منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سجدة الرياضة وسجدة السياسة

عز الدين صمبة

0

سجدة الرياضة وسجدة السياسة

عز الدين صمبة

من أجمل صور مونديال قطر التي ستظل محفورة في وجدان المغاربة، مشهد اللاعبين وهم يسجدون شكرا لله بعد كل هدف وبعد كل تأهل. لم يكن ذلك مجرد فعل عابر على بساط ملعب، بل كان رسالة هوية واعتزاز، رآها العالم صورة للإيمان الذي لا يفارقنا حتى في لحظة فرح كروي. كان السجود يوحّد الملايين خلف المنتخب، ويصنع لحظة وطنية نادرة جعلت الجميع يتحدث بلغة واحدة، لغة الفرح والفخر والانتماء. لقد صار المشهد أيقونة للذاكرة الجماعية، تداوله الإعلام العالمي باندهاش وإعجاب، لكنه عند المغاربة كان شيئا أعمق، كان لحظة صدق مع الله قبل أن تكون مع الكرة.

غير أن هذا الفرح العارم يثير سؤالا صادقا: ألا يحق لنا أن نرى هذا الفرح في باقي الميادين؟ لماذا تحاصر مشاعرنا بين مدرج وملعب، بينما الوطن يملك ميادين أعظم بكثير تستحق سجدة أطول وأصدق؟ إن الرياضة جميلة ومبهجة، لكنها تبقى مجالا محدودا. أما السياسة، والتعليم، والصحة، والخدمات، فهي ميادين تصنع حياة الناس اليومية، وتحدد مصير الأجيال.

سجدة السياسة

سجدة السياسة ليست سجدة لاعب يحتفل بهدف، بل سجدة رجل دولة يحقق إنجازا يحفظ للوطن كرامته. إنها لحظة يلتقي فيها القرار بالشجاعة، والمسؤولية بالإخلاص، والواقع بالمبدأ. حين يخرج المغرب منتصرا في معركة دبلوماسية، أو يدافع عن وحدته الترابية أمام العالم، أليس ذلك أعظم من أي فوز رياضي؟ حين تحترم كرامة المواطن وتصان حقوقه في أروقة السياسة، يصبح السجود شكرا لله واجبا، لأنه سجود لمكسب يمس حاضر الأمة ومستقبلها.

وإذا كان الملايين قد تابعوا المنتخب دقيقة بدقيقة، أفلا يحق لهم أن يتابعوا بالروح نفسها إنجازات السياسة التي تفتح الأفق للبلاد؟ إن سجدة السياسة ليست مشهدا يذاع على الشاشات، بل شعور داخلي يعيشه كل مواطن حين يرى وطنه شامخا بين الأمم، لا يخضع إلا لله، ولا يساوم على كرامته.

سجدة الصحة والتعليم

لقد خرج الشباب في شوارع المغرب يطالبون بالصحة والتعليم والكرامة، لا لأنهم يريدون مواجهة الدولة، بل لأنهم يطالبون بحقهم في فرحة أوسع من فرحة الملاعب. إن نجاح مستشفى جديد في خدمة المرضى، أو جامعة في تخريج كفاءات ترفع اسم المغرب عالميا، هو انتصار لا يقل قيمة عن انتصار رياضي. سجدة الطبيب بعد عملية جراحية ناجحة، وسجدة المعلم حين يرى تلميذه يحقق أحلامه، هما مشهدان أحق بالتداول والتفاخر من أي لقطة تلفزيونية في مباراة.

الصحة والتعليم هما عماد الأمم، ومنتخبهما الحقيقي هو الطاقم الطبي والمعلمون والباحثون. وإذا كان اللاعب يركض تسعين دقيقة، فإن الطبيب يسهر ليالي طويلة لينقذ مريضا، والمعلم يبذل عمرا كاملا ليُخرج أجيالا صالحة. أليس هؤلاء أحق بأن نسجد معهم شكرا لله؟

سجدة الخدمات الاجتماعية

الخدمات الاجتماعية هي الامتحان العملي لأي دولة. حين تُبنى مدارس في القرى البعيدة، أو يُشق طريق يربط العزلة بالعالم، أو يُفتتح مستشفى ينقذ الأرواح، فذلك نصر حقيقي يغيّر حياة الناس. سجدة المهندس وهو يرى مشروعا ضخما يكتمل، وسجدة الممرضة حين تنقذ طفلا، وسجدة المزارع حين تثمر أرضه بعد جهد وصبر، كلها لحظات تستحق الاحتفاء.

لكن للأسف، هذه السجدات الصامتة لا تجد من يرويها ولا من يملأ بها الشاشات، مع أنها السجدات التي تبني أوطانا قوية وتُخرج شعوبا متماسكة. تخيّل لو أنّ المغاربة تحدثوا عن نجاح مشروع اجتماعي بنفس الحماس الذي يتحدثون به عن هدف كروي! عندها كان النقاش الوطني سيأخذ منحى جديدا، وسيصبح الفرح عادة يومية لا حدثا موسميا.

اكتمال الفرحة

الفرحة بالمنتخب المغربي في قطر كانت عظيمة وجامعة، لكنها تبقى فرحة جزئية. اكتمالها يكون حين نرى السجود نفسه يتكرر في كل ميادين الحياة. أن نسجد لله شكرا عند كل انتصار سياسي يرفع راية الوطن، وعند كل إنجاز طبي ينقذ حياة، وعند كل إصلاح اجتماعي يُحسّن معيشة الناس. عندها سيصبح الوطن بأكمله ملعبا للإنجازات، لا ملعبا لكرة القدم فقط.

تخيل لو أنّ المغاربة يتحدثون ليلا ونهارا عن إنجازات الصحة والتعليم بنفس الشغف الذي تحدثوا به عن المنتخب في قطر! سيتحوّل الحماس الجماهيري إلى طاقة بناء، وسيتحول النقاش العمومي إلى مدرسة وعي، وسيصير الوطن هو الفائز الأكبر.

ختاما، لقد سجد المنتخب المغربي في قطر فسجدت قلوبنا معهم، وكانت تلك اللحظات من أجمل ما جمعنا في العقود الأخيرة. لكن الحقيقة أن الوطن بحاجة إلى سجدة أكبر، سجدة تُرفع في وجه الفقر، في وجه الجهل، في وجه المرض، في وجه الظلم. الوطن بحاجة إلى سجدات لا تقتصر على تسعين دقيقة، بل تملأ السنوات بالعمل والعدل والكرامة.

إن السجود الحقيقي هو الذي يترجم شكرا لله على كل نعمة تُحقّق عزّة للمغاربة جميعا: من ميادين السياسة إلى غرفة العمليات، من مدرج الجامعة إلى ورشة البناء. وحين يصبح السجود ثقافة يومية عند كل إنجاز وطني، ستكتمل فرحتنا حقا، ولن نفرّق بعد ذلك بين ملعب لكرة القدم وملعب للحياة.

هناك فقط يصبح المغرب في الطليعة، لا بالكرة وحدها، بل بالصحة والتعليم والعدل والحرية. وهناك فقط ستصبح السجدة رمزا لوطن ينهض، لا لمنتخب ينتصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.