منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تصحيح الانطلاقة لأولياء التلاميذ حول دراسة أبنائهم(خطبة)

تصحيح الانطلاقة لأولياء التلاميذ حول دراسة أبنائهم(خطبة)/ للأستاذ بن سالم باهشام

0

تصحيح الانطلاقة لأولياء التلاميذ حول دراسة أبنائهم(خطبة)

للأستاذ بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية

عباد الله، كل الآباء والأمهات يبذلون جهدا جهيدا، حول دراسة أبنائهم، ويأملون أن يتبوءوا مناصب عليا، إلا أن انطلاقتهم في هذه الأماني قد تكون غير صحيحة، وبالتالي تكون النتيجة غير متوقعة وغير مرضية، بحيث أننا قد نحصل على أطر عليا في مجالات متعددة، إلا أنهم لا يكونون صالحين مع أنفسهم وأسرهم وبلدهم، لهذا يجب علينا تصحيح الانطلاقة،لنكون مطمئنين إلى النتيجة المرجوة إن شاء الله تعالى، وأول ما نحلله، هو الغرض من طلب أبنائنا للعلم، وهذا يتطلب منا وضع هذا السؤال لتصحيح الانطلاقة، لماذا يطلب أبناؤنا العلم؟

أغلب الآباء وأبنائهم يجيبون، بأنهم يطلبون العلم لأجل الحصول على وظيفة محترمة؛ تمكن كل واحد منهم من العيش الكريم، بعد الزواج والإنجاب وشراء منزل وسيارة، وبناء على هذه النية، تجد كل طالب يحدد الشعبة التي سيختار لتحقيق آماله وأمنياته، وليس التخصص الذي يحتاجه أبناء البلد، فمن كانت هذه هي نيته، وهذا هو هدفه الأسمى، فسيكون ما يتلقاه من علم، يسمى على حسب تعبير الدكتور الطبيب، والمفكر المغربي “ابن اعبود”، رحمه الله، “بالثقافة الخبزية”، وسيعيش عيشة البهائم التي لا تزيد على شهوتي البطن والفرج، وهذا الصنف مهما اعتلى من مناصب، وترقى في الدرجات الإدارية، وجمع من أموال، وتقلب في ملذات الدنيا، فلن يجد طعما للحياة، كما لا يجد سعادة، وما سيعيشه مجرد لذات عابرة، ومتع زائلة، وسعادة وهمية، وسليتحق بالغربيين الذين حازوا على جل متع الدنيا، ورغم ذلك تجدهم يتسابقون إلى شرب الخمر، والتعاطي لأنواع المخدرات، ويختم أغلبهم حياته بعمليات الانتحار، لما يعيشونه من ضنك في الحياة نتيجة الفراغ الروحي، والبعد عن الله عز وجل، قال تعالى في سورة محمد:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. [سورة محمد، الآية 12].ويقول سبحانه في سورة طه: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. [سورة طه، الآية 124]. وأنتم بصفتكم أولياء، يجب أن تفهموا لماذا يطلب أبناؤكم العلم، لترسخوا ذلك في أذهانهم؟

عباد الله، إن الغاية المهمة؛ التي يجب أن ينشدها الإنسان ذكرا كان أو أنثى من كل عمل صالح هي: أن يحظى برضى خالقه سبحانه وتعالى، لأن الرزق والأجل اللذان يخاف عليهما الناس، قد تكفل الله بهما، فالرزق مضمون، والأجل محدود، فما علينا نحن إلا أن نأخذ بالأسباب الحلال، وَفقا لتعاليم الإسلام، ولا نقلق على رزقنا ولا نستعجل، ولا نخاف على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا، قال تعالى في أول سورة الذاريات: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾.[سورة الذاريات، الآيتان 22- 23.]، وقال سبحانه في آخر السورة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، [سورة الذاريات، الآيات 56 – 58].

و روى هناد بن السري الكوفي في كتابه الزهد، بسند صحيح، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أَيُّهَا النَّاسُ، لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ، إِلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي، – أي أُوحِيَ إِلَيَّ – أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلا بِطَاعَتِهِ).

عباد الله، هذه هي الغاية المهمة، وهذا هو المطلب الكبير الذي يجب أن ينشده كل مسلم ومسلمة عموما، وكل طالب وطالبة خصوصا؛ لأن تحت هذا، الخيرُ كله، في الدنيا وفي الآخرة، فإذا حصل الطالب على رضوان الله في الدنيا، فإن الله سبحانه وتعالى سيرعاه، وسيحوطه بعنايته، وسيوفقه في حياته كلها، وسيدافع عنه، وسيرشده، وسيُسيِّر الخير للناس على يديه. ومن يحظى برضوان الله سبحانه وتعالى، فسيعيش سعيدا، ويموت سعيداً، ويُبعث سعيداً آمنا يوم القيامة، وسيحاسب حساباً يسيراً، ويأمن في الوقت الذي يخاف فيه غيره من البشر خوفا شديداً، لأنه يكون من أولياء الله، وأولياء الله هم الذين قال الله عز وجل عنهم في سورة يونس: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، [سورة يونس، الآيات 62 – 64.] فيدخل الجنة في رضوان الله، ويحظى في ذلك المقام الرفيع والنعيم العظيم بالنعمة الكبرى التي هي رضوان الله.

يقول الله عز وجل لأهل الجنة في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا).[أخرجه البخاري في الصحيح (4/1671 ، رقم 4305)، عن محمد بن عبد العزيز، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، وأخرجه مسلم، عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة هكذا.(1/167، رقم 183)].

عباد الله، إن رضوان الله هو المطلب المهم، فكيف يمكن أن نحصل على رضوان الله من خلال عملنا، وعمل أبنائنا؟ نحصل على رضوان الله عندما نكون متأكدين أن العمل الذي نسير فيه، وأن العلم الذي نطلبه، هو فعلاً المنهج الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لعباده في القرآن والسنة، والذي قال عنه سبحانه في سورة الأنعام في شأن منهج الله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. [سورة الأنعام، الآية 153]، وقال سبحانه في سورة الإسراء في شأن القرآن كلام الله: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾، ويقول عز وجل في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم مرشد هذه الأمة في سورة الشورى:﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. [سورة الشورى، الآيتان 52-53.].

عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه الكريم في أكثر من آية: الربط بين رضوانه سبحانه، وبين العمل الصالح، وبين رضوانه وبين الإيمان والعمل الصالح. فلا يحصل الإنسان على رضوان الله بمجرد أنه قد تعلم وأصبح عالما في مجال من المجالات المتنوعة، ف:

لا تحسبن العلم ينفع وحده…….. ما لم يتوج صـــــاحبه بخـــلاق

فإذا رزقت خليقة محمودة……… فقد اصطفاك مقــسم الأرزاق

العلم كالغيث والأخلاق تربته…… إن تفسد الأرض تذهب نعمة المطر

إبليس أعلم أهل الأرض قاطبة……. والناس تلعنه في البدو والحضر

بل ربما يكون الشخص قد تعلم علما صالحا، إلا أنه يقصّر في عمله، ويتهاون، ويهمل واجباته، ويقعد عن أداء مهامه، ويكون بالتالي عرضة لسخط الله، أكبر من حالته لو كان جاهلاً.

عباد الله، إن العمل هو محط رضوان الله سبحانه وتعالى، وبالعمل وعلى وَفقه ارتبط الجزاء في الدنيا والآخرة، قال تعالى في سورة التوبة: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. [سورة التوبة، الآية 105]،

عباد الله، إذا كنا نريد من طلب العلم هو: أن نحظى برضوان الله سبحانه وتعالى، فمعنى ذلك أن نتجه أولاً إلى معرفة الله بشكل كافي، وبصحبة العارفين بالله، ليدلونا على الله،لأن معرفتنا بالله سبحانه وتعالى إما أن تكون قاصرة جداً، أو قليلة، بل وفي كثير من الحالات، أو في كثير من الأشياء مغلوطة أيضا، وليس فقط مجرد جهل، بل معرفة مغلوطة، لهذا لابد أن نتعرف على الله، ثم نتعرف على أنفسنا أيضاً في ما هي علاقتنا بالله سبحانه وتعالى، ونرسخ في أنفسنا وفي أبنائنا، الشعور بأننا عباد لله، نعبِّد أنفسنا لله بإرادة متحررة، ودون إكراه من أحد، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ،*اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، [سورة البقرة، الآيتان 256 – 257.].

عباد الله، يجب أن نعرف أننا نقرأ ونتعلم ونعلم أبناءنا لنعرف الله الذي خلقنا، وجعلنا خلفاء له في الأرض لنعمرها، ولنعبده حق العبادة، لكي يرضى عنا، وبعدها نطلب العلم في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات، وبعدها يتجه كل واحد منا إلى ما يلائمه من علوم دينية أو كونية تخدم المجتمع، وبهذا نكون قد كوّنا أطرا صالحة في نفسها، ومع أسرها وأبناء مجتمعها، مصلحة لبلدها، راض عنها ربها في دار الدنيا والآخرة ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ [الغاشية: 9]، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.