وَمــــــــَا تُنْـفِــقُواْ مِـــــــنْ خَــيْرٍ يُـــــوَفَّ إِلَيْــــــكُمْ
في التدبر الاجتماعي لآيات الإنفاق من خلال أواخر سورة البقرة
مقدمة:
تفرض التحولات التي تشهدها الأمة استحضار الأبعاد الاجتماعية للإنفاق؛ بغية تعزيز التحام الطبقات الاجتماعية والمجالية، وتأمين السير العادي للعيش لما بعد الانتفاضات الاجتماعية، والهزات المالية، والتقلبات الاقتصادية. فمجتمعات ما بعد الربيع العربي تحتاج إلى ضخ أنزيم المال في مفاصل المجتمع لتقوية القواعد، وتليين مفاصل الإصلاح، وإمهال القيادات الجديدة لربح الوقت أمام المتطلبات الاجتماعية الآنية، والسير نحو أهداف تأمين المستقبل.
لا شك أن دواعي الأزمة المالية العالمية تفرض بدورها الإنفاق الداخلي، وتستدعي التكافل المحلي، لتجاوز الآثار الدولية. فكما أبدع ثوار الأمس في تشكيل اللجان الشعبية لحماية المنازل والمنشآت من خصوم الثورات، تحتاج الأمة اليوم إلى لجان المؤازرة الاجتماعية، وتنظيم حملات الاكتتاب لتسديد الدين العمومي، والتحرر من ثقل قيد المديونية، وتفادي سن المزيد من الضرائب والإتاوات… تجنبا لتأثيراتها الاجتماعية؛ اذ يجب ـ كما يقول ابن خلدون في المقدمة ـ تدبر جلب الاستثمار بدل تدبير جباية الضريبة.
افتتح وختم المولى تبارك وتعالى سورة البقرة (الزهراء الأولى) ـ بعد طول الوعظ الشامل المتشعب في الحياة الاجتماعية عامة ـ بإرشاد الخليقة جمعاء إلى التي هي أقوم في التدبير المالي خدمة لأغراض اجتماعية خاصة كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ ) (البقرة، الآية: 254). وفي خطاب جاء غالبه بصيغة الجمع، إشارة إلى عمق ارتباط تحقيق ما يدعو إليه الشرع الحنيف بالتعامل الجماعي الأفضل مع الثروة.
نظرا لحيوية المال، لم يدع القرآن الكريم الفرد المسلم إلى تكريس حياته كلها في السعي لكسبه؛ ذلك أن محبة جلب المال مما جبل البشر على الكدح المتواصل في سبيله. ولأن الادخار سلوك اجتماعي، لا يحتاج الإنسان إلى التواصي به، فإن القرآن الكريم لم يحث على اكتناز الأموال.
لقد ذكرت الآيات الثلاثون ـ من خواتم سورة البقرة ـ الإنفاق بمعدل إشارة في الآيتين. ويدل هذا التكثيف اللفظي، وتنوع أوجه الصرف على محورية الإنفاق في دورة العبادات المالية. ويحمل ذلك في طياته بلاغة تربية المجتمع على ترشيد إتيان الصدقات؛ لاعتبارها من أفضل فروع الإنفاق المطلوب.
عموما، تتضح حيوية تدبر الزاوية الاجتماعية لآيات الإنفاق من تعدد صيغ الدعوة إلى تصريف المال، وتربية النفس المؤمنة على عدم التمركز حوله؛ إذ يتخذ الخطاب ثلاث صيغ كبرى، كافية للإقناع، وكفيلة بحمل المؤمنين على إشاعة خلق الإنفاق:
ـ فتارة يأتي خطاب الإنفاق بصيغة الأمر والوجوب،
ـ وغالبا بنغمات التحبيب ومدح المتصدقين،
ـ ومعظمه نبرات تنكر بخل الممسكين.
يبني خطاب بذل المال في سبيل الله تعالى الصورة الشمولية حول النفقة بثلاث توجيهات ربانية كبرى؛ يتضمن كل توجيه ثلاث آليات تنفيذية، تعين العباد الصالحين على الدخول في صف المنفقين والمنفقات، يرجون من الله فضلا كثيرا.
التوجيه الأول: الأمر بالإنفاق الاجتماعي
قصد توسيع دائرة الانخراط، اتخذت صيغ الأمر بالنفقة الاجتماعية ثلاث آليات ضابطة؛ فحاجات فقراء الأمة عديدة، وتنفيذ أمور الدولة في الدعوة إلى الله تعالى بغرض مواجهة الآفات الاجتماعية متنوعة، لا تتحمل التراخي والتباطؤ، وإنما تستوجب المسارعة. ولأننا لا نضمن طول العمر والبقاء لنؤجل بذل المال، ولا حرية تتيح لنا الأريحية في اختيار وقت الفريضة، فإن المتطلبات المستجدة والمتجددة تقتضي التعجيل بالأفضل من النفقة لسد الحاجيات.
نظرا لما رصد للمنفقين من موفور الثواب، دعت الآلية الثانية إلى تحري الأطيب، وإخراج الصدقات مما تحب الأنفس. فلتحسين أجواء الصدقات، وحماية ثمرات التضامن الاجتماعي، يختتم الرزاق التوجيه الأول بالتحذير من إتْباع فضيلة التصدق برذيلة المَن، ويدعو إلى استبعاد ما يرافقه من الأذى الاجتماعي، يمس المعطي والقابض معا، كما يمتد تأثيره إلى غير المعطي وغير القابض، على اعتبار أن الفرد في المجتمع المسلم لا يخرج عن إحدى الوضعيات الأربع.
الآلية الأولى: الأمر بتعجيل نفقات المؤمنين:
نظرا لسرعة تفاقم الخصاصة الاجتماعية، وتوالي الطوارئ، جاءت صيغة الأمر بتعجيل النفقة في سياق آيات كريمات يأمر الخالق عباده الصالحين من خلالها بالإنفاق:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة، الآية: 254).
فالمتدبر للآية الساطعة ستشده دلالات الحاجة إلى المسارعة في الإنفاق، الذي لا يدوم إلا مدة قصيرة من عمر الفرد المسلم. فحتما ستنقضي إمكانيات الملاك بعد أن كانت متاحة في التصرف بمجرد الممات. غير أن أساس الإنفاق يقدم بشرط أن يبذل المستفيد جهدا، يساهم في الإنتاج والتنمية، تعود عليه قبل غيره. ففي تعجيل الخير قال التابعي سلمة بن دينار المدني، الشهير بأبي حازم الأعرج: “مـــا أحببــــت أن يـــــكون معـــك فــي الآخـــرة فقـــدمه اليـــوم، ومــــا كرهـــت أن يكـــون مــــعك فـــي الآخـــرة فاتـركه اليـــــوم”.
مراعاة لهشاشة النفس البشرية، وتميزها برهافة اجتماعية، سلك الأمر بالإنفاق مدخل ترغيب، انطلق بعبارة تحتوي مدحا وتشريفا، يرفع معنويات المنفقين؛ فقد جاء في الذكر الحكم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ) (البقرة، الآية: 254). ولعله يوجه جميع المؤمنين ـ دون استثناءـ إلى إرفاق صفة الإيمان بصفة الإنفاق، تجميلا لها بخلق الإحساس بالآخرين، والانغماس في هموم الناس.
يجدد هذا التذكير ما جاء في أول سورة البقرة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة، الآية: 1ـ2)، كما ينبه ـ بإلحاح ـ إلى التحقق من مستوى حظ المؤمنين من تطبيقه. وفي ذلك دعوة إلى التزام الإنفاق الاجتماعي، والاجتهاد في تنزيله أكثر فأكثر.
ذيل الأول سبحانه السورة برزمة تذكيرية من الصفات التي ارتضاها للمؤمنين تعظيما لهم، وأمهل دعوتهم إلى التطبيق العملي للكتاب، الذي يهتدي به المتقون، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون. وفي المقابل شنع جل وعلا اتساع المفارقة بين الاكتفاء بتلفظهم بالصفات كاملة، لكن دون أن يجد الشق الاجتماعي منها طريقه إلى التنزيل.
وكأن طول العهد بين أول ذكر للإنفاق وآخره ـ في أطول سورة ـ قد يثمر غفلة ونسيانا، يحتاج إلى وصل مستمر لأول ذكر للإنفاق بآخره، وتعهد المؤمن وتجديد معاني الإنفاق وتذكيره بها حتى لا تخبو، ويعاني التباعد بين الإيمان الجاف، والأخلاق الاجتماعية الطرية التطبيقية كالإنفاق. وهنا يؤطر الفرد المسلم بسورة ذات مطلع، يثبت له صفة المنفق الفخرية التشريفية، وخاتمة تذكيرية، تكثف تجديد دعواته إلى التحلي بخلق الإنفاق العملي الاجتماعي الموسع.
إثارة للشق الثاني أو لأقلية من الخليقة المؤمنين، قد لا يتعمق فيها أثر الترغيب، أو يتراخى أفرادها في الانصياع… أردف المولى تبارك وتعالى ترغيبه اللطيف بعبارات ترهيبه اللطيم للممانعين في قوله البليغ: (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة، الآية: 254).
وكما هو معتاد، جاءت عبارات ترهيب المجتمع من التهاون في فريضة الإنفاق قاسية وشديدة على مستويات الحقل اللفظي؛ فالأمة مهددة بالخسران والضياع، يلحق الأغنياء حين تتوقف إمكانيات التصرف في الكسب بعد الممات لقوله عز وجل: (يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة، الآية: 254).
إن فرصة الإنفاق على المجتمع محدودة في الدنيا، من وجهين:
ـ يتمثل الأول في كون التصرف في المكتسب على هذا البعد محصور في الدنيا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ)(البقرة، الآية: 254)؛ أي من قبل أن يحين موعد مماتكم المفني، وتتركون المال خلفكم.
ـ فيما يتمثل الثاني في إمكانية انعدام فرصة إنفاقه في الدنيا، حينما يَعدِم المؤمنون الأغنياء، ولا يجدي أن تتوفر لديهم رغبة الإنفاق.
تتعاضد السنة والقرآن الكريمين في الدعوة إلى تعجيل النفقات؛ فعن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه أَن النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: « مَا مِنْ يوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ ملَكَانِ يَنْزلانِ، فَيقولُ أَحدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلفاً، ويَقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً » متفقٌ عليه. ويفيد النزول اليومي لملكين كريمين، ـ يتخصص كل منهما في دعاء ما ذهبت إليه الآيات ـ أهمية شأن تعجيل سد حاجيات الفقراء اليومية، وضرورة التتبع المسترسل لمعاناة المجتمع، وتحيين رصد اتجاهات تطورها.
تحتاج الآية الكريمة إلى مزيد تدبر لأوجه البذل، فمعلوم أن الإنفاق والتصدق يفضل ـ كما جاء في متون الأحاديث الشريفة والآيات الكريمات ـ إن وجه إلى الأقرب فالأقرب. ويُسدى للأحوج فالمحتاج، ويخصص للمجال الأهم فالمهم.
لذا لم تغفل الآيات الموالية الإشارة إلى المتعففين، باعتبارهم فئة اجتماعية حساسة مستحقة غامضة الحاجات والمشاكل والقضايا… تهدد المجتمع حين الانفجار الفجائي لورمها، يُصَرف في صمت دفين بمظاهر انحرافية كالمخدرات والدعارة والأزمات النفسية والحركية والذهنية…
استباقا لما يمكن أن يقع، تم التحذير الرباني للمتصدقين عامة، والمبتدئين في الإنفاق خاصة، ومصالح الرعاية الاجتماعية العمومية والمدنية خصوصا من خطورة الانشغال عن واقع فئة “التعفف الاجتماعي” بفئة “التسول الاجتماعي” دون التدخل لحماية أخلاقيات العلاقات بين الطبقات الاجتماعية. تؤثر فئة التسول بإلحاحها واستعمال وسائل وأدوات موسيقية وحركات وكلمات ووسائط وأساليب مؤثرة. بل واستئجار أطفال وعجزة وذوي العاهات للتأثير على الناس، وأحيانا تختلق قضايا وسيناريوهات ذات إخراج محبوك.
تفاديا لما يمكن أن يقع من التباس بين الفقراء المتعففين وغيرهم من محترفي التسول، نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه: « ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس » [متفق عليه].
في الحديث الشريف بيان لقضيتين كبيرتين. فالمتسول لا يهمه الإنتاج، ولا يهمه المجتمع ككل، وإنما تكفيه لقمة تطفئ جوع بطنه. أما المتعففون الفئة العريضة من المجتمع فلا تهتم باللقمة، ومشكلتها غير محدودة في الحاجة الضرورية (الأكل)، وإنما خصاصتها محدد في الحاجات الأساسية ( السكن والتعليم والتطبيب والشغل…) إنها حاجات واسعة وكبيرة كبر الفئة.
لذا لا يذم التوجيه النبوي محدودية أفق المتسول العلني، ولا يمدح الفقير المتعفف، وإنما يعيب على المجتمع ضيق نظرته إلى ظاهرة الفقر، فاهتم بقشور المشكل ليعالج بشكل عشوائي الأزمات الفردية، ولم تنفذ نظرة مؤسساته إلى العمق، ولم تستطع الإحاطة بالأزمة الاجتماعية. فالتسول الفردي في الحقيقة هو أفق كل المجتمع المتعفف إذا لم ينتبه المجتمع إلى الطابع الشمولي والمستديم إلى الإشكالية، فييأس الأفراد من تلبية خدماتهم الصحية والتعليمية… وتتفاقم أوضاعهم إلى الحاجات الضرورية.
تبعا لهذه التوجيهات، سيشعر من رزقه المولى تبارك وتعالى مالا بدافعية شديدة، تشحنه ليسارع، وينفق منه، ولا يجنح إلى الاكتناز، سواء بطرق شخصية أو إيداعه في المؤسسات البنكية. إلا أن الشارع الحكيم بعد إشاعة خلق التصدق، وتحقيق الاستجابة الواسعة له، اشترط ضابط التطييب الاجتماعي للنفقات، قصد تحقيق أهدافها.
الآلية الثانية: التنبيه إلى تطييب نفقات المؤمنين:
امتثالا للانتداب الرباني، قد تتم الاستجابة بشكل غير مقاصدي؛ إذ قد يغدو الإنفاق من حيث الكم خلقا اجتماعيا مشاعا في صفوف المؤمنين، لكن بعيدا عن مقصد الترشيد ليس على مستوى الانفاق ولكن سينسحب الطيش على مستوى الكسب. لذا نحت التوجيهات التربوية إلى الاهتمام بجانب الكيف منه؛ فحصرت بذله في طَيِّبَاتِ الكَسب مصداقا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة، الآية: 267).
أشار الكريم في الآية إلى أمرين عجيبين: فالأول يروم تيسير الإنفاق؛ إذ لم تحصره الآية الكريمة في مادة أو مصدر، وإنما تركته مفتوحا يسع كل ما يحبه الفرد من مواد وعَيْنِيات بألفاظ: طيبات، مما أخرجنا… من جهة تحبيبه. إلا أن الآية أردفت الإطلاق في الجنس بقيد واحد، وهو المبتغى الحلال من أصل النفقة، واكتفت بوصف الحرام بلفظ الخبيث تنفيرا منه. وذلك لأجل تمكين المؤمنين المنفقين من التمييز بين الشكلين وتوجيههم إلى المبرور المأجور.
فعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أَنه قال: قال رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: « مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّه يقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيها لِصَاحِبَها، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حتى تَكُونَ مِثْلَ الجَبلِ » متفقٌ عليه. و« الفَلُوُّ » المُهْرُ.
يسوق الحديث مثالا بليغا في ضرورة تحري المؤمنين للحلال الطيب؛ ابتغاء لنموه وتجنبا للحرام الذي لا ينمو. وفي التوجيه تثبيت للمؤمن المنفق وتطمين للمؤمن القابض، حتى لا يُظن أن المنفق له أن ينفق من مال مشبوه وكسب حرام ومغتصب… إذ من شأن ذلك المذهب أن يشرعن للفقير الممسك ان الاستغناء عن اموال الامة القلية بالاتجاه الى احتراف السرقة والقمار والدعارة الكثيرة والوفيرة…. كما يحدث اليوم في مجتمعاتنا.
يندرج هذا النهي ضمن مبدأ حماية أصل الكسب، وتطييب مصدره، وعدم إقرار المجتمع على العائد الحرام والتشجيع عليه؛ إذ ليس من الشرع الحنيف أن يضر العبد غيره؛ فيخالف شرع الله تعالى فيأتي بكسب مصدره سرقة أو قمار أو تدليس أو الغصب… ثم يتقرب به إلى المولى تبارك وتعالى بالإنفاق سواء على نفسه أو غيره.
فخريطة الهشاشة إنما تتسع، وعتبة الفقر إنما ترتقي بأساليب الكسب غير الشرعي، لا بركة فيه مهما عظم كمه وتكاثرت أنواعه، التي لا تقوم على أعمال الإنتاج الفلاحي والصناعي والفكري الخدماتي السليم المحدث للأنشطة، تمتص البطالة، وتحسن الدخل الوطني الخام، وترفع نصيب الفرد منه، وتمكنه من مواجهة نفقاته الأساسية.
فأن تستثمر في ضيعة أو مصنع أو مقاولة أو مدرسة أو مصحة خاصة… تدخل في المعنيين بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ) (البقرة، الآية: 267).
بانصياع أثرياء المجتمع لنداء الاستثمار، والاجتهاد في توسيعه، يساهمون في فضل “الإنفاق الكبير”، يشغل عمالا وموظفين وخبراء… وإذا كنت من هؤلاء فأنت منفق إيجابي، تحاصر الفاقة بصدقات مستورة على شكل أجور وتعويضات وعلاوات ومكافئات وزكوات وأعشار… إنك منفق غير مباشر، لكنه إنفاق عيني مبني على مجهود مستمر وممتد في الخلق.
يقصد الشرع الحنيف إلى أن ترافق النفقة بأشكال اجتماعية كالرعاية الحسنة للوالدين، والإعالة الجيدة للأطفال والنفقة على الزوج، والقدرة على ولوج الصحة والمدرسة، وتغطية تكاليف التنقل والترفيه على النفس، وتحقيق الاستقلالية المالية للأفراد… التي تنعدم كلما توسعت ظاهرة العطالة.
وإذا غابت نفقات المحسنين غاب الأمن الاجتماعي، وعادت وتوسعت ظواهر “الجاهلية الاجتماعية” كجريمة القتل وقطع المسالك والتدليس والغش والزنا واللواط وتداول المخدرات، وانتشرت الدعارة وسوء الأخلاق، وتفاحش التقليل من عظمة انتهاك الحرمات… يأثم بسببها المسؤولون الصغار عن تسيير شؤون المجتمع الصغيرة قبل القادة.
يسعى الشارع إلى تكثير وحماية وتحصين النتائج التي تقتضيها الحكمة الربانية من الصدقة، ويتوخى توسيع دائرة ثقافة الإنفاق، والحرص على الزيادة في سواد المنفقين… لذا شدد الخطاب الرباني على ستر أصنافها وأطراف تداولها، واتخذ تدابير كفيلة بضمان بيئة اجتماعية سليمة من الأضغان والأحقاد، وتحصين حاجة المستحقين من الاستغلال…
باتساع مجال الإنفاق الكبير، تتفتت الثروة الكبيرة، وتتوسع دائرة المداخيل، وتتداول الأموال بأيدي غالبية أفراد المجتمع القادرين على العمل والإنتاج… إذ داخل دائرة حركة كم الأموال الكبيرة، تتولد حركة النوع والكيف. وتعد الصدقات من ثمار الإنفاق الكبير أو الدائرة الثانية من الإنفاق الاجتماعي. أما حينما تتكدس بيد أو ايدي أقلية، فالأكيد أن تداول الثروة القليلة ـ حتى إن تم بعناية ـ لن تكون لها فائدة.
فالإنفاق في الاستثمار، ترافقه ثمرات قيمة، تصاحبها صدقات، تترعرع كما، وتتلألأ في ظلها أنواعا. ولما كانت آفاق خطاب القرآن تتجه إلى توسيع الإنفاق الاجتماعي الكبير، فقد حصرت توجيهاته في التطييب، وتفادي الخبيث، على اعتبار أن المقاولة في الاقتصاد الإسلامي إنما هي مؤسسة اجتماعية تشاركية، يتقاسم الأجير والمستثمر مسؤولية دوامها وتنميتها، وتقوية تنافسيتها، ويَتَّحِدون لحماية المصنع والورشة الحرفية من الإفلاس، وتجنيب المزروعات والمراعي البوار، والحيلولة دون كساد المتجر.
بقدر ما كثف الذكر الحكيم دعوة أغنياء المجتمع إلى تطييب الإنفاق باعتباره أصل الصدقات ومصدرها، بقدر ما جاءت الآيات الكريمات تلفت انتباه المؤمنين المنفقين الصادقين إلى ما من شأنه أن يبطل صدقاتهم، ويمحق أجرها، ويفسد أجواء بيئتها…
وحتى لا يتسلل الإيذاء، ويتسبب في إبطال قيمة التصدق واختفاء صفة من صفات المؤمنين، انسابت آيات التصدق، تبتغي اتخاذ ما يحترز به العبد الصالح من تحريات الستر، وتفادي المن، واتقاء أضراره المتعدية، تمس تطبيق النفقات عينيا.
الآلية الثالثة: التشديد على اتقاء أذى صدقات المؤمنين
لما أمر الله تعالى بتجنب البذل من الكسب غير الشرعي، فإن المؤمنين ـ حينما أقبلوا على التصدق من طيبات أموالهم الحلال ـ وقعوا في مبطلات حسية. لذا سارعت الآيات الكريمات، تنبه إلى شطر آخر من مبطلات التصدق، قال الجواد الكريم:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(البقرة، الآية: 264). فمفهوم المحسن يرتبط بالمتصدق الذي يحسن عمل التصدق، باعتباره من أحسن ما يفعله المرء في حياته.
تعتبر الصدقات والأعطيات والهبات والهدايا… فروعا وأجزاء من الإنفاق، تُقدم غالبيتها للاستهلاك دون أن يبذلها المستفيد في جهد إنتاجي مفيد، مما قد يجعل المتصدقين معرضين للوقوع في المحبطات. وصيانة للعائدات الاجتماعية للصدقات فرديا وجماعيا، وحاضرا ومستقبلا… دعت الآيات الكريمات إلى التماس طريقتين، تتصفان بالشمولية. تسمى الأولى قبلية، تصاحبهم إلى أن تقع الصدقة بأيدي المستحقين. فيما تسمى الثانية بعدية تلازم المصدقين حتى لا يصدر منهم ما تؤذي مستحقيها بعد التسلم.
ـ تتمثل الاحترازات القَبلية في ذم خسيسة الرياء المسبق، وتشنيع مرض التباهي أمام الناس، كما هو وارد في قول عز من قائل:( كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (البقرة، الآية: 264). أي لا يخضع لشرط الستر، وكأن المتصدق ـ هذا ـ يستغني عن الأجر المعد لذوي الصدقات المخفية.
ففي صدد إبراز أمثلة رياء أحبطت أجر الأعمال، جاء في الحديث المروي عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: « إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يوْمَ الْقِيامَةِ عَليْهِ رجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِىَ بِهِ، فَعرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرفَهَا، قالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيها ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ: قالَ كَذَبْت، وَلكِنَّكَ قَاتلْتَ لأنَ يُقالَ جرِيء، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ في النَّارِ . وَرَجُل تَعلَّم الْعِلّمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأ الْقُرْآنَ، فَأتِىَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمهُ فَعَرَفَهَا . قالَ: فمَا عمِلْتَ فِيهَا ؟ قالَ: تَعلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ الْقُرآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، ولكِنَّك تَعَلَّمْت الْعِلْمَ وَعَلَّمْتَهُ، وقَرَأتَ الْقرآن لِيقالَ: هو قَارِىءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أمِرَ، فَسُحِبَ عَلى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ في النَّارِ، وَرَجُلٌ وسَّعَ اللَّه عَلَيْهِ، وَأعْطَاه مِنْ أصنَافِ المَال، فَأُتِى بِهِ فَعرَّفَهُ نعمَهُ، فَعَرَفَهَا . قال: فَمَا عَمِلْت فيها ؟ قال: ما تركتُ مِن سَبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فيهَا إلاَّ أنْفَقْتُ فيها لَك . قَالَ: كَذَبْتَ، ولكِنَّكَ فَعَلْتَ ليُقَالَ: هو جَوَادٌ فَقَدْ قيلَ، ثُمَّ أمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وجْهِهِ ثُمَّ ألْقِىَ في النار » رواه مسلم .
ـ أما الاحترازات البَعدية، فقد شرطت تجنب شهوة التحدث، وتفادي التبجح بالتصدق على الناس أمام العباد، امتثالا للنهي الوارد في قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ ) (البقرة، الآية: 264)، أي لا تتسببوا ـ أيها المتصدقون ـ في جريرة المن. أما إذا صدر الحديث عما تتصدقون به، كما هو الأمر في الإشادة الربانية والنبوية بنفقات المؤمنين، فلا حرج فيه، ولا يلحق ما يتصدق به العبد مكروه.
ففي شأن قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة، الآية: 262) روي عنْ أبي ذَرٍّ رضي اللَّه عنهُ أنِ النبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: « ثَلاثةٌ لا يُكلِّمُهُمْ اللَّه يوْمَ القيامةِ، ولا يَنْظُرُ إليْهِمْ، ولا يُزَكِّيهِمْ وَلهُمْ عذابٌ أليمٌ » قال: فَقرأها رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قال أبو ذرٍّ: خَابُوا وخَسِروا، منْ هُمْ يا رسولَ اللَّه، قال: »المُسبِلُ، والمَنَّانُ، والمُنْفِقُ سلعتهُ بالحِلفِ الكَاذبِ » رواه مسلم. وقد عد منهم العبد الكثير المن.
درءا لمفسدة الرياء أرشد المولى تبارك وتعالى إلى احترازين؛ فمن خلال قوله تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة، الآية: 271). يتضح أن المؤمنين يقدمون الصدقات علنا، فتقبل ما لم يعتريها الرياء. وفي ذلك مقصد تربية الناس وتقديمهم قدوة، وتشجيعا لهم.
إن عائدات الصدقات تزداد تحصينا كلما كانت مخفية مستورة، وترتقي لتغدو مكفرة للسيئات. وفي النهاية يمكن للمرء أن يجني أجرا عظيما إن تصدق على المتسولين بقول معروف، فأن يمسك عليه ماله ولا ينهرهم خير من صدقة يُتْبعُها بالمن كما جاء في قوله تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة، الآية: 263).
فالرياء مع التصدق مرض ومنقصة اجتماعية، تصيب النفقات في منطلق طريقها إلى المستحقين، كأن يتعمد المنفقون إظهار ما يمنحون، وإشهاره بعرض صوره، وبث لقطاته الحية على وسائل الإعلام ومواقع الانترنيت والفيسبوك… ذات الانتشار الواسع بشكل قد يذيع صور أتقياء وعفيفات، ويظهرهم في موقف ضعف يكسر خواطرهم.
يتسبب نوعا الأذى الاجتماعي في توقف كثير من المحسنين الداعمين للجهات المانحة، وانسحاب الفقراء المستفيدين من التظاهرات والبرامج الاجتماعية، اشمئزازا مما يحتمل أن يخالطها من الاهانات والمجاملات… لذا تنبه الآيات الكريمات إلى خطورة الرياء في تحويل فترات التصدق إلى فضاءات التملق والتمييز والقرابات والترضيات… لتغدو النفقة نفاقا اجتماعيا، يتبادله الفقراء والميسورون.
قد يسلم المرء في التغلب على شح النفس فيتصدق، وقد يكبح شهوات الطوية، ويقمع ديدنها في الرياء، وتسلم الجولة الأولى من التصدق من حظ الرياء. إلا أن الرهان قد يتعثر في جولة ثانية، حينما لا تستطيع النفس التزام بعديات التصدق بلازم الانفلات من مرض المن.
أما المن فلا يصيب الصدقة بعينها، وإنما يؤذي المستفيدين بعد أن قبضوا النفقات، فتظهر قيم اجتماعية فاسدة؛ كأن ينقلب المتصدقون عليهم بعد زمن، يذكرونهم بالفضل، وربما يطالبونهم بمقابل الصدقات كالعمل لصالحهم، وتقديم خدمات مجانية وموالاتهم ضد غيرهم، أو إدلاء بشهادات الزور، وقضاء المصالح غير المشروعة أو التنازل عن حقوقهم… وإذا رفضوا، يستثمر المنفقون فعل التصدق ليمنوا عليهم.
تحذيرا من السلوكين الشنيعين، ساق الذكر الحكيم مثالا إضافيا بليغا في تشبيه المؤمنين المنفقين الذين يتبعون صدقاتهم بالمن في قوله: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(البقرة، الآية: 264). فكما أن الآية أتت مباشرة بعد الحديث عن المن، فهي أيضا جاءت بعد الرياء وفي سياقهما معا. لذا يذهب المتأمل إلى مساواة الخسيستين في الإساءة إلى الصدقات.
تتجلى مغبة الانحرافُيْن في تعرية الصدقة من الأجر والثواب، مثل ما يقع لحجر صفوان نفيس مستور، حافظ ما يعلوه من التراب على جماله وزينة بريقه ولمعانه. ولما تسلط عليه المن بقوة وعنف قاهر ومكسر للأنفس وعنجهية كالوابل، لم يُزِل عنه رداء ما يستره فقط؛ أي التراب. وإنما أحدث فيه العنفُ ثقوبا وشقوقا وشروخا، وشوه مشهده الجميل، حتى جعله صلدا ذميما منفرا كشخاريب ونخاريب الشاطئ؛ أي أضاعه ولم يعد له ثمن ولا قيمة عند الله والعباد.
نخلص من تدبر ندائه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم) (البقرة، الآية: 254). وقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (البقرة، الآية: 264) إلى أن الخطاب القرآني منسجم مع ما يدعو إليه، ويلتزم ستر الإنفاق والتصدق.
فإمعانا في التشجيع على الستر الاجتماعي، تعفف الله تعالى، ولم يُعَين أسماء من نزلت فيهم الآية الكريمة، تأمرهم بالإنفاق. ولم يفضح العفيف أولئك المتصدقين من المال الخبيث. كما أنه عز وجل لم يفضح أولئك المنفقين رئاء الناس، ولم يسم هؤلاء الذين أتبعوا صدقاتهم المن والأذى. ولم يذكر ألقاب المحتاجين. فالمتدبر يجد عموم خطاب الإنفاق قد اكتسى نوعا من العمومية، وفضل الكتمان التام لمختلف أطراف التصدق.
يلتقي المن والرياء في إصباغ النفقة بطابع الرشوة. وفي مثل هذه الأجواء سيفضل صنف المتعففين التنحي، وربما تدفعه الفاقة إلى البحث عن بدائل غير شرعية. وهنا يمكن إرجاع حكمة الشارع في التحذير من الرياء والمن إلى مخاطره الاجتماعية، تلحق المتصدقين، وتفسد أجواء الصدقة، وتبخس هذه القيمة الانسانية الإسلامية، وتشوهها وتفقدها طعمها، وتغيب بعدها الاحساني التكافلي.
نخلص من خلال الإشارات الواردة في موضع الأذى الاجتماعي القبلي والبعدي للنفقة إلى تشنيع بليغ، يشبه فيه المولى تبارك وتعالى المؤمنين المنفقين الذين يوجهون مَنَهم إلى الفقراء المستفيدين من صدقاتهم بالكفار المنفقين الذين يوجهون رياءهم إلى غير المستفيدين من صدقاتهم.
يتمثل القاسم المشترك بين الأذى القبلي والبعدي في صرف الفعل إلى وجهة عدم ابتغاء وجه الله، فالأذى يسقط صنف الأغنياء المؤمنين بالمن أو “الضغط المؤخر” في إذلال وتمريغ شرف المساكين، فيما يبتغي صنف الأغنياء بالرياء أو “الضغط المقدم” نيل السمعة بإذلال وتمريغ شرف المحتاجين.
بهذه الإشارات تكون الآيات الكريمات قد حدت مما يمكن أن نسميه ب”فوبيا الصدقات” والتخويف والترويع وإرهاب المجتمع بالمن، يخلف هجرات المتعففين لباب الاستفادة من التصدق، ويفسح المجال أمام فئة المتطفلين ومحترفي التسول، لتتسع وتتزايد دون إلحاف. فالمؤمن قد يعمل أعمالا تثمر أجورا عليا كجبال تهامة، إلا أنها تنسف بسبب الأذى ثمارها الدنيوية، وتتبخر عائداتها الأخروية.
بعد التشديد، ترغيبا وترهيبا في تصويب المقاصد، والصرامة في توجيه النيات، قد يتحاشى الناس الإنفاق بمستوييه الاستثماري والتصدقي؛ مخافة الوقوع في شيء ليس من شأنه أن يمحق الأجر فحسب، وإنما يجلب المذمة والكفر أيضا.
والأكيد أن الفئة الاجتماعية التي ستتوفر فيها مواصفات القدرة على إتيان الآليات التنفيذية الثلاث الأولى هي فئة الشباب، أو ما يعرف في علم الإحصاء بفئة “الكهول” ( 15 ـ 65 سنة) أو “الفئة النشيطة” المنتجة. لذا ربط المولى تبارك وتعالى إنكاره على البخلاء الشباب الممسكين، محذرا أن يغفلوا حتى يباغتهم الكبر ]وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء[ (البقرة، الآية: 266).
ففرص المؤمن في الإنفاق، وإعادة تشكيل الثروة تتناقص بسبب موانع “التضخم المالي” المرافق للتقدم في السن أو “التضخم البيولوجي” عند فئة “الشيوخ”( ما فوق 65 سنة)، وإتلافه بعدم النضج و“تضخم السفه” بالنسبة لفئة “الأطفال” (أقل من 15 سنة) لعدم تربيتهم على الإنفاقين الاستثماري والتصدقي في مرحلة الفتوة؛ حيث تجتمع قوى الفكرة والعمل والمال.
وقصد تشجيع فئة الشباب على المسارعة إلى الأجر، سما الخطاب الرباني إلى مستوى تحبيب الإنفاق، وتحسينه عند النفس البشرية. وقد نهج القرآن الكريم في بسط هذا المسار الإحساني أسلوبا غير الأمر. ولأن الطبيعة البشرية تفتر، فإنها تحتاج إلى شحذ متواصل، حققته وفرة آيات الإشادة بالمجتمع المنفق.
التوجيه الثاني: الإشادة بالإنفاق أشاد القرآن الكريم بالمنفقين، ورفع درجاتهم عاليا من خلال ثلاث مستويات؛
فالأول يهم إحصاء النفقات؛ كثيرها وقليلها وصغيرها وكبيرها، وظاهرها وباطنها اولها وآخرها… أما الثاني والثالث فقد بشر عبرهما المنفقين والمنفقات بصنفي عائدات فضيلة الإنفاق وفوائدها المضاعفات دنيا وآخرة.
ففي الأولى الفانية القصيرة نبه الأول سبحانه إلى أن بذل المال في سبيل الله تعالى يبارك في ما تبقى منه. فيوظفه في الترقي الاجتماعي. وفي الآخرة الباقية يصادف المتصدقون نفقاتهم مدخرة عند الدائم سبحانه أكواما عالية، تستعص على العد والإحصاء، فيوظفها المؤمن في الترقي في جنان الخلد. ولعل الشارع من هذه الإشادات الكريمات والثناء والتعظيم، يحفز المؤمنين على الإنفاق.
الآلية الرابعة: إحصاء دقيق لنفقات المؤمنين
أفاض الحي القيوم في تطمين أصحاب الأموال، وأراح ذوي النفقات، التي لا يستطيع أحد منهم إحصاءها لخُفيتها والتستر الضارب على اتيانها حتى لا يعلم الغير إحصاءها. كما يصعب العد بتفادي المنفقين عملية تسجيلها تورعا، فتكتموا عن أصنافها وقيمها وتواريخها…
روي عن أَبِي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قال: « كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ علَيْهِ صدَقةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ: تعدِلُ بيْن الاثْنَيْنِ صدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، فَتحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ ترْفَعُ لَهُ علَيْهَا متَاعَهُ صدقةٌ، والكلمةُ الطَّيِّبةُ صدَقةٌ، وبِكُلِّ خَطْوَةٍ تمْشِيها إلى الصَّلاَةِ صدقَةٌ، وَتُميطُ الأذَى عَن الطرِيق صَدَقةٌ » متفق عليه.
إن تنوع أصناف نفقات المؤمنين الاجتماعية السلوكية كالابتسامة، والمعنوية كالصوم، والمباشرة القارة المعلومة كالزكاة، وغير المباشر كإتقان العمل… عديدةُ تِكرارٍ، يفوق قدرات المحسنين في أعباء تقييد معطياتها. كما أن غالب الصدقات المالية لا يأبه المرء بإحصائه. ويعتبر سخاء النفس ماليا، وإيثار المحتاجين على النفس دليلا على الترفع عن انشغالها بإحصاء ما سواه ومعافاتها من وسواسه.
هنا تأتي أهمية نيابة المحصي جل وعلا في تتبع نفقات المحسنين؛ إذ ضمن لهم إحصاءها، وتكفل بعدها عدا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، فقد جاء في الذكر الحكيم:(إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة، الآية: 271). فالله خبير بأحوال صدقات عباده المكرمين.
في معرض الحديث عن دقة تسجيل ما ينفقه المؤمنون، استعمل القرآن الكريم حرف “ما” الدال على غير العاقل عند البشر تخفيفا عنهم، والذي يبين سبحانه أنه عاقل لديه، وقابل للتكميم والحصر عنده بقوله:(وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ) (البقرة، الآية: 270)؛ إنه محصيه عددا، ومحيط بأمره.
بل إن من النفقات والصدقات ما لا يمكن التحدث به كبضع الرجل يضعه في رحم زوجه، والابتسامة في وجه أخيه، وإتقانه العمل، وجود نفقته من الوقت، وتعليم العلم، وتسخير قوة الجسد… والأصل في الأعمال الصالحات أن المرء يأتي جلها دون أن ينتبه إلى أهميتها وإحصائها، وإنما تتقادم في الذهن فينساها الإنسان.
يزداد تطمين المنفقين بقوله تعالى: (مِّن نَّفَقَةٍ) (البقرة، الآية: 270) و(مِّن نَّذْرٍ)(البقرة، الآية: 270)، وهما صنفان من النفقات جاءت في صيغة نكرة؛ لا يعلم لا عددها ولا قيمتها ولا أصنافها أحد من العالمين. ولعظمة المهمة يدخل في جهل إحصاء النفقات المنفقون أنفسهم… ومع ذلك لا تضيع لصاحبها، وإنما سيلاقيها غدا في صحيفته مسجلة، ومؤكدة بقول العليم سبحانه: (فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ) (البقرة، الآية: 270).
ولما كان الظاهر من الصدقات محفوظ، فقد حظي المخفي المستور منها ببلاغة خاصة في الحفظ الرباني؛ فقد استعمل القرآن الكريم في شأن الدقة الموجهة إلى المتعففين الذين يحتاج المنفقون إلى بذل جهود كبرى في معرفتهم والوصول إليهم… بوصف خاص.
فعدم قدرة المحتاجين على التحرك بسبب إكراهات طبيعية كالموانع الجبلية والكثبان الصحراوية والامواج البحرية والاضطرابات المناخية… أو ضغوطات بشرية كالحصار الحدودي والسجن والجمارك والحجر الصحي … أو عوائق خِلقية: حركية أو ذهنية أو موانع خُلقية كالتعفف والصبر والخجل… يتطلب من ذوي الأموال بذل جهود في الوصول إليهم، وتحري الإبقاء على ستر المتعففين والمتعففات، وتجنب الإحراج بإشاعة حاجتهم في الناس، وذلك تطييبا لخاطر الفقراء، واستجابة لطلب ستر أمرهم.
في هذه الحال تزداد الإشادة الربانية بإضافة وصف النفقة “بالخير”، حينما قال الجواد: ( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ) (البقرة، الآية: 273)، خير كثر أو قل، فهو نكرة غير معروف قدره الحقيقي عندهم، لكنه مقوم ومعلوم القدر عند المولى.
وتَسمُق الإشادة الربانية بتعميق وصف علمه بهذا الصنف من الإنفاق، حينما تجاوز علمه بالنفقة إلى مستوى غير محدد، بينها قول العليم: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة، الآية: 273)، واصفا ذو الجلال عِلمه بها بصيغة المبالغة المفيدة للكمال. وفي ذلك قطع للشك في تمام تكلف المولى تبارك وتعالى بالإحصاء الدقيق لها، تُعرض حتما غدا بين جوارح المنفقين كاملة، بل وزيادة.
لذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عن الانشغال بإحصاء الحسنات؛ فعن أَسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصديق رضي اللَّه عنهما قالت: قال لي رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: « أَنفِقِي أَو أَنْفَحِي أَو أَنْضِحِي، وَلا تُحْصي فَيُحْصِيَ اللَّه عَلَيكِ، وَلا تُوعِي فيوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ » متفقٌ عليه. فالإحصاء بذرة أولى من جحيم الرياء الخفي، مرشحة للتضخم والتفرع؛ فتتحول إلى أرقام جافة وخالية من مقاصد العطف والحنان والرحمة.
لا شيء يضيع من نفقات العباد الكرام، ولا ينبغي لهم أن ينشغلوا بهذا المدخر الآمن بفلتات وسقطات التسجيل. فهو مقيد أحسن تقييد. لذا ما على العباد المتشوقين إلى الفضل غير صرف اهتمامهم إلى الإحسان في الإنفاق، وتحري الطيب، وتجنب ما يخدش الأعمال؛ وليحذر المنفقون والمنفقات أن يعددوا الأوجه ويكثروا ذكرها… فيتبعون نفقاتهم إذايات الرياء والمن المحبطات لعائدات عمل النفقات في الدنيا ويوم القيامة، ظنا منهم أنهم سيجنون بالمن والرياء ثمارا كثيرة، يستعجلونها في الدنيا.
الآلية الخامسة: العائد الدنيوي لنفقات المؤمنين
رَحْمة بالعباد، بدأ العد الإلهي بتعجيل ذكر العائد القبلي المقدم، إذ لا تؤجل عائدات نفقات المؤمنين كلها إلى الآخرة، وإنما ينبسط قسم من حسناتها الاجتماعية في الواقع المعيش. لذا بدأ العلام تبشير المنفقين المتصدقين بأجر الدنيا وانعكاساته الاجتماعية عليهم. ويكفي أن يحس المرء بأن نفقاته هي ادخار وتوفير آمن مصداقا لقوله تعالى: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)(البقرة، الآية: 276). فهي تربى وتنمي للعبد رصيدي الدنيا والآخرة معا.
في مثال دقيق عن عظم العائد الاجتماعي الدنيوي للصدقة روي عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أَنه سَمِع رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: « مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِن حَديد مِنْ ثْدِيِّهِما إِلى تَرَاقِيهمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ، فَلا يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ، أَوْ وَفَرَتْ على جِلدِهِ حتى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ، فَلا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيئاً إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُو يُوَسِّعُهَا فَلا تَتَّسِعُ » متفقٌ عليه. وَ « الجُبَّةُ » الدِّرعُ، وَمَعنَاهُ: أَن المُنْفِقَ كُلَّمَا أَنْفَقَ اتسعت حتى تجُرَّ وَرَاءَهُ، ويتركها كلية، ويتحرر جسده في الدنيا من ثقلها وضغطها، وتتحرر مشيته، وتخفف خطواته نحو الخير. فتأمل الفارق بين حال الرجلين في الدنيا !.
حينما يعلم العبد أن الرزاق قد أراحه من جهد البحث عن الأجر والتعويض، وتولى بنفسه تربية صدقاته، وضرب له موعد الدنيا أولا والآخرة ثانيا، سيجدها أمامه شاخصة، فإن ذلك سيكون له انعكاس اجتماعي إيجابي على انشراح حياته الدنيا.
لا نحتاج إلى تأكيد ما يتمتع به المنفقون والمنفقات من صحة جسدية ونفسية وعقلية وراحة بال باهرة. يعيشون في وسطهم محبوبين، يرجو لهم فقراء المجتمع الخير والنماء، ولا يحسون بعذاب العزلة، ويتقون نار الكره والضغينة المصوبة نحو الميسورين البخلاء من قبل المعوزين عامة والمقربين خاصة.
يرفل المنفقون والمنفقات المنخرطون في نعم تمويل أفكار ومبادرات وبرامج الإصلاح، ويبرئون ذممهم اتجاه الضعفاء… تغمرهم السعادة حينما يرون اكتتاباتهم والتزاماتهم المالية وأحباسهم… قد أثمرت مصلحة اجتماعية كالمستشفيات وقنوات الري، وحينما تسهم صدقاتهم في تخريج أفواج من العلماء والخبراء والكوادر، وتنقذ اليتامى من التشرد، وتحول بين الأرامل والتعاطي للدعارة والفساد، وحينما يحاصر مالهم الجريمة باحتضان الشباب الفقراء والمحتاجين…
سيحس المنفقون ـ حقاـ بالعزة حينما تسهم ضرائبهم وصدقاتهم وزكواتهم وهباتهم وأوقافهم المالية والعينية… في تجنيب البلاد آفات المديونية المذلة، والقروض المشروطة بالإفساد، وتمويلات الخارج المكبلة لقرارهم السياسي الحر، ومخططات الخصوم المنقصة لهيبة وقوة بلادهم في المحافل الدولية. كما سيحسون بالفخر ساعة الاسهام في إقرار الأمن والاستقرار، وإنجاز مشاريع تنموية أو مواجهة آفات وكوارث الفيضانات والجفاف، ومحاصرة الأوبئة…
يستحق هؤلاء ثناء من قبيل: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة، الآية: 265). ويكفيهم رفعة أن يشملهم قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من صدقة… » جامع الترمذي: 4 – 562 رقم: 2325، وقال: (حسن صحيح)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.
إن ما ستراه أعين الذين أكرمهم الله تعالى من المؤمنين والمؤمنات من الثمار الاجتماعية لنفقاتهم وصدقاتهم المعجلة في الدنيا أقل بكثير مما ينتظر أعينهم الصغيرة غدا في الآخرة؛ فبعضها عبارة عن صدقات جارية، وماضية في الربا، تنفع حينما (يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ)(البقرة، الآية: 254). والأكيد أن ملامسة العائد الدنيوي سيشجع على الإنفاق طمعا في أجور الآخرة.
الآلية السادسة: المدخر الأخروي لنفقات المؤمنين
تبشيرا لعباده عجل الباري بذكر عائد بعدي مؤخر، وعد به الباسط تبارك وتعالى المنفقين والمنفقات خيرا كثيرا، يلقونه يوم القيامة. ولتحفيز المؤمنين والمؤمنات ربطه سبحانه بالنفس البشرية، حينما قال في محكم تنزيله: (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ) (البقرة، الآية: 272). أي أن الإنسان، ذكرا أو أنثى ينفق على نفسه، قبل أن يكون ما تصدق به موجه إلى حاجات غيره:(إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌٍ)(البقرة، الآية: 271).
رغم أن النفقات المستهلكة من قبل الغير، يحتمل أن يكون زوجا أو ابنا أو أبا… فإن: (مَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)(البقرة، الآية: 272)؛ أي تؤجرون عليه زيادة، تطمئنكم، فلا تلمسون نقصانا. بل تجدون فيه زيادة، تزيل الشك في متانة الإحصاء، وبفضل كرم الجواد سيميل الميزان لصالح العباد المنفقين حقا.
في هذا السياق، وفي نفس الموضع يدعو الجليل (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة، الآية: 274) إلى عدم التخوف على عاقبة الصدقات، وأن ما أنفقوا له عائد أخروي كفيل بإدخالهم جنات الرضوان؛ إذ يكتمل البيع الرابح ـ أيها المنفقون والمنفقات ـ حينما تصادفون ثماره في الآخرة.
كفى بالمتصدق أن يحتمي يوم العرض بظل صدقته من حر الشمس كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه إذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « كل امرئ في ظل صدقته، حتى يُقضى بين الناس ». وحرصا على هذا الخير قال يزيد: “فكان أبو مرثد لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة”. كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: « رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » متفق عليه. وفي الحديث بيان لزوم الصالحين الشديد للتصدق ولو من الأمور البسيطة، والتحري الشديد في إخفاء الصدقات، فلا يستصغرها من لا يقدرها ولا يسفه آخذها، ولا يتسرب الى النفس حب اظهارها. كما أن ضعاف النفوس سيميلون إلى تقليد المنفقين النفقات الصغيرة، وينأون عن الانفاق الكبير.
في مختتم هذه الآلية تجدر الإشارة إلى أنه كفى بالمرء ثوابا في الآخرة أن ينفق حبة غير ذات بال من أمواله في سبيل الواسع، لتضاعف الحبة سنابل ملآ كما جاء في قوله تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة، الآية: 261).
وأهم ثمرات صدقات الفرد أن تحط عنه ذنوبه يوم القيامة، ففي قوله تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة، الآية: 271) تعد الآية الكريمة الصدقات من مكفرات ذنوب المحتسبين.
لا يخفى على المؤمن الحق أن ما ينفقه من نفقة إلا كان لها عائد جزيل معجل في الدنيا، يشهده في حياته قبل الأجر الوفير المدخر ليوم القيامة. هذا التنوع البديع، والمضاعفة السخية للعائد يشكل ضمانات وحوافز تعجل بمبادرة المسلم إلى الإنفاق، حماية وصيانة لبركة ماله في الدنيا؛ إذ يعد النقص من الأموال والثمرات فواجع وكوابيس قاسية، ترهب الإنسان في الدنيا.
عملت الإشادات على التحفيز المعنوي للمنفقين، ووعدتهم بحفظ ما أنفقوا من خير، وبشرتهم بما ينتظرهم من عائدات. والأكيد أن فريقا من المؤمنين سيظل على هامش مجتمع الإنفاق، محروما من جزيل الأجر الدنيوي والأخروي. وقصد تنبيه الغافلين والغافلات، أنكرت آيات التوجيه الثالث على هذا الصنف من الناس عدم الانخراط، وشنعت صنيع عزلتهم، واستصغرت رفضهم ركوب سفينة المنفقين والمنفقات، وتخلفهم عن صحبة المتصدقين والمتصدقات.
التوجيه الثالث: إنكار البخل في الإنفاق
قد يتخلف جزء من المجتمع المسلم عن دعم جهود التخفيف من حدة ظاهرة الفقرة، ليعبر عن ضعف روح الانخراط في ركب المنفقين. لذا ينكر القرآن الكريم على الممسكين ثلاثة مثالب؛ فالبخل إنما هو استجابة للشيطان، وانصياع لتخويفاته ضد الإشادات الربانية.
يترتب عن إتباع الإنسان البخيل لدعوات إبليس تكديس ثروته وتجميدها؛ فيفوت على نفسه جملةً حيازة الفضل المقدم والمؤخر. ونتيجة عدم التدرب على أوجه الإنفاق، وتضخم الجهل بأساليب تدبير المال، يعمد البخلاء إلى الاستثمار في المشبوهات، يستغفلهم الشيطان، ويزين لهم إتلاف ما تراكم، فيبذرونه دون أن يكون له عائد لا دنيوي ولا أخروي.
الآلية السابعة: توبيخ إتباع تخويفات الشيطان
ينهج الشيطان أسلوبا محكما وموغلا في التدرج نحو الفواحش؛ فالإنسان خير بفطرته، لذا ينطلق هدم نوايا أعمال الإنفاق بالتشويش على ما يأتيه العبد من خيرات، ويحرفها ليقلل من حسناتها ومعروفها، ويضاعف سيآتها بالرياء والمن الماحق لأجرها.
إلا أن طموح الشيطان بعيد المدى، يكد إلى أن يصير المرء نشيطا، يأمر بالفحشاء. لذا ظل القرآن الكريم ينبه على كيده، ويحذر العبد بتفصيل مخططه، يبدأ بصده جزئيا عن الإنفاق من الخير، لينتهي به الاستدراج إلى إنفاق جهده في الفجور والفسوق.
لذا، يعتبر باب الإنفاق أولى جبهات حرب العباد مع الشيطان؛ باعتباره محور فعل الخير، يقابله باب الفحشاء المبني على قيم الفقر والبخل (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) (البقرة، الآية: 268)؛ أي يخوفكم من المستقبل، ويرسم أمامكم تمثلات، تتوخى صدكم عن الإنفاق في سبيل الله.
والسلاح البارز في عُدة الشيطان هو التخويف من الغيب والمستقبل المالي الشخصي، الذي لا يستطيع الإنسان الاطلاع عليه، ولا يملك أدوات التنبؤ به وتوقعه. ولعل تمكن الشح المالي من النفس ستتفرع عنه مظاهر البخل الدعوي والبخل في العمل والوقت… فالشح المالي عربون ومقدمة للفساد.
أما الآلية الثانية التي ينهجها الشيطان أو الدور الثاني من الحرب وجولته المتقدمة في دوائر تلبيسه فهي أن يأمر العبد بإتيان الفجور. فمن وقع في سلطة التخويف من الفقر، قلل فعل الخير، وأرفقه بالرياء واتبعه بالمن. فالشح في إتيان الخير مرحلة، وخلطه بالأذى مرحلة متقدمة في البرنامج الشيطاني.
حينما يبلغ الإنسان مستوى “بطالة الإنفاق الاجتماعي” تصير لنفسيته القابلية للانخراط في مشروع الفجور، والتردي في دركاته. فعندما يتملك الشح الإنسان، يسقط أسيرا، يُطْبَق عليه شراك الشيطان، ويسهل عليه الانتقال بعد الوعد بالفقر إلى مستوى الأمر (وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء) (البقرة، الآية: 268). أي يبين له ويزين له طريق الفجور، ويخوفه إن لم ينغمس في دوامته النكراء.
لذا ظل الوحيان ينهيان الخليقة عن إتباع الشيطان، وتجنب ما يشابه أفعاله وصفاته وأقواله وهيآته؛ فعَن ابنِ عُمر رضي اللَّه عنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: « لا يَأْكُلَنَّ أحدُكُمْ بِشِمالِهِ، وَلا يَشْربَنَّ بِهَا. فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ وَيشْربُ بِهَا » رواهُ مسلم .
سيلاحظ المتدبرون والمتدبرات أن للإنفاق عائد اجتماعي دنيوي، يتجلى في الوقاية من الفجور، وإبعاد العبد عن طريق الفحش، ويثبته في طريق المغفرة والفضل الإلهي. لذا انتقل الخطاب الرباني بالقارئ المتمعن لقوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة، الآية: 268) إلى نقيض ما يسجله الإنسان على وعد الشيطان وهو يرسو في محطات الاستقامة. فطريق الشيطان محصور، ووعده كاذب، ويقْصر شغله على إفساد حياته الأولى ومزرعة حياته الأخرى.
أما طريق الإنفاق في سبيل الله تعالى فغني ومحفز كما يتضح من قوله تعالى: (وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ) (البقرة، الآية: 268). فالله سبحانه يَعِد عباده المؤمنين المنفقين بالغنى واليسر، بدل العسر والشقاء الذي جعله الشيطان وسيلته. وعكس الصيحة الشيطانية المقزمة للحياة، يعِد الله عباده المنفقين بالفضل (وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة، الآية: 268)، فضل يليق بجلال الكريم، وتطلعات عباده المكرمين.
يراهن القرآن الكريم على عقل الإنسان في الاختيار، ولا يأمره بعد التخويف، وإنما: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)(البقرة، الآية: 269). والحكمة إنما تتضح حينما يمتلك العبد الصالح رؤية ومعيارا، يمكنه من الموازنة بين ما يصلحه وما يفسده في الدنيا والآخرة.
لم ينقص الله تعالى من شأن الإنسان كما فعل الشيطان، يمارس عليه الإرهاب والإكراه. وإنما ندبه إلى الاحتكام إلى العقل، وربط محاسبته بنصيبه من الحكمة والتدبر؛ فإذا مارس الفحش دون قواه العقلية، رفع عنه القلم، إلا إذا اتبع الشيطان وهو على قدر عال من الوعي بمساوئ الطريق المنحرفة وحسنات الصراط المستقيم.
لذا سلك القرآن الكريم في التوبيخ منهاج توضيح تلبيسات إبليس من الوعود الكاذبة، وبين الفضل الواسع الشامل للمنفقين في سبيل الله. فيما الشياطين تدلس في إتيان الأدلة والبراهين، وتسوق ما يعضد فجورها، ويتفادى حقائق ما يخالف ما تدعو إليه.
بعد توبيخ أتباع الشيطان الرجيم، وفضح مسلكياته في ثني العباد عن الإنفاق بالتخويف من الفقر، واستدراجهم إلى البخل. وبعد تبشير المؤمنين المنفقين بالمغفرة والفضل الواسع… قد يظل قسم من العباد أسراء التخويف وضحايا الفحشاء.
لذا استثمرت الآيات الكريمات في إيتاء العباد الحكمة للاستعانة بها في نبذ أوامر الشيطان، واتقاء تربصاته، والتحرر من قيوده الآمرة بالبخل الحارق للأموال، والربا المسلط على أموال الناس بالباطل الماحق لثرواتهم المكتنزة.
الآلية الثامنة: ذم البخل الحارق للكنز
لثني المؤمنين عن الإنفاق، وسوس الشيطان للإنسان بتخويفه من فاقة، يوهمهم بأنها توشك أن تعقب الترف، تأكل النفقة الغنى وتنقص الصدقة من المال، حتى يصبحون على حافة الفقر المدقع. لذا دعاهم إلى آلية البخل والتقتير لاكتناز الثروة، وتكديسها في أيدي فئة قليلة، وحرمان غالبية المجتمع من حسناتها.
أنكر المولى تبارك وتعالى على المؤمنين الحقيقيين أن تنطوي عليهم حيلة الشيطان، فناداهم يعاتب بخلهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم) (البقرة، الآية: 254). وقد نسب الغني سبحانه ما ينفق منه الناس من مال وثروة إلى نفسه، ورأفة بهم لم يطالبهم إلا بالتصدق بالقليل مما رزقهم، ولم يفرض عليهم توزيع كل ما بحوزتهم.
وفي إطار الزيادة في الإنكار خاطبهم العلي القدير بنوع من الاستهزاء، فنعت كبرياءهم بقصر التقدير؛ لكونهم لم يفلحوا في استحضار أبعاد النفقة وعائداتها الدنيوية والأخروية. بل إن مناط الإنكار عليهم يتجه إلى ما يفوتونه على أنفسهم من ربح التجارة الحقيقية.
بين عز من قائل أنه سيأتي يوم على البخلاء، يَسْتَجْدونَ فيه الحسنات، لكن سيجدون أنفسهم وقد فاتهم وقت البيع، وباغتهم حلول ساعة المحاسبة، ولا يمكن إيقاف سريان الحساب لحظة، والعودة إلى مرحلة الكسب. ويظهر الحق جانب ما يتحسر عليه المرء، والوقت الذي سيندم فيه، مشعرا إياه أنه سيأتي لا ريب كما جاء في قوله تعالى: (مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ) (البقرة، الآية: 254).
إمعانا في تبيان بلادتهم، فند تعالى ما يمكن أن يستنقذ به غير المنفقين في تعويض ما عجز ميزانهم “التجاري”، واستِحالة تحقيقه باللجوء إلى خزان القرابة والاستنجاد بالشفاعة… التي ستتعطل في ذلك اليوم؛ إذ كما جاء في قوله تعالى:(وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة، الآية: 254).
لأجل التوضيح الاستهزائي، والشرح التبسيطي، قرع المولى تبارك وتعالى البخلاء، مخاطبا إياهم بقوله في إطار استفهام إنكاري: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة، الآية: 254).
في هذا الموضع القرآني الجميل، يقارب الباري تعالى للأفراد الثروة بين مستويين بتشبيه دقيق، فالممتلك عبارة عن جنة يود الإنسان نعمها من صحة وجمال وعلم ومال… (لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) (البقرة، الآية: 266)؛ تلبي له كل ما يحتاجه في الدنيا، وتقر عينه بالجزء الأول من وصف منظور الإنسان لغناه.
وحينما يواصل القرآن الكريم الوصف، يقرب المشهد الثاني الغائب عن الإنسان، إنه مشهد مستقبل كبره وعجزه: (وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء) (البقرة، الآية: 266)، يبدأ بما يمكن أن يتخيله المرء في الدنيا وهو أقرب ذريته التي ستنعم في جنته. إلا أن القرآن الكريم يضع أمامه الاحتمال الأسوأ الذي لا تتمناه الأنفس، ولا تطيق مشاهدته الأعين، حينما يباغت القرآن الكريم البخيل بقوله: (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ)(البقرة، الآية: 266).
تنتظر الإنسان مصائب اجتماعية صغرى، كمصيبة الشيخوخة تصيب نعمة الصحة بالعجز وقرب أجل الموت، ومصيبة تعصف بغناه، ستنتقل آثاره إلى المجتمع، الذي ساهم شحه في إضعافه. فالقوة البدنية والمالية لا تدوم، وأن الموت سيهزم لذاته، ويجعل بعد قوته ضعفا وشيبة ومماتا… تُنبه الإنسان إلى سنن قصر مساره البيولوجي.
قصد المزيد من بناء منطق الحكمة الجماعية، ختم المولى تبارك وتعالى هذه الموعظة بقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة، الآية: 266). بهذا التصوير الفني العالي التشويق، تكون الآيات قد بُينت، والحجة قد أُقيمت على العباد… وتقديرا لهم تركت لهم حرية الاختيار
بعد هذا التمثيل، تكون العقول قد مكنت من العلامات والمؤشرات الدالة على خريطة التفكر السليم. وفي عبارة “لعلكم” نوع من الإنكار على الذين لن يفكروا في ضرورة الإنفاق لنقل مشاهد الشطر الأول الدنيوي الايجابي من التشبيه إلى الآخرة، وتفضيل ملاقاة الشطر الثاني المقزز.
في إطار التنبيه إلى مخاطر البخل على المجتمع، جاء فيما رواه جابر رضي اللَّه عنه أَنَّ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: « اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلمَاتٌ يوْمَ القِيامَة، واتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ منْ كانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُم على أَن سَفَكُوا دِمَاءَهم واستحَلُّوا مَحَارِمَهُم » رواه مسلم. وفيه أن في الشح مصائب ومهلكات اجتماعية كبرى، تنضاف إلى الصغرى، تلحق أمما، يحملها البخل على الاقتتال، وتهوين جريرة انتهاك الحرمات.
سَيُراكِم البخيل الثروة في الدنيا، ويحرم الفرد من الاستفادة منها بالامتناع عن الإنفاق على النفس، وتجاهل حاجاتها العقلية والجسمية والنفسية، ويحرمها من المأكل الطيب والملبس الأنيق والمسكن الفسيح والمركب المريح… والبخل على النفس يمتد إلى الغير؛ فلا ينتفع الفقراء أفرادا، ولا يستفيد الملهوفون أفواجا.
والبخيل في النفقة يمكن أن يكون حرمانه ناتجا عن تهور وتبذير المال، فيقعد ملوما محصورا. وهو مبتغى الشيطان، يدمر الفرد ويخرب حياته. فربما يصلح حاله، أو ينتقل ماله إلى ورثة أتقياء أو دولة صالحة، تستثمره في خيرات وصدقات جارية، تعود على التائب من البخل بالنفع العميم… لذا يجتهد الشيطان في التعجيل بإفساد ماله كلا بالمعاملات الربوية، والمغامرات غير المسنودة بالحكمة.
الآلية التاسعة: إنكار الربا الماحق للمال
يأمر الشيطان أتباعه بالبخل في نفقات الخير كآلية أولى في صد أوليائه عن الصراط المستقيم، وحينما تصير نفس الإنسان بخيلة، تحب المال حبا جما، وتتمكن منها أمراض فوبيا جمعه، ينتقل الشيطان إلى آلية ثانية، يزين خلالها للمكتنزين الفحشاء في شكل النفقات غير المشروعة، ويحبب إليهم أنشطة الكسب الربوي كالقمار والميسر والأزلام، ومخاطرات ويناصيب وتمويل مشاريع الفجور… تمحق ثروة الفرد وتبقيه قاعا صفصفا. فاليد المغلولة ليس لها إلا أن تبسط كل البسط.
في إطار التوجيهات الربانية لتدبير أموال المؤمنين والمؤمنات، يختم الباري توبيخ المنفقين والمنفقات السلبيين بالحسم في مستقبل رباهم؛ أي تبذيرهم أموالهم في الوجوه غير الشرعية المعروفة والمعلومةُ بعض أصنافها، والتي لا تجلب عائدا لا في الدنيا الفانية، ولا تربي حسنة للآخرة الأبدية.
يألم الإنسان بالإفلاس، لذا قبح المحصي ربا الناس، وقدم للمرابين حقيقة مستقبل رباهم الذي يصيبه الإعصار المحرق، فيذهب بالأصل، ويمحق الفروع كما جاء في قول العزيز الجبار: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا) (البقرة، الآية: 276). أي يسحقه ويمحي أثره، ويذهب بركته، وينسف رجاء تناميه، ويخرج المرابين من رحمة الله، يعذبون دنيا وآخرة .
لذلك، فإن التمويلات عن طريق القروض الربوية إنما هي إتلاف للمال؛ فعَن ابنِ مَسْعودٍ رضي اللَّه عَنْهُ قَالَ: «لَعَنَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم آكِلَ الرِّباَ وموكِلهُ» رواه مسلم. وعلى غرار كبيرة الخمر زاد الترمذي وغيره: « وَشَاهديه، وَكَاتبَهُ» وربما انضاف ـ اليوم إلى الأصناف الملعونة ـ فاعلون جدد؛ كالمرخص به وحارسه ومنظمه والمستشهر له…
إن هذه الآية الكريمة تضع الحد لكل مزاعم غير المنفقين الذين تناولت الآليات الست الأخيرة الحديث عنهم. ووضحت حقيقة سلوكات البشر اتجاه الإنفاق عامة، وبذل المال خاصة. وبينت أن الانصراف عن الإنفاق إنما استجابة لوساوس الشيطان، تنتهي به إلى اكتناز لن يسلم، وكأنه يعدهم بالاكتناز لمرحلة أكثر خبثا؛ يجتهد إبليس في دفع المكدسين إلى الإدمان على المصارف غير الشرعية المذهبة للرزق.
في ختام هذه الجولة يَطوِ الذكر الحكيم دفة الحديث عن الإنفاق بتذكير المؤمنين والمؤمنات ذوي الثروات بالحل الأنسب لاستعمال أملاكهم لما في ذلك من السعادة. فبعد الاستفاضة في وصف مصير الربا، ساق الجواد الخيار الأفضل للبشرية؛ ففي قوله تعالى: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة، الآية: 276) يضع المنعم بين يدي محبي الزيادة والنماء المالي بشرى ما يتبع الصدقات من التضاعف والزيادة المطمئنة للنفوس في الدنيا والآخرة.
استنتاج
يجد القارئ المتدبر ـ للآيات الكريمات الثلاثين لخواتم سورة البقرة ـ نفسه أمام خطاب قرآني جامع لما يتعلق بالإنفاق؛ فالشطر الأول من الأوامر فرصة لشد الانتباه إلى رصيد الفرد من الانخراط في صف المنفقين، ومراقبة مدى تجاوبه مع آيات الآليات الثلاث الآمرة.
أما الشطر الثاني من التدبر، فيصرف النظر إلى حكم صحة النفقة؛ إذ تدعو آيات الإشادة إلى ثلاث آليات من شأنها تحصين الصدقات مما قد يمحق أجرها ويذهب ثوابها. وفي الاستفادة من تطبيقات ما تدعو إليه آيات الإشادة بتدبير النفقات
يختم المتأمل والمتأملة خواتم السورة التي تحمل اسم بقرة لا فارض ولا بكر، صفراء فاقع لونها، ليست بذلول، بعد تلكؤ وتباطؤ، وتمادى في التشديد من شروطها، تقرب بها عباد من عباد الله. يختمها القارئ بآليات، تنبه العباد إلى مصير أتباع الشيطان في نداء البخل والانحراف تبذيرا لأموالهم بالربا؛ ليتعظ العقلاء من ذوي الأموال في المجتمع المسلم.
لقيمتها العظيمة في الدارين، يندب المسلم إلى وضع الإنفاق الاجتماعي “الكبير” أولا والتصدق الاجتماعي “الصغير” ثانيا نصب عينيه، يوليهما ما يستحقان من العناية وهو يقرأ ويتدبر القرآن الكريم، ويتأمل السنة والسيرة النبوية، ونتذكر تشريف الله تعالى لنا وهو يخاطبنا في أول ما نقرأ (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة، الآية: 1ـ 2).
ولنجعل جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات قوله تعالى: (ومَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة، الآية: 272) شعارنا الدنيوي، نتذكره، ونفعله كلما التمسنا في أنفسنا خيرا معنويا أو رزقا ماديا، لا نبخل بالإنفاق والتصدق منه. ولنتأطر بمبدأي الإنفاق القليل (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ)(البقرة، الآية: 1ـ 2)، طلبا للأجر المضاعف(يُوَفَّ إِلَيْكُمْ )(البقرة، الآية: 272).
ستحيي محاولات تدبر أواخر سورة البقرة في النفوس قيمة الجهات الموثوقة في تنظيم عملية الإنفاق. ولإعادة تفعيل آيات الإنفاق، يتعين تولى الهيئات الاجتماعية ذات المرجعية الإسلامية إحياء المبادرات، وتتصدر تجميع طاقات المحسنين، واستعادة تنشيطهم، وتبسط أمامهم هذه المفاتيح التسعة ليعرضوا عليها حالهم مع الإنفاق، وحماية حماسهم من سلوكات تنظيمات وجمعيات مشبوهة، اتخذت العمل المدني الاجتماعي وسيلة للتسول والمتاجرة والاغتناء.
لذا لن تقوم لعملية الإنفاق قائمة اجتماعية كبرى ما لم يتعد النظرة الضيقة للإنفاق الصغير الفردي العشوائي، وينتقل إلى الإنفاق الكبير الجماعي العقلاني، وما لم يسند بالنفس الإسلامي الدعوي الرباني، يصل العائد الدنيوي بالأخروي.
انتهى
والله تعالى أجل وأعلم، والحمد لله رب العالمين
المراجع والمصادر:
- القرآن الكريم
- تدبر، الهيئة العلمية لتدبر القرآن الكريم. (2012)، ثلاثون مجلسا في التدبر، دار الحضارة للنشر والتوزيع، الدوحة، قطر، الطبعة الأولى
- محمد، بن احمد القرطبي، تفسير القرطبي، تحقيق احمد البردوني، دار الشعب، مصر، 1372 هـ، الطبعة الثانية، المجلد الأول
- سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق،بيروت، 1980، الطبعة التاسعة، المجلد الأول.
- جمع، فاتن الفلكي (2007)، تفسير القرآن للشباب، مكتبة الصفا، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية
- رقية، طه جابر العلواني . (2008) ، تدبر القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه، طوب بريس، الرباط، المغرب، الطبعة الثالثة
- سيد، دسوقي. (1998)، تأملات في التفسير الحضاري للقرآن الكريم، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، بدون طبعة.
- عبد الرحمن، ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون طبعة ولا تاريخ
- عفيف، عبد الفتاح طبارة. (2006)، مع الأنبياء في القرآن الكريم (قصص الأنبياء ودروس وعبر)، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة
- محمد، أديب الصالح. (2007)، القصص القرآني وعطاء الشباب، العبيكان للأبحاث والتطوير، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى
- محمد، جسوس. (2000)، الشباب وتحولات المجتمع المغربي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية المحمدية، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، المغرب، بدون طبعة.
- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم
- النووي، يحيى بن شرف. (1989)، رياض الصالحين، دار الفكر، بيروت لبنان، بدون طبعةhttp://www.4muhammed.com/Riyad-us-Saliheen/
مواقع الانترنيت