منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعلم القرآن وتعليمه
ابراهيم الحميدي
منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعلم القرآن وتعليمه
بقلم: إبراهيم الحميدي
الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ليكون للعالمين نذيرا والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
قال الله سبحانه وتعالى:” لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ” آل عمران 164. المنة العظمى بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن شكر النعمة والاعتراف بالمنة الاهتداء به والاقتداء في كل شيء، ومن أقرب الاشياء التي يجب اتباع منهجه صلى الله عليه وسلم فيها- وهي من المنن التي ذكرتها هذه الآية بعد منة البعثة – تلاوة القران وتزكية النفوس وتعلم الكتاب وتعليمه. فما منهجه صلى الله عليه وسلم في تعلم القران وتعليمه؟
1-التلقي والمشافهة
إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعلم القرآن وتعليمه هو التلقي والمشافهة، وذلك ما تضمنه أول باب عقده الإمام البخاري في جامعه الصحيح تحت عنوان: “باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم”، واستشهد بقول الله تعالى: “إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيئين من بعده” [النساء: 163]. ثم ساق حديث: “إنما الأعمال بالنيات”، وأردفه بحديث بدء نزول الوحي عليه من سورة العلق وهو في غار حراء، ثم ذكر حديث ابن عباس في قوله تعالى: “لا تحرك به لسانك لتعجل به” [القيامة: 16]. وفسر قوله: “لا تحرك به” قائلاً: “فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه”. ثم أورد البخاري حديث ابن عباس رضي الله عنهما: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة” [صحيح البخاري].
ويهمنا من هذه المقدمة عند الامام البخاري رحمه الله ما جاء في هذا الحديث من قوله “يلقاه بالقران” وقوله “فيدارسه القران”، ففي «يلقاه” و”يدارسه” بيان لمعنى التلقي والمشافهة بالقران، وتكرار القراءة من اجل تثبيت الحفظ. قال الراغب الاصفهاني في مفردات القران: التلقي هو الاستقبال والاخذ، ولقيته بكذا إذا استقبلته به. قال تعالى “ويلقون فيها تحية وسلاما” الفرقان 75. وقال عز وجل “وأنك لتلقى القران من لدن حكيم عليم” النحل 6. وقال الامام الواحدي في “التفسير البسيط” في قوله تعالى “فتلقى ادم من ربه كلمات” البقرة 37, أي اخذها عنه وتلقنها. والرجل يلقى الكلام فيتلقاه أي يلقنه فيلتقنه، ثم صار التلقي بمعنى الأخذ لا أن الانسان انما يستقبل ما يحرص عليه، وهذه المعاني من التلقي والاخذ والاستقبال والقبول والتلقن كلها تعرب عن معنى واحد: وهو الوسيلة الشفوية التي كان يتم بها الاتصال بمصدر الوحي. والمشافهة تتضمن معنى التلقي الا انها أخص منه من جهة الدلالة على كيفية التلقي والاخذ، وفي لسان العرب لابن منظور: شافهه أدنى شفته من شفته فكلمه وقال الجوهري: المشافهة والمخاطبة من فيك الى فيه.
وجاء ذكر القراءة والتلقي بهذا الوصف في عدد من روايات الصحابة الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم بغير وساطة أحد فنصوا على ذلك تنبيها منهم على أنه أعلى مراتب الرواية للقران فروى البخاري عن شقيق ابن سلمة عن ابن مسعود قال: “قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة”, وفي المستدرك ان ابي ابن كعب قال لعمر: “انى تلقيت القران ممن تلقاه من جبريل وهو رطب” ,وفيه ايضا من حديث ابن مسعود قال: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار, فنزلت عليه والمرسلات عرفا ,فأخذتها من فيه وان فاه رطب بها”.
ومن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم والمشافهة بها في مثل هذه الوقائع، وكذلك فيما كان عليه هديه صلى الله عليه وسلم في القراءة في الصلاة تسنى لقراء الصحابة ان يأخذوا عنه القراءة وصفاتها وكيفية أدائها. وقد وصل الينا الكثير من الأحاديث والاثار التي تصف قراءته صلى الله عليه وسلم ومنها في كتاب فضائل القران من صحيح البخاري في “باب مد القراءة” وفيه عن قتاده قال: “سالت انس بن مالك عن قراءه النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان يمد مدا.”
2-الحفظ والعرض بعد التلقي
قد تكفل المولى عز وجل لهذه الامة بحفظ كتابها عليها بلا نقصان ولا تحريف فقال تعالى: “انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون” الحجر9 ,وان مما حفظ به الله القران ان تكفل لنبيه صلى الله عليه وسلم بجمعه له وقراءته وبيانه ,اخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه فانزل الله تعالى : ” لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه وقرانه”. قال جمعه لك في صدرك وتقرأه .”فاذا قراناه فاتبع قرانه” قال فاستمع له وانصت “ثم ان علينا بيانه” ثم ان علينا ان تقرأه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا اتاه جبريل استمع، فاذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه، فبين الله في هذه الآيات لنبيه صلى الله عليه وسلم طريقه تلقي القران وآداب تعلمه: عليه ان يصبر وينصت لقراءة جبريل عليه السلام حتى ينتهي، والمقصود هنا ليس الحفظ فقط بل تلقي القراءة ايضا وتعلم صفتها وهيئة أدائها.
وقد اخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه, ومسلم في كتاب فضائل الصحابة من حديث انس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بن كعب: “اني امرت ان اقرأ عليك, او قال ان الله امرني ان اقرأ عليك (لم يكن الذين كفروا) فقال: أو سماني قال: نعم فبكى” وفي رواية: “ان الله امرني ان اقرأ عليك القران فقرأ عليه” ,وفي كتاب السبعة في القراءات لابي بكر بن مجاهد البغدادي في اسناده لقراءة نافع بن ابي نعيم قال: وقال ابو هريره: “قرأت على أبي بن كعب” وقال أبي: “عرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم القران وقال: امرني جبريل ان اعرض عليك القران” ثم ساقه ابن مجاهد بسنده عن عاصم بن ابي النجود القارئ قال: قلت للطفيل بن ابي بن كعب الى اي معنى ذهب ابوك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له امرت ان اقرا القران عليك ؟ فقال: ليقرا علي فأحذو حذو ألفاظه, قال ابن مجاهد: وقال أيضا محمد ابن اسحاق الصنعاني قال ابو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القران: معنى هذا الحديث عندنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما اراد بذلك العرض على ابي ان يتعلم ابي منه القراءة ويستثبت منها وليكون عرض القران سنة ,بمعنى ان يحذو كل قارئ حذو رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرض على مقرئ او اكثر حتى تستكمل الرواية جانبي الكمال والوفاء وذلك بقراءة المقرئ على القارئ تلقينا له وتعليما, وقراءة القارئ على المقرئ عرضا وتثبتا وتحقيقا وتوثيقا.
3-الحفظ في السطور بعد الحفظ في الصدور
وكما تم حفظ القران بالتلقين في الصدور, فقد تم عن طريق الكتابة حفظه في السطور, وقد تكفل المولى عز وجل لهذه الأمة بحفظ كتابها عليها بلا نقصان كما سبق وأن ذكرنا, فهو محفوظ في السماء وفي الارض على السواء ، محفوظ في الصدور ومحفوظ في السطور, ولهذا يسمى قرانا لجمعه في كليهما ويسمى كتابا لجمعه بخط القلم تنبيها على الصفتين وإظهارا للمزيتين لما هو معلوم مما قيل عن القلم من انه احد اللسانين ,وقال سبحانه في معرض المنة على رسوله صلى الله عليه وسلم : “وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك”العنكبوت48. فذكرت التلاوة التي هي الوسيلة الاولى للجمع والحفظ، وذكر الخط باليمين الذي هو الوسيلة الاخرى، وجمع بينهما في أول ما نزل من القران في أوائل سوره العلق في قوله سبحانه: “اقرا باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرا وربك الاكرم. الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم”العلق1_5, وكذلك تم استقبال الوحي مما كان ينزل بكلتا هاتين الوسيلتين ليتحقق منهما معا ضمان الله الذي لا يخيس بأن يحفظ القرآن غضا طريا كما نزل لا يطوله نسيان، ولا يتطرق إليه زيادة أو نقصان، وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعض من كان حضره من السابقين الاولين وكان عثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب أول الدعوة، وغيرهما ممن كان يكتب له، اذ لم تكن الحاجة اول الأمر الى الكتابة بقدر ما كانت الى التلقي والمشافهة. ثم ظهرت الحاجة الى تأليف ما كان ينزل منجما حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “ضعوا هذه الآية في سورة كذا في الموضع الذي يذكر فيه كذا مسند أحمد. وفي حديث زيد بن ثابت عن المرحلة المدنية قال: ” كنا عند رسول الله نؤلف القران من الرقاع” مسند أحمد – المستدرك للحاكم. وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كتابا للوحي وغيره احصى العلماء منهم ما يربو على الاربعين ,ودلت الاثار العديدة على انهم كانوا يؤمرون بكتابة ما كان ينزل عند نزوله ,وكانوا ايضا يكتبون لأنفسهم منه صحفا للقراءة فيها ولإقراء غيرهم, ويظهر انه عليه السلام قد اذن في وقت مبكر من زمن الدعوة بكتابه الصحابة لما كان ينزل من القران حتى حمله معهم المهاجرون الى الحبشة فقرأوا منه على النجاشي فأسلم ,كما كانت هذه القطع المكتوبة المتفرقة في بيوت الصحابة وسيلة من وسائل تعليم القران الكريم ووسيلة لتعاهده وحفظ الجديد منه, كما سوف تعتمد في الجمع الثاني للقران في صدر خلافة ابي بكر عند كتابة المصحف بعد موقعة اليمامة التي استشهد فيها سبعون أو اكثر من القراء .
4-الإيمان قبل القرآن، ومع العلم العمل
كان الهدف الأسمى من تعليم القرآن في المنهج النبوي الشريف هدفًا واضحًا، وهو بناء شخصية المسلم المؤمن المجاهد. وكان القرآن هو محور العمل اليومي، وما يتجدد منه من الآي والسور هو الذي يرسم منهج الحياة ويحرس القيم الجديدة لدى الأمة من التضييع، ويهدي إلى التي هي أقوم. ومن ثم، فقد كان العلم والإيمان فيه قرينين لا يفترقان؛ فكلما تجدد العلم بنزول الجديد من القرآن، تجدد معه الإيمان فازداد قوة وإشراقًا وعملًا. بل كان ترسيخ الإيمان مقدمًا على تعليم القرآن، ليتذوق القلب حلاوة كتاب الله عز وجل، ويبادر برغبة وصدق إلى تعلمه وحفظ آياته والعمل به.
ودليل ذلك ما رواه ابن ماجه عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا”. وأخرج الإمام أبو بكر البيهقي في سننه من طريق القاسم بن عوف البكري قال: “سمعت عبد الله بن عمر يقول: “لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن. ولقد رأينا اليوم رجالًا يُؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما امره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدقل.”
تلك هي المنظومة التربوية الهادية الأولى التي أثمرت في جيل الصحابة الكرام، فمثّلوا من خلالها طلائع الخيرية لخير أمة أخرجت للناس. وإنما جاء ذلك في ثمرةً للمنهج النبوي الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ والبيان، حيث ربّاهم بالقرآن على الإيمان، وزاوج بينهما عن طريق الأسلوب الذي اتبعه معهم والهدي الذي سار عليه في تعليم آيات القرآن وترسيخ قيم الإيمان. فكان يُلقنهم القدر اليسير من القرآن، ثم لا يجاوزونه حتى يتفقهوا فيه علمًا وحتى يباشروه عملًا. وذلك ما يُستفاد من الأثر الذي أخرجه ابن سعد وابن جرير الطبري وغيرهما من حديث أبي عبد الرحمن السلمي قال: “حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل”. قالوا: “فتعلمنا العلم والعمل جميعًا”. وفي “غاية النهاية” عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “كنا نتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فما نتعلم العشر التي بعدهن حتى نتعلم ما أنزل الله في هذه العشر من العمل.”
5- ومن العمل تعليم القران بعد تعلمه
كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على التعلم والتعليم بإبراز فضائل القرآن، وما أعد الله تعالى من الثواب الجزيل لطالبه وقارئه ومعلمه ومتعلمه. وكتب الحديث وفضائل القرآن حافلة بأحاديثه صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهي بالعشرات. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر القراء من الصحابة بتولي تعليم القرآن بعد الهجرة إلى المدينة جماعات وأفرادًا. وقد عقد العلامة المغربي الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه “التراتيب الإدارية” بابًا في منتهى الأهمية، تتبع فيه أسماء المعلمين من الصحابة للقرآن الكريم. فذكر منهم: عبادة بن الصامت وكان يعلم أهل الصفة القرآن، وأبان بن سعيد بن العاص، وأبا عبيدة بن الجراح، ومصعب بن عمير، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وغيرهم كثير. وممن كثر الآخذون للقرآن عنهم أبو موسى الأشعري، فكان يجلسهم حلقًا، ولذلك قيل عنه إنه أول من أحدث الحلقة للقراءة في المساجد. وأقدم وأضخم محضرة في زمن الصحابة كانت لأبي الدرداء في مسجد دمشق.
قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي الدرداء رضي الله عنه: “قال سويد بن عبد العزيز: كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفًا، ويقف هو في المحراب ويرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك. وكان ابن عامر عريفًا على عشرة”. كذا قال سويد: “فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر”. وعن مسلم بن مشكم قال: “قال لي أبو الدرداء: اعدد من يقرأ عندي القرآن”، فعددتهم الفا وستمائة ونيفا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ، وكان أبو الدرداء قائمًا عليهم، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء رضي الله عنه.
6-تعليم الأطفال القرآن: إعداد الخلف بعد السلف
يبدأ طور تعليم القرآن للناشئة الصغار من تاريخ ما بعد الهجرة النبوية، إلا أنه لم تكن هناك مؤسسات خاصة فيما يبدو إلا في وقت متأخر، وربما ظهرت أوائلها في العهد النبوي. وفي كتاب “زاد المعاد” لابن القيم، قال في حديثه عن بيعة العقبة الأولى: “فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة هو مسجد بني زريق.” وقد أرّخ له العلامة محمد الطاهر بن عاشور في كتابه “في التعليم الإسلامي” بالسنة الثامنة من الهجرة أو بعدها، حيث يقول: “ولما حدث في المدينة بعد فتح مكة صبيان من أولاد المسلمين مثل عبد الله بن عباس، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن الزبير، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلموا.” وقد روي عنه أن “تعليم الصبيان كتاب الله يطفئ غضب الله.” وعن ابن عباس أنه قال: “ختمتُ المحكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم”، يعني المفصل من القرآن.
وقال ابن عاشور بعد هذا في كتابه: “وفي العتبية من سماع عيسى عن سحنون عن ابن القاسم عن مالك مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّر لمن يعلم الهجاء ثمانية دراهم.” وذكر ما زاد على ذلك من سور القرآن، وقال: “وقال غيره عن مالك: إذا انتهى الصغير إلى حد الكتب في اللوح بالقلم وأحسن الكتب، فللمعلم ثمانية دراهم، وكذلك في التلقين بلا لوح.” قلت: قوله “في العتبية عن مالك مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّر لمن يعلم الهجاء ثمانية دراهم” يدل على أن الكتاتيب كانت معروفة في المدينة في العهد النبوي وكانت تتولى تعليم الصغار. ومن تتبع أخبار هذا الطور في كتب التاريخ والسير يقف على شواهد كثيرة على ذلك، وإنما ظهر في عهد الراشدين كان امتدادًا لما بدأ في عهد النبوة.
خاتمة
رحم الله ابن خلدون، فقد فطن إلى أهمية تعليم القرآن للولدان لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن. وتلك لفتة منه إلى عمق المشكلة التي سبق التنبيه عليها، وهي وقوع الانفصام بين الإيمان والقرآن، مما جرّ الأمة إلى الواقع المتردي الذي تعيش فيه، مما يقتضي وجوب العودة إلى المنهج النبوي وأساليبه في التربية والتزكية بالقرآن والإيمان، تلقينًا ومشافهةً، صحبةً لمن صحب من صحب، تسلسلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نتلقى القرآن فنقرأه كما قرأه صلى الله عليه وسلم، ونتلوه تلاوة علمٍ وعملٍ وجهادٍ
قال الله سبحانه وتعالى: “هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين” سورة الجمعة 2