة وان كانت النصوص الدينية لاتمنع من استخدام العقل بل بالعكس النصوص مفعمة بالدعوة للتفكر والتدبر ولكن الذي حصل هو ان فعل التعقل كان يحارب لخدمة الانظمة السياسية التي كان يبدو انها لم تكن لتسمح بذلك لان ذلك سيخلق هامشا من الحرية وخاصة لان ذلك سيوقظ العقل من مضجعه لان ذلك سيهدد اركان الدولة واستقرارها
والا فان النصوص الدينية كثيرة والتي تحث على استخدام العقل والفصل بين المهام من ومنها ما ورد في الحث على استخدام العقل قوله عز من قائل ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾، [الأنفال 22]، وقوله سبحانه ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ او قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ أنتم أعلم بأمور دنياكم ﴾.
فالمتأمل في هذه النصوص وأمثالها كثير، يرى بأنها تحمل خطابا صريحا في الدعوة الى استخدام العقل من جهة والى وجود مجال كبير من الحرية في اختيار الطريقة الانسب لبناء مجتمع ناجح، فقط الذي حصل هو ان العقل السياسي العربي الاسلامي لم يرق الى بلورة رؤية شاملة تكون كغطاء يجمع تحته كل المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وذلك بتحديد حدود كل تخصص واحترام طبيعته باعتبار ان لكل مجال ادواته وموضوعه.
فهل تحتاج الامة العربية الاسلامية الى فصل الدين عن الدولة أم هي في غنى اصلا عن هذا الفصل ام ان الفصل نظريا موجود في النصوص الدينية والذي حصل هو أنه قد ثم اخفاؤه ؟
لاشك ان الامة العربية الاسلامية انقسمت للاجابة على هذا السؤال إلى فريقين:
يرى الفريق ألاول أن العقل محكوم بالدين وان جميع المجالات السياسة والاجتماعية والثقافية والادارية يجب أن تكون محكومة بالدين، على اساس انه المرجع الذي على الامة ان تحتكم اليه في كل شيء، واما الفريق الثاني فيرى ان الدين نفسه يدعو للفصل بين الشأن الديني والشأن الدنيوي وان الايات والروايات من منظور هذا الفريق الثتني واضحة وصريحة في هذا الامر، وهذا الاختلاف في وجهات النظر لاشك خلق نزاعا من داخل الحقل الفكري العربي الاسلامي نفسه.
يتبع……