ذلك الكتاب
بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
تعظيم الكتاب:
سورة البقرة سورة مدنية ابتدأها الله تعالى – بعد الحروف المقطعة – بالإشارة إلى الكتاب الذي هو القرآن الكريم. والإشارة البعيدة للكتاب تقتضي عظمة المشار إليه. إنه آخر الكتب السماوية تنزيلا على آخر الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. وهو الفرقان الذي فرق بين مرحلتين: قديمة وجديدة.
المرحلة القديمة
تميزت هذه المرحلة بوجود أهل الكتاب من اليهود والنصارى على رأس المجال الديني رغم ما أصاب كتبهم من التبديل والتغيير والتحريف من جهة، ووجود العرب سكان الجزيرة العربية، الذين لا علاقة لهم بأي كتاب سماوي، والذين سماهم القرآن الكريم بالأميين. وهؤلاء جميعا هم الذين خاطبهم الوحي بقوله تعالى: ﴿… وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾([1]). فتنزّلَ الوحي من السماء على النبي الأمي، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾([2]). وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ … ﴾([3]). نبي أمي وأمة أمية لا يعرفون شيئا عن الكتب السماوية السابقة، فتنزَّل القرآن كتابا سماويا وعلم الله رسوله ما لم يكن يعلم، لقوله تعالى: ﴿… وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾([4]). وشرَّف الله بهذا الكتاب كل من آمن به: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾([5]). وأخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور العلم والإيمان.
المرحلة الجديدة:
فالكتاب الجديد الذي أوحاه الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم جاء وفي طياته الهدى للمتقين جميعا، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾([6]). وهذا المعنى له علاقة بسورة الفاتحة في قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾([7]). فبعد أن علَّمَنا الله تعالى أن نطلب منه الهداية إلى الصراط المستقيم، أخبرنا أن هذا الكتاب هو الهدى. والهداية القرآنية لا ينتفع بها إلا المتقون. والوصول إلى التقوى مرهون بالإيمان. لذلك فالمؤمنون المتقون هم الذين يستفيدون من الهداية القرآنية.
تصنيف موقف الناس تجاه الكتاب
صنف القرآن الكريم موقف الناس تجاه الكتاب إلى أربعة: صنفين من المؤمنين، وصنفين من الكفار: مؤمنين من الأميين ومؤمنين من أهل الكتاب، حيث جاء ذكر المؤمنين مرتين؛ يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾([8]). فالأميون منهم المؤمنون بالغيب؛ “إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث، والتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وجميع ما كانت العرب لا تدين به في جاهليتها”([9]). واليهود والنصارى هم أهل الكتاب، منهم المؤمنون بالكتابين: الأول أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم، والثاني أُنزل قبله من الكتب السماوية السابقة. هذا التقسيم الأولي، الذي سيُعْلَن عن انسجامه في آخر سورة البقرة كوحدة متماسكة ومنسجمة، غير قابلة للفصل في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾([10]). وأما الصنفان من الكافرين فمنهم صنف ثبتوا على الكفر وماتوا عليه، وهم الذين أشار لهم القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾([11]). ومنهم من هم بين الكفر والإيمان وهم المنافقون، والذين قال الله في شأنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾([12]).
خلاصة القول
من خلال ما تقدم من الآيات في بداية سورة البقرة، يتبين لنا أن التركيبة الاجتماعية المدنية بعد الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، تنقسم إلى: مؤمني العرب، ومؤمني أهل الكتاب، والكفار، والمنافقين. وكل هذه التركيبة، تتمحور حول مبدأ واحد، هو موقفهم من كتاب الله المنزل الذي هو كتاب الإسلام، قبولا ورفضا. وهي فئات تتعايش فيما بينها على أساس أنها تنتمي إلى الدولة الإسلامية الجديدة، التي يترأسها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤطرها الوحي المنزل من السماء. إن اختلاف الفئات في الدولة الإسلامية الجديدة المبني على موقف الناس من كتاب الإسلام، والذي يشكل قاعدة أساسية ونموذجية لكل التكوينات البشرية القادمة، في ظل كل دولة إسلامية محتملة أمر حتمي. فإذا كانت سورة البقرة قد ابتدأت بهذه التركيبة البشرية، وهي من أوائل ما نزل بالمدينة، فإن سورة التوبة التي تعتبر من آخر ما نزل بالمدينة أكدت على استمرار هذه التركيبة في الزمان والمكان. ويكون واهماً من يظن أن الدولة الإسلامية دولة مؤمنين خالصين، ليس بينهم مكان لغيرهم من الفئات الأخرى. هذا الاعتقاد الخاطئ، والذي ساد في عصرنا الحاضر، كاد أن يقضي على إمكانية التعايش في ظل التعاليم الإسلامية السمحة بين مكونات المجتمع الإسلامي الواحد، في كثير من الدول الإسلامية. مما حتم علينا أن نراجع عددا من التصورات الدخيلة والرائجة التي عَلِقت بالإسلام، والتي تسببت في الكارثة الإنسانية التي ما زلنا نعيش أطوارها تحت مسميات جديدة، تقوم على الفعل ورد الفعل، وما تخلفه من فساد في الحرث والنسل داخل الدول الإسلامية الحديثة.
([1]) سورة آل عمران، جزء من الآية: 20
([2]) سورة العنكبوت، الآية: 48
([3]) سورة الجمعة، جزء من الآية: 2
([4]) سورة النساء، جزء من الآية: 113
([5]) سورة الأنبياء، الآية: 10
([8]) سورة البقرة، الآيتان: 3-4
([9]) الطبري، محمد بن جرير أبو جعفر، جامع البيان عن تأويل أي القرآن، ط1، تحقيق: د. عبد الله التركي، (دار هجر للطباعة والنشر، 1422هـ/2001م)، 1/243