منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التصوف بمنطقة السماعلة: الحاج بنداود السماعلي نموذجا

د. أحمد الفراك

0

التصوف بمنطقة السماعلة: الحاج بنداود السماعلي نموذجا

د. أحمد الفراك

مقدمة

الحاج بنداود الدِّيكي السماعْلي فقيهٌ وصوفي، له مكانة متميزة عند “أولاد الديك” من قبيلة السماعلة، فهو عالم وزاهد ومصلح اجتماعي اشتُهر برحلاته في طلب العلم وصحبة العلماء والفقهاء والصلحاء، حيث كان كثير التردد على أهل العلم والصلاح بمراكش وغيرها، إلى أن توفي بمراكش ودفن بها، ولا يزال ضريحه محفوظا إلى الآن بمسمى “سيدي بنداود بوجعرة”، إذ اشتُهر عنه علاج وتهدئة الصبيان الصغار الذين يعانون من الجعرة (الصراخ الكثير)، هكذا تقول الرواية الشفوية.

ونظرا لمكانته العلمية والاجتماعية فقد حظي بالتوقير والاحترام من طرف القبيلة التي اتخذت من مدرسته/زاويته مزارا إلى الآن، حيث لا يزال المكان يحمل اسم “المزارة”، وحوله مقبرة لأسرته وبعض أقربائه، كما حظي بالتوقير والاحترام من طرف السُّلطة السياسية التي أصدرت في حقه وفي سلالته ظهائر سلطانية، أحدها للسلطان الحسن الأول واثنان للسلطان المولى عبد العزيز والثالث للسّلطان المولى عبد الحفيظ والرابع للسّلطان المولى يوسف.

وفي جميع هذه الظهائر يتوجه السلاطين إلى “أولاد الديك” عبر ممثلهم الروحي والمجتمعي الحاج بنداود، من أجل العناية بالمدرسة القرآنية والنهوض برسالتها التربوية والعلمية. ويحكى لنا أيضا أنه رافق السلطان عبد الحفيظ في رحلته إلى السراغنة وحضر أحداث تلك الرحلة.

وبحسب ما تورده الروايات الشفوية، لم يكن سيدي الحاج بنداود منزويا في صومعته ومنعزلا عن الخلق، وإنما كان حاضرا في همومهم واهتمامهم، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وكانوا يهرعون إليه في حاجاتهم ويحتكمون إليه في خصوماتهم، ويقْبَلونه حَكَماً بينهم لعدله وإحسانه، إذ كان صوفيا مخالطا للناس قريبا منهم عارفا بأحوالهم. وتلك هي صفات الصوفي القدوة الذي يلتف حوله الناس ويأتمُّون به، إذ “غالبا ما كان الصوفي يُصلح بين الناس بالتوسط بينهم بمكانته وهيبته وإظهار قيمة الصلح والصبر، كما أن الرباطات الصوفية، تجعل من أكبر وظائفها تحقيق التحاب والتصافي بين المريدين، وبينهم وبين الخلق أجمعين، وتُربي فيهم محبة الآخرين وخدمتهم والدعاء لهم وحسن الظن بهم، وكراهية التعصب للقبيلة والعرق والعائلة… ولا يصفو للصوفي سلوكه إلى الله إلا بصفاء القلب من الأكدار، يقول الإمام الجنيد رحمه الله: “الفُتوة كفُّ الأذى، وبذلُ الندى، وألا تُنافر فقيرا، ولا تُعارض غنيا”، فأرباب التصوف عموما لا يُؤْذون أحدا من الناس، بل من الخلق أجمعين، ولا يكتنزون ولا يدخرون الأموال والـمُتع”.

وقد سمعتُ من غير واحد من رجالات “أولاد الديك”، عبارات التوقير والتقدير لهذا الرجل الصوفي الذي عاش مُصلحا وسط الناس بما آتاه الله من هِـمَّةٍ وسمتٍ وحكمةٍ، ولذلك أضحت الدولة أحيانا تُعوِّل عليه في إخماد الفتن ودرء العنف وفض النزاعات، ولعل ذلك ما دعا السلطان إلى تعيين أحد أقربائه قائدا على قبيلة السماعلة، بل مرافقا للسلطان في رحلاته إلى مراكش وفاس. كما وردت أسماء بعض قرابته في ظهائر سلطانية، منهم: الحاج اليعكوبي، والحاج جابر، والفاطمي، والحاج ادريس وزوجته الحاجة دفينة المزارة. ويقال بأنه هو المؤسس الأول لمكان سوق الجمعة قبل إنشائه رسميا سنة 1962م.

هذه الرمزية الروحية والعلمية للحاج بنداود تركت أثرها في أولاد الديك، حيث كثيرا ما يتمثل الناس حِكَمه وأقواله، ويذكرون مناقبه وأفعاله، ومنها اهتمامه بالقرآن الكريم وبالذكر والإنفاق والصلح بين الناس وحفظ الأمن والإحسان إلى الجيران والمساكين واليتامى، وإطعام الطعام وصلة الأرحام والكسب الحلال، كما كان يحث –على غرار باقي صوفية المنطقة- على شق السواقي وحفر الآبار وغرس الأشجار وإصلاح الطرقات. وكانت له وجاهة خاصة ومكانة مميزة عند سلاطين المغرب الذين عاصرهم، بدءا من الحسن الأول إلى المولى يوسف مرورا بالمولى عبد العزيز والمولى عبد الحفيظ رحمهم الله جميعا، ولعل هذا ما تؤكده الظهائر السلطانية الآتية:

 صور لظهائر سلطانية موجهة إلى سيدي الحاج بنداود السماعلي

  • ظهير سلطاني للمولى الحسن الأول (0921هـ-1131هـ) يحث فيه الحاج بنداود السماعلي على عمارة زاوية السبيت

“الحمد لله وحده                                      وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله

اذنا بحوْل من لم يزل يجتبيه من يشاء من عباده إلى شريف حضرته ويمنحهم جلائل نعمه وعرفانه بمحض فضله ومنته لحامله المتمسك بالله ثم به المنسوب الحاج بنداود السماعلي فيما حركته إليه الواردات الإلهية والبواعث الربانية من جعل زاوية بالمحل المعروف بالسبيت من قبيلة السماعلة بقصد التعبد فيها، وعمارتها بالأذكار وتلاوة القرآن وغير ذلك من أنواع القربات والطاعات إذنا تاما شاملا عاما حسب الواقف عليه من خدامنا وولاة أمرنا الشريفة أن يعلمه ويعمل به وما يحيد عن كريم منته صدر به أمرنا المعتز بالله. في 3 ربيع النبوي عام 1310هـ.”

  • ظهير سلطاني للمولى عبد العزيز ( 1311هـ – 1326ه) يشير إلى المسجد المشيد الذي أصبح زاوية لتعليم القرآن بالسماعلة بأولاد الديك.

“الحمد لله وحده                            وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه

خدامنا الأرضين أولاد ديك من السماعلة وفقكم الله وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد بلغ علمنا الشريف أن المسجد الذي كنتم أستأذنتم سيدنا الوالد المقدس بالله في بنائه ببلادكم وأذن لكم فيه وشرعتم في بنائه ثم لم تكلموه وتركتموه مأوى لما لا يليق. وعليه فنأمركم أن تقوموا على ساق في تكميله بالبناء والسقف وتعمروه بصلوات الخمس وقراءة القرآن العظيم وذكر الله تعالى ولا بد والسلام. في 19 النبوي عام 1314هـ”

  • ظهير سلطاني للمولى عبد العزيز (1311هـ – 1326هـ) يخص بالرعاية والتوقير الحاج بنداود السماعلي وأولاده.

” الحمد لله وحده                    وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه

يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره أننا بحول الله وقوته وشامل يمنه ومنته أسدلنا على ماسكيه الحاج بنداود السماعلي وأولاد الحاج اليعكوبي والحاج جابر والفاطمي والحاج ادريس أردية التوقير والاحترام والرعي الجميل المستدام، فلا سبيل لهم يرومهم بسوء أو يلحقهم بمكروه، فنأمر الواقف عليه من خدامنا وولاة أمرنا أن يعلمه ويعمل بمقتضاه والسلام. في 19 ربيع النبوي عام 1314هـ.”

  • ظهير سلطاني للمولى عبد الحفيظ (1329هـ – 1371هـ) يخص الحاج بنداود السماعلي بالدعم والتأييد لعمارة زاوية السبيت بالسماعلة.

الحمد لله وحده                   وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله

جددنا بحول من لم يزل يجتبيه من يشاء من عباده إلى شريف حضرته ويمنحهم جلائل نعمه وعرفانه بمحض فضله ومنته ما يمد حامله المتمسك بالله ثم به المنسوب الحاج بنداود السماعلي من ظهير سيدنا الوالد المقدس فيما حركته إليه الواردات الإلهية والبواعث الربانية من جعل زاوية بالمحل المعروف بالسبيت من قبيلة السماعلة بقصد التعبد فيها وعمارتها بالأذكار وتلاوة القرآن وغير ذلك من انواع القربات والطاعات تجديدا تاما حسب الواقف عليه من خدامنا وولاة أمرنا أن يعمله ويعمل بمقتضاه. والسلام. في فاتح ربيع الثاني عام 1326هـ”.

  • ظهير سلطاني للمولى يوسف (1331هـ/ 1346ه) يأمر القائد عبدالقادر بحضور بمراسيم العيد بفاس رفقة بعض أقاربه كالحاج بنداوود السماعلي.

“الحمد لله وحده                 وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله

خادمنا الأرضى القايد عبد القادر بن الحاج المعطي السماعلي وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله. وبعد فقد اقتضى نظرنا الكريم النهوض بموكبنا الشريف إلى عاصمة فاس بقصد تفقد الأحوال والوقوف على نتائج الأعمال ونأمرك أن تقدم على بركة الله لشريف أعتابنا في أوائل ذي القعدة الآتي مصحوبا بعدد فرسان إخوانك على حسب ديوانكم القديم بخيل حسنة وهيئة مستحسنة لمصاحبة ركابنا الشريف إلى فاس بعد حضوركم حفلة العيد الكبير به ترجعون إن شاء الله سالمين وبصالح أدعينا الشريفة فائزين وقد صدرت الأوامر الرسمية لحاكم ناحيتكم في الموضوع بما ستعلمه، أصلحكم الله وأعانكم والسلام في 06 شوال الأبرك عام 1334هـ.”.

وفي الختام، نؤكد بأن المعلومات عن سيدي الحاج بنداود شحيحة، تغلب عليها الرواية الشفوية، كما نفترض أن زاوية السبت التي تتحدث عنها الظهائر الملكية هي زاوية سيدي امحمد لبصير القرآنية. والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.